← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

القول الثاني: إن المعدوم ليس مأموراً مباشرة، وإنما يتناوله تبعا. القول الثالث: إن الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إلزام، وهو الحق عندي؛ لأن أوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير إلزام، وليست مجرد تابعة. المذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدومين، ولا يتناولهم، وإنما يختص بالموجودين فقط. وهو مذهب بعض الحنفية كالجصاص، وأكثر المعتزلة. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن المعدوم لا يُعتبر شيئاً، فأمره هذيان وعبث لا فائدة فيه. جوابه: إن المعدوم يتعلق به الأمر بشرط: أن يكون في العلم أنه يوجد، وهذا غير محال. وأيضا فإن من عادة الناس أن يوصلوا إلى من يحدث من أولادهم بالنظر إلى وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان هؤلاء الأولاد في حال الوصاية معدومين، فهذا لا يمكن أن يكون هذيانا وعبثا. فالأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني كما تعلقت الوصية بمن يحدث في الثاني. الدليل الثاني: قياس الأمر مع المأمور على القدرة مع المقدور، بيانه:

стр. 1332

أنه إذا كانت القدرة لا يمكن أن تكون مع عدم المقدور، فكذلك الأمر لا يمكن أن يكون مع عدم المأمور. جوابه: إن هذا القياس فاسد؛ لأنا لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه؛ حيث إن اللَّه سبحانه يوصف بأنه قادر قبل وجود المقدور، واذا بطل الأصل فإنه يبطل الفرع المقاس عليه، فيبطل دليلكم. الدليل الثالث: أن المعدوم يستحيل خطابه، وهو: توجيه الكلام إليه بحيث يفهم ذلك الكلام ويسمعه، فإذا استحالت مخاطبته: استحال أن يكلف بامتثال الأمر وفعله. جوابه: إنا لما قلنا: إن الأمر يتعلق بالمعدوم: لم نقل ذلك مطلقا، بل بشرطين هما: " أن يوجد "، و " أن يكون قد استكمل شروط التكليف " فخطابه بإيجاد الفعل حال عدمه مستحيل، أما توجيه ْالأمر إليه بشرط الوجود فلا يكون مستحيلاً؛ لأنه يفعل في حال وجوده ما أمر به سابقا، وعلى هذا يصح أن يكون مأموراً. يدل على ذلك: أن الولد يصير مكلفا بوصية والده الذي لم يراه، وملزما بها حتى إنه يوصف بالطاعة بالامتثال، ويوصف بالعصيان بالمخالفة. الدليل الرابع: قياساً المعدوم على الصبي والمجنون، بيانه: أنه اتفق على عدم تعلق الأمر بالصبي والمجنون مع وجودهما، فمن باب أوْلى: أن لا يتعلق الأمر بالمعدوم، والجامع: عدم فهم الخطاب، وعدم معرفة الأمر والمأمور به، وأنه لا يقع منهم فعل صحيح.

стр. 1333

جوابه: أنا قلنا: إنه يصح أن يؤمر المعدوم بشرط أن يزول العدم، مثل: الصبي والمجنون، فإنهما مأموران بشرط البلوغ والعقل. اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضاً -: هذا الجواب مخالف للنص وهو قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... "، فكيف تزعم أن الصبي والمجنون مأموران مع أنهما قد رفع القلم عنهما بالنص؟! جوابه: إنه ليس المراد برفع القلم - في هذا الحديث - هو أنه لا يتوجه إلى الصبي والمجنون أي أمر، بل المراد برفع القلم - هنا - هو: رفع المأثم، ورفع الإيجاب المضيق. أي: أن الصبي والمجنون - في حال الصبا والجنون - لا يأثمان إذا تركا ذلك الأمر، وأن هذا الأمر المتوجه إليهما لا يراد منه التضييق عليهما بالتنفيذ فوراً، وإنما يوجه الأمر الآن، وامتثاله يكون بعد البلوغ والإفاقة. يدل على ذلك: أنه قرن معهما النائم، فالنائم يتوجه إليه الأمر حال نومه، ولكن الامتثال يكون بعد استيقاظه، فكذلك الصبي والجنون مثله. بيان نوع الخلاف: قد يبدو أن الخلاف لفظي لاتفاق أصحاب المذهبين على أن المعدوم مكلَّف إذا وجد وهو مستكمل لشروط التكليف.

стр. 1334

ولكن الحق أن الخلاف معنوي؛ لأمرين: أولهما: أن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأمر للمعدومين ثبت عن طريق النص واللفظ. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا أن الأمر للمعدومين ثبت عن طريق القياس. وفرَّق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس من وجهين ذكرناهما فيما سبق. ثانيهما: أن السيد لو خاطب عبيده قائلاً: " ليقف كل واحد منكم ساعة "، ثم اشترى عبداً جديداً فهل يدخل في ذلك؟ أصحاب المذهب الأول يقولون: نعم يدخل معهم بالنص. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: إنه لا يدخل معهم إلا بدليل.

стр. 1335

المطلب التاسع عشر هل يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من فعله ؟ مثل: إذا أمر اللَّه تعالى عبده بالحج هذا العام، وهو يعلم أن هذا المأمور يموت في شوال - أي قبل الحج - فهل يجوز ذلك؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من فعل المأمور به. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الأمَّة مجمعة على أن الصبي إذا بلغ فإنه يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأموراً بشرائع الإسلام منهياً عن الزنا والسرقة والقتل في الحال، فإذا عزم على فعل المأمور بها، وعزم على ترك المنهي عنها: يكون مثابا على ذلك متقربا إلى اللَّه بذلك، وإن لم يحضره وقت صلاة أو زكاة، ولا حضر من يمكن قتله، أو الزنا بها، أو مال تمكن سرقته، ولكن يعلم نفسه أنه مأمور ومنهي بشرط التمكن؛ لأنه جاهل بعواتب أمره، وعلمه بأن اللَّه - تعالى - عالم بعاقبة أمره، وأنه لا يتمكن من فعل المأمور به لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد. المذهب الثاني: لا يجوز الأمر من الله - تعالى - بما يعلم أن المكفَف لا يتمكن من فعل المأمور به. وهو مذهب المعتزلة.

стр. 1336

دليل هذا المذهب: أن الأمر إذا قيد بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا بما يوجد بعده، وهذا ممتنع، أي: يمتنع تعليق الأمر بشرط مستقبل؛ لأن الشرط لا بد أن يكون حاصلاً مع المشروط، أو قبله. جوابه: إن هذا ليس شرطاً لوجود ذات الأمر، وقيامه بذات الأمر، بل الأمر موجود قائم بذات الأمر سواء وجد الشرط، أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من شرط كونه موجوداً. ولهذا قلنا: إن الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن لم يبلغه بشرط بلوغه، فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الأمر، بل البلوغ شرط لزوم التنفيذ. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - لو قال: " إن شرعت في الصوم فزوجتي طالق "، ثم شرع ومات في أثناء صوم أول يوم، فإنه بناء على المذهب الأول يلزمه الطلاق؛ لأن هذا صوم في الحال، وتمام ذلك مقيد بالشرط. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمه الطلاق؛ لأن بعض الصوم ليس بصوم، والفاسد لا يحسب شيئاً. ٢ - لو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء يوم من رمضان فإنه يلؤمها الصوم، ويجب عليها الشروع في ذلك اليوم الذي علم

стр. 1337

الله أنها تحيض فيه؛ لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، والأمر لا زال قائماً، هذا على المذهب الأول. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمها أن تصوم ذلك اليوم؛ لأن بعض اليوم غير مأمور بصيامه. فوائد جواز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن - المكلف لا يتمكن من فعل المأمور به: قد يقول قائل: أنتم قلتم: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من فعل المأمور به، فما فائدة ذلك؟ أقول - في الجواب عن ذلك -: إن في ذلك فوائد، ومنها: ١ - أن فيه استصلاحا لحاله يدعوه إلى فعل الطاعات، ويزجره عن فعل المعاصي. ٢ - أن فيه إصلاحا لغير المأمور بحثٍّ أو زجر. ٣ - أن في هذا امتحانا وابتلاء للمأمور ليشتغل بالاستعداد فيثاب على العزم على امتثال الأمر، ويعاقب على العزم على الترك. وهذه الفوائد هي نفس فوائد مسألة: " جواز النسخ قبل التمكن من الفعل " التي سبقت في باب النسخ؛ لأن هذه المسألة فرع عن تلك، فكما قلنا: ْ يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل، فكذلك يقال: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من فعله.

стр. 1338

المبحث الثاني في النهي ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في تعريف النهي. المطلب الثاني: هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة؟ المطلب الثالث: في ما تستعمل فيه صيغة " لا تفعل ". المطلب الرابع: فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: " لا تفعل " حقيقة إذا تجردت عن القرائن. المطلب الخامس: إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي؟ المطلب السادس: هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟ المطلب السابع: أحوال المنهي عنه. المطلب الثامن: هل النهي عن الشيء أمر بضده؟ المطلب التاسع: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا؟

стр. 1339

المطلب الأول في تعريف النهي أولاً: النهي لغة: المنع، ومنه سميت العقول نهى كقوله تعالى: (لِأُولِي النُّهَى) ، وذلك لأن العقل ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب. ثانيا: النهي في الاصطلاح هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. شرح التعريف: تولنا: " استدعاء " المراد به: الطلب، والطلب جنس يشمل: لا طلب الفعل وهو الأمر "، و " طلب الترك وهو النهي ". وقولنا: " ترك الفعل " أخرج الأمر؛ لأنه استدعاء الفعل كما سبق. وقولنا: " بالقول " أخرج الترك بالفعل كأن يُقيِّد عبده، ويمنعه عما يريد، والمقصود بهذا القول: " صيغة النهي وهي: لا تفعل " وليس المقصود أي شيء يدل على الكف مثل: " كف "، و " ذر "، و" دع "، و " اترك "، فإن هذه الألفاظ وإن كان مدلولها الترك إلا أنها ليست نواهي؛ لأن الترك قد دلَّ عليه بلفظ " الكف " ونحوه، والنهي لا بد فيه من أن يدل على الترك لفظ غير الكف مثل: " لا لفعل ". وقولنا: " على جهة الاستعلاء " أخرج صيغة النهي إذا صدرت

стр. 1340

من المساوي مثل قول المساوي للمساوي: " لا تضرب فلانا "، ويسمى شفاعة والتماساً. وهذا اللفظ أخرج - أيضاً - صيغة النهي إذا صدرت من الأدنى مثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا) ويسمى دعاء. وقلنا: ينبغي أن تكون صيغة النهي واردة على جهة الاستعلاء؛ لأن الأقل رتبة لو قال لمن هو أعلى رتبة: " لا تفعل " على وجه الاستعلاء يقال له: إنه " نهاه "، ولذلك يوصف بالجهل والحمق بسبب نهيه لمن هو أعلى منه رتبة.

стр. 1341

المطلب الثاني هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن النهي له صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها عليه، وهي: " لا تفعل ". وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: إجماع أهل اللغة على أن للنهي صيغة وهي: " لا تفعل "، بيانه: أن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل هذه الدار "، فإنه يعقل منه كفه عن الدخول، وإذا دخلها فإنه يستحق العقوبة، ولو رآه العقلاء من أهل اللغة وهو يعاقبه، وسألوه عن سبب معاقبته وقال: إني أعاقبه؛ لأنه عصاني: فقد نهيته عن دخول الدار بقولي: " لا تدخل هذه الدار " فدخلها: لوافقوه على أن العبد قد استحق تلك العقوبة، دون منكر لذلك، فكان هذا إجماعا منهم على أن ذلك اللفظ وضمع للنهي. الدليل الثاني: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى: " أمر "، و"نهي "، و " خبر "، و " استخبار "، وجعلوا للأمر: " افعل "، وجعلوا للنهي: " لا تفعل "، وللخبر: " قد فعلت "، وللاستخبار " هل فعلت؟ ". المذهب الثاني: أنه لا صيغة للنهي في اللغة، وإنما صيغة "

стр. 1342

" لا تفعل " مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا بقرينة. وهو مذهب أكثر الأشاعرة؛ بناء على مذهبهم الفاسد: " إن الكلام معنى قائم في النفس " كما قالوا في الأمر. دليل هذا المذهب: أن هذه الصيغة ترد والمراد بها الكف عن الفعل، وترد والمراد بها الدعاء كقوله: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ، وترد والمراد بها الإرشاد كقوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) وترد والمراد بها غير ذلك، وليس أحد هذه المعاني بأوْلى من الأخرى ولا يجوز ترجيح أحدها بلا مرجح، فوجب التوقف فيها حتى يرد دليل يبين المراد كاللفظ المشترك. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة: " لا تفعل "، وهي مجردة عن القرائن فلا يفهم منها إلا الكف عن الفعل، ولا نحمله على غيره من المعاني إلا بقرينة من شاهد الحال وغيره، فهي تكون حقيقة في الاستدعاء وطلب الترك مجازاً في غيره، كلفظ " الأسد " المطلق فهو حقيقة في الحيوان المفترس، ولا يحمل على الرجل الشجاع إلا بقرينة. الجواب الثاني: إنكم قستم صيغة: " لا تفعل " على اللفظ المشترك وهذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن اللفظ المشترك كالعين لا يفهم منه معنى معين، أما صيغة: " لا تفعل " فإنه يفهم منها معنى معين وهو: طلب الترك.

стр. 1343

بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ فأصحاب المذهب الأول يجعلون صيغة: " لا تفعل " من باب الظاهر؛ حيث إن لها معنيان: " معنى راجح وهو طلب الترك "، و " معنى مرجوح وهو عدم إفادتها لذلك "، فرجحوا إفادتها لطلب الترك وعملوا على ذلك بدون قرينة. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم جعلوا صيغة: " لا تفعل " من باب المجمل، وهو الذي لا معنى له راجح، ويترتب على ذلك: عدم العمل بصيغة: " افعل " إلا بقرينة.

стр. 1344

المطلب الثالث في ما تستعمل فيه صيغة " لا تفعل " صيغة النهي وهي: " لا تفعل " تستعمل لمعان كثيرة هي كما يلي: الأول: التحريم كقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) . الثاني: الكراهة كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) . الثالث: الإرشاد كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) . الرابع: الدعاء كقول تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) . الخامس: التقليل والاحتقار كقوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) ، فهو قليل وحقير، بخلاف ما عند اللَّه. السادس: بيان العاقبة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) : أن عاقبة الجهاد: هي الحياة الأخروية السعيدة. السابع: التسكين والتصبر كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) . الثامن: الشفقة كقوله ﷺ : " لا تتخذوا الدواب كراسي ". التاسع: اليأس كقوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) . العاشر: الالتماس كقوله لمن هو في مرتبتك: " لا تضرب فلانا ". الحادي عشر: التهديد كقول السيد لعبده: " لا تفعل اليوم شيئاً ".

стр. 1345

المطلب الرابع فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: " لا تفعل " حقيقة إذا تجردت عن القرائن اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن صيغة النهي - وهي: " لا تفعل " - تقتضي التحريم حقيقة، ولا يحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ والتابعين؛ حيث إنهم كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي - وهي: "لا تفعل " - فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، والقتل محرم ل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) ، والربا حرام لقوله تعالى: (ولا تأكلوا الربا) ، ونحو ذلك، فهم كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك الصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم، وانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح على أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره كان ذلك مجازاً. الدليل الثاني: إجماع أهل اللغة واللسان، بيان ذلك: أن السيد إذا قال لعبده: " لا تخرج من الدار " فخرج، ثم عاقبه على خروجه، فإن العقلاء من أهل اللغة لا ينكرون على السيد

стр. 1346

معاقبة عبده، فلو لم تكن صيغة " لا تفعل " تقتضي التحريم لما استحق العقوبة بمخالفتها. المذهب الثاني: أن صيغة النهي - وهي: " لا تفعل " تقتضي الكراهة التنزيهية، ولا يحمل على التحريم ولا على غيره إلا بقرينة. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن صيغة النهي وهي: " لا تفعل " ترد والمراد بها التحريم، وترد والمراد بها الكراهة التنزيهية، والتحريم: طلب الترك والمنع من الفعل، والكراهة: طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، فاشتركا في شيء واحد وهو: طلبط الترك، فنحمله عليه؛ لأنه هو المتيقن، أما المنع من الفعل - وهو التحريم "، فهو شيء زائد يحتاج إلى دليل. جوابه: هذا الدليل يفيد أنكم تطالبوننا بإثبات دليل على أنه يقتضي التحريم - وهو المنع من الفعل - والمطالبة بالدليل ليس بدليل. وإن سلمنا أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد بينا أن مقتضى صيغة النهي التحريم بدليلين قد سبق ذكرهما، ولهذا كان المخالف لهذه الصيغة يستحق العقوبة، فلو كان النهي للتنزيه لما استحق مخالفها للعقوبة. المذهب الثالث: التوقف حتى يرد دليل يبين المراد من تلك الصيغة. وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن كون صيغة: " لا تفعل " موضوعة للتحريم، أو الكراهة

стр. 1347

التنزيهية إنما يعلم بدليل، ولم يثبت دليل من العقل، ولا من النقل على أحدهما، فيجب التوقف. جوابه: إن كان توقفكم جاء بسبب عدم ثبوت دليل على أن المراد بها التحريم أو الكراهة، فهو باطل؛ لأنا قد أثبتنا أدلة من إجماع الصحابة، وإجماع أهل اللغة على أن صيغة " لا تفعل " للتحريم حقيقة. وإن كان توقفكم جاء بسبب تعارض أدلة المثبتين للتحريم، وأدلة المثبتين للكراهة، وأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن الدليل المثبت للتحريم أرجح من الدليل المثبت للكراهة، فيجب العمل به، والقول بالتحريم؛ لأن العمل بالراجح واجب، فيكون التوقف فيه مخالفة لهذا الدليل، وهذا لا يجوز. وإن كان توقفكم جاء بسبب: أن الصيغة لا تفيد شيئاً، فهذا باطل - أيضا - لأنه يلزم منه تسفيه واضع اللغة، وإخلاء الوضع عن الفائدة بمجرده. المذهب الرابع: أن صيغة " لا تفعل " لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، فهي موضوعة لكل منهما بوضع مستقل، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن صيغة " لا تفعل " قد استعملت في التحريم، والكراهة، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فكان اللفظ حقيقة في كل منهما. جوابه: إن الاشتراك اللفظي ينقدح إذا كان اللفظ - وهو: " لا تفعل "

стр. 1348

متردداً بين التحريم والكراهة على السواء، ولا يتبادر منه واحد منهما بخصوصه عند الإطلاق، وهذا لم يحصل؛ لأن اللفظ عند إطلاقه يتبادر منه التحريم، فيكون حقيقة فيه؛ لأن الحقيقة هي التي تتبادر في الذهن وتسبق إليه. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي وهو ظاهر. فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن الوعيد على فعل المنهي عنه مستفاد من نفس صيغة " لا تفعل "، فيعاقب على فعل المنهي عنه بدون قرائن. أما أصحاب المذهب الثاني، والثالث، والرابع، فإنهم يقولون: إن الوعيد على فعل المنهي عنه لا يستفاد من نفس الصيغة وهي: " لا تفعل "، وإنما هو مستفاد من قرائن احتفت بالصيغة، فلا يجوز للناهي أن يعاقب المنهي على فعل الشيء المنهي عنه إلا بدليل وقرينة. فمثلاً قوله ﷺ : "ولا يبع بعضكم على بيع بعض "، فإن النهي هنا للتحريم ابتداء عند أصحاب المذهب الأول، ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة. ويكون النهي للكراهة ابتداء عند أصحاب المذهب الثاني، ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة. وكان عند بقية المذاهب مجملاً لا يحمل على التحريم ولا على الكراهة إلا بقرينة. وكذلك قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا) تقول فيه كما سبق، وقل ذلك في كل نهي ورد مطلقا.

стр. 1349

المطلب الخامس إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي ؟ لقد سبق في مبحث الأمر أن قلنا: إن الأمر إذا ورد بعد النهي فقد اختلف فيه هل يقتضي الإباحة أو يقتضي الوجوب. ولكن هنا عكس المسألة السابقة، والكلام عنها يحتاج إلى تفصيل هوكما يلي: القائلون بأن صيغة الأمر بعد النهي للوجوب اتفقوا على أن النهي بعد الأمر للتحريم؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما سبق بيانه، فوروده بعد الأمر لا يمنعه من إفادته للتحريم، فيجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض، فتكون صيغة النهي الواردة بعد الأمر للتحريم كما لو وردت ابتداء. أما القائلون: إن صيغة الأمر الواردة بعد النهي للإباحة، فهم الذين اختلفوا في هذه المسألة وهي: " ماذا تقتضى صيغة النهى بعد الأمر؛ " على مذهبين: المذهب الأول: أن صيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم. وهذا هو الحق، وهذا خلاف ما قلناه سابقاً في مسألة: " الأمر الوارد بعد النهي "، فقد قلنا هناك: إن الأمر الوارد بعد النهي يقتضي الإباحة، وهنا قلنا: إن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي التحريم، وذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه: الوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر

стр. 1350

على الوجوب، ولا يلزم من العمل بما هو أقوى العمل بما هو أضعف، ولذلك يقول ﵇: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ". الوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل. الوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته من جلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه عمل بهذا الأصل. المذهب الثاني: أن - صيغة النهي الواردة بعذ الأمر تقتضي الإباحة - مثل: صيغة الأمر الواردة بعد النهي؛ حيث قلنا: إنها تقتضي الإباحة. دليل هذا المذهب: أن تقدم الأمر على النهي يعتبر قرينة على أن الفعل مأذون فيه، وليس ممنوعاً، وبذلك تكون صيغة النهي ليس مراداً منها - حقيقتها، بل تكون مجازاً في الإباحة لهذه القرينة. جوابه: إن هذا الدليل يفهم منه قياس " النهي الوارد بعد الأمر " على "الأمر الوارد بعد النهي "، وهذا لا يصح؛ لأن النهي الوارد بعد الأمر يختلف عن الأمر الوارد بعد النهي، فلو قال السيد لعبده: "لا تدخل هذه الدار "، ثم قال له: " ادخلها " هذا يعتبر إذنا بالدخول بعد أن حرم عليه الدخول. بخلاف ما لو قال له: " ادخل هذه الدار "، ثم قال له: " لا تدخلها "، فإنه يعتبر تحريما بعد وجوب.

стр. 1351

ثم إن الذي يُبين الفرق ما ذكرنا فيما سبق من الوجوه. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي كما هو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: - "ادخل هذه الدار " ثم قال له: " لا تدخلها "، فإن دخلها بعد ذلك فهل يستحق العقوبة؛ بناء على المذهب الأول: يستحق العقوبة بدون قرينة. وبناء على المذهب الثاني: لا يستحق العقوبة إلا بقرينة تستوحب ذلك.

стр. 1352

المطلب السادس هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور ويقتضي التكرار، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقا جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهي مفيداً للتكرار كما هو مفيد للفور. الدليل الثاني: أن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه. على الفور، وفي كل وقت. الدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل الدار "، فإن ذلك يقتضي: أن لا يدخل الدار على الفور وعلى التكرار والمداومة، وإن دخلها في أي وقت من الأوقات فإفه يستحق الذم والعقوبة، ولو لم يكن مقتضيا لذلك لما استحق مخالفه الذم والعقوبة. المذهب الثاني: أن النهي لا يقتضي الفور، ولا يقتضي التكرار. وهو مذهب بعض العلماء.

стр. 1353

دليل هذا المذهب: قياس النهي على الأمر، فكما أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار، فكذلك النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار، والجامع: أن كلاً منهما استدعاء وطلب. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه؛ لأن الأمر يقتضي الفور، وهذا ثبت بأدلة قد سبق بيانها. الجواب الثاني: سلمنا أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار، لكن قياس النهي عليه لا يصح؛ لأنه قياس فاسد؛ حيث إنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، ومن جملتها الزمن التالي لصدور صيغة النهي. أما الأمر فهو طلب الفعل، والفعل يتحقق ولو في مرة واحدة، فليس في الأمر ما يقتضي التكرار، فصح أن يقال: إنه لا يفيد التكرار، وحيث كان لا يفيد التكرار فهو لا يفيد الفور. بيان نوع الخلاف: الخلاف - هنا - لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى، وإن اخلفوا في اللفظ والاصطلاح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقول: إن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه بعد صدور صيغة الأمر بفترة ولا يمكن لأحد أن يقول: يجب الانتهاء عن المنهي عنه مرة واحدة، ثم يعود لفعله، هذا لا يقوله أحد.

стр. 1354

قد يقول قائل: ما دام الأمر كذلك إذن ما سبب قول أصحاب المذهب الثاني: إن النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار؟ أقول - في الجواب عن ذلك -: إن سبب قولهم ذلك: أنهم لما استقرؤا النصوص وجدوا: أن النهي يرد مرة للدوام والتكرار كقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، ومرة يرد لخلافه كقول الطبيب: " لا تشرب اللبن ولا تأكل السمك ". أما أصحاب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن النهي يدل على التكرار والدوام والعموم والفور مدة القيد في مثل قول الطبيب: "لا تشرب اللبن ولا تأكل السمك ". وبناء على ذلك: يكون النهي للدوام مدة العمر في المطلق ومدة القيد في المقيد، فهم نجعلوا النهي يقتضي التكرار ويريدون من ذلك مطلق الدوام الأعم من الدوام مدة العمر، ومن مدة القيد. فأصحاب المذهب الثاني نظروا إلى الإطلاق من جهة، ونظروا إلى التقييد من جهة أخرى، وغايروا بين النظرين، وهما واحد عند أصحاب المذهب الأول، فلا خلاف في المعنى، فيكون الخلاف لفظيا.

стр. 1355

المطلب السابع أحوال المنهي عنه المنهي عنه له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون المنهي عنه فعلاً واحداً مثل: " لا تدخل هذه الدار "، فإن النهي هنا يقتضي ترك ذلك الواحد بعينه. الحالة الثانية: أن يكون المنهي عنه متعدد، وهذه الحالة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون كل فعل بخصوصه لا يجوز الإقدام عليه، وجاء بلفظ العطف " الواو " مثل: " لا تقرب الزنا، ولا تأكل الربا "، فإن النهي يقتضي عدم فعلها جميعها، كما لا يجوز فعلها منفردة. الصورة الثانية: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفرداً، وجاء بلفظ العطف " الواو " مثل: " لا تتزوج هنداً ولا أختها "، فإن النهي هنا يقتضي عدم فعلها مجتمعة، ولا يدل على ترك كل واحد منها على انفراده؛ لأن الدليل قائم على جواز التزوج بكل واحدة منها استقلالا. الصورة الثالثة: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفرداً، وجاء بلفظ " أو " مثل: " لا تدخل هذه الدار أو هذه الدار "، فإن النهي يقتضي المنع من دخول أحدهما لا بعينه؛ لأن لفظ " أو " للتخيير. وخالف في الصورة الثالثة المعتزلة، وقد ذكرت مذهبهم في كتابي " إتحاف ذوي البصائر " فارجع إليه إن شئت.

стр. 1356

المطلب الثامن هل النهي عن الشيء أمر بضده ؟ لقد سبق - في باب الحرام -: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى على أصح الأقوال. وهذه المسألة عكس تلك المسألة، وهي: النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فإذا قال: " لا تقم " فهو أمر بالقعود. وهذا هو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به. المذهب الثاني: أن النهي لا يكون أمراً بضده، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد، وهو لبعض الحنفية كالجرجاني، وبعض المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لا يمكن أن يكون لفظ واحد أمراً ونهيا. جوابه: نحن لم نقل: إن لفظ " لا تفعل " هي عين: " افعل "، بل إنا

стр. 1357

نقول: إن النهي عن الشىء أمر بضده من جهة المعنى، كما قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى، فهو مثل قولنا: "زيد موجود في مكة"، ومعناه: " أنه ليس موجوداً في المدينة " وهكذا. الدليل الثاني: أن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور بترك قتل نفسه؛ لأنه لا يثاب على ترك قتل نفسه، ولو كان مأموراً به لأثيب عليه. جوابه: لا نسلم ذلك، بل هو مأمور بترك قتل نفسه، ويثاب على ذلك كما يعاقب على قتل نفسه. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن الرجل إذا قال لزوجته: " إن خالفت أمري فأنت طالق "، ثم قال لها: " لا تقومي " فقامت، فإنه يلزم على المذهب الأول: أنها تطلق؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، ويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق؛ لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده.

стр. 1358

المطلب التاسع هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا، أي سواء كان المنهي عنه عبادة، أو معاملة. والمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار. فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة. وأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك والحل. فإذا ورد النهي عن السبب المفيد حكما يقتضي فساده، سواء كان النهي عنه لعينه، أو لغيره في العبادات، أو في المعاملات كالنهي عن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن نكاح المتعة، والشغار، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. فالنهي عن كل ذلك يقتضي فسادها. وهذا مذهب كثير من العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض الحنفية، وبعض المتكلمين. وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة بالمنهي عنه، أو لازمة له، فقد ثبت من استقراء وتتبع النصوص الشرعية: أن الشارع لا ينهى عن مصلحة، فلم يبق إلا أن نهيه عن

стр. 1359

مفسدة، وإذا كانت الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، فسيلحق الناس منها ضرر، وإعدام الضرر مناسب عقلاً وشرعاً، ولا يمكن ذلك إلا بقولنا: " إن النهي يقتضي الفساد مطلقا ". الدليل الثاني: إجماع الصحابة ﵃؛ حيث إنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها، ومن أمثلة ذلك: أنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر ... "، واستدلوا على فساد نكاح المحرم في الحج بالنهي عنه الوارد في قوله ﷺ : " لا ينكح المحرم ولا ينكح "، وغير ذلك، فلو لم يكن النهي يقتضي الفساد لما استدلوا بتلك النواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال فكان إجماعا. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا -: لعلهم رجعوا إلى فساد ذلك بسبب قرينة دلَّت في الحال على ذلك الفساد. جوابه: لو كان هناك قرينة لذكرت، ونقلت كما نقل استدلالهم بتلك النواهي، فلما لم ينقل شيء من ذلك: دلَّ على أنهم فهموا من النهي الفساد مطلقاً. الدليل الثالث: أن النهي عن الشيء يقتضي ترك هذا الشيء المنهي عنه واجتنابه، والأمر بذلك الشيء يقتضي إيجاده وعدم تركه. وتركه وعدم تركه متناقضان، والشرع بريء من التناقض وما

стр. 1360

يفضي إليه، ويلزم للتخلص من هذا التناقض - أن يقال: إن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا. والأمر يقتضي صلاح المأمور به. المذهب الثاني: التفريق بين العبادات والمعاملات، بيانه: أن النهي عن العبادات يقتضي فسادها. أما النهي عن المعاملات فلا يقتضي فسادها. وهذا مطلقا أي: سواء كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا، أو كان النهي عنه لغيره كالبيع عند النداء الثاني يوم الجمعة. وهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري، وهو اختيار بعض الفقهاء. تنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب فيما بينهم هل النهي اقتضى الفساد مطلقا من جهة اللغة أو الشرع؛ على أقوال: القول الأول: إن النهي اقتضى الفساد من جهة اللغة. القول الثاني: إن النهي اقتضى الفساد من جهة الشرع. القول الثالث: إن النهي اقتضى الفساد من جهة المعنى، وهو الصحيح عندي؛ لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه وحظره، وهو مضاد للمشروعية. دليل هذا المذهب: أن العبادة طاعة، والطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي متضادان، فما يوافق الأمر قربة وطاعة، وارتكاب النهي معصية، فلا يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، بأن يكون هذا الشيء منهيا عنه

стр. 1361

ومأموراً به في حال واحدة، فهذا يجعل النهي عن العبادات يقتضي فسادها. وذلك بخلاف المعاملات، فإنها ليست قربة، فلا يناقض المقصود منها ارتكاب النهي، فالنهي عن المعاملات لا يقتضي فسادها، فمثلاً: البيع وقت النداء الثاني يوم الجمعة صحيح يفيد الملك، لكن البائع آثم لارتكابه المنهي عنه، فلا يوجد تناقض هنا. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم تناقض ذلك، فقد بيَّنا تناقضهما في أدلتنا السابقة على مذهبنا. الجواب الثاني: سلمنا أن النهي قد لا يناقض الصحة، لكن الظاهر من النهي أنه يقتضي الفساد؛ للأدلة التي ذكرناها، والعمل بالظاهر واجب. وعلى فرض أنا خالفنا هذا الظاهر - وهو: أن النهي يقتضي الفساد - وقلنا بالصحة في بعض الفروع، فإن هذا كان بسبب قرينة صرفت اللفظ عن المعنى الراجح وهو الظاهر إلى المعنى المرجوح. وهذا لا يعني أنا عدلنا عن قاعدتنا وأصلنا - وهو: أن النهي يقتضي الفساد، بل نعمل على هذه القاعدة في مطلق النهي، قياسا على قولنا: إن مطلق النهي يقتضي التحريم، لكن لو وردت صيغة النهي مع قرينة صرفتها من التحريم إلى الكراهة: عملنا بتلك القرينة، أما إذا تجرد النهي عن القرائن فإنه يقتضي التحريم، كذا هاهنا. المذهب الثالث: التفريق بين ما نهي عنه لعينه، أو لغيره، بيانه:

стр. 1362

إن كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا والسرقة، فإنه يقتضي الفساد. وإن كان النهي عن الشيء لغيره كالبيع عند النداء الثاني في يوم الجمعة، فإنه لا يقتضي الفساد. هذا هو المذهب المنسوب للإمام أبي حنيفة والشافعي. دليل هذا المذهب: أن الشيء المنهي عنه لذاته ولعينه له جهة واحدة كالنهي عن الزنا والكفر، والملاقيح والمضامين، وبيع الميتة، ونكاح المحارم، فهذه التصرفات فاسدة قطعا؛ لعدم قابلية المحل للتصرف الشرعي، فلا يترتب عليها أي أثر شرعي. أما الشيء المنهي عنه لغيره كالنهي عن البيع عند النداء الثاني في يوم الجمعة، له جهتان، فيصح من جهة، ويأثم البائع من جهة أخرى، فالبيع صحيح؛ لتوفر شروط وأركان البيع ويأثم البائع، لوقوعه في هذا الوقت المنهي عنه، وعلى هذا: لا يقتضي النهي الفساد إذا كان النهي عن الشيء لغيره. كذلك يقال في الصلاة في الثوب الحرير، والصلاة في الثوب المسروق، وصوم أيام التشريق. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا مخالف لعموم النص، وهو قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "؛ حيث إنه عام وشامل للمنهي عنه لعينه ولغيره، فهو يبين: أن المنهي عنه ليس عليه أمره

стр. 1363

مطلقا، فيجب أن يكون مردوداً، وهذا يشمل ذاته.، وآثاره، ومتعلقاته. الجواب الثاني: أنه لا فرق بين المنهي عنه لعينه، والمنهي عنه لغيره، وذلك لأن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لوجود المفسدة في هذا الشيء المنهي عنه، ووجود هذه المفسدة إما قطعي - وهي المفسدة الخالصة - أو ظني - وهي المفسدة الراجحة - والعمل بالقطعي والظني واجب، ولا يجوز العمل بالمرجوح؛ لأنه كالمعدوم لذا يجب اجتناب الشيء المنهي عنه مطلقا؛ نظراً لوجود المفسدة فيه. المذهب الرابع: أن النهي عن الفعل يقتضي صحة المنهي عنه، وهو اختيار أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وكثير من الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن مجرد صدور صيغة النهي يدل على تصور وقوع المنهي عنه، فالنهي - مثلاً - عن صوم يوم النحر يدل على انعقاده، فلو استحال انعقاده في نفسه لما نهى عنه؛ لأن المحال لا ينهى عنه، أي: أن النهي عن غير المقدور عليه عبث، والعبث لا يليق بالحكيم، فلا يجوز أن يقال للمقعد: " لا تطر "، ولا يجوز أن يقال للأعمى: " لا تبصر هذا القلم "؛ لأن مثل ذلك عبث. جوابه: أنا نوافقكم بأن النهي يدل على تصور وقوع المنهي عنه عن طريق الحس وهي الأفعال، أما الصحة والفساد فهما حكمان شرعيان وضعيان لم يرد الأمر بهما، ولا النهي عنهما، يؤيد ذلك: سائر مناهي الشرع، فلم يرد فيها ذلك، بل إنا نحن وأنتم قد أجمعنا على إبطال كل ما نهى الشارع عنه، فقد أبطلنا بيع المحاقلة،

стр. 1364

والمزابنة، والمنابذة، والملامسة، والربا، والصلاة أثناء الحيض، ونحو ذلك، ولا مستند لذلك إلا النهي، فهذا يدل على أن النهي يقتضي الفساد والبطلان مطلقا. تنبيه: إن هذا المذهب بعيد جداً؛ لأن النهي لا يدل على الصحة عن طريق اللغة، ولا عن طريق الشرع، ولا عن طريق الضرورة، فالمصير إليه تحكم ودعوى بلا دليل، بل الاستدلال بالنهى على فساد الشيء المنهي عنه أقرب من الاستدلال بالنهي على الصحة، وأصحاب هذا المذهب منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد، فكيف منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد مع قربه منه، ويجيزوا أن يكون النهي يدل على الصحة مع بعده؛ هذا بعيد وغريب. المذهب الخامس: أن النهي لا يقتضي فساداً، ولا صحة مطلقا. وهو مذهب بعض الفقهاء، وبعض المتكلمين. دليل هذا المذهب: أنه لا يوجد دليل صحيح من العقل ولا من النقل يفيد أن النهي يقتضي الفساد، ولا يقتضي الصحة، ولا يوجد ما يفيد أنه يقتضي الصحة. أما كون الفاعل يأثم بفعل المنهي عنه، فذلك من دليل خارجي. جوابه: إن هذا الدليل متضمن للمطالبة بالدليل على الفساد، والمطالبة بالدليل على الصحة، وهذا باطل من وجهين: الوجه الأول: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل. الوجه الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد ذكرنا أدلة صريحة تدل على أن النهي يقتضي الفساد، ولا يصرفه عنه إلا

стр. 1365

بقرينة، وأبطلنا أدلة المخالفين، وإذا كان النهي يقتضي الفساد، فإنه لا يقتضي الصحة بالضرورة. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية ومنها: ١ - أن نكاح المحرم فاسد؛ لأن النهي الوارد في قوله ﷺ : " لا ينكح المحرم.. " يقتضي الفساد، وهو مذهب جمهور العلماء. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفسد، ولم يعملوا بهذه القاعدة وعملوا بأدلة أخرى، وهو مذهب الحنفية. ٢ - من نذر صيام يوم العيد، فإن هذا النذر فاسد ولو صام لا يصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد والنهي يقتضي الفساد؛ فلا يكون صوم يوم العيد مشروعا، وهو مذهب جمهور العلماء. وذهب بعض العلماء إلى أن النذر صحيح بأصله دون وصفه. وهو ما قاله الحنفية: فالناذر عندهم يجب عليه الفطر، والقضاء، لكن لو صام هذا اليوم صح صيامه مع التحريم، ولم يعملوا بتلك القاعدة - وهي: أن النهي يقتضي الفساد، فالنهي عندهم لا ينافي المشروعية. هذا آخر المجلد الثالث من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه المقارن " للشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الرابع إن شاء الله وأوله " العموم والخصوص " وهو الفصل الثاني عشر من الباب الرابع

стр. 1366

المجلد الرابع الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في العموم. المبحث الثاني: في الخصوص.

стр. 1367

المبحث الأول في العموم ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف العام. المطلب الثاني: بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة. المطلب الثالث: هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟ المطلب الرابع: في أقسام العام. المطلب الخامس: هل للعموم صيغة في اللغة؟ المطلب السادس: صيغ العموم. المطلب السابع: الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي؟ المطلب الثامن: هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه؟ المطلب التاسع: الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى مفعولاته أو لا؟ المطلب العاشر: دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية؟ المطلب الحادي عشر: أقل الجمع ما هو؟ المطلب الثاني عشر: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟

стр. 1368

المطلب الثالث عشر: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟ المطلب الرابع عشر: حكاية الراوي لفعل النبي ﷺ بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه ﷺ أو لا؟ المطلب الخامس عشر: هل يدخل العبد فى الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين والأمَّة والمسلمين؟ المطلب السادس عشر: الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء؟ المطلب السابع عشر: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أو يكون مجازاً؟ المطلب الثامن عشر: هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي؟ المطلب التاسع عشر: هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟ المطلب العشرون: المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه؟ المطلب الواحد والعشرون: هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل البحث عن المخصص؟ المطلب الثاني والعشرون: الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟ المطلب الثالث والعشرون: هل المفهوم له عموم؟ المطلب الرابع والعشرون: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟

стр. 1369

المطلب الأول تعريف العام العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. شرح التعريف: قولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكون من حروف هجائية، سواء كان مهملاً، أو مستعملاً، عاما أو خاصا، مطلقا أو مقيداً، مجملاً أو مفصلاً، حقيقة أو مجازاً. والمقصود هنا باللفظ هو: اللفظ الواحد، لكن لم نذكر لفظ "الواحد" للعلم به. وقد عبَّرنا ب " اللفظ " لإخراج أمرين هما: الأمر الأول: العموم المعنوي، أو المجازي كقولنا: " هذا مطر عام "، فإن مثل ذلك لا يدخل في التعريف "، وذلك لأن العموم المعنوي لا يتحد الحكم فيه، بل يختلف - كما سيأتي بيانه - أما العموم اللفظي - وهو ما نحن بصدده - فإن الحكم فيه متحد، أي: قولنا: " أكرم الطلاب " عام وشامل جميع الطلاب بدون تخصيص. الأمر الثاني: الألفاظ المركبة، أي: أن قولنا: " اللفظ " أخرج الشيء الذي أفاد العموم، ولكن بأكثر من لفظ كقولهم: " ضرب زيد عمراً "، فإن العموم قد استفدناه من الفاعل وهو الضارب وهو زيد، والمفعول به، وهو المضروب وهو عمرو، والفعل وهو: الضرب، وكقولهم: " كلام منتشر ".

стр. 1370

قولنا: " المستغرق " أي: يشترط أن يكون هذا اللفظ مستغرقاً أي: متناولاً لما وضع له من الأفراد دفعة واحدة. وقد عبَّرنا بلفظ " المستغرق " لإخراج ما يلي: الأول: اللفظ المهمل مثل: " ديز "، حيث إنه لا يدخل في التعريف؛ لأن الاستغراق فرع الاستعمال والوضع، والمهمل غير موضوع لمعنى وغير مستعمل، فمن باب أوْلى أنه لا يستغرق. الثاني: اللفظ المطلق مثل قوله تعالى: (فتحرير رقبة) ، فإنه لا يدخل في التعريف، لأن اللفظ المطلق يتناول واحداً لا بعينه - كما سيأتي -. أما اللفظ العام فإنه يتناول أفراداً بأعيانهم. الثالث: النكرة في سياق الإثبات، حيث لا تدخل في التعريف، لأن النكرة وإن وضعت للفرد الشائع في جنسه إلا أنها لا تستغرق جميع ما وضعت له، أي: أنها لم تتناوله دفعة واحدة، وإنما تتناوله على سبيل البدل، فمثلاً: " اضرب رجالاً " معناه: حقق الضرب في أقل الجمع وهو: ثلاثة، فإذا ضربت ثلاثة رجال فإنك تخرج عن العهدة. قولنا: " لجميع ما يصلح له " معناه: ما وضع له اللفظ، فالمعنى الذي لم يوضع له اللفظ لا يكون اللفظ صالحاً له. فمثلاً لفظ " مَنْ " وضع للعاقل، ولفظ " ما " وضع لغير العاقل، وهما من صيغ العموم - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه - فلا يمكن أن تستعمل " من " لغير العاقل، فنقول: " اشتر من رأيته من البهائم "، ولا يمكن أن تستعمل " ما " للعاقل فتقول: " أكرم ما رأيته من العلماء ".
следующие страницы →