Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
المجلد الرابع
الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في العموم.
المبحث الثاني: في الخصوص.
стр. 1367
المبحث الأول في العموم
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف العام.
المطلب الثاني: بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة.
المطلب الثالث: هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟
المطلب الرابع: في أقسام العام.
المطلب الخامس: هل للعموم صيغة في اللغة؟
المطلب السادس: صيغ العموم.
المطلب السابع: الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق
النفي؟
المطلب الثامن: هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه؟
المطلب التاسع: الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى
مفعولاته أو لا؟
المطلب العاشر: دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية؟
المطلب الحادي عشر: أقل الجمع ما هو؟
المطلب الثاني عشر: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
стр. 1368
المطلب الثالث عشر: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد
العموم؟
المطلب الرابع عشر: حكاية الراوي لفعل النبي ﷺ بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه ﷺ أو لا؟
المطلب الخامس عشر: هل يدخل العبد فى الخطاب المضاف إلى
الناس والمؤمنين والأمَّة والمسلمين؟
المطلب السادس عشر: الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول
النساء؟
المطلب السابع عشر: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي
أو يكون مجازاً؟
المطلب الثامن عشر: هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي؟
المطلب التاسع عشر: هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟
المطلب العشرون: المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم
خطابه؟
المطلب الواحد والعشرون: هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل
البحث عن المخصص؟
المطلب الثاني والعشرون: الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل
يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟
المطلب الثالث والعشرون: هل المفهوم له عموم؟
المطلب الرابع والعشرون: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع
وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟
стр. 1369
المطلب الأول تعريف العام
العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
شرح التعريف:
قولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكون من
حروف هجائية، سواء كان مهملاً، أو مستعملاً، عاما أو خاصا،
مطلقا أو مقيداً، مجملاً أو مفصلاً، حقيقة أو مجازاً.
والمقصود هنا باللفظ هو: اللفظ الواحد، لكن لم نذكر لفظ
"الواحد" للعلم به.
وقد عبَّرنا ب " اللفظ " لإخراج أمرين هما:
الأمر الأول: العموم المعنوي، أو المجازي كقولنا: " هذا مطر
عام "، فإن مثل ذلك لا يدخل في التعريف "، وذلك لأن العموم
المعنوي لا يتحد الحكم فيه، بل يختلف - كما سيأتي بيانه - أما
العموم اللفظي - وهو ما نحن بصدده - فإن الحكم فيه متحد، أي:
قولنا: " أكرم الطلاب " عام وشامل جميع الطلاب بدون تخصيص.
الأمر الثاني: الألفاظ المركبة، أي: أن قولنا: " اللفظ " أخرج
الشيء الذي أفاد العموم، ولكن بأكثر من لفظ كقولهم: " ضرب
زيد عمراً "، فإن العموم قد استفدناه من الفاعل وهو الضارب وهو
زيد، والمفعول به، وهو المضروب وهو عمرو، والفعل وهو:
الضرب، وكقولهم: " كلام منتشر ".
стр. 1370
قولنا: " المستغرق " أي: يشترط أن يكون هذا اللفظ مستغرقاً
أي: متناولاً لما وضع له من الأفراد دفعة واحدة.
وقد عبَّرنا بلفظ " المستغرق " لإخراج ما يلي:
الأول: اللفظ المهمل مثل: " ديز "، حيث إنه لا يدخل في
التعريف؛ لأن الاستغراق فرع الاستعمال والوضع، والمهمل غير
موضوع لمعنى وغير مستعمل، فمن باب أوْلى أنه لا يستغرق.
الثاني: اللفظ المطلق مثل قوله تعالى: (فتحرير رقبة) ، فإنه
لا يدخل في التعريف، لأن اللفظ المطلق يتناول واحداً لا بعينه -
كما سيأتي -.
أما اللفظ العام فإنه يتناول أفراداً بأعيانهم.
الثالث: النكرة في سياق الإثبات، حيث لا تدخل في التعريف،
لأن النكرة وإن وضعت للفرد الشائع في جنسه إلا أنها لا تستغرق
جميع ما وضعت له، أي: أنها لم تتناوله دفعة واحدة، وإنما
تتناوله على سبيل البدل، فمثلاً: " اضرب رجالاً " معناه: حقق
الضرب في أقل الجمع وهو: ثلاثة، فإذا ضربت ثلاثة رجال فإنك
تخرج عن العهدة.
قولنا: " لجميع ما يصلح له " معناه: ما وضع له اللفظ،
فالمعنى الذي لم يوضع له اللفظ لا يكون اللفظ صالحاً له.
فمثلاً لفظ " مَنْ " وضع للعاقل، ولفظ " ما " وضع لغير
العاقل، وهما من صيغ العموم - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه - فلا
يمكن أن تستعمل " من " لغير العاقل، فنقول: " اشتر من رأيته من
البهائم "، ولا يمكن أن تستعمل " ما " للعاقل فتقول: " أكرم ما
رأيته من العلماء ".
стр. 1371
إذن: قولنا: " لجميع ما يصلح له " قيد قصد منه تحقيق معنى
العموم.
وقصد منه - أيضا - الاحتراز عن اللفظ الذي استعمل في بعض
ما يصلح له مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) ، فإن لفظ
" الناس " صيغة من صيغ العموم، ولكن لم يقصد بها هنا العموم،
بل قصد بها فرد واحد، وهو: نعيم بن مسعود، وقيل: طائفة من
الأعراب استأجرتهم قريش، وقيل غير ذلك.
قولنا: " بحسب وضع واحد " معناه: أن يكون اللفظ يدل على
معناه بحسب وضع واحد.
وهذه العبارة أتى بها لإخراج أمرين هما:
الأول: اللفظ المشترك؛ لأن المشترك هو اللفظ الدال على
معنيين، فكثر لا مزية لأحدها على الآخر مثل: " العين "، و "القرء"،
أما اللفظ العام فهو اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، هذا المعنى
عام.
ولهذا: نعمل باللفظ العام؛ لأن معناه واحد قد فهمناه.
أما اللفظ المشترك، فلا نعمل به إلا بعد أن تأتي قرينة ترجح أحد
المعاني - كما سبق بيانه -.
الثاني: اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز مثل: " الأسد ".
اعتراض على هذا التعريف:
قال قائل - معترضا -: إن العام عرف بالمستغرق، والمستغرق
مرادف للعام، وتعريف الشيء بمرادفه دور، فكأنه قال: إن العام
هو المستغرق، والمستغرق هو العام، والدور لا يصح في التعريفات.
стр. 1372
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الاستغراق مرادف للعموم؛ لأن
العموم لغة هو: الشمول، والشمول يختلف عن الاستغراق من
جهة اللغة، فهما لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا
ترادف بينهما، وإن اشتركا في بعض اللوازم.
الجواب الثاني: سلمنا أن الاستغراق مرادف للعموم، وهذا لا
مانع منه، ويكون من الحد اللفظي الذي سبق أن ذكرناه في الباب
الأول، فيجوز أن يعرف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا
شك أن لفظ " الاستغراق " أوضح من لفظ العام بالنسبة للسامع،
فعرف به زيادة في البيان والإيضاح، فيكون كما نعرف الليث بأنه
الأسد.
стр. 1373
المطلب الثاني بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة
اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة،
والعوارض جمع عارض، والعارض هو: الذي يذهب ويجيء،
ومنه سمي المال عرضا؛ لأنه يذهب ويجيء، قال تعالى:
(تريدون عرض الدنيا) .
فمعنى قولنا: " إن العموم من عوارض الألفاظ ": أن العموم
يلحق الألفاظ.
وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ، وهذا خاص ببعض
الألفاظ، والمقصود بذلك صيغ العموم التي تدل على استغراق اللفظ
بجميع الأفراد، فإذا قلنا: " هذا اللفظ عام "، فإن إضافة العموم
إلى اللفظ ووصفه به حقيقة، وهذا كقولنا: " هذا حيوان مريض "،
فإن إضافة المرض إليه حقيقة.
إذن: العموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه،
وليس العموم داخل في حقيقة اللفظ: فمتى ما وجد اللفظ فهو
عام، هذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرنا.
стр. 1374
المطلب الثالث هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا ؟
لقد عرفنا أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وهذا متفق
عليه، ولكن العلماء اختلفوا هل العموم من عوارض المعاني حقيقة
على مذاهب:
المذهب الأول: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل
هو من عوارضها مجازاً، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق
عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن من لوازم العام أن يكون اللفظ العام متحداً،
ومع اتحاده يكون متناولاً لأمور متعددة من جهة واحدة: فالأفراد
الذين تناولهم اللفظ يجب أن يكونوا متساوين في الحكم، فمثلاً
قولك: " أكرم الطلاب " يجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام،
فإكرام زيد يجب أن يكون مثل إكرام عمرو وبكر، وهكذا دون زيادة
أو نقصان.
أما لو قال: " عم المدينة المطر " - ونحو ذلك من أمثلة العموم
المعنوي أو المجازي - فهذا إطلاق مجازي متساهل فيه؛ لأن المطر قد
يكون في بعض الوديان والأماكن أكثر من البعض الآخر، كذلك لو
قال: " عم القبيلة العطاء " هو إطلاق مجازي؛ لأن الخليفة لا يمكن
أن يعطي كل فرد من أفراد القبيلة مثل ما أعطى الآخر، فعطاء رئيس
القبيلة يختلف عن عطاء غيره، فاختلفوا في الحكم.
بخلاف ألفاظ العموم، فإن الحكم متساو في جميع الأفراد،
стр. 1375
فقوله تعالى: (أقيموا الصلاة) ، فإن كل فرد يجب أن يصلي
الظهر أربع ركعات، سواء كان رئيس القبيلة أو غيره.
الدليل الثاني: أن العموم لغة هو شمول أمر واحد لمتعدد،
والمتبادر من الوحدة: الوحدة الشخصية، والمعاني ليست مشخصة،
فلا توصف بالعموم، وإنما يوصف به ما يتحقق فيه الشخص وهو
اللفظ، فإذا وصف المعنى بالعموم كان مجازاً.
المذهب الثاني: أن العموم من عوارض المعاني حقيقة، وهو
اختيار ابن الحاجب.
دليل هذا المذهب:
أنه ورد استعمال العموم في المعاني كقولهم: " عم الخليفة الناس
بالعطاء "، و " عمهم المطر "، و " عمهم القحط "، و " هذا عطاء
عام " ونحو ذلك، وهذا قد شاع وذاع في لسان أهل اللغة،
والأصل في الاستعمال الحقيقة.
جوابه:
إنا لو قلنا: إن استعمال العموم في المعاني استعمالاً حقيقياً، مع
قولنا: إن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة للزم من ذلك أن يكون
العموم مشتركاً لفظيا بين الألفاظ والمعاني، والاشتراك خلاف
الأصل، لكن لو قلنا: إن العموم من عوارض المعاني مجازاً، فإنا
نكون قد تخلصنا من الاشتراك.
فإن قلت: إن المجاز أيضاً خلاف الأصل - كما سبق -.
أقول: إن المجاز مقدم على المشترك، فهو أوْلى أن يقال به.
والدليل على أن العموم من عوارض المعاني مجازاً: ما قلناه
- فيما سبق - من أن لازم العام: أن يكون اللفظ واحداً متناولاً
لجميع الأفراد بنسب متساوية.
стр. 1376
أما العموم المعنوي أو المجازي: فإنه يخالف هذا اللازم، فعطاء
هذا الفرد غير عطاء ذلك الفرد، والمطر في هذا المكان غير المطر في
ذلك، فاختلفت النسبة، فنتج: عدم وجود لازم العام، فلم يكن
عاماحقيقة.
المذهب الثالث: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة ولا
مجازاً.
دليل هذا المذهب:
أن العموم لغة هو: شمول أمر واحد لمتعدد، وقد قلنا فيما
سبق: إن الوحدة يتبادر منها الوحدة الشخصية، وهي لا تتحقق إلا
في الألفاظ، فالمعنى لا يوصف بالعموم حقيقة، ولا يوصف
- أيضاً - مجازاً؛ لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى.
جوابه:
أن المعاني توصف بالعموم مجازاً، والعلاقة متحققة، وهي:
علاقة الدال بالمدلول.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لأن الخلاف راجع إلى تفسير العموم ما هو وما
المراد به؟
فإن أريد بالعموم: استغراق اللظ لمسمياته، فهو من عوارض
الألفاظ خاصة، وهذا هو الحق.
وإن أريد بالعموم شمول أمر لمتعدد مطلقا بدون النظر إلى تساوي
النسب أو لا، فهو من عوارض الألفاظ والمعاني معا.
وإن أريد بالعموم: شمول مفهوم الأفراد فهو من عوارض المعاني
خاصة.
стр. 1377
المطلب الرابع أقسام العام
ينقسم العام إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عام من جهة اللغة، وهو: ما استفيد عمومه من
جهة اللغة.
أي: أن اللفظ قد وضع في اللغة للعموم، وهي صيغ العموم
التي سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه - وهو المقصود بباب العموم -.
القسم الثاني: العام من جهة العرف، وهو: ما استفيد عمومه
من جهة عرف أهل الشريعة، مع كون اللفظ لا يفيد العموم من
جهة اللغة كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، فإن هذا اللفظ
لو نظرنا إليه نظرة لغوية فإنه لا يعم، حيث إنه يفيد: تحريم الأكل
فقط، ولكن عرف الفقهاء جعله مفيداً لتحريم كل ما يتعلق بالميتة من
أكلها، وجميع أنواع الانتفاعات.
القسم الثالث: العام من جهة العقل، وهو: ما استفيد عمومه
من جهة العقل، دون العرف واللغة، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون اللفظ مفيداً للحكم ولعلته، فيقتضي
ثبوت الحكم أينما وجدت العلة، كاللفظ المشتمل على ترتيب الحكم
على الوصف كقولنا: " حرم الخمر للإسكار "، فهذا اللفظ لا يفيد
العموم من جهة اللغة، كل ما أفاده هو: أن الوصف عِلَّة للحكم
فقط.
стр. 1378
وإنما عم من جهة العقل؛ لأن العقل يحكم بأن العِلَّة كلما
وجدت وجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي المعلول، وعن طريق ذلك
نقول: إن كل مسكر حرام، وبذلك يكون عموم هذا اللفظ ثابتاً
بالعقل.
النوع الثاني: أن يكون المفيد للعموم: ما يرجع إلى سؤال السائل
كما إذا سئل النبي ﷺ عمن جامع في نهار رمضان، فيقول النبي ﷺ : "اعتق رقبة "، فنعلم أنه يعم كل مجامع وهو مكلف.
النوع الثالث: مفهوم المخالفة كقوله ﵊: " في
سائمة الغنم الزكاة "، فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس
بسائمة.
стр. 1379
المطلب الخامس هل للعموم صيغة في اللغة موضوعة له ؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن للعموم صيغة في اللغة خاصة به، موضوعة
له، تدل على العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة،
وهي أدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه " أل "
الاستغراقية سواء كانت جمعاً أو مفرداً، وكل نكرة أضيف إلى
معرفة، وكل وجميع والنكرة في سياق النفي، والأسماء الموصولة،
و" واو " الجمع، ولفظ " سائر " المشتقة من سور المدينة، وسيأتي
بيان ذلك.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما سيأتي من
الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ على أن تلك
الصيغ للعموم، بيانه:
أن الصحابة ﵃ وهم من بلغاء العرب
وفصحائهم كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ - السابق ذكرها
على العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، وكانوا - رضي الله
عنهم - يحملونها على إفادتها للعموم، ولا يطلبون دليلاً على
ذلك، فكأن إفادتها لذلك أمر مسلم به، ولكنهم كانوا في
اجتهاداتهم واستدلالاتهم - يطلبون دليل التخصيص، ليخصصوا به
стр. 1380
العموم، فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا: أجروها
على أصلها وعلى حقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون
أن ينكر بعضهم على بعض، فكان إجماعا سكوتيا منهم على أن
تلك الصيغ والألفاظ دلَّت بالوضع على العموم، وفعل الصحابة
ذلك عن طريق وقائع وقعت لهم، وإليك أمثلة لذلك:
منها: أنهم عملوا على أن قوله تعالى: (والسارق والسارقة) ،
وقوله: (الزانية والزاني) يفيد العموم بسبب وجود المفرد المحلى
بأل الاستغراقية، فعملوا على أن جميع السارقين، وجميع السارقات،
وجميع الزناة والزانيات يعاقبون بالعقاب الوارد في الآيات، دون
نكير من أحد.
ومنها: أنهم تمسكوا بقوله ﵇:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه "
على عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى
روى لهم أبو بكر قوله ﷺ : "إلا بحقها "، حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.
ومنها: احتجاج أبي بكر ﵁ على الأنصار لما
قالوا: " منا أمير ومنكم أمير " بقوله ﷺ :
"الأئمة من قريش ".
والكل سلموا له هذا الاحتجاج، ولم ينكر عليه أحد.
ومنها: احتجاج علي ﵁ بقوله تعالى:
(وأن تجمعوا بين الأختين) على تحريم الجمع بين الأختين، ولولا أن المثنى
المعرف بـ " أل " يفيد العموم لما صح هذا، أي: أنه يحرم الجمع بين
الأختين، سواء كانتا حرتين أو أمَتين.
ومنها: أنه لما نزل قوله تعالى:
стр. 1381
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قالت الصحابة ﵃: فأينا لم يظلم نفسه، فبين ﵇: أنه أراد به ظلم النفاق والكفر.
ومنها: قوله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا) فيه ثلاث صيغ
للعموم، وهي: " واو الجمع في قوله: وذروا "، و " اسم
الموصول في قوله: ما بقي "، واسم المفرد المحلى بـ " أل " وهو قوله:
" الربا "، فعمل الصحابة على أن كل ذلك يفيد العموم، والتقدير:
ليترك جمعكم كل الذي بقي من جميع أنواع الربا.
ومنها: قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) ، حيث يوجد فيه:
واو الجمع، والجمع المنكر المضاف إلى المعرفة وهو: الكاف في
قوله: " أنفسكم "، فعمل الصحابة على أن ذلك كله عام،
والتقدير: لا يجوز لكل واحد منكم أن يقتل نفسه.
ومنها: قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) .
ومنها: قوله ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها "، وقوله: " لا يرث القاتل "،
فعمل الصحابة على أن بهل ذلك يفيد العموم، دون نكير.
ومنها: أن فاطمة بنت النبي ﷺ قد جاءت إلى أبي بكر تطالبه بميراثها من أبيها محتجة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ،
حيث إن هذا عام يشمل جميع الأولاد وأنهم يرثون من آبائهم، فقال
لها أبو بكر: إني سمعت الرسول ﷺ يقول:
" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ".
فهنا لم ينكر عليها الاحتجاج بعموم الآية، وإنما أتى لها بمخصص
يخرج أولاد الأنبياء عن بقية الأولاد، ويكون التقدير: أن جميع
стр. 1382
الأولاد يرثون من آبائهم إلا أولاد الأنبياء، فإنهم لا يرثون أصلاً "،
ولم ينكر ذلك أي صحابي، فكان إجماعا.
ومنها: أنه لما نزل قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
قال عبد اللَّه بن أم مكتوم: " إني ضرير "، فنزل قوله
تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، ففهم عبد الله من الجمع المعرف بأل
وهو: (القاعدون) العموم لذلك ذهب، وقد وافقه الرسول ﷺ ، إذ لم ينكر عليه ذلك، بل سكت حتى نزل الاستثناء،
والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.
ومنها: أن لبيد بن ربيعة لما قال - على مجمع من قريش -:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل ... ... ... ... ... ...
قال عثمان بن مظعون ﵁ وكان بين الحاضرين في
مكة -: " صدقت ".
ولما قال لبيد:
... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل
قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.
وجه الدلالة: أنه لو لم تكن " كل " الواردة في الشطر الثاني
- مفيدة للعموم لما صح هذا التكذيب، ولم ينكر ذلك أحد فكان
إجماعاً سكوتيا.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أنه إن صح أن بعض الصحابة قد فهموا من
تلك الصيغ العموم، فإنه لم يصح من جميعهم، والحُجَّة في فهم
جميعهم، أما فهم بعضهم فلا حُجَّة فيه.
стр. 1383
جوابه:
إن بعض الصحابة الذين فهموا من تلك الصيغ العموم وعملوا
على ذلك، لم ينكر عليهم الآخرون، إذ لو وجد إنكار لنقل،
ولكن لم ينقل إلينا شيء من ذلك، فكان إجماعاً سكوتياً.
الاعتراض الثاني: أنكم استدللتم بالإجماع السكوتي على أن تلك
الصيغ للعموم.
ولا نسلم لكم أن الإجماع السكوتي يصلح لأن يحتج به في إثبات
الأحكام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا أثبتنا - في الباب الثالث فصل الإجماع -:
أن الإجماع السكوتي حُجَّة تثبت به القواعد الأصولية، والأحكام
الفرعية.
الجواب الثاني: سلمنا أن الإجماع السكوتي ليس بحُجَّة في
الشرعيات، لكنه حُجَّة في إثبات اللغويات؛ لأن الصحابة يعتبرون
من فصحاء العرب، وأعلم باللغة، واشتقاقاتها، واستعمالاتها،
وصيغها، وموضوعاتها من غيرهم.
الدليل الثاني: أن السيد لو أمر عبده وقال له: " من دخل داري
فأعطه درهماً " فأعطى العبد جميع الداخلين، فإنه يستحق المدح،
وإن أعطى الجميع إلا واحداً فإنه يستحق اللوم والذم، واستحقاقه
للمدح في الحالة الأولى، وللذم في الحالة الثانية دليل على أن "من "
الشرطية تفيد العموم.
стр. 1384
الدليل الثالث: أن الشخص لو أخبر نجقال: " ما رأيت اليوم
أحداً "، والحقيقة: أنه رأى زيداً، فإن خبره يكون مخالفة للواقع،
وكذبا: فهو أخبر بصيغة عموم - وهي: النكرة في سياق النفي -
أنه ما رأى أحداً، فيقتضي هذا: أنه لم ير أيَّ إنسان، ولكن هذا
خلاف الحقيقة؛ حيث إنه رأى زيداً في الواقع، فيكون خبره كذبا
ونقضا، ومخالفا للواقع، فلو لم تفد النكرة في سياق النفي العموم
لما صح تكذيبه.
الدليل الرابع: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك
الصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم، وعلى ذلك أمثلة:
منها: أن السيد لو قال: " أعتقت عبيدي وإمائي "، ثم بعد
ذلك مات مباشرة، فإنه يُحكم على أن جميع العبيد والإماء أحرار؛
حيث إنه تكلم بصيغة من صيغ العموم وهي: الجمع المنكر المضاف
إلى معرفة الوارد في قوله: " عبيدي وإمائي "، وعلى ذلك جاز لمن
سمع هذا القول: أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير إذن
الورثة؛ لأنهم بهذه الصيغة أصبحوا أحراراً لا دخل لأحد بهم، ولو
لم يكن الجمع المنكر المضاف إلى معرفة مفيداً للعموم لما كان ذلك.
ومنها: لو قال السيد: " العبيد الذين فى يدي ملك زيد "، فإن
القاضي يحكم بأن جميع العبيد ملك لزيد؛ لأن السيد ذكر في كلامه
صيغة عموم، وهي الجمع المعرف بـ " أل ".
ومنها: لو قال زيد لعمرو: " لي عليك ألف ريال "، فقال
عمرو: " ما لك عليّ شيء "، لكان هذا إنكاراً لجميع الألف؛
لأنه عبر بصيغة عموم وهي: النكرة في سياق النفي.
стр. 1385
والأمثلة على بناء الأحكام الشرعية على أمثال هذه العمومات في
سائر اللغات لا يمكن حصرها.
الاعتراض الذي وجه إلى أدلة الجمهور جميعاً - وهي الأربعة
السابقة الذكر -.
قال قائل - معترضاً على ما سبق قوله في الأدلة السابقة الذكر -:
إن مجرد اللفظ والصيغة لا تفيد العموم، ولكنها أفادت العموم فيما
ذكرتموه من الأمثلة بسبب قرائن اقترنت بها.
أي: أنه يحتمل أن يكون بين الصحابة عرف أن هذه الصيغ تفيد
العموم، أو أن هناك أدلة أخرى - لم تصل إلينا - جعلتها للعموم،
كذلك يحتمل أن يكون بين السيد وعبده تعارف وتفاهم على أنه إذا
أمره بصيغة من تلك الصيغ، فإنه يمتثل على العموم، وكذلك الشأن
عند القضاة والحكام، أو يكون عرف منتشر بين الناس في بلدة من
البلدان على ذلك.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنه لو كان هناك قرائن جعلت تلك الصيغ للعموم
لنقلت إلينا؛ لأن ما لا يتم الدليل إلا به لا يجوز للراوي ترك نقله،
وحيث لم ينقل، ثبت أنه لم تكن قرائن.
الجواب الثاني: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقريتة: للزم من ذلك عدم الاستدلال بأي آية، وبأي حديث، إلا
إذا وردت قرينة تؤيد هذا الاستدلال، فنكون قد استفدنا الأحكام من
القرائن لا من النصوص، وهذا ظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى
أمرين باطلين:
стр. 1386
أولهما: تعطيل أكثر الآيات والأحاديث عن العمل، وهذا كفر
ظاهر.
ثانيهما: مخالفة إجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على الاستدلال
بمجرد الآية، والحديث بدون قرائن.
الجواب الثالث: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن تخلو تلك الصيغ عن الفائدة؛ لأن القرينة
هي التي جعلتها تفيد العموم، أما تلك الصيغ والألفاظ فلا تفيد
شيئا، فيكون ذكرها في الكتاب والسُنَّة عبثا لا فائدة فيه، وهذا
ظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى الكفر.
الجواب الرابع: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك اضطراب واختلال الشريعة كلها: أوامرها
ونواهيها العامة؛ حيث يمكن لكل شخص أن لا يمتثل الأوامر العامة،
ولا ينتهي عن النواهي العامة؛ لأنه - على زعمكم - سيطلب
القرينة التي تدخله مع المأمورين، أو مع الذين قد نهوا، وهذا لم
يقله أحد.
الجواب الخامس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن لا يصح من أحد أن يحتج بلفظ عام،
كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) في صورة خاصة، بيانه:
أنا لو وجدنا شخصا لا يصلي، وقلنا له: لماذا لا تصلي؛ فقال:
لأن اللَّه لم يأمرني بالصلاة، قلنا له: بل أمرك بقوله: " أقيموا
الصلاة "، فقد ورد فيه صيغة عموم - وهي واو الجمع - فتشملك
وغيرك إلى قيام الساعة، فلو كانت تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة لكان يمكنه أن يقول: " لم أعلم إني مراد بهذا الأمر، لأنه؛
стр. 1387
لم ترد قرينة تدل على أني أدخل مع المأمورين، أو يقول: لا يوجد في
اللفظ دلالة ولا قرينة تدل على أني مراد معهم، إذن لا يلزمني
الامتثال.
وقال هذا الشخص ذلك؛ لأن اللفظ العام لا يدل على الصورة
الخاصة إلا بقرينة - على زعمكم - وهذا يبطل الشريعة كلها.
الجواب السادس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن لا يقدر أحد أن يأمر جماعة بأمر عام، ولا
ينهاهم بنهي عام، فمثلاً لو قال السيد لعبيده: " اخرجوا من هذه
الدار "، فخرج بعضهم دون بعض، فيلزم على زعمكم: أنه لا
يمكنه معاقبة الذين لم يمتثلوا الأمر؛ لأنه لم يبين قرينة تدل على أنه
يجب عليهم الخروج، بل يلزم - على زعم المعترض - أن يقول:
أنت يا فلان اخرج، وأنت يا فلان اخرج، وهكذا، حتى ينتهي
العدد، وهذا لا يمكن بل تستحيل الحياة مع ذلك.
فبان من هذا الأجوبة الستة: أن قول المعترض: " إن تلك الصيغ
لا تفيد العموم إلا بقرينة " ظاهر البطلان، وواضح الفساد.
المذهب الثاني: أنه لا صيغة للعموم معلومة، وتلك الصيغ ليست
لعموم ولا لخصوص، بل هي مشتركة بينهما اشتراكا لفظياً، أي:
أن الجمع المعرف بـ " أل " - مثلاً - يفهم منها معنيان: " العموم "،
و"الخصوص "، ولا يرجح أحدهما إلا بقرينة.
وهو مذهب محكي عن أبي الحسن الأشعري.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: حسن الاستفهام والاستفسار من السامع لها يدل
стр. 1388
على أنها لا تدل على العموم فقط، ولا على الخصوص فقط، بل
تدل عليهما.
أي: أن هذه الصيغ عند التكلم بها يحسن الاستفهام من المتكلم
بها عما أراده منها، إذ يحسن أن يقال له: هل أردت بذلك البعض
أو الكل، وحسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ يفهم منها
العموم، والخصوص، فتكون حقيقة في كل منهما، فلو كانت
للعموم فقط، أو للخصوص فقط: لما حسن الاستفهام.
جوابه:
لا نسلم أن حسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ حقيقة في
الخصوص والعموم، بل إن الاستفهام إنما حسن هنا لإزالة اللبس،
ولأجل احتياط المستفهم من كلام المتكلم، فقد يكون المتكلم غير
متنبه، أو أن الصيغة يجوز أن تحمل على الخصوص مجازاً، فيزول
هذا اللبس بالاستفهام، وهذا الاستفهام أريد به التوكيد، ومعروف
أن فائدة التوكيد هي: رفع اللبس عن ذهن السامع، وإزالة الاتساع
في الفهم وحمل اللفظ.
وأيضا: فإن الاستفهام عن المراد ومن اللفظ لا يدل على ما ذكرتم؛
بدليل: أن من قال: " رأيت أسداً " يصح أن يقال له: أردت
الرجل الشجاع، أو الحيوان المفترس؛ ومع ذلك لا يمكن أن يقول
قائل: إن لفظ " الأسد " يستعمل حقيقة في الرجل الشجاع.
الدليل الثاني: أنه لا نزاع في أن اللفظ مستعمل في العموم تارة
كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) ، واستعمل في
الخصوص تارة أخرى كقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس) ،
стр. 1389
والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون تلك الصيغ حقيقة في
العموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.
جوابه:
أن الأصل في الاستعمال الحقيقة محمول على ما إذا كان اللفظ
متردداً بين المعاني من غير أن يتبادر منه أحدها بخصوصه، وتلك
الصيغ ليست من هذا؛ حيث إن العموم يتبادر إلى الفهم عند
الإطلاق، فكانت حقيقة في العموم، مجازاً في الخصوص، وقلنا
ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن العموم هو المتبادر إلى الفهم.
ثانيهما: تخلصا من الاشتراك اللفظي؛ حيث إنه خلاف الأصل،
وقلنا بالمجاز - وإن كان خلاف الأصل - إلا أنه خير من الاشتراك
وأَوْلى منه كما سبق في الفصل الثامن - وهو تعارض ما يخل
بالفهم -.
المذهب الثالث: أن تلك الصيغ ليست حقيقة في العموم، وإنما
هي حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم.
أي: أن تلك الصيغ يتبادر إلى الفهم منها الخصوص، ولا تحمل
على العموم إلا بقرينة.
وهو لبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن دلالة تلك الصيغ على الخصوص متيقنة،
ودلالتها على العموم مشكوك فيها، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن
أوْلى، لعدم احتمال الخطأ.
стр. 1390
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن كون اللفظ دالاً على الشيء يقينا لا يدل على
أنه مجاز في الزائد عليه بدليل: أن الجمع المذكر كالمسلمين يدل على
الثلاثة - وهو أقل الجمع - يقيناً مع أنه ليس بمجاز في الزائد عليه
وفاقاً.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الحمل على العموم مشكوك فيه، بل
قد غلب على ظننا بسبب أدلة قد سبق ذكرها من إجماع الصحابة،
وغيره.
الجواب الثالث: أن حمل تلك الصيغ على العموم أوْلى وأحوط؛
لأن الحمل على العموم محصل لغرض المتكلم على التقديرين -
أعني: إرادة العموم أو الخصوص، والحمل على الخصوص غير
محصل لغرض المتكلم، على تقدير إرادة العموم، فكان الحمل
عليه أَوْلى.
الدليل الثاني: أن هذه الصيغ لو كان للعموم للزم من استعمالها
في بعض الصور: الكذب، بيان ذلك:
أن الشخص لو قال: " رأيت العباد "، و " طفت البلاد "،
و"لبست الثياب "، و " ركبت الخيول "، و " اشتريت العبيد "،
و"أنفقت دراهمي "، فإن تلك الصيغ لو كانت للعموم للزم من
الكلام بها الكذب؛ ضرورة؛ لأنه يعلم قطعاً أنه ما رأى كل العباد،
وأنه ما طاف كل البلاد، وأنه ما لبس جميع الثياب، وأنه ما ركب
جميع الخيول، وأنه ما اشترى جميع العبيد الذين في الأرض، وأنه
ما أنفق كل دراهمه.
стр. 1391
أما لو كانت للخصوص، فإنه لا يلزم من استعمال ذلك هذا
المحذور، فكان جعله حقيقة في الخصوص أوْلى.
جوابه:
لا نسلِّم لزوم الكذب فيما ذكرتموه من الأمثلة؛ لأنه يجوز أن يراد
بها الخصوص بقرينة العقل، والعقل من المخصصات المعروفة، فلا
يمكن عقلاً أن يرى جميع العباد، أو أن يطوف جميع البلاد،
وهكذا.
وحينئذٍ لا يلزم الكذب؛ لأن إرادة المجاز من اللفظ الصالح له
ليس بكذب، ولو قلنا: إن هذا كذب للزم أن يكون قول القائل:
"رأيت حماراً " - عندما رأى بليداً - أن يكون ذلك كذباً، وهذا لم
يقله أحد.
المذهب الرابع: التوقف، بمعنى: إنا لا ندري أن تلك الصيغ
حقيقة في العموم مجاز في الخصوص، أو العكس، وهو أنه حقيقة
في الخصوص مجاز في العموم.
وهو مذهب حكي عن أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن كون تلك الصيغ موضوعة للعموم، أو
للخصوص إما أن يعلم عن طريق العقل، أو عن طريق النقل،
وهذا كله باطل، بيان ذلك:
إن زعمتم، أن العقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم أو
للخصوص، فهذا باطل؛ لأن العقل لا مدخل له في اللغات؛
وذلك لأن اللغات لا تثبت إلا بالنقل.
стр. 1392
وإن زعمتم أن النقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم، أو
للخصوص، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: " آحاد "،
و" متواتر ".
فإن زعمتم أن المتواتر هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل؛ لأمرين:
أولهما: لقلته وندرته.
ثانيهما: أنه لو كان الأمر كذلك لعلمناه كما علمتموه؛ لأن
المتواتر هو: ما علم ضرورة لكل الناس، لا أن تعلمه طائفة دون
أخرى.
وإن زعمتم أن الآحاد هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل - أيضاً -؛
لأن الآحاد لا يحتج به على إثبات القواعد الأصولية؛ لأن القواعد
قطعية، والآحاد لا يفيد إلا الظن، والظني لا يقوى على إثبات
القطعي.
فبان أنه لا دليل على أنها للعموم، ولا على أنها للخصوص،
فوجب التوقف.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن حاصل هذا الدليل هو: أنكم تطالبوننا
بالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم، وهذا لا يستقيم ولا يصح؛
لأمرين:
أولهما: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل، أي: أن مطالبتكم لنا
بالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم ليس بدليل لكم على أن
تلك الصيغ لا تفيد العموم.
стр. 1393
ثانيهما: على فرض أن المطالبة بالدليل تعتبر دليلاً، فإنا قد أثبتنا
أدلة من إجماع الصحابة، وأهل اللغة، واستعمالاتهم على أن تلك
الصيغ تفيد العموم بمجردها.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ لكم أن الآحاد لا يحتج به على إثبات
القواعد الأصولية، بل خبر الواحد يثبت تلك القواعد بشرط: أن
تكون تلك القواعد وسيلة إلى العمل، قياسا على العمل بالآحاد في
الفروع.
فنتج: أن هذه الصيغ قد ثبتت بالآحاد؛ لأنها وسيلة إلى العمل.
الدليل الثاني: أن الأدلة متعارضة، والاحتمالات متقاومة،
والجزم بواحد ترجيح بلا مرجح، ولو قدرنا أن يكون هناك مرجح،
لكن لا نزاع أن هذا المرجح ليس بقاطع؛ حيث إنه يحتمل الخطأ،
فوجب التوقف.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن الأدلة المثبتة للخصوص في قوة الأدلة المثبتة
للعموم، بل إن أدلة القائلين: إن تلك الصيغ حقيقة في العموم أقوى
من أدلة المذاهب الأخرى - كما سبق بيانه - وإذا كان الأمر كذلك
فإن كونها للعموم أرجح، والعمل بالراجح واجب، وحينئذٍ لا
داعي لهذا التوقف.
المذهب الخامس: أن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم في
الأمر والنهي - فقط - ولا يعلم هل هي حقيقة أو مجاز في الأخبار.
وهو مذهب لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأوامر والنواهي تكليف بعمل، فلو لم نعرف المراد بها لاقتضى
стр. 1394
تكليف ما لا يطاق، فوجب حمل تلك الصيغ والألفاظ على أنها
حقيقة في العموم.
بخلاف الخبر من الوعد والوعيد، وغير ذلك، فإنه لا يقتضي
وجوب شيء يحتاج أن يعمل به.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم
مطلقا، سواء كانت أمراً أو نهيما أو خبراً، ولا فرق بين الأوامر
والنواهي والأخبار.
ودلَّ على عدم التفريق بينهما ما يلي من الوجوه:
الأول: أن الحال فيهما واحدة؛ حيث إنه يخاطب بالخبر لفائدة
كالأمر، فالمكلف مطالب بالعلم بمراد الشارع منهما.
الثاني: أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى إثبات
الآخر، فالممتنع من أحد الأمرين يلزمه الامتناع من الآخر بدليل: أن
أهل اللغة يستعملون الأمرين على وجه واحد.
الثالث: أن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون في
أوامر اللَّه تعالى ونواهيه، وأخباره إلى ظاهر الخطاب، ولا يفرقون
بينها.
بيان نوع الخلاف:
ابخلاف - هنا - معنوي، وهو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول -
وهم الجمهور - يحملون أي صيغة من الصيغ السابقة على العموم
بدون أي قرينة، ولا يحملونها على الخصوص إلا بقرينة، ويعملون
على هذا بدون توقف، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.
стр. 1395
أما أصحاب المذهب الثاني والرابع فهم لا يحملون تلك الصيغ
على العموم ولا على الخصوص، ولا يعملون بشيء منهما حتى ترد
قرينة ترجح أحد الأمرين، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.
أما أصحاب المذهب الثالث: فهم يحملون أيَّ صيغة من الصيغ
على أنها حقيقة في الخصوص بدون قرينة، ولا يحملونها على
العموم إلا بقرينة ويعملون على ذلك بدون توقف، ولا يفرقون في
ذلك بين الأوامر والنواهي والأخبار.
أما أصحاب المذهب الخامس: فإنهم يفرقون: فإن كانت الصيغة
وردت في سياق أمر أو نهي، فإنهم يحملونها على العموم، وإن
وردت في سياق الإخبار، فإنهم يض وقفون.
وطبق على ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ،
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه عام لجميع الناس دون استثناء.
وأصحاب المذهب الثالث يقولون: إنه خاص لبعض الناس، ولا
يحمل على جميع الناس إلا بقرينة.
وأصحاب المذهب الثاني والرارج: لا يحملونه على العموم ولا
على الخصوص حتى تأتي قرينة ترءجح أحدهما.
وأصحاب المذهب الخامس يقولون: إنه عام؛ لأنه أمر، وهكذا.
стр. 1396
المطلب السادس في صيغ العموم
بعد أن عرفنا أن للعموم صيغة في اللغة خاصة، موضوعة له، تدل
على العموم حقيقة: نريد أن نبين في هذا المطلب تلك الصيغ، فأقول:
هي كما يلي:
الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام.
الصيغة الثانية: أدوات الشرط.
الصيغة الثالثة: " كل " و " جميع ".
الصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ " أل ".
الصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة.
الصيغة السادسة: " واو " الجماعة.
الصيغة السابعة: " النكرة في سياق النفي ".
الصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ " أل ".
الصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة.
الصيغة العاشرة: الاسم الموصول.
الصيغة الحادية عشرة: " سائر " المشتق من سور المدينة.
стр. 1397
وإليك بيان تلك الصيغ، مع الاستدلال على كل واحدة منها، وبيان
المتفق عليه والمختلف فيه منها.
وقد ذكر بعضهم: أن الصيغ أكثر من هذا، ولكن كل ما ذكروه
يرجع إلى ما ذكرناه، فأقول:
стр. 1398
الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، وهي أنواغ:
النوع الأول: " من " المستعملة للعقلاء كقولك: " من عندك من
الطلاب؟ ".
النوع الثاني: " ما " المستعملة لغير العقلاء كقولك: " ما عندك
من البهائم؟ ".
النوع الثالث: " أي " المستعملة للعقلاء كقولك: " أي العلماء
قابلت؟ "، والمسنعملة لغير العقلاء كقولك: " أي الدواب
ركبت؟ ".
النوع الرابع: " متى " الزمانية كقولك: " متى تزورني؟ ".
النوع الخامس: " أين " المكانية كقولك: " أين تذهب؛ ".
النوع السادس: " أيان " الزمانية كقوله تعالى: (يسألونك عن
الساعة أيان مرساها) ، وغير ذلك.
دليل إفادة هذه الصيغة للعموم:
دل على أن أدوات الاستفهام تفيد العموم: أن تلك الألفاظ
والصيغ إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما
معاً بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما، والكل باطل
إلا الأول.
بيان ذلك:
أنه لا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط، إذ لو كانت
موضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ كل أو جميع؛
لأن الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال، لكن لا نزاع في ذلك،
стр. 1399
فإذا قال: " من عندك؟ " يمكن للمجيب أن يقول: " عندي جميع
أو كل الطلاب "، فلو كانت للخصوص لما صح ذلك.
ولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك
اللفظي؛ لأنه يكون مجملاً، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه
بجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة، فمثلاً إذا
قال: " من عندك؟ "، فإذا كانت " من " مشتركة بين الخصوص
والعموم، فإن المجيب - لا بد أن يقول له: " أتسألني عن الرجال
أم عن النساء؟ "، فإذا قال: أسألك عن الرجال، فلا بد أن
تقول: أتسألني عن رجال العرب أو عن رجال العجم؟ ، فإذا قال:
أسألك عن رجال العرب، فلا بد أن تقول: أتسألني عن رجال
ربيعة، أو مضر؟
وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب
وقبائلهم، ثم يأتي على جميع أصنافها من العلماء، والجهال،
والشيوخ، والكهول، والبيض، والسود، وغير ذلك.
فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات، لكنها غير
واجبة؛ لأمرين:
أولهما: أنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك: كانت
التقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل
محال.
ثانيهما: أنا علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان: أنهم
يستقبحون مثل هذه الاستفهامات، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة
للعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.
ولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضموعة للعموم
стр. 1400
ولا للخصوص بالاتفاق؛ لأن هذا يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب
والسّنَّة ألفاظ لا تفيد شيئاً، وهذا غير ممكن.
فلما بطلت الأقسام الثلاثة: لم يبق إلا الأول - وهو أنها
موضوعة للعموم - وهو الصحيح.
***
الصيغة الثانية: أدوات الشرط، وهي أنواع:
النوع الأول: " من " المستعملة للعقلاء كقوله تعالى: (ومن
يتوكل على اللَّه فهو حسبه) .
النوع الثاني: " ما " المستعملة لغير العقلاء كقوله تعالى:
(ما عندكم ينفد) .
النوع الثالث: " أي " المستعملة للعقلاء كقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل "،
والمستعملة لغير العقلاء كقولك:
"أي بهيمة رأيتها فاشترها "،
و" أي " عامة فيما تضاف إليه من
الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، والأطوال.
النوع الرابع: " أين " المكانية كقوله تعالى:
(أينما تكونوا يدرككم الموت) .
النوع الخامس: " متى " الزمانية كقولك: " متى تجلس أجلس ".
ونحو ذلك.
الأدلة على إفادة تلك الصيغة للعموم:
دل على أن أدوات الشرط تفيد العموم ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط، فيصح
أن يقول: " من دخل داري فأكرمه إلا زيداً "، والاستثناء يخرج من
الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن " من " الشرطية للعموم.
стр. 1401
الدليل الثاني: إجماع الفقهاء وأهل اللسان على ترتب الأحكام
العامة إذا عبر بلفظ من هذه الألفاظ الشرطية، فمثلاً لو قال: " من
دخل من عبيدي هذه الدار فهو حر "، فإن الفقهاء وأهل اللسان قد
أجمعوا على أنه يعتق كل عبد له دخل الدار، ولهذا يجوز لكل من
سمع هذا ورأى دخول العبد الدار أن يستخدمه، ويستأجره،
ويشتري منه ويبيع عليه، دون إجازة مولاه.
الدليل الثالث: توجيه الاعتراض والذم إلى من خالف الأمر العام
بها، وسقوطه عمن جرى على موجب العموم، فمثلاً لو قال
السيد لعبده: " من دخل داري فأكرمه "، فإن أكرم جميع الداخلين
فإنه يستحق المدح والثواب، وإن أكرم بعض الداخلين فقط دون
البعض الآخر، فإنه يستحق الاعتراض من السيد، وذمه وعقوبته فلو
جاء عقلاء أهل اللغة وهو يعاقبه فقالوا: لماذا تفعل به هذا؛ فقال
لهم: إني قد أمرته بأمر عام، فلم ينفذ ذلك الأمر العام، فهنا
يوافقونه على هذا الذم، وهذا يدل على أن أداة الشرط تفيد العموم.
الصيغة الثالثة: " كل "، و " جميع ":
مثل قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ،
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) .
والفرق بين " كل " و " جميع ":
أن " كل " تقتضي الاستغراق والعموم مطلقا، سواء أضيفت إلى
نكرة نحو قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .
أو أضيفت إلى معرفة وهي جمع كقولك: " كل الرجال ".
стр. 1402
أو أضيفت إلى معرفة وهي مفرد كقولك: " كل غزال جميل ".
ولذلك كانت " كل " أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل
وغيره، والمذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، وسواء ذكر
المضاف إليه كما سبق، أو حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى:
(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) .
أما " جميع " فهي مثل " كل " إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة
فقط، فتقول: " جميع الرجال "، ولا تقول: " جميع رجل "،
أما " كل " فيجوز ذلك.
الأدلة على إفادة هذه الصيغة للعموم:
دل على أنهما يفيدان العموم: ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير والغوص في
الاستغراق، فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ " كل "، و " جميع "
ولو لم يفيدا العموم لما فزعوا إليهما وتركوا غيرهما.
الدليل الثاني: أنه لما سمع عثمان بن مظعون قول لبيد:
... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل
قال له: " كذبت نعيم الجنة لا يزول "، فلولا أن " كل " تفيد
العموم لما صح هذا التكذيب، وقد سبق هذا.
الدليل الثالث: لو قال السيد: " أعتقت كل - أو جميع -
عبيدي وإمائي "، ومات في الحال، ولم يعلم منه أمر آخر سوى
هذه العبارة: فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن جميع عبيده وإمائه قد
عتقوا، ولهذا يجوز أن يتصرف معهم بأي نوع من أنواع التصرف
بدون الرجوع إلى الورثة.
الدليل الرابع: أن لفظ " كل " و " بعض " موضوع أحدهما
стр. 1403
للعموم، والآخر موضوع للخصوص، و "كل " مقابل للبعض، واتفق
على أن لفظ " بعض " للخصوص، فيكون لفظ " كل " للعموم.
الدليل الخامس: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهما،
وتوجيهه على العاصي، بيانه:
أن السيد لو قال لعبده: " أكرم كل من دخل داري "، فإن أكرم
جميع الداخلين، فإنه يسقط الاعتراض عنه، ويستحق المدح، فلو
قال السيد لعبده: " أنت أفنيت دراهمي بإكرامك جميع الداخلين
وإنما قصدت من عبارتي: إكرام العلماء فقط "، فيقول العبد
- مدافعاً عن نفسه -: " أنت ما أمرتني بإكرام العلماء، وإنما أمرتني
بإكرام جميع الداخلين "، فعقلاء أهل اللغة يوافقون العبد على
تصرفه، ويخالفون السيد، فلو لم تكن " كل " مفيدة للعموم لما
صح ذلك.
وكذلك لو أن العبد أعطى كل الداخلين إلا واحداً، فقال له
السيد: لماذا لم تعطه؛ فقال العبد: لأنه جاهل - مثلاً - فإن العبد
يستوجب التأديب من قبل السيد، ومن قبل عقلاء أهل اللغة، لأنه
لم يمتثل الأمر على العموم، ولو لم تكن " كل " تفيد العموم لما
صح ذلك.
***
الصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ " أل " مثل: " الرجال "
و" المسلمين " و " الناس ":
إن كان هناك معهود، فإنه ينصرف إلى المعهود مثل قولهم:
"جمع الأمير الصاغة "، وإن لم يكن هناك معهود، فقد اختلف
العلماء هل يفيد العموم أو لا؛ على مذهبين:
стр. 1404
المذهب الأول: أنه يفيد العموم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لما قال بعض الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير "
قال أبو بكر ﵁: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:
" الأئمة من قريش "، فسلم الأنصار ذلك وانسحبوا، ولو لم يدل
الجمع المعرف بـ " أل " - وهو هنا " الأئمة " على العموم لما صحت تلك
الدلالة، ولما انسحب الأنصار - ولما وافقه بقية الصحابة على ذلك،
وقد سبق.
الدليل الثاني: أنه لما عزم أبو بكر على قتال مانعي الزكاة، قال
له عمر: أليس قال رسول اللَّه ﷺ :
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "،
فهنا قد احتج عليه بعموم لفظ " الناس "، ولم ينكر
عليه أبو بكر ولا أحد من الصحابة إفادته للعموم، بل عدل أبو بكر
إلى الاستثناء، فقال: أليس قد قال: " إلا بحقها "، وأن الزكاة
من حقها.
الدليل الثالث: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله
تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ، فلو لم يفد العموم لما
جاز تأكيده بـ كل، وبـ أجمع.
الدليل الرابع: صحة الاستثناء من الجمع المعرف بـ " أل " فتقول.:
"أكرم الرجال إلا زيداً"، ولو لم يكن مفيداً العموبم لما صح الاستثناء
منه.
الدليل الخامس: الجمع المعرف أعلى في الكثرة من الجمع المنكر؛
لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف، ولا ينعكس: فيجوز أن تقول:
стр. 1405
" رجال من الرجال "، ولا يجوز أن تقول: " الرجال من رجال "،
ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع.
المذهب الثاني: أن الجمع المعرف بـ " أل " لا يفيد العموم، بل هو
يحتمل العموم والخصوص، وهو مذهب قد حكي عن أبي هاشم
المعتزلي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن " أل " يحتمل أن تكون استغراقية، ويحتمل أن
تكون عهدية، والاحتمالان متساويان، فيكون الجمع المعرف بأل
مشتركا بين العموم والخصوص.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن " أل " للتعريف، فينصرف إلى ما يعرفه
السامع، فإن كان هناك عهد، فالسامع به أعرف، فيصرفه إليه،
وإن لم يكن هناك عهد كان السامع أعرف بالكل من البعض؛ لأن
الكل واحد، والبعض كثير مختلف، فيكون الجمع المعرف بـ أل
منصرفا إلى الكل.
الجواب الثاني: إنما يقال ذلك: إذا كان لا يتبادر من الجمع
المعرف بـ " أل " أي معنى من المعنيين، وهذا غير صحيح هنا؛ لأنه يتبادر
من الجمع المعرف بـ " أل " الاستغراق، فيكون يقتضيه حقيقة، ولا يحمل
على العهد إلا بقرينة.
الدليل الثاني: أنه يقال: " جمع الأمير العلماء "، فإنه معلوم:
أنه ما جمع جميع العلماء الذين على وجه الأرض، والأصل في
следующие страницы →