← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الدليل الثاني: إجماع الفقهاء وأهل اللسان على ترتب الأحكام العامة إذا عبر بلفظ من هذه الألفاظ الشرطية، فمثلاً لو قال: " من دخل من عبيدي هذه الدار فهو حر "، فإن الفقهاء وأهل اللسان قد أجمعوا على أنه يعتق كل عبد له دخل الدار، ولهذا يجوز لكل من سمع هذا ورأى دخول العبد الدار أن يستخدمه، ويستأجره، ويشتري منه ويبيع عليه، دون إجازة مولاه. الدليل الثالث: توجيه الاعتراض والذم إلى من خالف الأمر العام بها، وسقوطه عمن جرى على موجب العموم، فمثلاً لو قال السيد لعبده: " من دخل داري فأكرمه "، فإن أكرم جميع الداخلين فإنه يستحق المدح والثواب، وإن أكرم بعض الداخلين فقط دون البعض الآخر، فإنه يستحق الاعتراض من السيد، وذمه وعقوبته فلو جاء عقلاء أهل اللغة وهو يعاقبه فقالوا: لماذا تفعل به هذا؛ فقال لهم: إني قد أمرته بأمر عام، فلم ينفذ ذلك الأمر العام، فهنا يوافقونه على هذا الذم، وهذا يدل على أن أداة الشرط تفيد العموم. الصيغة الثالثة: " كل "، و " جميع ": مثل قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) . والفرق بين " كل " و " جميع ": أن " كل " تقتضي الاستغراق والعموم مطلقا، سواء أضيفت إلى نكرة نحو قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) . أو أضيفت إلى معرفة وهي جمع كقولك: " كل الرجال ".

стр. 1402

أو أضيفت إلى معرفة وهي مفرد كقولك: " كل غزال جميل ". ولذلك كانت " كل " أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل وغيره، والمذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، وسواء ذكر المضاف إليه كما سبق، أو حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى: (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) . أما " جميع " فهي مثل " كل " إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة فقط، فتقول: " جميع الرجال "، ولا تقول: " جميع رجل "، أما " كل " فيجوز ذلك. الأدلة على إفادة هذه الصيغة للعموم: دل على أنهما يفيدان العموم: ما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير والغوص في الاستغراق، فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ " كل "، و " جميع " ولو لم يفيدا العموم لما فزعوا إليهما وتركوا غيرهما. الدليل الثاني: أنه لما سمع عثمان بن مظعون قول لبيد: ... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل قال له: " كذبت نعيم الجنة لا يزول "، فلولا أن " كل " تفيد العموم لما صح هذا التكذيب، وقد سبق هذا. الدليل الثالث: لو قال السيد: " أعتقت كل - أو جميع - عبيدي وإمائي "، ومات في الحال، ولم يعلم منه أمر آخر سوى هذه العبارة: فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن جميع عبيده وإمائه قد عتقوا، ولهذا يجوز أن يتصرف معهم بأي نوع من أنواع التصرف بدون الرجوع إلى الورثة. الدليل الرابع: أن لفظ " كل " و " بعض " موضوع أحدهما

стр. 1403

للعموم، والآخر موضوع للخصوص، و "كل " مقابل للبعض، واتفق على أن لفظ " بعض " للخصوص، فيكون لفظ " كل " للعموم. الدليل الخامس: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهما، وتوجيهه على العاصي، بيانه: أن السيد لو قال لعبده: " أكرم كل من دخل داري "، فإن أكرم جميع الداخلين، فإنه يسقط الاعتراض عنه، ويستحق المدح، فلو قال السيد لعبده: " أنت أفنيت دراهمي بإكرامك جميع الداخلين وإنما قصدت من عبارتي: إكرام العلماء فقط "، فيقول العبد - مدافعاً عن نفسه -: " أنت ما أمرتني بإكرام العلماء، وإنما أمرتني بإكرام جميع الداخلين "، فعقلاء أهل اللغة يوافقون العبد على تصرفه، ويخالفون السيد، فلو لم تكن " كل " مفيدة للعموم لما صح ذلك. وكذلك لو أن العبد أعطى كل الداخلين إلا واحداً، فقال له السيد: لماذا لم تعطه؛ فقال العبد: لأنه جاهل - مثلاً - فإن العبد يستوجب التأديب من قبل السيد، ومن قبل عقلاء أهل اللغة، لأنه لم يمتثل الأمر على العموم، ولو لم تكن " كل " تفيد العموم لما صح ذلك. *** الصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ " أل " مثل: " الرجال " و" المسلمين " و " الناس ": إن كان هناك معهود، فإنه ينصرف إلى المعهود مثل قولهم: "جمع الأمير الصاغة "، وإن لم يكن هناك معهود، فقد اختلف العلماء هل يفيد العموم أو لا؛ على مذهبين:

стр. 1404

المذهب الأول: أنه يفيد العموم. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه لما قال بعض الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير " قال أبو بكر ﵁: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: " الأئمة من قريش "، فسلم الأنصار ذلك وانسحبوا، ولو لم يدل الجمع المعرف بـ " أل " - وهو هنا " الأئمة " على العموم لما صحت تلك الدلالة، ولما انسحب الأنصار - ولما وافقه بقية الصحابة على ذلك، وقد سبق. الدليل الثاني: أنه لما عزم أبو بكر على قتال مانعي الزكاة، قال له عمر: أليس قال رسول اللَّه ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "، فهنا قد احتج عليه بعموم لفظ " الناس "، ولم ينكر عليه أبو بكر ولا أحد من الصحابة إفادته للعموم، بل عدل أبو بكر إلى الاستثناء، فقال: أليس قد قال: " إلا بحقها "، وأن الزكاة من حقها. الدليل الثالث: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ، فلو لم يفد العموم لما جاز تأكيده بـ كل، وبـ أجمع. الدليل الرابع: صحة الاستثناء من الجمع المعرف بـ " أل " فتقول.: "أكرم الرجال إلا زيداً"، ولو لم يكن مفيداً العموبم لما صح الاستثناء منه. الدليل الخامس: الجمع المعرف أعلى في الكثرة من الجمع المنكر؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف، ولا ينعكس: فيجوز أن تقول:

стр. 1405

" رجال من الرجال "، ولا يجوز أن تقول: " الرجال من رجال "، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع. المذهب الثاني: أن الجمع المعرف بـ " أل " لا يفيد العموم، بل هو يحتمل العموم والخصوص، وهو مذهب قد حكي عن أبي هاشم المعتزلي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن " أل " يحتمل أن تكون استغراقية، ويحتمل أن تكون عهدية، والاحتمالان متساويان، فيكون الجمع المعرف بأل مشتركا بين العموم والخصوص. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن " أل " للتعريف، فينصرف إلى ما يعرفه السامع، فإن كان هناك عهد، فالسامع به أعرف، فيصرفه إليه، وإن لم يكن هناك عهد كان السامع أعرف بالكل من البعض؛ لأن الكل واحد، والبعض كثير مختلف، فيكون الجمع المعرف بـ أل منصرفا إلى الكل. الجواب الثاني: إنما يقال ذلك: إذا كان لا يتبادر من الجمع المعرف بـ " أل " أي معنى من المعنيين، وهذا غير صحيح هنا؛ لأنه يتبادر من الجمع المعرف بـ " أل " الاستغراق، فيكون يقتضيه حقيقة، ولا يحمل على العهد إلا بقرينة. الدليل الثاني: أنه يقال: " جمع الأمير العلماء "، فإنه معلوم: أنه ما جمع جميع العلماء الذين على وجه الأرض، والأصل في

стр. 1406

الكلام الحقيقة، فتكون هذه الألفاظ حقيقة فيما دون الاستغراق، فوجب أن لا تكون حقيقة في الاستغراق. جوابه: أن هذا القول صحيح، ولكنه مخصص بالعرف، فهو جمع العلماء الذين يمكنه جمعهم عرفا، كما يقال: " من دخل داري أكرمته "، فإنه لا يتناول الملائكة واللصوص. الدليل الثالث: أنه لو كان الجمع المعرف بـ " أل " يفيد العموم: للزم أن يكون قولنا: " رأيت كل الناس " خطأ؛ لأنه تكرار للفظين يؤديان معنى واحداً وهما: " كل "، و " الناس "، حيث يفيدان العموم. وللزم أن يكون قولنا: " رأيت بعض الناس " خطأ؛ لأنه تناقض، حيث إن لفظ " بعض " مناقض للفظ: " الناس ". جوابه: لا نسلم أن الأول يكون تكراراً، بل يكون تأكيداً. ولا نسلم أن الثاني يكون نقضا، بل يكون تخصيصا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي وهو ظاهر، فإنه على المذهب الأول يكون لفظ " الرجال "، أو " المؤمنون " مفيداً للعموم بدون قرائن، أما على المذهب الثاني فإنه لا يفيد العموم إلا بقرينة. فلو حلف ليصومن الأيام، فإنه بناء على المذهب الأول: يحمل

стр. 1407

على جميع أيام العمر، وبناء "على المذهب الثاني: لا يحمل على شيء حتى تأتي قرينة تبين المراد، وهكذا. *** الصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم: دلَّ على ذلك ما يلي: الدليل الأول: صحة الاستثناء، فيجوز أن تقول: " أكرم طلاب الكلية إلا زيداً ". الدليل الثاني: لو قال: " أعتقت عبيدي وإمائي "، و " طلقت نسائي "، فإنه يعم جميع العبيد، والإماء، والنساء بإجماع العلماء. الدليل الثالث: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهذه الصيغة وتوجهه على العاصي. وكل هذه الأدلة قد سبق بيانها. *** الصيغة السادسة: " واو " الجمع تفيد العموم، فإذا أمر جمعا بصيغة الجمع فإنه يكون للعموم: يدل على ذلك: أن السيد لو قال لعبيده: " قوموا "، فإن قاموا جميعا، فإنهم يستحقون المدح، وإن قام بعضهم، دون بعض، فإن الذين قاموا يستحقون المدح، أما الذين لم يقوموا فإنهم يستحقون الذم والتأديب. فاستحقاق هؤلاء للمدح، وهؤلاء للذم دليل على أن الصيغة للعموم.

стр. 1408

أثر هذه الصيغة: أنه لو قال - مثلاً - لوكلائه: " أعطوا زيداً مما في أيديكم عشرة"، فإن كل واحد مأمور بإعطاءه شيئاً، ويفهم أيضا من كلامه: أن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه. *** الصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي هل تفيد العموم؟ مثاله: " لا أحد في الدار "، أو " ما قام أحد " ونحو ذلك. اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: صحة الاستثناء من هذه النكرة، فيجوز أن تقول: " لا رجل في الدار إلا زيداً "، و " ما قام أحد إلا زيداً "، والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام. الدليل الثاني: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحد: " لا إله إلا اللَّه " نفيا لجميع الآلهة سوى اللَّه تعالى. الدليل الثالث: أن " لا " في قولهم: " لا رجل في الدار " مسماة بـ " لا الجنس "، وإنما ينتفي الجنس بانتفاء كل فرد من أفراده، وذلك يدل على أنه يفيد الاستغراق. المذهب الثاني: أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم إلا بشرط أن تكون النكرة مسبوقة بـ " من " الجارة، سواء كانت ظاهرة كقوله تعالى: (وما من إله إلا الله) ، أو مقدرة كقوله: (لا إله إلا الله) ، والتقدير: ما من إله يعبد بحق إلا اللَّه.

стр. 1409

وهو مذهب بعض النحاة كأبي البقاء العكبري، وبعض اللغويين. دليل هذا المذهب: أن النكرة في سياق النفي إذا خلت من حرف " من " تكون غير صريحة في إفادتها للعموم؛ حيث يجوز الزيادة عليها فتقول مثلاً: " ما عندي رجل بل رجلان "، وهذا لا يؤدي إلى التناقض؛ حيث إنه قصد: أن ما عنده رجل واحد، بل عنده رجلان، لذلك لا تعم. أما إذا قال: " ما عندي من رجل "، فإنه يعم؛ لامتناع إثبات الزيادة عليه، فلا يمكنه أن يقول: " ما عندي من رجل بل رجلان " صمان قاله: وقع تناقض، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات " منْ " وعدمها، فدل على أن " من " هي المؤثرة في العموم. جوابه: يجاب عن هذا بجواب إجمالي، وتفصيلي: أما الجواب الإجمالي فهو أن يقال: إن هذا مخالف لإجماع العلماء في الفقه والعقيدة. أما مخالفته لما أجمع عليه العلماء في الفقه، فهو أن العلماء قد أجمعوا على أن الشخص لو حلف وقال: " والله لا آكل رغيفا " فإنه يحنث إذا أكل رغيفين، وتجب عليه كفارة يمين، فلو كان قولكم صحيحا: لما حنث؛ حيث إنه يؤول - على زعمكم - بأنه حلف أن لا ياكل رغيفا واحداً، ولم يحلف على أنه لا ياكل رغيفين. أما مخالضه لما أجمعت عليه الأُمَّة في العقيدة فبيانه أن يقال: لو كان يجوز أن يقال: " ما عندي رجل بل رجلان " لجاز أن يقال في قوله تعالى: (ولم تكن له صاحبة) بل صاحبتان.

стр. 1410

ولجاز أن يقال في قوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، بل يظلم اثنين، لأنه ورد فيها كلها نكرة، ولم يتوفر فيها شرطكم، وهو: كونها مسبوقة بـ مِن، لذلك ما تقتضي العموم على زعمكم، وهذا ظاهر البطلان، بل يؤدي إلى الكفر. أما الجواب التفصيلي فهو أن يقال: إن النكرة إذا أطلقت - أي: لم تقيد بأي قرينة - فإنها تكون مستعملة فيما وضعت له حقيقة، وهو العموم مثل قولنا: "ما عندي رجل "، و " لا رجل في الدار". أما إذا لم تطلق بل قيدت بقرينة، فإنها تكون لما اقتضته هذه القرينة، فتكون لغير ما وضعت له، وهو المجاز، أي: الخصوص مثل قوله: " ما عندي رجل بل رجلان "، فقوله: " بل رجلان " قرينة لفظية صرفت اللفظ، وهي: النكرة في سياق النفي من كونها مفيدة للعموم إلى أنها للخصوص، فإذا زالت هذه القرينة، فإن الصيغة وهي: النكرة في سياق النفي تعود لما وضعت له أصلاً، وهو: العموم، قياساً على أسماء الحقائق، فلو قال مثلاً: " رأيت أسداً "، فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على ما وضع له حقيقة وهو: الحيوان المفترس، فإذا قال المتكلم: " رأيت أسداً يخطب " فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على غير ما وضع له، وهو: الرجل الشجاع بسبب تلك القرينة، وهي لفظ " يخطب "، فلو زالت القرينة، فإن السامع يحمل لفظ " الألممد " على الحقيقة، وهو الحيوان المفترس. كذلك هنا: فإن لفظ " بل رجلان " إذا وجد لم تفد النكرة في سياق النفي العموم، وصارت للخصوص، وإذا عدم هذا اللفظ أفادت النكرة في سياق النفي العموم.

стр. 1411

اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضاً -: إن كلامكم يدل على أن " من " الجارة لا تأثير لها في العموم، ووجودها في بعض الآيات، كقوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) لا فائدة منه، مما يؤدي إلى أن نقول: إن هناك حروفاً في القرآن قد وردت عبثا. جوابه: نحن لا نقول: إن لفظ: " من " لا فائدة لها، بل لها فائدة وهي: أنها مؤكدة للعموم، أي: أن النكرة في سياق النفي المسبوقة بـ " من " اَكد من النكرة في سياق النفي التي لم تسبق بـ " من "، وفائدة التوكيد في الكلام: رفع اللبس، وإزالة الاتساع في الفهم. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ما سبق من أنه إذا قال: " والله لا آكل رغيفاً "، فإنه بناء على المذهب الأول يحنث إذا أكل رغيفاً فأكثر، وبناء على المذهب الثاني فإنه لا يحنث إذا اكل رغيفين. *** الصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ " أل " هل يفيد العموم؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يفيد العموم. وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: صحة الاستثناء من المفرد المحلى بال، وقد ورد ذلك في القرآن كقوله تعالى: (إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا) .

стр. 1412

فاستثنى اللَّه تعالى هذا الجم الغفير - وهم المؤمنون - من لفظ " الإنسان "، وهو مفرد محلى بـ أل، فلو لم يكن المفرد المحلى بـ أل مفيداً للعموم لما جاز الاستثناء منه. الدليل الثاني: أنه يؤكد بما يؤكد به العموم، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فلفظ "الطعام " مفرد محلى بـ " أل "، وأكد بلفظ " كل "، فلو لم يكن المفرد المحلى بـ " أل " مفيداً للعموم لما جاز تاكيده بما يؤكد به العموم. الدليل الثالث: أنه ينعت بما ينعت به العموم، وورد ذلك بقوله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) ، فهنا قد نعت لفظ " الطفل " وهو مفرد محلى بـ " أل " بالجمع، وهو قوله: (الذين) ، فلو لم يكن المفرد المحلى بـ " أل " مفيداً للعموم: لما جاز ذلك. المذهب الثاني: أن المفرد المحلى بـ " أل " لا يفيد العموم. وهو مذهب كثير من العلماء كفخر الدين الرازي، وأكثر أتباعه، وأبي هاشم. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لو كان المفرد المحلى بـ " أل " يفيد العموم للزم أنه إذا قال: " لبست الثوب "، أو " شربت الماء " أنه لا يصدق إلا إذا لبس جميع ثياب العالم، وشرب جميع مياه الدنيا، وهذا لا يمكن، فدل على أن المفرد المحلى بـ " أل " لا يفيد العموم. جوابه: إن هذه الأقوال مفيدة للعموم، لكنها مخصصة بالعرف، ودليل

стр. 1413

العقل، وهما مخصصان للعموم، فهو لم يلبس إلا الثوب المتعارف عليه أن يلبس، ولم يشرب إلا الماء الذي يرويه عرفا. الدليل الثاني: أن المفرد المحلى بـ " أل " لا ينعت بما ينعت به الجمع، فلا يقال: " جاءني الطالب الفضلاء "، فلو كان مفيداً للعموم لجاز ذلك. جوابه: أنا أثبتنا أن المفرد المحلى بـ " أل " ينعت بما ينعت به الجمع، وهذا ثبت عن طريق النقل من كتاب الله، ومن كلام العرب: أما الكتاب، فقد قال تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) . أما كلام العرب فقد قالوا: " أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض "، فهنا قد نعت المفرد المحلى بـ " أل " وهو: " الدينار "، و"الدرهم " بالجمع، وهو " الصفر "، و " البيض "، ولم يقولوا: " أهلك الناس الدينار الأصفر والدرهم الأبيض " مما يدل على أن المفرد المحلى بـ " أل " يفيد العموم، أما ما ذكرتموه فهو من إنشاءكم لا يقوى على معارضة ما ذكرناه. بيان نوع الخلاف: هذا الخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها: ١ - أنه لو قالت المرأة: " قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني " فإنه على المذهب الأول: يجوز لكل عاقد أن يزوجها، أما على المذهب الثاني: فلا يجوز. ٢ - أنه لو قال: " إذا قدم الحاج فأنت طالق ".، فعلى المذهب

стр. 1414

الأول: أنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات أحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق. أما على المذهب الثاني: فإنها تطلق إذا قدم واحد من الحجاج. ٣ - إذا نوى التيمم بتيممه الصلاة وأطلق، ولم ينو فرضاً ولا نفلاً - وقلنا: إن التيمم يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث - فهل يتناول هذا التيمم الفرض والنفل؛ فبناء على المذهب الأول: أنه يتناول الأمرين، وبناء على المذهب الثاني: فإنه يتناول النفل فقط. الصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة يفيد العموم: وهذا دلَّ عليه: صحة الاستثناء، فتقول مثلاً: " أكرم عالم هذه المدينة إلا زيداً "، والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام. أثر هذه الصيغة: ١ - إذا قال: " زوجتي طالق وعبدي حر "، ولم ينو معيناً: فإن جميع زوجاته طوالق، وجميع عبيدء أحرار؛ استدلالاً بهذه القاعدة. ٢ - إذا قال: " وقفت هذه الدار على ولدي "، فإنه يتناول جميع أولاده الذكور والإناث؛ بناء على هذه القاعدة. *** الصيغة العاشرة: الاسم الموصول، سواء كان مفرداً كالذي، والتي، أو مثنى كاللذين، أو جمعاً كاللذين، واللاتي، واللائي يفيد العموم: دل على ذلك ما يلي: الدليل الأول: صحة الاستثناء فتقول: "أكرم الذي نجح إلا زيداً".

стр. 1415

الدليل الثاني: سقوط الاعتراض من السيد لعبده إذا أمر بأمر فيه اسم موصول، وامتثل العبد أمر السيد، وتوجهه إذا لم يمتثل. وهذا إذا قال للعبد: " أكرم الذي يدخل الدار ". وقد سبق بيان ذلك مراراً. *** الصيغة الحادية عشرة: " سائر ": وهي المشتقة من سور المدينة، أي: الشامل. أما " سائر " التي بمعنى الباقي فليست من صيغ العموم، ومنه قوله ﷺ لغيلان الثقفي لما أسلم وتحته عشر من النسوة -: " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن " أي: باقيهن. ويدل على أن " سائر " من صيغ العموم ما يلي: الدليل الأول: استعمال فصحاء العرب لها على أنها تفيد العموم كقول أبي العلاء المعري: أشرب العالمون حبك طبعا ... فهو فرض في سائر الأديان وقال: فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا الدليل الثاني: صحة الاستثناء، وقد ورد ذلك في قول ذي الرمة: معرسا في بياض الصبح وقعته ... وسائر السير إلا ذاك منجذب. فسائر هنا بمعنى: جميع، بدليل أنه استثني منه.

стр. 1416

المطلب السابع الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يفيد العموم، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب الجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول: "رجال ثلاثة وأربعة وخمسة"، وهذا كله جائز، لكن لا تشير بذلك إلى أقل من ثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها، فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل. المذهب الثاني: أنه يفيد العموم. وهو مذهب الجبائي. دليل هذا المذهب: أن المرتبة المستغرقة لهذه المراتب إحدى مراتب الجمع المنكر، فيحمل عليها؛ لأنه أحوط، فإن ما عداها داخل فيها، أما هي فلا تدخل في غيرها، وما دام الجمع المنكر يصح حمله على المرتبة المستغرقة لجميع المراتب كان عاما؛ لأنه يصدق عليه تعريف العام، وهو: أنه لفظ استغرق جميع ما يصلح له. جوابه: لا نسلم أن الأحوط هو حمل الجمع المنكر على المرتبة المستغرقة،

стр. 1417

بل هذا ممنوع؛ لجواز أن يكون الأحوط هو حمله على أقل مراتبه، خصوصاً إذا وقع الجمع في جانب الأمر؛ لأن ذلك فيه براءة الذمة بخلاف حمله على المرتبة المستغرقة، فإن ذلك يكون شغل الذمة بما لم يقم الدليل على شغلها به، والأصل أن الذمة بريئة من التكاليف. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، وهو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: " أكرم علماء "، فإنه بناء على المذهب الأول: يكرم العبد ثلاثة فقط وتبرأ ذمته، وبناء على المذهب الثاني: فإنه لا تبرأ ذمة العبد إلا بعد أن يكرم جميع العلماء.

стр. 1418

المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه ؟ فمثلاً إذا قلنا: " لا يستوي زيد وعمر "، فهل هذا يقتضي نفي المساواة في جميع الوجوه: في الكرم والعلم، والخلق، وغير ذلك أو هو: يقتضي نفي المساواة من بعض الوجوه - فقط - كالكرم، أو نحو ذلك؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق عندي؛ لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد العموم من جميع الوجوه. المذهب الثاني: أن نفي المساواة بين الشيئين لا يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه، بل من بعضها - فقط -. وهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من الحنفية. دليل هذا انذهب: أن نفي المساواة بين الشيئين يحتمل احتمالين هما:

стр. 1419

الاحتمال الأول: نفي المساواة بينهما من كل الوجوه. الاحتمال الثاني: نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه. ومعلوم أن المقسم - وهو نفي المساواة - أعم من القسمين، وبذلك يكون نفي المساواة أعم، وكل واحد من القسمين أخص، والأعم لا يدل على الأخص من حيث خصوصه، فلا يكون نفي المساواة عاماً في نفيها من كل الوجوه. جوابه: نسلم أن الأعم لا يدل على الأخص في جانب الإثبات؛ لأن ثبوت الأعم لا يعتبر ثبوتاً للأخص، فمثلاً: لو قال شخص: "رأيت حيواناً " لا يدل على أنه رأى إنسانا. أما في جانب النفي فلا نسلم ما ذكرتموه، فإن الأعم يدل على الأخص، لأن المراد بالنفي هو: نفي الماهية، والماهية لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، فلو بقي فرد من أفرادها لتحققت الماهية فيه، وحينئذٍ لايتحقق ما قصد من اللفظ. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها: إذا قتل المسلمُ الكافر الذمي فهل يقتل المسلم به؟ اختلف في ذلك على قولين -: القول الأول: إن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) ، ونفي الاستواء يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر: لحصل

стр. 1420

بينهما استواء في القصاص، والذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل منه في العصمة. القول الثاني: أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بآثار، منها: أن النبي ﷺ قتل مسلما بذمي وقال: " أنا أحق من وفى بذمته ". ولما قيل لهم: إن هذا ينافي نص الآية التي نفت المساواة بينهما، وهذا النفي عام للدنيا والآخرة. قالوا: إن المراد بنفي المساواة في الآية، هو: نفي المساواة من وجه واحد وهو: نفيها في الفوز بالجنة بدليل قوله: (أصحاب الجنة هم الفائزون) . فعند أصحاب القول الثاني: إن المساواة متحققة بين المسلم والكافر الذمي في الدنيا، فالذمي دمه معصوم كالمسلم، فمن قتله قتل به، ولو كان مسلما.

стр. 1421

المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى مفعولاته أو لا ؟ المسألة مفروضة فيما إذا كان الفعل متعديا، ولم يذكر مفعوله، ووقع الفعل في سياق النفي كقوله: " والله لا آكل "، أو وقع في سياق الشرط كقوله: " إن أكلت فأنتِ طالق "، فهل يكون هذا عاما في جميع المأكولات أو لا؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يكون عاماً في جميع المأكولات، وإذا كان كذلك فإنه يقبل التخصيص؛ حيث إنه: إن نوى المتكلم مأكولاً معيناً، فإنه لا يحنث بأكل غيره. وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في سياق النفي فإنها تعم، كذلك الفعل إذا وقع في سياق الشرط فإنه يعم، وقد سبق أنهما - أي: أن النكرة في سياق النفي، والشروط - من صيغ العموم، إذن الفعل في سياق النفي، والشرط عام، ومتى ثبت عمومه فإنه يقبل التخصيص. الدليل الثاني: أن الفعل المنفي في قوله: " والله لا آكل " يقصد منه نفي الماهية، والماهية - كما قلنا سابقاً - لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، حيث إنه لو بقي فرد لتحققت الماهية فيه، فيكون اللفظ - على هذا - عام، والعام يقبل التخصيص.

стр. 1422

المذهب الثاني: أنه لا يكون عاما في جميع المأكولات، وإذا كان كذلك فإنه لا يقبل التخصيص، وهو مذهب كثير من الحنفية. دليل هذا المذهب: قياس الفعل المتعدي في مفعوله على الزمان والمكان، بيان ذلك: أنه لو عم الفعل المتعدي في مفعوله: للزم من ذلك: أن يعم كذلك في الزمان والمكان؛ قياساً على ذلك، والجامع: أن كلًّا من هذه الأمور يعتبر لازماً من لوازم الفعل، فالفعل المتعدي لا يتحقق إلا بمفعول، وهو كذلك لا يتحقق إلا في زمان ومكان، لكن الفعل المتعدىِ لا يعم بالنسبة للزمان، ولا المكان، فلذلك لا يقبل التخصيص فيها، فكذلك ما نحن فيه. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم عموم الفعل في الزمان والمكان؛ بل هو عام فيهما، وإذا كان كذلك فإنه يقبل التخصيص، فمن قال لزوجته: " إن كلمت زيداً فأنت طالق "، ثم قال: " قصدت التكليم شهراً "، فإنه يقبل منه ذلك، ونقل هذا عن الإمام الشافعي وهذا صريح في عموم الزمان وقبوله التخصيص، والمكان مثله. الجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن ذكر الفعل المتعدي يعتبر ذكراً للمفعول به، فكأنه موجود في اللفظ، فإذا قال: " والله لا آكل "، فإن الأكل قد ذكر في اللفظ، فيوصف بالعموم، ويرد عليه التخصيص، أما ذكر الفعل فلا يعتبر ذكراً لزمانه ولا لمكانه، فلا يكون كل منهما مذكوراً في اللفظ، فلا يوصفان بالعموم، ولذا لا يقبل التخصيص. -

стр. 1423

بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - لو قال: " والله لا أضرب " ونوى الضرب بالعصا مثلاً، فإنه لا يحنث بالضرب بالسوط أو غيره؛ لأن كلامه عام وخصصه بالنية، وهذا بناء على المذهب الأول. أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يحنث بالضرب بأي آلة؛ لأن كلامه لا يعم؛ لذلك لا تقبل التخصيص. ٢ - لو قال: " إن أكلت فأنت طالق "، ونوى أكلاً معينا كالتفاح، فإنها لا تطلق إذا أكلت البرتقال، أو غير التفاح؛ لأن كلامه عام، وخصصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص، هذا بناء على المذهب الأول. أما على المذهب الثاني: فإنها تطلق باكل أي أكل؛ لأن كلامه لا يعم، لذلك لا يقبل التخصيص.

стр. 1424

المطلب العاشر دلالة العام هل هي ظثية أو قطعية ؟ لقد قلنا: إن للعموم صيغاً مستعملة فيه تدل عليه، وهي تلك الصيغ التي ذكرناها، لكن هل إفادتها للعموم ظنية، أو قطعية؛ أي: هل تلك الألفاظ والصيغ تدل على العموم مع احتمال أن المقصود بها الخصوص، أو أنها تدل على العموم مع عدم احتمال الخصوص؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن دلالة العام ظنية، أي: أن تلك الصيغ والألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم أرجح من دلالتها على الخصوص. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن هذه الصيغ تستعمل للعموم كما سبق الاستدلال عليه - ومع ذلك فقد كثر إطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى اشتهر قولهم: " ما من عام إلا وقد خصِّص " إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، واستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيراً تجعل دلالتها على العموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل، وهو ما سبق. المذهب الثاني: أن دلالة العام قطعية، أي: أن تلك الصيغ والألفاظ تدل على العموم دلالة قطعية، فلا يحتمل الخصوص. وهو مذهب أكثر. الحنفية.

стр. 1425

دليل هذا المذهب: أن تلك الصيغ وضعت للعموم، دون الخصوص، فلا يفهم منها عند إطلاقها إلا ما وضعت له - وهو العموم -، واحتمال الخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد عن الدليل لا ينافي قطعية الدلالة. جوابه: لا نسلم أن احتمال الخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل بل إرادة الخصوص منها هو احتمال ناشى عن دليل - وهو: كثرة استعمالها في الخصوص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خصص، والاحتمال الناشئ عن دليل ينافي القطعية بالمدلول. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، له أثره؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول: فإن القياس وخبر الواحد يقويان على تخصيص العام؛ لأن دلالته عند هؤلاء ظنية، ودلالة خبر الواحد والقياس ظنية، والظني يقوى على تخصيص الظني. أما بناء على المذهب الثاني: فإن القياس وخبر الواحد لا يقويان على تخصيص العام؛ لأن دلالته عند هؤلاء قطعية، ودلالة القياس وخبر الواحد ظنية، والظني لا يقوى على تخصيص القطعي. وانبنى على ذلك بعض الفروع التي سيأتي ذكرها في المخصصات إن شاء اللَّه.

стр. 1426

المطلب الحادي عشر أقل الجمع ما هو ؟ لتحرير محل النزاع في هذه المسألة لا بد أن أذكر ما يلي: أولاً: ليس محل النزاع في هذه المسألة في معنى لفظ " الجمع " المركب من " ج، م، ع "، وذلك لأن موضوع هذا اللفظ يقتضي ضم شيء إلى شيء، وهذا منطبق على الاثنين والثلاثة، وما زاد بلا خلاف. ثانيا: وليس محل لخلاف في لفظ " الجماعة " في غير صلاة، فإن أقله ثلاثة بلا خلاف. ثالثاً: وليس محل الخلاف في تعبير الاثنين عن نفسيهما، أو الواحد عن نفسه بضمير الجمع، سواء كان ضمير المتكلم متصلاً كقوله: "فعلنا"، أو منفصلاً كقوله: " نحن ". رابعاً: وليس محل الخاث ف مدلول مثل قوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما) ، وقول اسقائل: " ضربت رؤوس الرجلين "، و"وطئت بطونهما "، وذلك لأن التعبير عن عضوين من جسدين بلفظ الجمع يقصد منه التخفيف، فإنه لو قيل: " قلباكما " لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين. خامسا: وليس محل التخفيف هو الجمع المعرف بـ " أل " كالرجال، فإنه للاستغراق. إذن ما هو محل النزاع؟

стр. 1427

محل النزاع هو: جمع القلة المنكر، وهي التي تكون على وزن أربعة أمور هي كما يلي: ١ - أفعلة كأرغفة ٢ - أفعل كأرجل. ٣ - أفعال كأثواب ٤ - فِعْلَة كصبية. وكذلك جمع المذكر السالم المنكر كمسلمين، وجمع المؤنث السالم كـ " مسلمات ". وكذلك جمع الكثرة المنكر كرجال. وكذلك " واو الجمع " مثل الواو في قوله: " خرجوا ". فاختلف العلماء في أقل الجمع هل هو ثلاثة أو اثنان أو واحد على مذاهب هي كما يلي: المذهب الأول: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين والواحد مجازاً. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه دخل على عثمان ﵁ فقال له: إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس، إنما قال تعالى: (فإن كان له أخوة فلأمه السدس) ، والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة، فقال عثمان: "لا أستطيع أن أنقض أمراً كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار ". وجه الدلاله: أن ابن عباس - وهو من أرباب اللسان وأهل اللغة والفصاحة والبلاغة، وترجمان القرآن وحبر الأمة - قد بيَّن أن أقل الجمع ثلاثة في اللغة، وعثمان - وهو أيضاً من أهل اللسان واللغة -

стр. 1428

قد وافقه على ذلك، فلم ينكر عليه ذلك، وإنما اعتذر عنه بأنه ترك مقتضى اللسان في هذه المسألة الفرعية - وهي مسألة حجب الأم من الثلث إلى السدس - بسبب وجود قرينة صرفت اللفظ من كونه لثلاثة إلى كونه يحمل على اثنين، وهذه القرينة والدليل هو: إجماع من قبله على خلافه، فلما عدل عن ذلك بالإجماع دلَّ على صحة ما قاله ابن عباس من أن الأخوين ليسا بأخوة في لغة العرب، فدل على أن الجمع لا يطلق على الاثنين حقيقة، فدل على أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة. ما اعترض به على هذا الدليل: الاعتراض الأول: أن هذا الأثو ضعيف من حيث سنده؛ لأنه من رواية شعبة بن دينار، وهذا قد تكلم فيه أئمة الحديث، والحديث الضعيف لا يمكن أن يستدل به على إثبات قاعدة أصولية ككون أقل الجمع ثلاثة. جوابه: لا نسلم ضعف هذا الأثر؛ حيث إن الحاكم قد صحَّحه في "المستدرك "، فقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وقد وافقه الذهبي على ذلك في " تعليقه على المستدرك "، ونقل الذهبي في " ميزان الاعتدال " أن أحمد بن حنبل قال في شعبة هذا: إنه ما به بأس. الاعتراض الثاني: على فرض صحة هذا الأثر، فإنه معارض بما أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "، والحاكم في " المستدرك " عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يقول. " الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعداً ".

стр. 1429

جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا الأثر المنقول عن زيد بن ثابت قد ورد في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهذا الرجل قد تكلم فيه بعض أئمة الحديث، فقال الإمام أحمد بن حنبل: " إنه مضطرب الحديث " وقال يحيى بن معين: " ابن أبي الزناد لا يحتج بحديثه "، وهذا الكلام في هذا الرجل قد ضعَّف من هذا الأثر مما جعله لا يقوى على معارضة الأثر الوارد عن ابن عباس وعثمان. الجواب الثاني: على فرض صحة ما نقل عن زيد ومعارضته لما نقل عن ابن عباس وعثمان، فإنا نرجح الأثر المروي عن عثمان وابن عباس؛ وذلك نظراً لكثرة وعظم مرتبة ابن عباس وعثمان - رضي الله عن الجميع - وعلمهما الواسع في الشريعة واللغة. الجواب الثالث: سلمنا صحة نسبة الأثر إلى زيد: فإنه يمكن الجمع بينه وبين الأثر المروي عن ابن عباس وعثمان بطرق، أحسنها: أن الأثر المروي عن عثمان وابن عباس يحمل على إطلاق اللغة بصورة عامة، فإنها تقتضي أن أقل الجمع ثلاثة في جميع أبواب الفقه، أما كلام زيد فإنه يحمل على أن الجمع يطلق علي الاثنين في هذه المسألة فقط، وهي: " حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين "، وهناك أجوبة أخرى وطرق للجمع قد ذكرتها في كتابي " أقل الجمع عند الأصوليين "، فارجع إليه. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ". وجه الدلالة: أن ﷺ قد فصل بين التثنية والجمع، وجعل

стр. 1430

للاثنين اصطلاحاً خاصا دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع حقيقة. الدليل الثالث: قوله ﷺ : "الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم ". وجه الدلالة: نفس السابق. الدليل الرابع: أن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة فيقال: " ثلاثة رجال "، و " رجال ثلاثة "، لكن التثنية لا تنعت بالجمع، ولا ينعت الجمع بالتثنية، فلا يقال " اثنان رجال "، ولا يقال: " رجال اثنان "، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعا. الدليل الخامس: أن العرب جعلت مراتب الأعداد ثلاثة أقسام: " الواحد "، ثم " التثنية "، ثم " الجمع "، فقالوا: " رجل "، و" رجلان "، و " رجال ". فلو كان الجمع يطلق على الاثنين حقيقة: لكانت مراتب الأعداد منحصرة في ضربين هما: " الواحد "، و " الجمع "، وهذا مما لا يجوز؛ لأنه خلاف ما استقر عليه وضع لغة العرب. الدليل السادس: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع في الضمير المتصل، فقالوا في التثنية: " فعلا "، و " افعلا "، وقالوا في الجمع: " فعلوا "، و " افعلوا "، فلو كان الجمع يطلق على التثنية: لما فرقوا بينهما، ولقالوا لكل منهما: " فعلوا " أو " افعلوا" ولكنهم لم يقولوا ذلك مما يدل على أن التثنية ليست بجمع، فينتج: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة. الدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين التثنية والجمع في

стр. 1431

الضمير المنفصل، فقالوا في الجمع: " هم فعلوا "، وقالوا في التثنية: " هما فعلا "، فلو كانت التثنية جمعا لما فرقوا بينهما في ذلك، ولقالوا: " هم فعلوا " للجمع والتثنية. الدليل الثامن: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع بالتأكيد، فقالوا في الجمع: " جاء الزيدون أنفسهم "، وقالوا في التثنية: "جاء الزيدان أنفسهما "، فلو كان الجمع يطلق على التثنية وأن الاثنين أقل الجمع: لجاز تأكيد أحدهما بالآخر. الدليل التاسع: أن ما فوق الاثنين هو المتبادر إلى الفهم من صيغة الجمع، والتبادر إلى الفهم من علامات الحقيقة، بخلاف عدد الاثنين، فإنه لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الجمع، وهذا يدل على، أن الجمع يكون حقيقة في الزائد على الاثنين، وهو: الثلاثة فما فوقها، فيكون أقل الجمع ثلاثة. المذهب الثاني: أن أقل الجمع اثنان حقيقة، ويطلق على الواحد مجازاً. وهو مذهب القاضي الباقلاني، والباجي، وابن الماجشون، وداود الظاهري، وابنه محمد، وأبي إسحاق الإسفراييني، وهو اختيار علي بن عيسى النحوي، ونفطويه، والخليل بن أحمد. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) . وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع وهو الوارد بقوله: " معكم "، والمراد: موسى وهارون ﵉ -

стр. 1432

وهما اثنان، والمراد بالإطلاق الحقيقة، فلو لم يكن الاثنان جمعا لما أطلق عليهما ضمير الجمع وأرجعه إليهما. جوابه: إن الضمير الوارد في قوله: (معكم) لم يرجع إلى اثنين - كما زعمتم -، بل هو راجع إلى ثلاثة وهم: موسى، وهارون، وفرعون، والمقصود بالمعية هنا: هي: معية العلم، أي: أن اللَّه لما أمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون، فلما وصلوا إليه فهو معهم بالعلم لما يقولون - أي: مع موسى وهارون والذي ذهبوا إليه، وهو فرعون. الدليل الثاني: قوله تعالى: (عسى اللَّه أن يأتيني بهم جميعا) . وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع، وهو الوارد في قوله: (بهم) ، وأرجعه إلى اثنين، وهما: " يوسف " وشقيقه " بنيامين ". فلو لم يكن الاثنان جمعا: لما جمع الضمير، ولقال: " بهما"، ولكنه سبحانه لم يقل ذلك، بل قال: " بهم " مما يدل على أن التثنية جمع، فيكون أقل الجمع اثنين. جوابه: إن الضمير في قوله: " بهم " لم يرجع إلى اثنين - كما زعمتم - بل رجع إلى ثلاثة، وهم: " يوسف "، و " بنيامين "، وأخيهم الأكبر: " شمعون " القائل: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) فيكون على وجهة. الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ)

стр. 1433

وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد استعمل لفظ " الجمع " في قوله: (إِذْ تَسَوَّرُوا) في الاثنين وهما الملكان، وهما الخصمان، بدليل قوله: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) إلى قوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) ، فلو لم يكن الاثنان جمعا لما أرجع ضمير الجمع في (تَسَوَّرُوا) إليهما، فيكون أقل الجمع اثنين. جوابه: إن الضمير في قوله: (تَسَوَّرُوا) لم يرجع إلى اثنين، بل رجع إلى أكثر، حيث إنه يجوز أنه حضر مع جبريل وميكائيل جماعة من الملائكة، ورد الضمير بلفظ الجمع إلى الجميع، فقال: (إِذْ تَسَوَّرُوا) . الدليل الرابع: قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) . وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد رد ضمير الجمع في قوله: (اقتتلوا) إلى التثنية، وهما: (الطائفتان) ، فدل على أن التثنية جمع، فيكون أقل الجمع اثنين. جوابه: إن هذه الآية لا تصلح للاستدلال بها على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن المراد بالطائفة - هنا - الجمع، وليس المفرد، يؤيد ذلك سبب. نزول هذه الآية، حيث قال سعيد بن جبير: إن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول اللَّه ﷺ قتال بالسيف والنعال ونحوه، فأنزل اللَّه هذه الآية فيهم، وقال مجاهد: تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية، وقيل في سبب نزولها غير ذلك، وكل ما ذكر

стр. 1434

من سبب يدل دلالة واضحة على أن المراد بالطائفة هنا هو جمع وليس مفرداً. الدليل الخامس: قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد جمع الضمير في قوله: (لِحُكْمِهِمْ) مع أن المراد به اثنان هما: " سليمان "، و " داود " مما يدل على أن صيغة الجمع تتناول الاثنين حقيقة، فيكون أقل الجمع اثنين. جوابه: إن ضمير الجمع الوارد في قوله: (لِحُكْمِهِمْ) لم يرجع إلى اثنين، بل هو راجع إلى أربعة وهم: الحاكمان وهما: " داوود "، و" سليمان "، والمحكوم له وهو صاحب الزرع، والمحكوم عليه وهو صاحب الغنم. اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضا -: سلمنا أن الحكم يضاف إلى الحاكم، لكن لا نُسَلِّمُ أن الحكم يضاف إلى المحكوم عليه أو له. جوابه: يجوز في لغة العرب نسبة الحكم إلى المحكوم عليه أوله عن طريق المجاز، يقال للذي له قضية في محكمة: " هل صدر حكمه؟ " فمثل هذا الإطلاق يجوز لغة، ولا مانع منه، وهو محكوم له أو عليه، والقرآن نزل بلغة العرب. وهناك ستة أجوبة عن الاستدلال بهذه الآية قد ذكرتها في كتابي:

стр. 1435

" أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه "، فارجع إليه إن شئت. الدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) . وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد عبر عن الإخوة بالأخوين، وهذا يدل على أن التثنية جمع، فلو لم تكن التثنية جمعا لما قال ذلك، فيدل على أن أقل الجمع اثنان. جوابه: المراد بلفظ " الأخوين " هنا: الطائفتان، أو القبليتان، أو الجماعتان؛ لأن اسم الأخوين يقع على ذلك، قال الشاعر: فألحق بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندق إخوان فسمى القبيلتين أخوين. الدليل السابع: قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة ". وجه الدلالة: أن هذا نص في أن أقل الجمع اثنان؛ حيث إن الرسول ﷺ أخبر أن الاثنين جماعة، والرسول من أهل اللغة، بل أبلغهم وأفصحهم، فلو نقل هذا عن واحد من الأعراب لكان حُجة، فعن صاحب الشرع أوْلى. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف؛ حيث روي هذا الحديث من طرق كثيرة كلها ضعيفة، وقد بيَّنت هذه الطرق في كتابي " أقل الجمع عند الأصوليين "، وإليك بعضا من ذلك: أن في سنده: " الربيع بن بدر " قال عنه النسائي: " متروك

стр. 1436

الحديث "، وقال يحى بن معين: " ليس بشيء "، وقال ابن أبي حاتم الرازي: " الربيع بن بدر لا يشتغل به، ولا بروايته، فإنه ضعيف الحديث "، وقال ابن كثير في " تحفة الطالب ": " الربيع اتفق أئمة الجرح والتعديل على جرحه ". وقيل غير ذلك. وإذا كان كذلك فلا يصلح للاستدلال به على إثبات قاعدة أصولية وهي: أن أقل الجمع اثنان. الجواب الثاني: على فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يدل على أن أقل الجمع اثنان مطلقا، بل يحمل على أن المراد حصول فضيلة الصلاة جماعة من حيث الحكم الشرعي، لا من حيث اللفظ اللغوي؛ لأن الشارع إنما يبين الأحكام التي بعث لبيانها لا اللغات التي عرفت من غيره؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات. وبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلاً لنا، لا لهم؛ حيث إنه لو كان الاثنان جمعا حقيقة: لما احتاج إلى البيان؛ لأنه يعرف ذلك من اللغة ما يعرفه. المذهب الثالث: أن أقل الجمع واحد حقيقة. وهو مذهب أبي حامد الإسفراييني، ونسبه بعضهم إلى إمام الحرمين، ولكن هذه النسبة ليست صحيحة كما بينت ذلك في كتابي " أقل الجمع عند الأصوليين ". أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .

стр. 1437

وجه الدلالة: أنه سبحانه وحده منزل الذكر، فإذا ثبتت العبارة بلفظ الجمع عن الواحد لم يستنكر حمل معلوم المخصص على الواحد حقيقة. جوابه: إن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا: إن الواحد الذي يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع، فإنه تعبير صحيح، لكن جاء عن طريق المجاز. الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) . وجه الدلالة: هو نفسه ما سبق. جوابه: هو نفس الجواب السابق. الدليل الثالث: أن إطلاق لفظ الجمع على الواحد قد ورد في كلام العرب، فمثلاً: إذا برزت امرأة لرجل واحد حَسُنَ من زوجها أن يقول - في توبيخها -: " أتتبرجين للرجال يا لكعاء "، وهو لم ير إلا رجلاً واحداً. جوابه: إنه لا يعني بلفظ " الرجال " رجلاً واحداً، بل استعمل لفظ الجمع، وهو " الرجال " بدلاً من لفظ " الواحد "، لأن غرض الزوج لم يتعلق بذلك الرجل الواحد، بل تعلق غرضه بجنس الرجال لظنه أنها ما تبرجت لواحد إلا وقد تبرجت لغيره، فتبرجها لواحد سبب للإطلاق.

стр. 1438

المذهب الرابع: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين مجازاً، ولا يطلق على الواحهد لا حقيقة ولا مجازاً. دليل هذا المذهب: أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة جقيقة بأدلة أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور -. ثانيا: واستدلوا على أنه يطلق على الاثنين مجازاً بما استدل به أصحات المذهب الأول؛ حيث إنهم يطلقون الجمع على الثلاثة، ولا يمنعون من إطلاقه على الاثنين مجازاً. ثالثاً: استدلوا على أن الجمع لا يطلق على الواحد مجازاً بقولهم: إن المجاز لا بد فيه من قرينة وعلاقة، ولا علاقة بين المعنى الحقيقي - وهو الثلاثة - والمعنى المجازي - وهو الواحد - فلا يصح إطلاق الجمع عليه مجازاً. جوابه: إن الجمع يطلق على الواحد مجازاً، كما في الواحد ينزل نفسه منزلة الجمع كقوله: " نحن فعلنا "، وهذا معروف أنه مجاز - كما قلنا ذلك في المذهب الثالث -. والعلاقة بين المعنى الحقيقي وهو: الجمع، والمعنى المجازي وهو: الواحد موجودة، وهي اليتعدد الصادق بالتعدد الواقعي كما في الجمع، والتعدد التقديري كما في الواحد الذي يقوم بما تقوم به الجماعة. المذهب الخامس: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق على الاثنين حقيقة ولا مجازاً.

стр. 1439

أدلة هذا المذهب: أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة بما استدل به أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور. ثانياً: واستدلوا على أن الجمع لا يطلق على الاثنين لا حقيقة، ولا مجازاً بالأدلة التالية: الدليل الأول: أنه لا علاقة بين الاثنين والجمع، وعند فقد العلاقة يمتنع المجاز، وذلك لأن المجاز لا بد فيه من العلاقة. جوابه: أن الجمع يطلق على الاثنين بطريق المجاز، والعلاقة بين الاثنين والجمع موجودة وهي: التعدد الواقعي؛ حيث إن الاثنين فيهما تعدد، والجمع فيه تعدد كذلك. الدليل الثاني: أنه لو صح إطلاق الجمع على الاثنين، ولو مجازاً: لصح نعت التثنية بالجمع وبالعكس، لكن لا يجوز أن يقال: " جاءني رجلان عالمون "، ولا " جاء رجال عالمان ". جوابه: إن العرب كانت تراعي صورة اللفظ محافظة للتماثل بين الصفة والموصوف، فلهذا لم يجوزوا نعت المثنى بالجمع ولا العكس. وقد التزم بعضهم النعت مع الاختلاف مجازاً. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، قد أثر في بعض المسائل الفقهية، ومنها: ١ - لو حلف وقال: " والله لا أكلم بني آدم ".

стр. 1440

فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة؛ بناء على المذهب الأول وهو: أن أقل الجمع ثلاثة. وقيل: يحنث إذا كلم اثنين، بناء على المذهب الثاني وهو: أن أقل الجمع اثنان. ويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن أقل الجمع واحد: أنه يحنث إذا كلم واحداً. ٢ - الصلاة على الميت. قيل: لا بد أن يصلي عليه ثلاثة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة. وقيل: يكفي أن يصلي عليه اثنان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان. وقيل: يكفي أن يصلي عليه واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد. ٣ - لو قال الزوج: " إن تزوجت نساء فأمرأتى طالق ": لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة. ويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن أقل الجمع اثنان -: إن امرأته تطلق إذا تزوج امرأتين. ويلزم على المذهب الثالث - وهو؛ أن أقل الجمع واحد -: إن امرأته تطلق إذا تزوج امرأة واحدة. ٤ - إذا نذر صوم أيام - ولم يبين مقصده - فإنه يلزمه ثلاثة أيام؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة. ويلزمه يومان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان. ويلزمه يوم واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
следующие страницы →