Полный текст (2 303 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - حينما فرض الصلاة أتى جبريل
- علمه السلام - إلى النبي ﷺ ليعلمه أوقاتها وأفعالها، فصلى به مرة في أول وقتها، وصلى به مرة أخرى في آخر وقتها، فقال
- حينئذ -: " الوقت ما بين هذين "، وهذا يفيد تخيير المكلَّف في
أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن
الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء
الوقت للوجوب بأوْلى من تعيين البعض الآخر.
الدليل الثالث: العقل دلَّ على ثبوت الواجب الموسَّع، بيانه:
أن السيد لو قال لعبده: " قد أوجبت عليك بناء هذا الجدار في
هذا اليوم في أي جزء منه، إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو
في آخره، فمهما فعلت: تكون قد امتثلت أمري، وإن لم تفعل:
تكون قد خالفت أمري " كان هذا الكلام معقولاً، ولا يمكن أن
يقدح في صحته أحد.
فلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئاً؛ لأن
العبارة واضحة أنه أوجب عليه فعل شيء.
ولا يمكن أن يقال: إن السيد قد أوجب على العبد بناء الجدار في
وقت واحد فقط فضيق عليه، لأنه صرح بالتوسع، حيث قال له:
" إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو في آخره ".
فلم يبق إلا أنه أوجب عليه بناء الجدار في ذلك اليوم ووسع عليه
في هذا الإيجاب بدليل لفظه في المثال، مما يدل على تخييره في
الوقت.
الدليل الرابع: قياس الواجب الموسع على الواجب المخير، بيانه:
стр. 177
كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير كخصال
كفارة اليمين - إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق - كذلك
يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن
الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا
فرق بينها في سقوط الغرض وحصول المصلحة.
المذهب الثاني: إنكار الواجب الموسَّع.
أي: عدم وجود واجب موسع في الشريعة، بل إن الإيجاب
متعلِّق في وقت معين، وهو أول الوقت، أو آخره - كما سيأتي
تفصيل الخلاف فيه:
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن التوسع ينافي ويناقض
الوجوب.
أي: أن الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز
تركه، وهذا يجوز تركه عن الوقت الذي وصفتموه بالوجوب فيه،
وهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للواجب الموسع حقيقة.
قال ابن العربي في " المحصول " - مبينا ذلك -: " إن جواز
التأخير مع خيرة المكلَّف بين الفعل والترك يضاد الوجوب ".
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أننا لم نجوِّز ترك الفعل في أول الوقت مطلقا،
بل جوَّزنا ترك الفعل في أول الوقت بشرط العزم على الفعل في آخر
الوقت.
الجواب الثاني: أن جواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيَّق، أما
стр. 178
الواجب الموسع فلا، لأنه يجوز ترك فعل الواجب الموسع في أول
وقته، وفعله في وسطه، أو في آخره، حيث إنه مخير بين أجزاء
الوقت الموسع، قياسا على الواجب المخير، بيان ذلك:
أن الواجب الموسع يرجع - في حقيقته - إلى الواجب المخير
- كما قلنا سابقاً -، لأن الفعل واجب الأداء في وقت " ما ": إما
في أوله، أو وسطه، أو آخره، فجرى ذلك مجرى قولنا في
الواجب المخير: " إن الواجب إما هذا أو ذاك ".
فكما أنا نصف الخصال بالوجوب على معنى: أنه لا يجوز
الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بها جميعاً، وإنما تجب خصلة
واحدة غير معينة، فكذلك هنا: يجب على المكلف أن يفعل ما
وجب عليه في أي وقت شاء من هذا الوقت المحدَّد: إما في أوله،
أو في وسطه، أو في آخره، ونحن لم نوجب الفعل في أول
الوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيَّرناه بينه
وبين ما بعده.
رابعاً: فرق منكري الواجب الموسع، وأدلة كل فرقة مع الجواب
عنها:
إن المنكرين للواجب الموسع قد اتفقوا على إنكاره، ولكنهم
اختلفوا - فيما بينهم - في أي جزء من الوقت يتعلق الإيجاب؟
على فِرَق:
الفرقة الأولى قالت: إن الوجوب متعلِّق بأول الوقت.
أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في
الجزء الأول من أجزاء الوقت، فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل
ولم يفعل المكلف الواجب فيه، وفعله في غيره من أجزاء الوقت:
كان هذا الفعل قضاء، لا أداء.
стр. 179
نسب هذا إلى بعض الشافعية، وإلى بعض المتكلمين:
قلت: لقد بيَّنت في كتابي " الواجب الموسع عند الأصوليين " أن
كثيراً من الشافعية قد أنكروا أن يكون هذا في مذهبهم، وذكرت أن
الشافعية قد اختلفوا في السبب الذي من أجله عزي هذا إلى
مذهبهم، وأطلت الكلام عن هذا، وحققت القول فيه، فارجع إليه
إن شئت.
أدلة هذه الفرقة على أن الوجوب متعلق بأول الوقت:
الدليل الأول: قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة
عرضها كعرض السماء والأرض) ، وقوله: (فاستبقوا الخيرات) ، وقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمرنا في هذه الآيات بالاستباق إلى الخير،
والمسارعة إليه، ولا شك أن فعل الواجب في وقته مسارعة واستباق
إلى الخير، فمن أخَّره عن أول وقته يكون مخالفاً لذلك الأمر.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن تلك الآيات الدالة على الاستباق
والمسارعة لا دلالة فيها على المطلوب، وذلك لأن دلالتها على
المسارعة والاستباق إلى أسباب المغفرة ثبت عن طريق الاقتضاء،
والمقتضى لا عموم له.
ولئن سلمنا أن للمقتضى عموما، فإننا لا نسلِّم أن هذا الأمر
للوجوب، بل هو للندب؛ لأمرين:
أولهما: الإجماع على ذلك.
стр. 180
ثانيهما: أنه لو كان للوجوب للزم منه تخصيصات لا حصر لها،
وهو خلاف الأصل.
وإذا ثبت ذلك لم تكن الآيات دالة على اختصاص الوجوب بأول
الوقت، بحيث لا يجوز التأخير عنه، بل يجوز التأخير عنه بشرط
العزم على فعله في آخر الوقت، ونحن نقول به.
الدليل الثاني: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال:
" الصلاة في أول الوقت رضوان، وفي آخره عفو اللَّه ".
وجه الدلالة: أن هذا النص اقتضى أن فعل الصلاة في آخر
الوقت معصية تتطلب العفو، ولو كان المكلَّف مخيراً بأي جزء من
هذه الأجزاء وقع الفعل فيه: لما كان تأخيره للواجب عن أول الوقت
موجباً للعفو والغفران، لأن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية،
وبذلك يكون الحديث دالاً على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه،
وما بعده وقت لقضائه.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد، وهذا قد
كذَّبه الإمام أحمد، وسائر الحُفَّاظ، وقال ابن حبان: " ما رواه إلا
يعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات "، وأخرجه الدارقطني
بسند ضعيف.
فإذا ثبت ذلك فلا يصح الاحتجاج بالحديث على إثبات قاعدة
أصولية كهذه، وهي: " أن الوجوب متعلق بأول الوقت ".
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، فإنه يفيد الترغيب
стр. 181
في المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها، فيكون المراد بالعفو هنا: هو
العفو عن تقصير المكلَّف عن الأداء الأفضل للواجب.
الدليل الثالث: إن أوقات الصلوات أسباب، والأصل ترتب
المسببات على أسبابها، فإذا وجد السبب يجب أن يوجد المسبَّب
فوراً، فيتعلَّق الوجوب بما تحققت به سببيته، وهو أول الوقت،
وحينئذٍ الواقع بعد ذلك قضاء سدَّ مسدَّ الأداء.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إن هذا الكلام لا ينافي مذهبنا وهو: ثبوت
الواجب الموسع، وذلك لأننا رتبنا الوجوب على أول الوقت، أي:
يبدأ فعل الواجب من أول الوقت إلى آخر الوقت، وهذا هو مذهبنا.
الجواب الثاني: أن قولكم: " إن الواقع بعد أول الوقت قضاء
سد مسد الأداء " مخالف للإجماع، قال الآمدي في الإحكام:
"الإجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء، ولا
يصح بنية القضاء ".
الفرقة الثانية قالت: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت.
أي: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأخير من أجزاء
الوقت، ويكون أوله سبباً للوجوب.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وهم بعض مشائخ العراق من
الحنفية.
أدلة هذه الفرقة:
الدليل الأول: أن حقيقة الواجب هو: ما ذم تاركه، أو ما
стр. 182
يعاقب على تركه، ومعروف أن الصلاة يعاقب على تركها إذا أضيفت
إلى آخر وقتها؛ لأنه لو تركها خرج الوقت وعليه القضاء، ويكون
عاصياً بذلك؛ لأنه أخرج الصلاة عن وقتها بالعمد، ونتيجة لذلك
تكون الصلاة إذا أضيفت إلى آخر وقتها واجبة؛ لأنه يعاقب على
تركها، ولكن إذا أضيفت إلى أول وقتها، أو وسطه، فإن المكلف
مخير بين فعلها؛ تركها، وإن فعلها فهو أفضل، وهذا هو حد
الندب؛ لأنه يجوز تركه، وكل ما جاز تركه في وقت فليس بواجب
فيه، وإذا ثبت أنه غير واجب في أول الوقت، ولا في وسطه فهو
واجب في آخره؛ لعدم جواز تركه، وإلا لكان لها وقت آخر غير
المضروب لها.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن أقسام الفعل ثلاثة:
القسم الأولى: فعل لا يعاقب على تركه مطلقاً، وهو المندوب.
القسم الثاني: فعل يعاقب على تركه مطلقاً، وهو الواجب
المضيق.
القسم الثالث: فعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع
الوقت - أوله، وأوسطه، وآخره - ولا يعاقب على تركه بالإضافة
إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم الثالث لا يمكن أن نسميه
مندوباً؛ لأن المندوب لا يعاقب تاركه مطلقاً، ولا يمكن أن نسميه
واجباً مضيقاً؛ لأن الواجب المضيق يعاقب تاركه مطلقاً.
إذن: هذا القسم يحتاج إلى اسم يُسمَّى به غير " الواجب المضيق "
وغير " المندوب "، وأحسن عبارة تقال فيه هي: "الواجب الموسَّع "،
فإن قلتم: لماذا سميتموه بهذا الاسم؟
стр. 183
قلنا: سميناه واجبا؛ لأن المكلَّف يعاقب على تركه بالجملة.
وسميناه " موسَّعاً "؛ لحصول التوسعة في وقته عن قدر فعله،
ويجوز للمكلَّف تأخيره إلى آخر وقته.
اعتراض على هذا الجواب:
لقد اعترض بعضهم على ذلك الجواب بقوله: إن القسم الثالث
وهو الذي سميتموه بالواجب الموسَّع هو في حقيقته داخل ضمن
الواجب المضيق والمندوب، بيان ذلك:
أن المكلف إذا فعل الصلاة في أول وقتها، فهذا الفعل يكون
مندوباً، لأنه يجوز للمكلف ترك الفعل، وما يجوز تركه فهو الندب.
وإن فعل المكلف الصلاة في آخر الوقت، فإن هذا الفعل يكون
واجباً مضيقاً؛ لأنه لا يجوز له ترك الفعل، وما لا يجوز تركه فهو
الواجب المضيق.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قولكم في حدِّ الندب:
" إنه ما يجوز تركه " ليس بصحيح، بل إن الصحيح في حد الندب:
" أنه ما يجوز تركه مطلقا " أي: من غير شرط.
أما القسم الثالث - وهو ما سميناه بـ " الواجب الموسَّع - فهو
"الذي لا يجوز تركه مطلقا " أي: هو " الذي يجوز تركه بشرط ".
وهذا الشرط: إما الفعل في أول الوقت، أو العزم على الفعل
في آخر الوقت.
أي: يجوز للمكلف أن يترك الفعل في أول الوقت بشرط
أن يفعل بعده مباشرة، أو أن يعزم على الفعل في آخر الوقت،
стр. 184
لكن لا يجوز له ترك الفعل مطلقا، بخلاف المندوب فإنه يجوز تركه
مطلقا.
اعتراض على هذا الجواب:
لقد اعترض بعضهم على هذا الجواب قائلاً: إنكم قلتم: إن
العزم هو بدل عن الصلاة في أول وقتها، وهذا غير مسلَّم؛ لأمرين:
الأول: أنه معروف أن البدل يكون نائبا عن المبدل، والعزم
- فقط - لا يكفي عن الفعل.
الثاني: أن الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة عليها.
جوابه:
يجاب عن الأول: بأن العزم ليس بدلا عن أصل الوجوب ونفس
الفعل، بل هو بدل عن تقديم الفعل فقط، وما دام الأمر كذلك،
فإن العزم يصلح أن يكون بدلا، والفعل لم يتغير سواء وقع في أول
الوقت، أو في آخره بدليل: تساوي الثواب والأجر.
ويجاب عن الثاني: بأن الدليل على أن العزم هو بدل: القياس
على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز ترك أي خصلة من خصال
الواجب المخيَّر إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن
يترك الفعل في أول الوقت - في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم
على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير.
الدليل الثاني - من أدلة القائلين: إن الوجوب متعلق بآخر
الوقت -: أن الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز تأخيرها عن آخر
الوقت من غير عذر، وذلك يدل على أنها واجبة فيه، لا في أول
الوقت، وحينئذ يحتمل أن يكون فعلها في أول الوقت ندبا يسقط
الفرض عنده، أو يكون فعلها كالزكاة المعجلة.
стр. 185
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك يدل على أنه وقتها
المضيق، ولا يدل على أنها غير واجبة في غيره بصفة التوسع؛ لأن
كون الشيء واجبا بصفة التضييق في وقت لا يدل على أنه غير واجب
في غيره على وجه التوسع..
أما قولكم: " يحتمل أن يكون فعله ندبا في أول الوقت يسقط
الفرض عنده "، فهذا باطل؛ لأمرين:
أولهما: أنه لو أدى الفرض بنية الندب لم يقع الوقع إجماعا.
ثانيهما: أن سقوط الفرض عند أداء الندب بعينه لم يعهد مثله في
الشرع.
أما قولكم: " أو يكون فعلها كالزكاة المعجَّلة " فهو باطل
- أيضا -؛ لأن قياس الصلاة في أول وقتها على تعجيل الزكاة قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيان ذلك:
أن تعجيل الزكاة لم يحصل بحكم الأمر المقتضي للوجوب، وإنما
حصل بحكم الأمر المقتضي للرخصة وهو: ما ورد أن العبَّاس
﵁ سأل النبي ﷺ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك.
بخلاف الصلاة؛ فإنها تفعل في أول الوقت بالأمر الذي تفعل في
آخره، فالنية واحدة في الصلاة سواء صلاها في أول الوقت، أو
صلاها في آخره، ولم يفرق أحد من السلف بين النيتين.
أما الزكاة فإنها تجب قبل حولان الحول بنية التعجيل حسب الأمر
المقتضي للرخصة - فقط -، أما لو أخرها بعد كمال الحول، فإنها
تجب بنية الأمر المقتضي لوجوب الزكاة، وفرق بين النيتين.
стр. 186
اختلاف القائلين بهذا المذهب في تقدير وقت الوجوب:
لقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت في تقدير
وقت الوجوب على قولين:
القول الأول: إن الوقت هو ما يسع جملة الصلاة، وينقضي
بانقضائها، وهو قول الإمام زفر، وجماعة من الحنفية.
القول الثاني: إن الوقت هو ما يسع تكبيرة الإحرام.
اختلاف القائلين بهذا المذهب فيما إذا أوقع المكلف الفعل في غير
الجزء الأخير.
لقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق في آخر الوقت في
مسألة وهي: إذا أوقع المكلَّف الفعل في أول أو وسط الوقت ما
حكمه؛ على قولين:
القول الأول: أن الفعل يقع نفلاً يسقط به الفرض.
حكى هذا عن بعض مشائخ الحنفية العراقيين.
دليل هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بأنه لو كان الفعل واجباً في أول
الوقت: لما جاز تأخيره عنه إلا إلى بدل، وقد جاز تأخيره عنه بغير
بدل، فثبت أنه فيه نفل.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ أنه يجوز تركه بغير بدل، فقد
ذهب أكثر المثبتين للواجب الموسع إلى أنه لا يجوز ترك الفعل في
أول الوقت إلا إذا كان عازماً على فعله في آخر الوقت، وهذا هو
البدل.
القول الثاني: أن المكلَّف إذا أدَّى الفعل في أول الوقت فهو
стр. 187
موقوف، فإذا جاء آخر الوقت، وهو على صفة التكليف - بأن كان
عاقلاً مسلما خاليا من الموانع - كان ما فعله في أول الوقت واجبا،
وإن جاء آخر الوقت، وقد زالت عنه صفة التكليف - بأن جن، أو
نزل بامرأة حيض، أو نحو ذلك -: كان الفعل الذي فعله في أول
الوقت نفلاً.
ونسب هذا إلى الكرخي، ويسمى هذاب " المراعاة ".
وذكرِ بعض العلماء كالزركشي في " تشنيف المسامع ": أن
الكرخي قال ذلك فراراً مما ورد على أصحابه الحنفية من تعلق
الوجوب بآخر الوقت من إجزاء النفل عن الفرض، فاختار هذه الطريقة.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن هذا المذهب ضعيف؛ لأن كون
الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلاً خلاف القواعد
الشرعية.
ثم كيف ينوي هذه الصلاة؛ فهذا القول خلاف الإجماع؛ حيث
أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ومات في
أثنائه أنه أدى فرض اللَّه، وأثيب ثواب الواجب كما حكى ذلك
الآمدي في الإحكام.
الفرقة الثالثة قالت: إن الوجوب يتعلق بالجزء الذي يتصل به
الأداء، وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه.
وبعضهم عبَّر عنه بقوله: " إذا اختار وقتا تعيَّن إلى أن يضيق
فيتعين بالتضييق ".
حكي هذا عن أبي الحسن الكرخي وبعض العلماء.
стр. 188
دليل هذه الفرقة:
استدل هؤلاء على ذلك: بأن سبب الوجوب كل واحد من أجزاء
الوقت بطريق البدلية إن اتصل به الأداء، وإلا فآخره، إذ يستحيل أن
يكون جميع الوقت سبباً وإلا لزم الوجوب بعده.
وكذا يستحيل أن يكون أوله سبباً، أو آخره، لاستحالة تأخر
المسبَّب عن السبب وتقدمه عليه؛ إذ يجوز الأداء في آخر الوقت،
ولا يأثم به، ويجوز الأداء - أيضاً - في أوله، فلم يبق السببِ إلا
الجزء الذي اتصل الأداء به، أو آخره.
جوابه:
يقال في الجواب عنه - ماذا يراد بعبارة -: " إن الوجوب يتعلَّق
بالجزء الذي يتصل به الأداء "؟
إن كان المراد منها: أن وقته بطريق البدلية، أي: أن الأمر يقتضي
إيقاع الفعل في أحد أجزاء الوقت، لا بعينه، فإذا اتصل الفعل
بأحد أجزائه تبينا سقوط الفرض به، فهذا صحيح، وهو الذي نقول
به " حيث إنا قلنا - فيما سبق -: إن حاصل الواجب الموسع يرجع
في الحقيقة إلى الواجب المخيَّر.
وإن كان المراد منها: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته، وإن ما
سوى ذلك لم يكن وقته: فهذا غير صحيح، وذلك لمخالفته الأدلة
الصحيحة على أن الوقت موسع، أوله، ووسطه، وآخره، وقد سبق.
وإن كان المرإد منها غير ذلك فلا بدَّ من التصريح بذلك حتى يمكن
أن نقبله، أو نرده بالأدلة.
وأما قولهم - في الاستدلال -: " أول وقته لا يجوز أن يكون
стр. 189
سبباً للوجوب وإلا لزم تأخر المسبَّب عن السبب ": فيمكن أن يجاب
عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن أول الوقت سبب للوجوب على وجه
التوسع، وقد تحقق ذلك معه، فلا يلزم تراخي المسبب،
والاستدلال بجواز التأخير على عدم الوجوب باطل.
تنبيه: هناك فرق - من فرق منكري الواجب الموسَّع - قد تركت
ذكرها، لأحد أمرين:
إما لأنها متداخلة مع المذاهب السابقة.
وإما لضعفها الشديد.
وقد ذكرت ذلك بإسهاب وأدلة كل فرقة مع الجواب عن ذلك في
كتابي: " الواجب الموسع عند الأصوليين "، فارجع إليه إن شئت.
بيان نوع الخلاف:
لبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي:
الخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الأولى - وهم بعض السافعية القائلين: إن
الوجوب متعلِّق بأول الوقت - هذا الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن
القائلين بأن الوجوب متعلِّق بأول الوقت يجوِّزون فعله في وسط وآخر
الوقت، ويقولون: إنه قضاء سدَّ مسدَّ الأداء، وهذا متفق في المعنى
مع مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء المثبتين للواجب الموسَّع.
الخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الثانية - وهم بعض الحنفية القائلين: إن
الوجوب متعلِّق بآخر الوقت - هذا الخلاف اختلف فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، وذلك لأن القائلين:
стр. 190
إن الوجوب متعلق بآخر الوقت يجوِّزون فعله في أول الوقت، وإنما
الخلاف في تسميته واجباً.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية:
ْوهذا هو الصحيح عندي، لأنه بعد استقراء وتتبع بعض المسائل
الفقهية وجد أنها تأثرت بهذا الخلاف، وإليك بعض المسائل في ذلك:
١ - إذا صلى الصبي في أول الوقت، ثم بلغ قبل انقضاء الوقت
الموسع فهل تجزئه تلك الصلاة، ولا إعادة عليه أم ماذا؟
اختُلِف في ذلك:
فعلى مذهب الجمهور - وهم المثبتون للواجب الموسع - فإن
صلاته التي صلاها في أول الوقت تجزئه، ولا يلزمه إعادتها،
وقالوا - في تعليل ذلك -: إن الوجوب متعلّق في أول الوقت كما
هو متعلّق في آخر الوقت، وهذا الصبي قد بلغ قبل انقضاء زمن
الوجوب، فلا إعادة عليه، كما لو بلغ بعد انقضاء الوقت.
وعلى مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب متعلِّق
في آخر الوقت - فإن صلاته لا تجزئه، فيلزمه إعادتها، وقالوا - في
تعليل ذلك -: إن الوجوب يثبت بآخر الوقت، وقد صار فيه أهلاً
للوجوب، حيث إنه بلغ فيه، فبان: أن ما أداه أولاً لم يكن في وقته.
٢ - إذا سافر في أول الوقت، أو حاضت المرأة بعد دخول
الوقت، ومضى مقدار الفعل من الزمان فهل يجب الإتمام على
المسافر، أو القضاء على الحائض؟
اختُلِف في ذلك:
فعلى مذهب الجمهور: يجب الإتمام على المسافر، والقضاء على
الحائض؛ لأن كلًّا من المسافر والحائض قد أدرك وقت الوجوب.
стр. 191
أما على مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب
متعلِّق بآخر الوقت - فإنه لا يجب الإتمام على المسافر، ولا القضاء
على الحائض، لأن الوجوب لم يتحقق في أول الوقت.
الخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الثالثة - وهم الذين قالوا: إن الوجوب يتعلَّق
بالجزء الذي يتصل به الأداء وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا
يفصل عنه - خلاف لفظي إن أرادوا من قولهم: " إن وقته المعيَّن هو
ما اتصل به الأداء ": أن ذلك وقته بطريق البدلية.
وقد بيَّنت ذلك هناك.
لكن إن أرادوا بتلك العبارة: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته،
وأن ما سوى ذلك لم يكن وقته، فالخلاف بينهم وبين الجمهور
معنوي؛ وذلك لمخالفته مقصود الجمهور المثبتين للواجب الموسع.
وقد بيَّنت ذلك بصورة أوسع في كتابي: " الواجب الموسع عند
الأصوليين "، وكتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "،
فارجع إليهما إن شئت.
خامسا: الاختلاف في اشتراط العزم:
لما رجحنا في المسألة السابقة مذهب الجمهور، وهم المثبتون
للواجب الموسع بالأدلة، اختلف هؤلاء - فيما بينهم - في مسألة
وهي: إذا لم يفعل المكلف الفعل في أول وقته، وأراد فعله في آخر
الوقت، فهل يشترط العزم على ذلك أو لا؟
اختُلِف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يشترط العزم.
стр. 192
أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي
جزء من أجزاء الوقت، فالمكلف مخير في أن يوقع الفعل في أول
الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، ولكن لا يجوز ترك الفعل
في أول الوقت إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت،
فإن جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذ تعيَّن فعله.
ذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسع.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: القياس على الواجب المخيَّر، بيانه:
أنه لا يجوز للمكلف ترك أي خصلة من خصال الواجب المخيَّر إلا
بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن يترك الفعل في
الجزء الأول من الوقت في الواجب الموسع إلا بشرط العزم على فعله
في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.
الدليل الثاني: أن وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة،
ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو لم يدخل؛ لأنه إذا لم
يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم على الترك، وهو معصية،
وترك المعصية واجب، إذن: العزم واجب.
الدليل الثالث: أن العزم لا بد منه إذا ترك فعلاً واجبا عليه مريداً
عمله في آخر وقته، فلذلك أوجب العلماء على المسافر إذا أراد أن
يجمع الظهر مع العصر جمع تأخير: أن يعزم على فعل صلاة الظهر
مع العصر، وإن لم يعزم فيكون تاركاً للصلاة - ضرورة - وهو
حرام.
كذلك المديون لا يجب عليه الأداء في وقت معين -
стр. 193
ما لم يشترط - ولكن يجب عليه العزم على أدائه، وإن لم يعزم على ذلك
فقد فعل محرَّماً.
ومثل ذلك الواجب الموسع إذا ترك فعله في أول وقته، فيجب
عليه أن يعزم على فعله في آخر وقته، وإلا كان تاركاً للفعل مطلقاً،
وهذا لا يجوز.
الدليل الرابع: أن القائل بأنه يجوز تأخير الفعل بدون بدل وهو
العزم يقال له: " لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي
نيته؛ ".
فإن قال: " لا نية له "، فهذا غير صحيح؛ لأنه لا بد لكل
عبادة من نية.
وإن قال: " إن له نية وهي: أن يعمله فيما بعد ": نقول: هذا
هو العزم على الفعل، وهو المطلوب.
المذهب الثاني: لا يشترط العزم.
أي: يجوز للمكلف تأخير الفعل في الواجب الموسع إلى وسط
الوقت، أو إلى آخره مطلقا، أي: بدون بدل، وذلك إلى أن
يتضيق الوقت بحيث إنه لو لم يشتغل به لخرج بعضه عن الوقت،
فإنه لا يجوز له التأخير إذ ذاك، أو يغلب على ظنه أنه لو لم يشتغل
به في هذا الجزء لفاته في الجزء الثاني من الوقت.
ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين ومنهم الغزالي في " المنخول "،
وإمام الحرمين في " البرهان "، وأبو الحسين البصري في " المعتمد "،
وفخر الدين الرازي في " المحصول "، وأبو الخطاب في " التمهيد"،
والبيضاوي في " المنهاج "، وابن السبكي في " جمع الجوامع "
و" الإبهاج "، وغيرهم.
стр. 194
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المكلََّف الذي أخر الفعل الواجب في وقته
الموسع إلى آخر الوقت لو غفل عن العزم ومات: لم يكن عاصيا،
فلو كان العزم واجبا لعصى بموته وهو تارك له؛ لأن تارك الواجب
عاص.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأنه لم يعض لما ترك الواجب هنا؛ لأنه
غافل، والغافل غير مكلَّف؛ لأنه لا يفهم خطاب الشارع حال
غفلته، فيكون معذوراً بالغفلة، ولذلك لم يعص.
الدليل الثاني: لو كان العزم على الفعل في آخر الوقت بدلا عن
الفعل في أول الوقت: لوجب أن يكون بدلا عن أصل الواجب
حتى لا يجب عليه الفعل، ولما لم يجز أن يكون العزم على الفعل
بدلا عن أصل الوجوب لم يجز أن يكون بدلا عن الفعل في أول الوقت.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن العزم على الفعل ليس بدلا عن الفعل
مطلقا، وإنما هو بدل عن الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه إلى أن
يبقى من الوقت ما يسع الفعل، وحينئذ يكون الفعل هو المتيقن على
المكلف، وذلك مثل التيمم في الطهارة ينتصب بدلا عن الوضوء في
استباحة الصلاة، ولا ينتصب بدلا عنه في رفع الحدث.
الدليل الثالث: أن العزم على الفعل بدل عن الصلاة في أول
الوقت، ومعروف أن البدل هو: ما يفعل لتعذر المبدل منه، وفعل
الصلاة في أول الوقت ليس بمتعذر، فلا يكون له بدل.
стр. 195
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنه وقع في الشريعة حالات يؤتي فيها
بالبدل مع أن المبدل ليس بمتعذر على المكلَّف أن يأتي به، تيسيراً
وتسهيلاً على المكلفين.
من أمثلة ذلك: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين،
وكذلك المسح على العمامة بدل عن مسح الرأس، فهذه يجوز فعلها
مع القدرة على المبدل، وهذا كله من باب الرخص والتسهيل على
المكلفين، والواجب الموسع وسع اللَّه وقت أدائه من باب التيسير
والتسهيل.
ثم إن العزم على الفعل ليس بدلاً عن نفس الصلاة، بل هو بدل
عن تقديم فعلها - فقط -.
الدليل الرابع: أن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى
غسق الليل) ، وقول جبريل ﵇ للنبي ﷺ : "الوقت ما بين هذين "، وكذلك جميع النصوص الواردة في المواقيت يفهم
منها: أن الصلاة واجبة في هذا الوقت المحدد، وليس فيها أي
تعرض لوجوب العزم على الفعل في آخر الوقت إذا ترك فعل
الصلاة في أول الوقت، فإيجاب العزم - حينئذ - يكون زيادة على
النص لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل لكم يفهم منه. أنكم تطالبوننا
بالاستدلال على اشتراط العزم على الفعل إذا لم يفعل الواجب
الموسَّع في أول الوقت، والمطالبة بالدليل ليست بدليل.
стр. 196
وعلى فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإننا قد أثبتنا أدلة قوية على
اشتراط العزم.
الجواب الثاني: أنا نوافقكم على أن النصوص السابقة لم تتعرض
صراحة لاشتراط العزم على فعل الصلاة في آخر الوقت إن لم تفعل
في أول الوقت، لكن فهم من تلك النصوص: أن الصلاة الواجبة
لا تتم ولا تصح إلا بأحد شيئين:
إما فعلها في أول الوقت.
أو العزم على فعلها في آخر الوقت.
ولا ثالث لهما.
وإذا كانت الصلاة لا تتم إلا بذلك - وهو قد ترك الفعل في أول
الؤقت - فيكون العزم واجباً؛ بناء على القاعدة الأصولية المعروفة:
" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المشترطين للعزم وغير المشترطين خلاف لفظي، لاتفاق
الفريقين على أن المكلَّف لا يترك الفعل في أول الوقت إلا إذا كان
عازما على الفعل في آخر الوقت، وإن لم يصرح أصحاب المذهب
الثاني - وهم المانعون من اشتراط العزم - بذلك؛ لأن وجوب العزم
تابع لبقاء الفعل في الذمة ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو
لم يدخل، وذلك لأنه إذا لم يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم
على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.
فأي مكلف عاقل يفهم الخطاب لا يمكن - بأي حال من الأحوال -
أن يترك الفعل في أول وقته مطلقاً، بل تركه، وهو ينوي أن يعمله
стр. 197
في وقت آخر، وهو آخر وقت الوجوب، حيث إنه لو أخَّره عن
ذلك الوقت المحدَّد شرعاً من غير عذر فإنه يأثم، ويجب عليه
القضاء، وهذا متفق عليه بين الفريقين فكان الخلاف في الاصطلاح
واللفظ.
سادسا: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته:
قلنا - فيما سبق -: إن المكلَّف إذا لم يفعل الواجب الموسع في
أول وقته، وأراد تأخيره إلى آخر وقته، فلا يجوز ذلك التأخير إلا
إذا كان عازماً على فعله في آخر وقته.
لكن هذا التأخير ليس مطلقاً، بل له حالات تختلف باختلاف
ظن المكلَّف، وضيق الوقت، ولكل حالة حكم خاص بها، وإليك
بيان ذلك:
الحالة الأولى: لو أخَّر المكلف الفعل - في الواجب الموسع -
عن أول الوقت مع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت:
فإنه يكون عاصياً بترك الفعل في أول الوقت، وإن لم يمت، لأنه قد
تضيَّق الوقت بناء على ظنه الغالب، وترك الواجب في وقته المضيق
بلا عذر عصيان، هذا بالاتفاق.
الحالة الثانية: لو أخَّر المكلَّف الفعل حتى ضاق الوقت عن فعله،
ثم مات ولم يبق إلا الوقت الذي يتسع لأقل من أربع ركعات: فإنه
يموت عاصياً، لأنه لا يجوز تأخير الفعل عن هذا الوقت.
الحالة الثالثة: إذا أخر المكلَّف الفعل في الواجب الموسَّع عن أول
الوقت مع غلبة ظن السلامة، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، مثل
لو مات بعد زوال الشمس، وقد بقي من وقت الظهر ما يتسع لفعلها
стр. 198
وأكثر ولم يصلها، فاختلف العلماء المثبتون للواجب الموسع في
عصيانه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لم يمت عاصيا.
ذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسَّع.
وهو الصحيح؛ وذلك لأن الواجب الموسَّع يجوز تركه في أول
الوقت ليعمله في آخر وقته المحدَّد، وقد جاز الترك مع عدم علمه
بالعاقبة، وإذا كان تركه في أول الوقت ليفعله في آخر وقته جائزاً،
فكيف يعصى؟!.
المذهب الثاني: أنه يموت عاصيا.
ذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وأبو الخطاب، والمجد ابن تيمية.
دليل هذا المذهب:
احتج أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يجوز له تأخير الفعل
من أول الوقت إلى آخره بشرط سلامة العاقبة، وهو: أنه يبقى إلى
آخر الوقت فيفعل الواجب.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنه نقل عن السلف أنهم أجمعوا على عدم
عصيان من مات في أثناء الوقت، وهو لم يفعل الواجب الموسع؟
إذ يعلم من عادتهم بالضرورة أنهم ما كانوا يؤثمون من مات فجأة في
أثناء الوقت إذا كان عازما مصمما على الامتثال.
وإذا ثبت الإجماع على هذا، فالقول بأنهم يعصون قول مخالف
للإجماع فلا يجوز.
الجواب الثاني: أن هذا الشرط لا يسلَّم لكم؛ لأن العاقبة مستورة
стр. 199
عن المكلف، وهي تعتبر من المغيبات التي لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى -
فاشتراط مثل ذلك الشرط يفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال
فهو محال؛ لأن سلامة العاقبة غيب لا يعلمه إلا اللَّه ،
ولم نكلف علمه، ولا بناء الأحكام عليه، لأننا لا نعلم حقيقة هل
يبقى المكلَّف حياً إلى آخر الوقت، فيفعل الواجب أو لا؟
واعلم: أنه لا يجوز للمكلف العزم على تأخير الفعل إلا إلى
زمن يغلب على ظنه السلامة، والبقاء إليه، والعيش فيه كمن أخَّر
فعل الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها، ومثل الشاب، أو الشيخ
الصحيح الذي لا يشكو من علَّة إذا أخَّر قضاء رمضان إلى شعبان،
والشاب الصحيح إذا أخَّر أداءَ الحج إلى سنة، أو سنتين - على رأي
من قال بأن الحج من أمثلة الواجب الموسَّع -.
فالظن - إذن - يختلف باختلاف الأحوال وقوى الرجال.
فإذا غلب على ظنه السلامة والبقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع
الفعل فيه: جاز له تأخير الواجب الموسَّع إليه بمقتضى ذلك الظن
الغالب للبقاء.
وإذا غلب على ظنه عدم البقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع
الفعل فيه: وجب الإتيان بالفعل قبل ذلك الزمن الذي لا يستطيع
أداء الفعل فيه، لأن الظن - هنا - مناط التعبد، فإن عزم على
تأخير الفعل مع ظنه الغالب في عدم السلامة والبقاء إليه: عصى
بمجرد هذا التأخير، لأنه أخَّر الواجب عن وقته مع القدرة على فعله
مع الظن الغالب من عدم البقاء.
فمثلاً لو عزم المريض المشرف على الهلاك على تأخير قضاء الصوم
شهراً، أو عزم الشيخ الهرم الضعيف على التأخير، وغلب على
стр. 200
ظنهما أنهما لا يعيشان إلى تلك المدة: عصيا بهذا التأخير؛ قياساً
على الشخص الذي عنده وديعة وظن ظناً غالباً بأن النار ستأتي عليها
فتحرقها، ومع ذلك لم يزلها من هذا المكان الخطر فهنا يضمنها؟
لأنه فرط في هذه الوديعة.
فكذا هنا يعصي ويأثم؛ لأنه أخَّر أداء الواجب إلى آخر وقته مع
ظنه الغالب بأنه لا يبقى إلى ذلك الوقت؛ حيث فرط في الوقت
الذي تضيق بسبب ظنه.
سابعاً: إذا فعل المكلَّف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا
يعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء؟
المكلف إذا غلب على ظنه أنه لن يبقى إلى آخر الوقت في
الواجب الموسَّع، ومع ذلك أخَّره فإنه يعصي بذلك التأخير، لأنه
ترك العمل بالظن الراجح، وعمل بالظن المرجوح، وهذا لا
يجوز؛ لما فيه من التفريط.
لكن لو حصل من المكلَّف أنه أخَّر الواجب الموسع إلى آخر وقته
مع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى ذلك الوقت، ثم بأن له خطأ
ظنه فبقي - أي: لم يمت - وفعل ذلك الواجب في وقته المحدد له
شرعاً فهل يكون ذلك الفعل قضاء أو أداء؟
فمثلاً: لو أخَّر فعل الصلاة إلى آخر وقتها، مع غلبة ظنه أنه لا
يعيش إلى آخر الوقت، ولكنه عاش وفعل الصلاة في آخر الوقت،
فهل يكون هذا الفعل أداء أو قضاء؟
اختلف المثبتون للواجب الموسَّع
في ذلكْ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفعل أداء، ولا يكون قضاء.
стр. 201
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وابن السبكي.
وهو الصحيح؛ لدليلين:
أولهما: أن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعا، وهذه حقيقة
الأداء.
ثانيهما: أنه بأن خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بأن خطؤه.
المذهب الثاني: أن الفعل قضاء، ولا يكون أداءً.
نسب هذا المذهب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب:
استدل لهذا بأن المكلف لا غلب على ظنه أنه يموت قبل فعله صار
مضيقا في حقه بمقتضى ظنه ذلك، وصار كأن آخر. وقته هو: أول
الوقت الذي ظن أنه يموت فيه، فصار فعله له بعد ذلك خارجا عن
الوقت المضيق، أشبه ما لو فعله بعد خروج الوقت الأصلي المقدر له شرعا.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن جميع الوقت كان وقتا للأداء قبل ظن المكلف
تضييقه بالموت، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا المكلَّف قد
أوقع الفعل أولاً في وقته المحدد شرعا، وهذا هو الأداء حقيقة،
والظن لا يغير شيئاً في ذلك، إنما أثر الظن في تأثيمه بالتأخير بدون
عزم، ولا يلزم من تأثيمه بالتأخير مخالفة الأصل المذكور، وهو
بقاء الوقت الأصلي وقتا للأداء في وقته.
الجواب الثاني: أن قول القاضي: " إن هذا الفعل قضاء "
стр. 202
يلزم منه أن يوقعه بنية القضاء، وهذا بعيد " لأن وقت الأداء لا زال باقياً،
ولا قضاء في وقت الأداء " لأن القضاء والأداء متنافيان، كل واحد
منهما له وقت يخالف الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي " لأنه كما هو واضح قد وقع
الخلاف في التسمية، وقيل غير ذلك.
ثامناً: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟
هذا سبقت الإشارة إليه، ولكن لا بدَّ من ذكره هنا، تذكيراً
بذلك وحصراً له، ولبيان متى يعصى؟ فأقول:
يضيق الوقت في الواجب الموسَّع بطريقين:
الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت، بحيث لا ينفصل زمانه عنه.
وبناء على ذلك فإن المكلَّف يعصي بخروج وقته.
الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه
مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة
تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت
عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.
وبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخَّره عن ذلك الوقت
الذي ظن أنه لا يبقى إليه.
المسألة الثامنة: الواجب المحدَّد، والواجَب غير المحدَّد:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما:
الواجب ينقسم بالنظر إلى تقديره وتحديده وعدم ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: " واجب محدَّد ".
стр. 203
القسم الثاني: " واجب غير محدَّد ".
أما القسم الأول - وهو: الواجب المحدَّد - فهو: الفعل الذي
طلبه الشارع طلباً جازماً، وقد حدَّده الشارع وقدَّره بمقدار معيَّن،
وفصله عن غيره، مثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة
بركعات محدَّدة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن
حدده، وغسل الوجه، وغسل الرجلين واليدين، ونحو ذلك.
فحكم هذا القسم: أن لا يفعل المكلَّف شيئاً زائداً على الفعل
المحدَّد والمعيَّن، وإذا توقف وجوده، أو العلم بوجوده على شيء:
يكون ما توقف عليه واجباً، لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي
قدَّره الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أما القسم الثاني - وهو: الواجب غير المحدَّد - فهو: الذي لم
يحدده ولم يقدره الشارع بقدر معين مثل: الطمأنينة في الركوع،
والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في
الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود، ولكن لم
يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة، كذلك أوجب الشارع فيها القيام
والقعود مدة من الزمن، ولكن لم يحدد ولم يعين الشارع هذه المدة.
فحكم هذا القسم: أن المكلف يستطيع أن يزيد على أقل
الواجب، بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب
مثل: الزيادة في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة
القيام، وفي مدة القعود.
ثانياً: حكم الزيادة على أقل الواجب:
هذه الزيادة التي يزيدها المكلَّف على أقل الواجب
هل هي واجبة أو هي مندوبة؟
اختلف العلماء على مذهبين:
стр. 204
المذهب الأول: أن تلك الزيادة مندوبة.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وفخر الدين الرازي،
والبيضاوي، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الشيرازي،
وأبي عبد اللَّه الجرجاني، وأبي يعلى الحنبلي، وأبي الخطاب.
وهو الراجح عندي؛ لدليلين:
أولهما: أن الواجب هو: الذي لا يجوز تركه إلا بشرط البدل
وهو: العزم على الفعل في آخر الوقت في الواجب الموسَّع، أو
فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخير، وهذه الزيادة
في الطمأنينة - مثلاً - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا
بدل، وهذا هو حد الندب، فتكون تلك الزيادة مندوبة.
ثانيهما: أن من فعل من الأمور به ما يقع عليه الاسم، فإنه
يحسن أن يخبر عن نفسه، ويقول: " فعلت ما أمرت به "، ولو
كان اللفظ يتناول أكثر من ذلك لما حسن الإخبار عن نفسه بذلك.
المذهب الثاني: أن الزيادة على أقل الواجب تكون واجبة.
أي: أن الزيادة على أقل ما يطلق عليه الاسم واجبة فيكون الفعل
جميعه واجب.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، ونسب إلى الكرخي منهم.
دليل هذا المذهب:
إن نسبة الواجب وما زاد عليه إلى الأمر نسبة واحدة، والأمر في
نفسه أمر واحد لا يتجزأ، وهو أمر إيجاب، والواجب وما زاد عليه
لا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء، فإذا فعل المكلَّف الواجب وما
زاد عليه يوصف بأنه ممتثل، والامتثال واجب فيكون الواجب وما زاد
عليه واجباً.
стр. 205
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إما أن تتميز الزيادة، أو لا تتميز.
فإن تميزت الزيادة عن الواجب الذي تناوله الاسم، أي: تميز
أحدها عن الآخر ببعض التميز فلا نسلم أن نسبة الواجب وما زاد
عليه إلى الأمر نسبة واحدة، بل الواجب نسبته إلى الأمر بالوجوب،
ونسبة الزيادة إلى الأمر بالندبية.
ولا نسلم - أيضا - أن الأمر في نفسه واحد لم يتجزأ، بل الأمر
واحد من حيث اللفظ، أما من حيث حقيقته فهو أمران: أحدهما:
جازم بالنسبة إلى الواجب، والآخر: غير جازم بالنسبة إلى الزيادة.
أما إذا لم تتميز الزيادة - أي: لم يتميز الواجب وما زاد عليه -:
فيحتمل أن يكون بعضه واجبا وبعضه ندبا؛ قياسا على من دفع ديناراً
عن زكاة عشرين ديناراً، فيكون نصف الدينار عن العشرين،
والنصف الآخر قد دفعه ندبا وصدقة.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره؛ حيث ترتب على هذا
الخلاف اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
١ - أنه إذا مسح رأسه كله دفعة واحدة - وقلنا: إن الواجب
مسح قدر الناصية - فالواجب هو: قدر الناصية، والزائد ندب على
المذهب الأول، أما على المذهب الثاني: فكله واجب.
٢ - أنه لو كان عنده خمس من الإبل فعجل زكاتها، وأخرج
بعيراً - وقلنا بالإجزاء - فهل كله واجب، أو بعضه هو الواجب؟
اختلف في ذلك والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة الأصولية.
стр. 206
٣ - أنه إذا زاد في مبيت ليلة مزدلفة الواجبة لحظة من النصف
الثاني، فإن الزيادة نافلة؛ بناء على المذهب الأول، أما على
المذهب الثاني، فالكل واجب.
٤ - أنه إذا وقف بعرفات زيادة على قدر الواجب، فالزيادة نفل
بناء على المذهب الأول، أما على المذهب الثاني فالكل واجب.
المسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب تسميتهما بذلك:
الواجب ينقسم باعتبار فاعله إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب العيني.
القسم الثاني: الواجب الكفائي.
أما القسم الأول - وهو: الواجب العيني - فهو: ما يتحتم أداؤه
على مكلَّف بعينه.
أو هو: ما طلب حصوله من كل واحد من المكلفين كالصلاة،
والصيام والحج، ونحو ذلك.
وسمي بالواجب العيني؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب
منسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة.
وحكمه: لزوم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته
إلا بفعله.
أما القسم الثاني - وهو: الواجب الكفائي - فهو: ما يتحتم
أداؤه على جماعة من المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام
стр. 207
به بعض المكلَّفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين
مثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على
الميت وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك.
وسمي بالواجب الكفائي؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من
حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين.
وحكمه: أنه إذا قام به من يكفي من المكلَّفين سقط عن الباقين.
وإذا لم يؤده أحد لحق الإثم جميع المكلَّفين.
فالقصد من الفعل الكفائي: هو وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه
من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمن يقع منه.
ثانياً: متى يتحوَّل الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
عرفنا - فيما سبق - أن المقصود من الواجب الكفائي هو: وقوع
الفعل لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو دفع المفسدة، دون النظر
إلى فاعله، ولكن قد تطرأ بعض الأحوال التي تجعله واجباً عينياً،
وذلك مثل:
١ - أن يأمر الإمام شخصاً بتجهيز ميت تعين عليه، وليس له
استنابة غيره.
٢ - أنه لو رأى شخص غريقاً، وكان بإمكانه إنقاذه أصبح إنقاذه
واجباً عينياً عليه.
٣ - لو دخل الكفار ديار المسلمين، ولم يتمكن الجند صدهم
تعين على كل مسلم مكلَّف قادر أن يساهم بما يستطيعه حتى يتحقق
صد العدو.
٤ - إذا غلب على ظن المكلَّف أن غيره لم يقم بالواجب
الكفائي، وهو قادر على القيام به أصبح هذا الواجب في حقة عينياً.
стр. 208
ثالثاً: شروط فرض الكفاية:
الذي يوصف بأنه فرض كفاية له شرطان:
الشرط الأول: أن يكون فيه مصلحة شرعية، أو هو وسيلة
لمصلحة شرعية.
مثال المصالح الشرعية: ضبط أصول الفقه، وفروعه، والكتاب،
والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأنواع الأدلة، وأن يوصلها كل
قرن إلى من بعده، ومناظرة الملحدين والطاعنين في الدين الإسلامي،
وضبط أصول الدين، وتعليم القرآن، والفروع الشرعية للطلاب،
والنحو، واللغة، وكل ما يتعلق بالكتاب والسُّنَّة.
ومثال الوسائل إلى المصالح الشرعية: الصنائع والحرف التي لا
يستغنى عنها الناس، فيجب أن تخرج لكل حرفة طائفة من الناس،
فإذا كان لهم في ذلك نية حسنة أثيبوا ثواب الواجب، وإن لم يكن
لهم نية فلا ثواب لهم، وليس كل واجب يثاب عليه.
الشرط الثاني: أن يكون مما لا تتكرر مصلحته بتكرر وجوده، مثل:
إنقاذ الغريق، فإنه إذا رفعه واحد من البحر، ثم نزل آخر بعده لم
يحصل بنزوله مصلحة، وكذلك إطعام الجوعان، وإكساء العريان،
فهذا ونحوه يجب على الكفاية، ويسقط عن الآخرين نفياً للتعب.
رابعاً: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم
стр. 209
عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية، فإنه
مفروض حقا للكافة، والأمر إذا عم خف، وإذا خص ثقل.
المذهب الثاني: أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين.
ذهب إلى هذا أبو محمد الجويني، ونسبه إلى الإمام الشافعي.
دليل هذا المذهب:
أنه في فرض الكفاية يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره، فهو أكثر
في الأجر، أما في فرض العين فإنه يسقط الفرض عن نفسه - فقط -.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن القيام بفرض العين أكثر
في الأجر والثواب؛ لأنه أشق من فرض الكفاية، والأجر على قدر
المشقة.
أما نسبته إلى الإمام الشافعي فليس بصحيح، - فإن الشافعي مع
أصحاب المذهب الأول، ودل على ذلك قوله في " الأم ": " قطع
الطواف المفروض لصلاة الجنازة، أو الرواتب مكروه؛ إذ لا يحسن
ترك فرض العين لفرض الكفاية ".
وذكر الغزالي في " إحياء علوم الدين " - مؤيدا المذهب الأول -:
أن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية، وزعم أن مقصوده
الحق: فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في تحصيل
الثياب ونسجها قصداً لستر العورات.
خامسا: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع:
الصحيح: أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:
أولهما: في الجهاد في سببيل اللَّه؛ لأنه إذا شرع في الجهاد ثم
стр. 210
ترك الصف، ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على
القتال.
ثانيهما: في الصلاة على الجنازة؛ لأنه إذا شرع في الصلاة على
الجنازة، فإنه يلزمه الإتمام، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة
الميت كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.
سادساَّ: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟
اختُلِف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المخاطب بفرض الكفاية هو الكل، أي:
موجه إلى جميع المكلَّفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب
منهم.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لاتفاق العلماء على ترتيب الإثم على الجميع إذا
لم يقم به أحد، فتأثيم الجميع موصما لتكليفهم جميعاً، لأنه لا
يمكن أن يؤاخذ الإنسان على شيء لم يكلفه، فدل على أن وجوبه
على الجميع.
المذهب الثاني: أن المخاطب بفرض الكفاية هو: بعض المكلفين
- فقط -.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كتاج الدين ابن السبكي في " جمع الجوامع ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الإبهام في المكلََّف على الإبهام في المكلَّف به.
بيانه: كما جاز التكليف بأمر مبهم في الواجب المخيَّر، فكذلك
стр. 211
يجوز تكليف بعض مبهم من الجماعة، وذلك لحصول المصلحة
المطلوبة في ذلك.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس غير صحيح، لأنه قياس مع النص،
حيث وردت نصوص دلت على تكليف الجميع دون البعض، كما في
قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله) ، وقوله: (يا أيها الذين
آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، فهذه الخطابات وردت في
القتال، وهي تعم كل الأفراد بدليل واو الجماعة واسم الموصول
اللذين يفيدان العموم، مع الاتفاق على أن القتال فرض كفاية، فإن
هذا التعميم في الآيات بتوجيه الخطاب إلى مجموع المسلمين دليل
على أن الواجب الكفائي مطلوب من الجميع.
الدليل الثاني: أن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض المكلَّفين
دليل على توجيه الخطاب فيه إلى بعض المكلَّفين، لا كلهم، لأن
الأصل عدم سقوط الشيء إلا بفعل من وجب عليه، وما دام أن
الاتفاق قد وقع على سقوطه بفعل بعض المكلَّفين، فيكون الواجب
موجها إلى هذا البعض فقط.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الواجب قد سقط عن الجميع بفعل بعضهم لا
لأن هؤلاء البعض قد طلب منهم الواجب فقط، وإنما سقط الواجب
عن الجميع بفعل البعض، لأن المقصود في الواجب الكفائي هو:
فعل الواجب وإيقاعه بقطع النظر عن الفاعل - كما قلنا سابقا -،
فإذا كان الفعل قد حصل فقد حصلت المصلحة التي من أجلها صدر
الأمر من الشارع، وبعد ذلك يكون بقاء الوجوب على الباقين
стр. 212
تحصيلاً للحاصل، كما لو أوجب أداء دين على كفيلين، فأدى
أحدهما الدين كله، فإنه يسقط أداء هذا الواجب عن الكفيل الآخر،
فكذا هنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لأن الحكم لا يتغير
سواء كان المخاطب به هو الكل، أو البعض؛ حيث إنه إذا قام به
من يكفي سقط عن الباقين.
***
المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟
هذه المسألة تسمى تارة بهذا الاسم، وتسمى تارة بـ " مقدمة
الواجب "، وتارة تسمى بـ " الوسيلة " أو " وسيلة الواجب "
أو "ما لا يتم الأمر إلا به يكون مأموراً به ".
تحرير محل النزاع في هذه المسألة:
أقول في ذلك: إن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان:
القسم الأول: ما يتوقف عليه في وجوبه.
القسم الثاني: ما يتوقف عليه في وقوعه.
أما القسم الأول - وهو: ما يتوقف عليه وجوب الواجب - فهذا
القسم لا يجب إجماعا سواء كان سببا أو شرطا، أو انتفاء مانع.
فبلوغ النصاب - مثلاً - سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا
يجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة عليه.
والزوجات والمماليك سبب وجوب النفقات، فلا يجب تحصيلها
حتى تجب تلك النفقات.
стр. 213
والإقامة شرط وجوب الصوم، فلا يجب على أحد أن يقيم في
بلد ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم.
والدين مانع من الزكاة، فلا يجب على أحد أن يوفي دينه حتى
تجب الزكاة.
أما القسم الثاني - وهو: ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تقرر
الوجوب - فهو يتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: ما يكون غير مقدور للمكلف، أي: أن يكون ما
لا يتم الواجب إلا به غير مقدور للمكلف كالقدرة على الفعل،
واليد في الكتابة، والرجل للمشي، وحضور الإمام والعدد الكامل
للجمعة، فهذا النوع لا يجب إجماعاً؛ لأنه ليس بقدرة المكلف ولا
طاقته تحصيل ذلك، بل عدم تلك الأمور يمنع الوجوب.
النوع الثاني: ما يكون مقدوراً للمكلَّف، أي: أن يكون ما لا
يتم الواجب إلا به مقدوراً للمكلَّف، ويجب فيستطيع فعله واختياره.
وهذا النوع - وهو المقدور عليه - له أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون إيجاب الواجب مقيَّداً بحصول المقدور
عليه، وورد صريحاً كقولك لغيرك: " إن ملكت النصاب فزك " أو
تقول: " إن توضأت فصل "، فهذا واجب مقيَّد بحصول السبب،
أو الشرط، وقد حصل الاتفاق على أن كلًّا من السبب والشرط في
- هذه الحالة - لا يجب بوجوب الواجب، بل الواجب نفسه لا
يجب إلا بعد حصول السبب والشرط.
الحالة الثانية: أن يُصرح بعدم إيجابه، كأن يقول: " صل، ولا
أوجب عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به لا يجب
بالاتفاق؛ عملاً بموجب التصريح.
стр. 214
الحالة الثالثة: أن يُصرح بوجوبه كأن يقول: " صل، وأوجب
عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به واجب اتفاقاً؟
عملاً بموجب التصريح.
الحالة الرابعة: ألا يصرح الشارع بإيجابه ولا عدم إيجابه، ولا
يقيده بشيء، بل يأتي اللفظ مطلقاً مثل وجوب غسل الوجه، هل
يوجب غسل جزء من الرأس ليتحقق غسل الوجه؛ ومثل وجوب
صوم اليوم هل يجب تبعاً لذلك صوم جزء من الليل ليتحقق من
صوم اليوم؛ فهذا هو المحل الذي تنازع فيه العلماء.
أي: هل ما لا يتم الواجب إلا به واجب؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
* المذهب الأول: أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقا.
أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب.
أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب.
أو سبباً عادياً مثل: حز الرقبة بالنسبة إلى القتل.
أو شرطاً شرعياً مثل: الوضوء للصلاة.
أو شرطاً عقلياً مثل: ترك أضداد المأمور به.
أو شرطاً عادياً مثل: غسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق
غسل كل الوجه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهذا هو الصحيح عندي، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب،
وما لا بد منه في الواجب يكون واجباً.
стр. 215
فعندنا مقدمتان:
الأولى: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب.
الثانية: أن ما لا بد منه في الواجب يكون واجباً.
دليل المقدمة الأولى: أن ما لا بد منه في الشيء الواجب لا يكمل
ذلك الشيء الواجب إلا به.
دليل المقدمة الثانية: أن ما لا بد منه المكمل للواجب لازم،
واللازم واجب، فما لا بد منه واجب.
فنتج من المقدمتين: أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
الدليل الثاني: أن الواقع المحسوس يشهد لذلك، فإن السيد لو
قال لعبده: " ائتني بماء "، ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا
يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو،
فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك
ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع
القدرة - وإلا لاستحق العقوبة من السيد.
فلذلك لزمه ووجب عليه إحضار السبب " وهو الرشاء والدلو "
الذي بواسطتهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء؛ لأنه لا
يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا.
فنتج أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
تنبيه:
اختلف الجمهور - وهم أصحاب المذهب الأول - في وجوب ما لا
يتم الواجب إلا به - وهي مقدمة الواجب -
هل هو متلقى من نفس الصيغة الموجبة للواجب، أو متلقى من دلالتها؟
следующие страницы →