Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فمن نظر إلى المعنى الذي هو مناط الحكم، والذي كان واسطة
إلحاق المسكوت بالمنطوق به يدرك بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى
استنباط واجتهاد: اعتبره من الدلالة اللفظية، وسماه مفهوم موافقة
أو دلالة نص، وهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول.
ومن نظر إلى إلحاق المسكوت بالمنطوق على أنه إلحاق فرع بأصل؛
لاشتراكهما في عِلَّة جامعة سنهما: اعتبره من قبيل القياس الجلي،
وهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني.
إذن: يكون الخلاف في التسمية، لا في المعنى، فيكون الخلاف
لفظياً.
جوابه:
أن من جعله من قبيل الدلالة اللفظية يقصدون أن مفهوم الموافقة
يعامل معاملة الألفاظ من حيث إنه ينسخ ويُنسخ به، وأنه أقوى من
القياس، أما من جعله من قبيل القياس، فإنهم يقصدون أن مفهوم
الموافقة يعامل معاملة القياس في أحكامه، فيكون الخلاف - على
هذا - خلافاً معنوياً.
المسألة الخامسة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟
اختلف القائلون: إن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية في مفهوم
الموافقة هل له عموم؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الموافقة له عموم.
وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة.
وهو الحق عندي؛ لأنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد
стр. 1647
يكون عاما، وقد يكون خاصا، لذلك تجد مفهوم الموافقة - بناء
على ذلك - ينسخ وينسخ به.
المذهب الثاني: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة.
وهو مذهب بعض الشافعية كالغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور
الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في مفهوم الموافقة؛
حيث إنه فحوى اللفظ ومعناه اللغوي.
جوابه:
أن مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون
الحكم في المسكوت عنه أوْلى من الحكم في المنطوق به - كما قلنا
فيما سبق، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنه يجري عليه ما يجري على
الألفاظ.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لا ثمرة له؛ حيث لا تترتب عليه فائدة
بالنظر إلى إثبات الحكم تحليلاً وتحريما: فمفهوم الموافقة يتحقق في
جميع صور إيذاء الوالدين من قتل وضرب وشتم ونحو ذلك،
فيكون حكمها التحريم، وذلك فهمناه من حرمة التأفيف في قوله
تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، ولكن بعضهم قال: أخذنا ذلك
من عموم مفهوم الموافقة، والبعض الآخر يقول: أخذنا ذلك عن
طريق عموم اللفظ المنطوق به.
стр. 1648
المسألة السادسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أَوْلى أو
مساوياً:
لقد سبق أن قلنا: إنه لا يشترط في مفهوم الموافقة: أن يكون
المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به، فيترتب على ذلك: أن
مفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم موافقة أولوي.
القسم الثاني: مفهوم موافقة مساوي.
أما القسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة الأولوي - فهو: ما كان
المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين
المسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا
الحكم، فيكون المسكوت عنه أوْلى منه بالحكم، وهو يسمى بالتنبيه
بالأدنى على الأعلى، والأمثلة على ذلك كثيرة: منها: قوله تعالى:
(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، وقد سبق بيان ذلك، ومنها قوله تعالى:
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) ، فإن هذا تنبيه - وهو
عدم أدائه للدينار - على الأعلى - وهو: عدم أدائه للأكثر من
الدينار -، أي: إنه إذا كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب
أَوْلى أن لا يؤدي ما هو أكثر منه.
القسم الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت
عنه مساويا للمنطوق به في الحكم.
أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر الناسبة
الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.
стр. 1649
ومن الأمثلة على ذلك: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه
مساوي لأكله المحرم، وقد سبق بيان ذلك فلا داعي لتكراره.
المسألة السابعة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث القطعية
والظنية:
ينقسم من هذه الحيثية إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم موافقة قطعي.
القسم الثاني: مفهوم موافقة ظني.
فالقسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي - هو: ما كان فيه
المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه معلوماً جزماً.
أما القسم الثاني - وهو مفهوم الموافقة الظني - فهو: ما كان فيه
المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه راجحا على غيره.
وهذا التقسيم على الرأي الذي رجحناه فيما سبق، وهو عدم
اشتراط كون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، فهو شامل
للمساوي وللأولوي.
وعلى هذا يكون إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بطريق مفهوم
الموافقة إما أن يكون قطعيا، أو ظنيا، وفي كل منهما إما أن يكون
المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق، أو مساويا له، فكان
مجموع ذلك أربعة أنواع:
النوع الأول: مفهوم موافقة قطعي أولوي.
النوع الثاني: مفهوم موافقة قطعي مساوي.
стр. 1650
النوع الثالث: مفهوم موافقة ظني أولوي.
النوع الثالث: مفهوم موافقة ظني مساوي.
وإليك أمثلة لكل نوع من تلك الأنواع:
مثال النوع الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي الأولوي - قوله
تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، فإنه يفهم من ذلك - قطعا ومن باب أَوْلى - أن من عمل
مثقال جبل خيراً أو شراً فإنه سيراه، وهذا مما لا شك فيه، ولا
يتطرق إليه احتمال.
مثال آخر: قوله ﷺ :
"من أخذ شبراً من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين "، فقد بين الشارع الوعيد الشديد لمن اغتصب شبراً من الأرض، فإذا كان هذا الوعيد الشديد يقع على من اغتصب هذه المساحة القليلة، فإن اغتصاب ما هو أوسع منه مساحة أشد في الوعيد، وأدخل في الظلم، وقد نبَّه بالقليل والأدنى على الكثير والأعلى، وهذا لا يتطرق إليه احتمال.
مثال النوع الثاني - وهو: مفهوم الموافقة القطعي المساوي -:
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ، فقد توعد الشارع من أكل مال
اليتيم ظلماً بالوعيد الشديد، وعلمنا بطريق المفهوم: أن من أحرق
مال اليتيم أو أتلفها بأي صورة من صور الإتلاف، فإن عليه ذلك
الوعيد، وهذا المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق به في
الحكم جزماً.
مثال النوع الثالث - وهو: مفهوم الموافقة الظني الأولوي - قوله
ﷺ :
"أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها ... ".
стр. 1651
فهو نص على منع التضحية بالعوراء، وبما أن العمى عور مرتين،
فإن العمياء أَوْلى بالحكم المذكور في العوراء بجامع: أن هذا العور
يسبب نقص في القيمة، فالعمياء أحرى بهذا المعنى.
لكن قد يقول قائل: لماذا لم نقل: إن هذا من أمثلة مفهوم
الموافقة القطعي الأولوي.
جوابه:
أن هذا المعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء لم نجزم به،
بل هو يغلب على ظننا؛ حيث إن هناك احتمالاً آخر وهو: أن يكون
المعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء: أن العوراء مظنة الهزال
والضعف والسقام؛ لأن العوراء ناقصة البصر، لا ترى إلا ما قابل
عينها المبصرة فقط، فيكون هذا مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها
مظنة لهزالها، وهذا المعنى قد لا يوجد في العمياء؛ لأن صاحبها
يعرف بعماها لذلك تجده يهتم بها ويعلفها، وقد يختار لها أجود
العلف وذلك مظنة السمن.
مثال النوع الرابع - وهو مفهوم الموافقة الظني المساوي -: قوله
﵊: " من أعتق له شركا في عبد فكان له مال يبلغ
ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق
عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق ".
فهو يدل على سراية العتق في حق العبد، والعلماء قد ألحقوا
الأمة بالعبد في هذا الحكم؛ لأنه يغلب على الظن عدم وجود الفرق
بينهما في ذلك.
قد يقول قائل: لماذا لم نجعل هذا من أمثلة مفهوم الموافقة القطعي
المساوي.
стр. 1652
جوابه:
الذي منعنا من ذلك: أنه يوجد احتمال وهو: أن يكون الشارع
إنما نص على العبد في هذا الحديث لخصوصية في العبد لا توجد في
الأمة وهي: أن العبد إذا عتق فإنه يزاول مناصب الرجال وأعمالهم
ما لا تزاوله الأنثى، ولو كانت حرة.
***
المسألة الثامنة: حجية مفهوم الموافقة:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الموافقة حُجَّة، وهو طريق لاستنباط
الأحكام الشرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف.
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأولْ: إجماع الصحابة ﵃ حيث إنهم
فهموا ذلك من خطاب اللَّه تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم - فيما
بينهم -؛ وذلك في وقائع كثيرة، ومنها:
١ - أنهم فهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) : أن ما زاد على مثقال ذرة أولى منه
في أن الشخص يراه يوم القيامة.
٢ - قول أبي بكر ﵁ في شان مانعي الزكاة:
"والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم عليه " فإن الصحابة قد فهموا من هذا: أنه إذا قاتلهم على عقال
البعير، فمن باب أوْلى أن يقاتلهم على ما فوقه.
стр. 1653
الدليل الثاني: أن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل
اللغة قبل ورود الشرع، بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح؛ حيث
إفي العرب يرون ذلك ضربا من البلاغة، ونوعاً من التأكيد للحكم
في محل السكوت، وهم أهل اللسان، وأرباب البيان، وبلغتهم
نزل القرآن، فإن الشارع ينزل خطاباته على الأصول اللغوية
وأساليبها وعرفها في الفهم، وما هو حُجَّة لغة يجب اعتباره حُجَّة
شرعا ما لم يقم دليل على أن الشارع أراد معنى خاصا.
الدليل الثالث: تبادر فهم العقلاء، بيانه:
أن العقلاء إذا سمعوا هذا التعبير من الكلام كقول السيد لعبده:
"لا تعط زيداً درهماً، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، ولا
تقل له أف "، فإنه يتبادر إلى أذهانهم: امتناع إعطاء زيد ما فوق
الدرهم، وامتناع الظلم إلى ما فوق الذرة، وامتناع أذيته فيما فوق
التعبيس، وفوق التأفيف كالشتم والضرب،
قال ابن تيمية ﵀:
" وجمهور العلماء يرون أن إنكار فهم تحريم الضرب من
تحريم التأفيف من نقص العقل، والفهم، وأنه من باب السفسطة في
جحد مراد المتكلم ".
وقال شمس الدين الذهبي: " ما فهم أحد قط من عربي ولا
نبطي ولا عاقل ولا واع: أن النهي عن قول: " أف " للوالدين إلا
وما فوقها أولى منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؛ وهل هذا
إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر ".
المذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة ليس بحُجَّة.
وهو مذهب ابن حزم وأكثر الظاهرية.
стр. 1654
دليل هذا المذهب:
أن مفهوم الموافقة ما هو إلا نوعا من القياس، والقياس باطل
جملة وتفصيلاً - كما سيأتي تفصيل كلامهم فيه - فيكون مفهوم
الموافقة ليس بحُجَّة مثله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،
بل إن دلالته دلالة لفظية، كما سبق بيان ذلك بالتفصيل وما كانت
دلالته لفظية، فإنه يكون حُجَّة كالنصوص.
الجواب الثاني: على فرض أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،
فإنه حُجَّة؛ لأن القياس حُجَّة على رأي جمهور العلماء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث تأثرت في هذا كثير من الفروع الفقهية،
وسيأتي ذكر ذلك؛ حيث إن الظاهرية جعلوا مفهوم الموافقة من قبيل
القياس، وهم ينكرون القياس وينفونه، والجمهور يثبتونه فتكون
الأمثلة تنطبق على البابين، ولا داعي لتكرار ذلك.
стр. 1655
المطلب الثالث في مفهوم المخالفة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريفه.
المسألة الثانية: في أسمائه.
المسألة الثالثة: في أنواعه وحجية كل نوع.
المسألة الرابعة: في شروطه.
стр. 1656
المسألة الأولى: تعريف مفهوم المخالفة:
هو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف
للحكم الذي دلَّ عليه المنطوق نفياً وإثباتاً.
مثاله: قوله ﵇: " في سائمة الغنم الزكاة "، فإن
اللفظ دلَّ بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة.
ودلَّ بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.
فاللفظ - وهو الغنم السائمة - دلَّ على ثبوت حكم للمسكوت
عنه، وهو - هنا - الغنم المعلوفة - مخالف للحكم الذي دلَّ عليه
المنطوق - وهو وجوب الزكاة - وهذا الحكم المخالف هو: أن
المعلوفة لا زكاة فيها.
وقيل: هو: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم
عما عداه.
ومعنى ذلك: أنه إذا خص شيء بالذكر ونطق به وصرح بحكمه،
فإنا نستدل بذلك على أن المسكوت عنه يخالفه في الحكم، فإن كان
المنطوق به قد أثبت حكمه، فالمسكوت عنه قد نفي عنه ذلك الحكم،
وإن كان المنطوق به قد نفي حكمه، فالمسكوت عنه قد أثبت له ذلك
الحكم.
فقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ،
فالمنطوق به: أن من قتل شيئاً وهو محرم متعمداً فيجب عليه المثل،
ومفهوم المخالفة: أن من قتل شيئاً وهو محرم خطأ، فلا يجب عليه
شيء.
стр. 1657
وقوله ﷺ :
"الثيب أحق بنفسها من وليها ".
فالمنطوق: أن الثيب أحق بنفسها في أمر النكاح.
والمفهوم: أن البكر وليها أحق منها في أمر النكاح.
وقولك: " اعط السائل لحاجته " يفهم بمفهوم المخالفة: أن غير
المحتاج لا يعطى.
***
المسألة الثانية: أسماء مفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة يسمى بعدة أسماء عند العلماء، وهي كما يلي:
الاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهذا هو المشهور عند جمهور
العلماء في كتبهم.
وسمي بذلك؛ لأنه استنتاج مجرد، غير مستند إلى منطوق،
فيكون مفهوماً، أي: أن المفهوم منه يخالف المنطوق به حكما.
الاسم الثاني: دليل الخطاب، وسمي بذلك لأحد أمور ثلاثة:
الأول: سمي بذلك إما لأن دليله من جنس الخطاب.
الثاني: أو سمي بذلك لأن الخطاب دال عليه.
الثالث: أو سمي بذلك لمخالفته منطوق الخطاب.
الاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهذا الاسم منتشر عند
الحنفية، واعتبروا التمسك به من التمسكات الفاسدة - كما سيأتي
ذكره -
стр. 1658
المسألة الثالثة في أنواع مفهوم المخالفة وبيان حجية كل نوع
وهي كما يلي:
النوع الأول: مفهوم الصفة.
النوع الثاني: مفهوم الشرط.
النوع الثالث: مفهوم الغاية.
النوع الرابع: مفهوم العدد.
النوع الخامس: مفهوم الاستثناء.
النوع السادس: مفهوم الحصر بـ " إنما ".
النوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر.
النوع الثامن: مفهوم اللقب.
وإليك بيان كل نوع:
النوع الأول: مفهوم الصفة:
أولاً: بيان حجيته:
إذا كان للمنصوص عليه صفتان، فعلق الحكم بإحدى الصفتين
هل يدل هذا على نفي الحكم عما يخالفه في الصفة الأخرى؟
أو تقول: الخطاب العام المعلق حكمه على صفة لا توجد في كل
مدلول هل يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة؛
كقوله ﵇: " في الغنم السائمة زكاة "، فهل يدل على نفي
стр. 1659
الزكاة عن غير السائمة وهي المعلوفة أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين هما:
المذهب الأول: أنه يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة حُجَّة.
فإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم
إذا انتفت تلك الصفة.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر
أصحابهم، وبعض أهل العربية كأبي عبيدة - معمر بن المثنى - وهو
اختيار أبي الحسن الأشعري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تخصيص الحكم بالصفة لا بدَّ له من فائدة
صوناً للكلام عن اللغو، فإن لم يكن هناك فائدة سوى انتفاء الحكم
عما عدا الموصوف بتلك الصفة وجب حمله عليه، وإن لم يحمل
عليه: كان التخصيص بتلك الصفة لغواً، وكلام الشارع يصان عن
اللغو، ولأجل ذلك يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه
عند عدم تلك الصفة.
الدليل الثاني: قياس تقييد الخطاب العام بالصفة على تقييده
بالاستثناء، وقد ثبت أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات
نفي، فكذا التقييد بالصفة يجب أن يفيد النفي فيما عدا الموصوف
بتلك الصفة إن كان الكلام موجبا، أو بالعكس إن كان منفيا.
الدليل الثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة
معلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية -
كما سيأتي بيان ذلك في باب القياس - وانتفاء العلة يوجب انتفاء
الحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.
стр. 1660
الدليل الرابع: أنه روي عن أبي عبيد - القاسم بن سلام - أنه لما
سمع قوله ﷺ : " لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ "، قال: إن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته،
وروي عنه - أيضا - أنه لما سمع قول ﷺ : "مطل الغني ظلم " قال: مطل غير الغني ليس بظلم، فأبو عبيد - وهو من فصحاء العرب وأهل اللغة - قد فهم أن تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما
إذا انتفت تلك الصفة عنه.
الدليل الخامس: أن ابن عباس ﵄ قد منع
توريث الأخت مع وجود البنت مستدلاً بمفهوم المخالفة من قوله
تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)
حيث ﵁ قد فهم من توريث الأخت مع عدم الولد:
امتناع توريثها مع البنت؛ لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب،
وهو أفقه الناس في الدين، وأعلمهم بالتأويل، وترجمان القرآن.
الدليل السادس: أنه لما روى أبو ذر قوله ﷺ :
"يقطع صلاة الرجل: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة "،
قال له عبد اللَّه بن الصامت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟
وجه الدلالة: أن عبد اللَّه بن الصامت فهم من تخصيص الكلب
الأسود بالحكم نفي هذا الحكم عن غيره، وأن الكلب الأبيض، أو
الأحمر لا يقطع الصلاة، ولم ينكر عليه أبو ذر - راوي الحديث -
بل قال: يا ابن أخي، سالت رسول اللَّه ﷺ كما سألتني فقال:
"الكلب الأسود شيطان "، فقد فهم عبد اللَّه وأبو ذر من تعليق
الحكم - وهو قطع الصلاة - على الكلب الموصوف بالسواد انتفاء
الحكم عن غير الكلب الأسود، والنبي ﷺ لم ينكر ذلك، والنبي ﷺ أفصح العرب لسانا، وعبد الله وأبو ذر من فصحاء العرب.
стр. 1661
الدليل السابع: أن العربي لو قال لوكيله: " اشتر لي حصانا
أسود " لفهم منه: عدم شراء الأبيض، ولو أنه اشترى أبيض لم
يكن ممثلاً، ولو قال لزوجاته: " الداخلة منكن لهذه الغرفة طالق "
لطلقت كل واحدة تدخل هذه الغرفة، وفهم منه انتفاء الطلاق عند
عدم الدخول.
المذهب الثاني: أنه لا يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة
ليس بحُجَّة.
فإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا لا يدل على نفي ذلك
الحكم إذا انتفت تلك الصفة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأتباعه.
وهو اختيار بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وابن
شريح، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني، وأكثر المعتزلة، وبعض
أهل العربية كالأخفش.
أدلة هذا المذهب: -
الدليل الأول: أن المقيَّد بالصفة لو دلَّ على نفي الحكم عما عدا
الموصوف بها: لما حسن الاستفهام عن الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا
كما هو الواقع في مفهوم الموافقة، حيث إنه في مفهوم الموافقة لا
يحسن الاستفهام فيه، فمثلاً لو قال السيد لعبده: " لا تقل لزيد
أف " لا يحسن من العبد أن يسأل ويقول: هل أضربه؟
ولكنه في مفهوم الصفة - وهو من مفهوم المخالفة - يحسن فإنه
لما قال ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة" حسن أن يقال: هل في المعلوفة زكاة أو لا؟
فهو إذاً غير دال على الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا.
стр. 1662
جوابه:
أن مفهوم الموافقة لم يحسن الاستفهام فيه؛ لأن دلالته قطعية،
أما مفهوم الصفة فدلالته ظنية، لذلك حسن الاستفهام، فلا يلزم
من قبح الاستفهام في مفهوم الموافقة قبحه في مفهوم الصفة.
أما إذا كانت دلالة مفهوم الموافقة ظنية - كما قلنا فيما سبق - فإن
السؤال حسن للتأكيد، والتأكيد يكون لإزالة الاتساع في الفهم،
وهذا قلناه في باب العموم.
الدليل الثاني: أن المقيد بالصفة لو كان دالاً على نفي الحكم عما
عداه، فإما أن يعرف ذلك بالعقل، أو بالنقل، وهما باطلان.
بيان ذلك:
أنه إن زُعم أن ذلك معروف بالعقل فهو باطل؛ لأن العقل لا
مدخل له في اللغات.
وإن زعم أن ذلك معروف بالنقل فهو باطل أيضاً - لأن النقل
قسمان: " متواتر "، و " آحاد ":
فإن زُعم أن ذلك معروف بالمتواتر فهذا باطل؛ لأنه لو كان
معروفاً بذلك، لاشترك الناس في علمه، ومنهم المخالف؛ نظراً
لاشتراكهم في أسباب العلم كسلامة الحاسة، ومخالطة أهل اللغة،
والاقتباس منهم، ولكنه لم يعلم بذلك، فبطل أن يكون معلوما من
جهة التواتر.
وإن زعم أن ذلك معروف بالآحاد، فعلى تقدير صحته وسلامته
عن المعارض، فإنه غير كاف؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والظن لا
يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم الصفة، أي: لا يمكن
إثبات مثل هذا الأصل الذي نزل عليه كلام اللَّه، وكلام رسوله بما لا
يفيد إلا الظن.
стр. 1663
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: نسلم لكم أن هذا غير معروف بالعقل، ولا
بالتواتر، ولكن لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن الظن لا يثبت القاعدة
الأصولية " على إطلاقه، ولكن في ذلك تفصيل، إليك بيانه:
إن كانت القاعدة الأصولية علمية فنحن معكم بأنها لا تثبت
بالظن، وإن كانت القاعدة الأصولية عملية، فإنها تثبت بالظن؛
قياسا على إثبات الفروع العملية بالآحاد.
الجواب الثاني: أنا نقلب ذلك عليكم، ونقول لكم مثل ما قلتم
لنا درهو: أن مفهوم الصفة ليس بحُجَّة إما أن يعرف عن طريق العقل
أو النقل، وكل ذلك باطل، وجوابكم هو جوابنا.
الدليل الثالث: أن المقيد بالصفة لو كان دالًّا على نفي الحكم عما
عدا الموصوف بالصفة لذل عليه إما من جهة صريح الخطاب، وإما
من جهة أن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة
سوى نفي الحكم عندْ عدم الصفة، وإما من جهة أخرى، وكلها
باطلة.
بيان ذلك:
إن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
صريح الخطاب فهو باطل؛ لأنه ليس في الخطاب إلا إثبات الحكم
في الموصوف فقط.
وإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة أن
تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة سوى نفي
стр. 1664
الحكم عند عدم الصفة، فهذا باطل؛ لأن تخصيص الحكم بالصفة
له فوائد كثيرة، ومنها:
الفائدة الأولى: تكثير أبواب الاجتهاد، بيان ذلك:
أن الشارع لو استوعب جميع محل الحكم، ونص على كل حكم
لم يبق للاجتهاد مجال، ولكنه يخصص بعض الأحكام بالذكر
ويعلقها على أوصاف، ويخصص بعض الحوادث بالأحكام معللاً
بعلة ظاهرة، أو غير ظاهرة مريداً من ذلك أن يحصل النظر
والاجتهاد فيها، وبذلك الاجتهاد يحصل الثواب الجزيل للمجتهدين.
الفائدة الثانية: عدم إخراج المذكور من عموم اللفظ، بيانه:
أن الشارع قد ذكر هذا الشيء الموصوف تأكيداً عليه، وللاحتياط
من أن يأتي بعض ألناس ويجتهد ويخرجه عن اللفظ بالتخصيص.
فمثلاً لو قال: " في الغنم زكاة "، ولم يخصص " السائمة "
بالذكر لجاز لأي مجتهد أن يخرج السائمة عن العموم بالاجتهاد،
فخص " السائمة " بالذكر، لئلا تكون محلًّا للاجتهاد، وتكون
غيرها محل الاجتهاد.
الفائدة الثالثة: تأكيد الحكم في المسكوت عنه، بيانه:
أنه إذا كان قد ذكر الحكم وهو معلق بتلك الصفة وذلك المعنى،
فإنه إذا وجدت تلك الصفة وذلك المعنى في المسكوت، عنه بصورة
أقوى، فإن حكم المنطوق به يكون للمسكوت من باب أوْلى مثل ما
قلنا في مفهوم الموافقة.
الفائدة الرابعة: أن يكون مقصود صاحب الشرع تكثير ألفاظ
النصوص ليكثر ثواب القارئ.
стр. 1665
وغير ذلك من الفوائد.
وإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
أخرى، فهذا باطل؛ لأن الأصل عدمه، فلا يمكن أن يصار إليه إلا
لدليل يحققه.
جوابه:
نحن نقول: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
أنه لا بد للتخصيص من فائدة، لكن لا لأنه لا فائدة سوى نفي
الحكم عما عدا الموصوف، بل لما ذكرتموه من الفوائد أيضا، ولكن
هذه الفائدة التي ذكرناها - وهي: دلالة ذلك على نفي الحكم عما
عدا الموصوف - هي الأسبق إلى الذهن والأقوى، فيكون الحمل
عليه أَولى.
أما الباقي مما ذكرتموه من الفوائد فهي تنقدح في الذهن، ولكن
أضعف من انقداح الفائدة التي ذكرناها، فلا تمتنع، وقلنا ذلك
تكثيراً لفوائد الكلام؛ حيث إن تكثير فوائد الكلام أوْلى من الإقلال
منها.
الدليل الرابع: قياس مفهوم الصفة على مفهوم اللقب، بيانه:
أنه لو دلَّ تقييد الحكم بألصفة على نفي الحكم عما عدا الموصوف
بها، لدلَّ تقييد الحكم بالاسم على نفيه عما عداه بجامع: التمييز؛
حيث إن القصد من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عن غيره،
فكذا المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، أو بجامع:
صيانة التخصيص عن الإلغاء، أو بجامع: حمله على تكثير الفائدة.
ولكن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فكذلك
تقييد الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عما عداه.
стр. 1666
جوابه:
أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
نفي الحكم في صورة التقييد بالصفة أسبق إلى الفهم من سائر
الفوائد، وهو غير حاصل في صورة التقييد بالاسم.
أي: أن شعور الذهن عند سماع اللفظ العام المقيد بالصفة
الخاصة بما ليس له تلك الصفة أزم من شعوره بما يغاير مدلول اسم
"ما " عند سماعه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يلزم من دلالة مفهوم الصفة على
النفي دلالته على النفي في صورة التقييد بالاسم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه قد ترتب على هذا خلاف في بعض
الفروع، ومنها إذا قال: " وقفت هذا على أولادي الفقراء "، فإن
غير الفقراء لا يدخلون بناء على المذهب الأول.
ويدخل غير الفقراء بناء على المذهب الثاني.
ولهذا فروع كثيرة في أبواب الوقف، والوصايا، والنذور والأيمان
وهو واضح ولا داعي لذكره.
ثانياً: اختلف أصحاب المذهب الأول في أن تقييد الحكم بالصفة
هل يدل على نص الحكم عما عداه مطلقا، سواء كان من جنس
المثبت فيه أو لم يكن من جنسه، أو يختص فيما إذا كان من جنسه،
فمثلاً إذا قلنا: " إن في سائمة الغنم الزكاة " هل يدل ذلك على نفي
الزكاة عن المعلوفة مطلقا، سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل، أم
البقر، أو يختص النفي بمعلوفة الغنم؟
اختلف في ذلك على قولين:
стр. 1667
القول الأول: إن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي
الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير.
وهذا قول أكثر أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون بحجية
مفهوم الصفة - وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن دلالة المفهوم تابعة لدلالة المنطوق، والتابع لا
يزيد على المتبوع، ولا يتعداه.
الدليل الثاني: أن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، وهو لم
يتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس
المذكور؛ تحقيقا لمعنى المخالفة.
القول الثاني: أن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي
الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.
وهو قول الأقل من أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون
بحجية مفهوم الصفة -.
دليل هذا القول:
أن الوصف المذكور في الحكم علَّة الحكم، فإذا انتفت العلَّة انتفى
الحكم؛ لأن الأصل اتحاد العِلَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الوصف المذكور علَّة الحكم؛ لأنه
يحتمل أن يكون شرطاً له.
الجواب الثاني: سلمنا أن الوصف المذكور علَّة الحكم، لكن
يكون عِلَّة في الجنس المذكور ولا يكون عِلَّة مطلقا.
стр. 1668
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
أنه لما قال الرسول ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة "، فإن مفهومه: أنه لا زكاة في معلوفة الغنم، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها
الزكاة؛ وهذا بناء على القول الأول - وهو: أن تقييد الحكم بالصفة
في جنس يدل على نفيه عما عداه في ذلك الجنس -.
أما بناء على القول الثاني: فإنه لا زكاة في معلوفة الغنم والإبل
والبقر، لأن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما
عدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.
ثمالثما: صور مفهوم الصفة.
مفهوم الصفة له صور وهي كما يلي:
الصورة الأولى؛ أن يذكر اسم عام، ثم يذكر بعده وصف خاص
مثل قوله ﷺ :
"في الغنم السائمة زكاة " - وهو كما سبق -.
الصورة الثانية: تخصيص الحكم بصفة عارضة، والمراد منها:
تعليق الحكم على صفة لا تستقر، بل تطرأ أحيانا وتزول أحيانا
أخرى مثل قوله ﷺ :
"الثيب أحق بنفسها من وليها "،
فهنا اقترن الحكم - وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها - بوصف - وهو
الثيوبة - وهذا الوصف طارئ على المرأة.
الصورة الثالثة: مفهوم التقسيم وهو: أن يذكر قسمين، ويذكر
حكم أحد القسمين، فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم
الآخر، مثل قوله ﷺ :
" الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن "،
فهنا قسم المرأة إلى قسمين:
стр. 1669
الأول: " ألي م "، وهي التي فارقت زوجها وتسمى " الثيب ".
الثاني: " بكر "، وهي التي لم تتزوج.
وجعل لكل قسم حكماً معيناً، فحكم " الأيم " أنها أحق بنفسها،
أي: تستأمر، وحكم البكر: أنها تستأذن.
فتخصيص " الأيم " بأنها أحق بنفسها يدل على نفيه عن البكر،
وتخصيص البكر بالاستئذان يدل على نفيه عن الأيم.
الصورة الرابعة: مفهوم العِلَّة وهو: دلالة اللفظ المقيد بالعلة على
ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العِلَّة كقوله:
" حرمت الخمرة لإسكارها "، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا
إسكار فيه لا يحرم.
الصورة الخامسة: مفهوم الحال، وهو دلالة اللفظ المقيد بحال من
الأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه
تلك الحال كقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
المساجد) ، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف،
ودل بمفهومه المخالف: حل المباشرة إذا انتفى فيه تلك الحال.
الصورة السادسة: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق
الحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه
الذي انتفى عنه ذلك كقوله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) .
الصورة السابعة: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق
الحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه
الذي انتفى عنه ذلك الزمان كقوله تعالى:
стр. 1670
(الحج أشهر معلومات) ، فإنه يدل بمفهومه المخالف:
عدم صحة الحج إذا وقع في غير زمانه.
وكل هذه الصور تجمعها عبارة " مفهوم الصفة "، وكلها حُجَّة
عندنا والأدلة على ذلك هي نفس الأدلة على حجية الصفة.
النوع الثاني: مفهوم الشرط:
والمراد هنا: الشرط اللغوي، دون الشرعي والعقلي، فالحكم
المعلق على شيء بكلمة " إن " هل هو عدم عند عدم ذلك الشيء أو
لا؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الشرط حُجَّة.
أي: يوجد الحكم بوجود الشرط، وينتفي الحكم إذا انتفى
الشرط.
وهو مذهب القائلين: لمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن
سريج، وأبي الحسن الكرخي، وأبي الحسين البصري، والإمام
فخر الدين الرازي.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب:
ما لنا نقصر وقد أمنا، وقد قال تعالى: (فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) .
وجه الدلالة: أن أبا يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة
الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل
قال: قد عجبت مما عجبت منه، فسألت ﷺ عن ذلك فقال:
" صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
стр. 1671
فيعلى وعمر قد فهما من تعليق إباحة القصر في حالة الخوف
وجوب الإتمام في حالة الأمن، والنبي ﷺ لم ينكر هذا الفهم، بل أقره.
ما اعترض به على ذلك:
الاعتراض الأول: أن أبا يعلى وعمر إنما عجبا؛ لأن الإتمام
واجب بحكم الأصل، حيث إن الآيات أمرت بإتمام الصلاة، وإنما
استثنى حالة الخوف، وأباح فيها القصر لهذا العذر، وهو:
الخوف، فبقيت حالة الأمن على ما هي عليه يجب فيها الإتمام،
فثبت أنهما عجبا نظراً لمخالفة الأصل.
جوابه:
لا يوجد في القرآن آية تدل على وجوب إتمام الصلاة بلفظها
خاصة، ولهذا يقال: إن الأصل في الصلاة القصر، فروي عن
عائشة ﵂ أنها قالت: " كانت صلاة السفر والحضر
ركعتين فأقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر "، فدل على
أنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط.
الاعتراض الثاني: أن الآية حُجَّة لنا؛ حيث لم يثبت انتفاء الحكم
عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند عدم الخوف.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن مفهوم الشرط قد دلَّ على منع القصر عند عدم
الخوف، وإنما ترك العمل بمفهوم الشرط لدليل آخر أباح القصر ولو
لم يوجد خوف؛ قياساً على ظاهر العموم، فإنه يترك أحيانا لدليل
آخر.
стр. 1672
الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه ذكر الشرط يبين فيه: أن السبب في
نزول إباحة القصر كان الخوف، ثم عممت الإباحة كما في قوله
تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) ،
فبين أن ذلك سبب الارتهان، لا أنه شرط في الارتهان.
الدليل الثاني: أن كتب النحو بأسرها ناطقة بأن كلمة " إنْ "
تسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم
عند انتفائه، فيقال: الطهارة شرط لصحة الصلاة، والحول شرط
وجوب الزكاة، والاستطاعة شرط وجوب الحج، والحياة شرط العلم
والقدرة؛ فيلزم من انتفاء الطهارة، وانتفاء الحول، وانتفاء
الاستطاعة، وانتفاء الحياة: انتفاء صحة الصلاة، ووجوب الزكاة،
ووجوب الحج، وانتفاء العلم والقدرة.
فيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عاما في جميع موارد
استعماله، فوجب جعله حقيقة فيه؛ دفعا للاشتراك، والتجوز.
المذهب الثاني: أن مفهوم الشرط ليس بحُجَّة.
أي: أن أداة الشرط لا تدل على انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه،
وإنما انتفاء المشروط عنذ انتفاء الشرط يعلم من البراءة الأصلية.
وهو مذهب أكثر الحنفية، والإمام مالك، واختاره أبو بكر
الباقلاني، والغزالي، وأكثر المعتزلة منهم القاضي عبد الجبار، وأبو
عبد اللَّه البصري، وهو مذهب الآمدي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرجل لو قال لزوجته: " إن دخلت الدار
فأنت طالق "، فإن هذا لا ينفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار؛
حيث إنه لو نجز أو علق بشيءآخر فإنه يقع.
стр. 1673
جوابه:
لا نسلم أنه لا ينتفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار إذا نظرنا إلى
قوله فقط.
أما استدلالكم على قولكم بوقوع المنجز أو المعلق بتعليق آخر:
فهذا استدلال غير صحيح؛ لأن ذلك غير المطلق بدخول الدار.
الدليل الثاني: أن أداة الشرط لو دئَت على انتفاء المشروط عند
انتفاء الشرط لكان قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) دالاً على أن الإكراه على الزنا غير حرام عند إرادة
الزنا، أي: أن الآية - لم تدل على نفي حرمته عند إرادته، لكن
الآية لا تدل على ذلك، وعليه: لا تكون أداة الشرط دالة على نفي
المشروط عند انتفاء الشرط.
جوابه:
أن تخصيص الشرط بالذكر هنا قد ظهر له فائدة أقوى من فائدة
نفي الحكم عند انتفائه، وتلك الفائدة هي: التقبيح والتشنيع على
هؤلاء الذين يكرهون الإماء على الزنا، ويحملونهن عليه مع أن
الإماء أنفسهن لا رغبة لهن فيه، فتكون الآية - على ذلك - ليست
من باب مفهوم الشرط.
بيان. نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية ومنها:
١ - أن أصحاب المذهب الأول قالوا: إن الطلقة ثلاثا الحائل لا
تجب النفقة عليها؛ أخذاً بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) فهنا قد جعلت
стр. 1674
الآية النفقة للبائن بشرط أن تكون حاملاً، فينتفي الحكم عند انتفاء
الشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثا الحائل.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: تجب النفقة للمطلقة ثلاثاً
مطلقا، أي: سواء كانت حاملاً أو حائلاً، ولم يأخذوا بمفهوم
الشرط في هذه الآية، وقالوا: إذا كانت الآية قد صرحت بوجوب
النفقة للحامل، فهي ساكتة عن نفقة الحائل، فيبقى الحكم على
أصله، وهو الوجوب للنفقة؛ لأن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها
واجبة على الزوج، فيستمر ذلك ما دامت في العدة.
النوع الثالث: مفهوم الغاية:
مد الحكم إلى غاية ونهاية محددة بواسطة لفظ " إلى "، كقوله
تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) ، أو بلفظ " حتى "، كقوله
تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، أو مد الحكم بصريح
الكلام كقولك: " صوموا صوماً آخره الليل "، هل يدل على نفي
الحكم فيما بعد الغاية أو لا؟
لفد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الغاية حُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية، فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما
بعد الغاية، فحكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وهو مذهب القائلين بمفهوم الشرط، وبعض المنكرين له كالقاضي
أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، والغزالي.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ما بعد الغاية في مثل قوله تعالى:
стр. 1675
(فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ،
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)
ليس كلاماً تاماً، ولا يستقل بنفسه؛ لأنه لو ابتدأ قائلاً: " حتى
تنكح زوجاً غيره "، و " حتى يطهرن "، وسكت، لم يحسن
السكوت عليه، ولا يصح ذلك حتى يتعلق بما قبله، وهو قوله:
(فلا تحل له) ، وقوله: (ولا تقربوهن) .
إذن: لا بد فيه من إضمار، وذلك الإضمار إما ضد ما قبله أو
غيره.
أما الثاني - وهو: أن يضمر غير الضد - فهو باطل؛ لأنه ليس
في الكلام ما يدل عليه عيناً.
فتعيَّن الأول - وهو: "إضمار الضد - فيكون تقدير الكلام في
المثال الأول: " فلا تقربوهن حتى يطهرن فاقربوهن "، وتقدير
الكلام في المثال الثاني: " حتى تنكح زوجا غيره فتحل له "، فإذا
ثبت ذلك في هذه الصورة ثبت في غيرها لعدم القائل بالفرق.
الدليل الثاني: أن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال
السيد لعبده: " لا تعط زيداً درهما حتى يقوم "، و " اضرب عمراً
حتى يتوب "، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل
أعطيه درهما؛ وإذا تاب هل أضربه؟
وسبب هذا القبح هو: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما.
الدليل الثالث: أن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء:
منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصا بحكم،
وصار ما بعده خاصا بحكم آخر، وهو ضده، وإن لم يكن ضده
لم يتحقق مفهوم الغاية، ففي الأمثلة السابقة: ضد تحريم الزوجة
стр. 1676
بعد الطلقة الثالثة هو: حلها بعد الزواج بزوج آخر، وضد وجوب
الصوم في النهار هو: عدم وجوبه في الليل، وضد عدم قربان
الزوجة قبل الطهر هو: حلها بعد الطهر.
المذهب الثاني: أن مفهوم الغاية ليس بحُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية فإنه لا يدل على نفي هذا الحكم فيما
بعد الغاية، وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية
كالآمدي، وبعض المالكية كالباجي.
دليل هذا المذهب:
أن النطق واللفظ خاص بحكم ما قبل الغاية، أما ما بعد الغاية
فهو مسكوت عنه: لم يتعرض له اللفظ والنطق لا بنفي، ولا
بإثبات، فيبقى على النفي الأصلي، وهو الأصل فتبقى الذمة بريئة
من التكليف فيه.
جوابه:
نسلم لكم أن الأصل هو بقاء الذمة بريئة من التكاليف، ولكن إذا
جاء دليل يغير هذه الحالة ويرفع هذا الأصل أخذنا به، وعندنا قد قام
دليل على أن حكم ما بعد الغاية يكون ضد ما قبلها، وهي الأدلة
الثلاثة السابقة الذكر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا هو معنوي، حيث إنه أثر على بعض الفروع،
ومنها: الأمثلة السابقة.
وأيضا: أن الغسل يجزئ عن الوضوء بدليل مفهوم الغاية في قوله
تعالى: (حتى تغتسلوا) ، فإن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن
стр. 1677
تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن
للمغتسل أن يقرب الصلاة.
النوع الرابع: مفهوم العدد:
إذا خصص الحكم بعدد معين وقيد به، فهل يدل هذا على نفي
ذلك الحكم عن غير ذلك العدد، سواء كان ذلك الغير زائداً عليه أو
ناقصاً عنه أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة.
أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم
فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائداً أو ناقصا.
وهو مذهب أكثر القائلين بمفهوم المخالفة، وهو اختيار بعض
الحنفية، وداود الظاهري، وبعض الشافعية، وعلى رأسهم الإمام
الشافعي.
وهو الحق عندي لكن بشرط وهو: أن لا يكون قد قصد بالعدد
التكثير أو المبالغة نحو قولك: " جئتك ألف مرة ولم أجدك ".
والأدلة على حجية مفهوم العدد هي كما يلي:
الدليل الأول: أن قتادة ﵁ قال:
لما نزل قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ، قال النبي ﷺ :
"قد خيرني ربي فواللهِ لأزيدن على السبعين "، ففهم النبي ﷺ من الآية أن نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد العدد عن السبعين فقد انتفى الحكم - وهو عدم المغفرة - رجاء أن يبدله بحكم آخر وهو المغفرة، ولذلك قال:
لأزيدن على السبعين فيكون تخصيص الحكم بعدد "، على نفي
الحكم عن غير هذا العدد المعين.
стр. 1678
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا الحديث ضعيف لم يدون في الصحاح،
والحديث الضعيف لا يحتج به في إثبات قاعدة أصولية، قال ذلك
أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وأشار إليه الغزالي.
جوابه:
إن هذا غير مسلَّم، بل أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب
التفسير، باب: قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ... ) عن
ابن عمر ﵄ قال: لما توفى عبد اللَّه بن أُبي جاء
ابنه إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه ﷺ ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما خيرني اللَّه فقال:
(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ... ) ،
وسأزيد على السبعين ... "، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب
فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، وأخرجه الترمذي،
والنسائي. إذن: يكون الحديث صحيحا؛ حيث إن أصح الأحاديث
ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهذا قد اتفق عليه البخاري ومسلم.
الاعتراض الثاني: على فرض صحته، فإنه خبر واحد؛ وخبر
الواحد لا يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم العدد.
جوابه:
إن خبر الواحد يثبت القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل
مثل هذه القاعدة، كما قلنا ذلك أكثر من مرة.
стр. 1679
الدليل الثاني: أن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم
يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة
ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة، والشرط عن
الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفى الحكم عما عدا
المقيد بعدد، وهذا هو مفهوم العدد.
الدليل الثالث: أن الأمة قد عقلت من تحديد حد القاذفِ بثمانين
نفي وجوب الزيادة، وعدم جواز النقصان.
المذهب الثاني: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة.
أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص لا يدل على نفي ذلك
الحكم فيما عدا ذلك العدد.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالآمدي،
وفخر الدين الرازي، وأكثر المعتزلة، وأكثر الظاهرية.
دليل هذا المذهب:
أن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد، ولا عما
نقص، لاحتمال أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عما
زاد أو نقص.
جوابه:
لا شك أنه توجد فوائد كثيرة في تعليق الحكم على العدد - كما
قلنا فيما سبق - ولكن أقوى الفوائد انقداحا في الذهن وأقربها إليه
هو: أنه يدل على نفي الحكم عما زاد أو نقص، وهذا هو مفهوم
العدد.
تنبيه: أكثر الأدلة على حجية مفهوم الصفة والشرط تصلح
стр. 1680
للاستدلال بها على حجية مفهوم العدد، وأكثر أدلة المخالفين فيهما
تصلح للاستدلال بها على عدم حجية هذا المفهوم، والجواب نفس
الجواب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
١ - أنه لو قال لوكيله: " بع هذا الثوب بمائة ريال "، فإن باع
وكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع؛ هذا بناء
على المذهب الأول؛ لأن مفهوم العدد حُجَّة.
أما على المذهب الثاني: فإنه لو باع بأكثر صح البيع؛ لأنه لا
مفهوم للعدد.
٢ - أن النجاسة إذا أصابت ما دون القلتين نجسته، وحمل
الخبث؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله ﷺ :
" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ".
وبناء على المذهب الثاني فإن ما دون القلتين يحمل الخبث.
٣ - أنه يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم، بناء على
المذهب الأول؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله ﷺ :
" ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دما سائلاً "، بخلاف المذهب الثاني؛ حيث لا يقولون بمفهوم العدد.
النوع الخامس: مفهوم الاستثناء من النفي:
لقد اختلف العلماء في الاستثناء من النفي هل هو إثبات أو لا؟
مثل قوله: " لا عالم في البلد إلا زيد " على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاستثناء له مفهوم، أي: أن الاستثناء من
النفي إثبات، فإذا قلنا: " لا عالم في المدينة إلا زيد "، فإنه يدل
على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما.
стр. 1681
وهو مذهب جمهور العلماء، وأكثر منكري المفهوم.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القائل: " لا إله إلا اللَّه " يُعتبر موحداً مثبتا
للألوهية لله تعالى، ونافيا لها عما سواه بالإجماع، ولو كان نافيا
للألوهية عما سوى اللَّه تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى اللَّه تعالى لما
كان ذلك توحيداً لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله
تعالى، وذلك خلاف الإجماع.
الدليل الثاني: أن كون الاستثناء من النفي إثباتا يتبادر إلى فهم كل
سامع، فمثلاً لو قال: " لا عالم إلا زيد "، و " لا فتى إلا علي "،
و" لا سيف إلا ذو الفقار "، فإنه يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي:
أن هذا من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله، ومن أدل الألفاظ
على فتوة علي، وعلى أنه لا سيف قاطع إلا المسمى بذي الفقار.
الدليل الثالث: أنه ثيت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من
الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، وكلامهم حُجَّة؛ حيث إنهم أعلم
الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالاً على ثبوت
نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتا،
ومن الإثبات نفياً.
المذهب الثاني: أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، فقولك: "لا
عالم إلا زيد " لا يدل على كون زيد عالما.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر أصحابه.
دلبل هذا المذهب:
أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لكان قوله ﵊:
стр. 1682
" لا صلاة إلا بطهور "، وقوله: " لا نكاح إلا بولي "
مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهارة، وتحقق النكاح عند وجود
الولي؛ حيث إن الطهور والولي مستثنى من نفي الصلاة، ونفي
النكاح، والاستثناء من النفي إثبات - على زعمكم - فيلزم من ذلك
صحة الصلاة عند وجود الطهارة، وصحة النكاح عند وجود الولي،
وهذا ليس بصحيح باتفاق العلماء؛ لأن الطهارة قد تكون موجودة،
ومع ذلك لا تصح الصلاة؛ نظراً لفقدان شرط آخر، وكذلك قد
يوجد الولي، ومع ذلك لا يصح النكاح؛ نظراً لفقدان شرط آخر،
وهكذا.
فإذا كان الأمر كذلك فليس الاستثناء من النفي إثبات، بل إن
الاستثناء هو: إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير
متعرض لنفيه ولا إثباته.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه يحتمل أن يكون قد قصد بهذين الحديثين وما
شابههما: بيان أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الولي
شرط في صحة النكاح، فإن هذا لا يفيد ثبوت صحة الصلاة عند
الطهارة، وثبوت صحة النكاح عند وجود الولي؛ قياساً على قولنا:
" لا قضاء إلا بعلم وورع "، فإن هذا القول لا يفيد ثبوت القضاء
لكل ورع وعالم، وإنما يفيد اشتراط العلم والورع فيمن يتولى
القضاء.
الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه قد قصد بالحصر في هذين الحديثين
المبالغة والاهتمام بالشيء، وبيان أنه أهم شروطه؛ حيث إن أهم
стр. 1683
شروط الصلاة: الطهارة، وأهم شروط النكاح: وجود الولي؛
قياساً على قول النبي ﷺ : "الحج عرفة ".
فهذا الحديث لم يقصد منه ثبوت الحج عند الوقوف، ونفيه عند
عدم الوقوف؛ لأن الحج قد يبطل مع الإتيان بالوقوف؛ لكونه قد
ترك ركناً آخر من أركانه، ولكنه ذكر ذلك لأن الوقوف بعرفة أهم
أركان الحج.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
١ - إذا قال المقر: " ليس له عليّ شيء إلا درهما "، فإن
أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاستثناء من النفي
إثبات - يوجبون على المقر درهماً، لأن الاستثناء من النفي إثبات.
وأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلا يوجبون شيئا
على المقر؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، ويقولون: إن
المستثنى مسكوت عنه، لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات.
٢ - إذا قال: " والله لا آكل إلا هذا الرغيف "، فإن على
المذهب الأول يحنث إن لم يأكل الرغيف؛ لأن الاستثناء من النفي
إثبات.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه إذا لم يأكل شيئاً من الرغيف
فإنه لا يحنث؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات.
النوع السادس:. مفهوم " إنما ":
هل تقييد الحكم بهذا اللفظ - وهو إنما - كقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق ": وقوله: " إنما الأعمال بالنيات "،
стр. 1684
وقوله: "إنما الربا في النسيئة "
يدل على الحصر، وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن " إنما " يدل على الحصر، وإثبات المذكور،
ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن لفظة " إنما " مركبة من جزئين هما: " إن "
المشددة، و " ما ".
و" إنَّ " للإثبات مثل: " إن زيداً ناجح ".
و" ما " للنفي مثل: " ما زيد بناجح ".
وإذا كانت " إن " للإثبات، و " ما " للنفي حال انفرادهما،
فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال
اجتماعهما في التركيب، إذن لفظ " إنما " موضوع للأمرين:
للإثبات، والحصر، ونفي ما عدا المذكور.
أي: أن لفظ " إنما " يفيد الإثبات إذا نظرنا إلى " إنَّ "، ويفيد
الحصر ونفي ما عدا المذكور إذا نظرنا إلى " ما ".
الدليل الثاني: أن المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب
اللغة العربية من لفظ " إنما " هو: الحصر، وإثبات المذكور ونفي ما
عدا المذكور، فلم تستعمل في موضع من النصوص الشرعية، أو
الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في
الاستعمالِ الحقيقة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، حيث حصر الله
سبحانه نفسه في صفة الوحدة مع أنه له صفات كثيرة، ولكنه
حصرها هنا باعتبار خاص، وهو المعلوم من سياق الآية، حيث قال
стр. 1685
تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) .
ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ، فقد
حصر الخشية على العلماء وإن كان يوجد من العباد من يخشاه
سبحانه من غير العلماء، ولكنه حصر ذلك في العلماء؛ لكونهم
أشد خشية لله بسبب علمهم بالآيات.
ومنها: قوله تعالى: (إنما أنا منذر) ، فقد فسَّره بصريح الحصر
في غير موضع كقوله تعالى: (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ) ، وقوله: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) .
ومنها: قوله ﷺ :
"إنما الأعمال بالنيات "،
وقد فسَّره بقوله: " لا عمل إلا بنية " وهو حصر.
ومنها: قول الفرزدق:
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فحصر المدافعة فيه أو في مثله.
المذهب الثاني: أن تقييد الحكم بلفظ " إنما " لا يدل على الحصر،
بل يدل على إثبات الحكم المذكور - فقط - ولا يدل على نفي ما
عداه.
وهو مذهب أكثر الحنفية وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض
الحنابلة كالطوفي.
دليل هذا المذهب:
أن لفظ " إنما " مركبة من جزأين هما: " إنَّ " و " ما ".
و" إنَّ " للتأكيد.
следующие страницы →