← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وهو مذهب جمهور العلماء، وأكثر منكري المفهوم. وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن القائل: " لا إله إلا اللَّه " يُعتبر موحداً مثبتا للألوهية لله تعالى، ونافيا لها عما سواه بالإجماع، ولو كان نافيا للألوهية عما سوى اللَّه تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى اللَّه تعالى لما كان ذلك توحيداً لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى، وذلك خلاف الإجماع. الدليل الثاني: أن كون الاستثناء من النفي إثباتا يتبادر إلى فهم كل سامع، فمثلاً لو قال: " لا عالم إلا زيد "، و " لا فتى إلا علي "، و" لا سيف إلا ذو الفقار "، فإنه يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي: أن هذا من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله، ومن أدل الألفاظ على فتوة علي، وعلى أنه لا سيف قاطع إلا المسمى بذي الفقار. الدليل الثالث: أنه ثيت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، وكلامهم حُجَّة؛ حيث إنهم أعلم الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالاً على ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتا، ومن الإثبات نفياً. المذهب الثاني: أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، فقولك: "لا عالم إلا زيد " لا يدل على كون زيد عالما. وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر أصحابه. دلبل هذا المذهب: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لكان قوله ﵊:

стр. 1682

" لا صلاة إلا بطهور "، وقوله: " لا نكاح إلا بولي " مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهارة، وتحقق النكاح عند وجود الولي؛ حيث إن الطهور والولي مستثنى من نفي الصلاة، ونفي النكاح، والاستثناء من النفي إثبات - على زعمكم - فيلزم من ذلك صحة الصلاة عند وجود الطهارة، وصحة النكاح عند وجود الولي، وهذا ليس بصحيح باتفاق العلماء؛ لأن الطهارة قد تكون موجودة، ومع ذلك لا تصح الصلاة؛ نظراً لفقدان شرط آخر، وكذلك قد يوجد الولي، ومع ذلك لا يصح النكاح؛ نظراً لفقدان شرط آخر، وهكذا. فإذا كان الأمر كذلك فليس الاستثناء من النفي إثبات، بل إن الاستثناء هو: إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه يحتمل أن يكون قد قصد بهذين الحديثين وما شابههما: بيان أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الولي شرط في صحة النكاح، فإن هذا لا يفيد ثبوت صحة الصلاة عند الطهارة، وثبوت صحة النكاح عند وجود الولي؛ قياساً على قولنا: " لا قضاء إلا بعلم وورع "، فإن هذا القول لا يفيد ثبوت القضاء لكل ورع وعالم، وإنما يفيد اشتراط العلم والورع فيمن يتولى القضاء. الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه قد قصد بالحصر في هذين الحديثين المبالغة والاهتمام بالشيء، وبيان أنه أهم شروطه؛ حيث إن أهم

стр. 1683

شروط الصلاة: الطهارة، وأهم شروط النكاح: وجود الولي؛ قياساً على قول النبي ﷺ : "الحج عرفة ". فهذا الحديث لم يقصد منه ثبوت الحج عند الوقوف، ونفيه عند عدم الوقوف؛ لأن الحج قد يبطل مع الإتيان بالوقوف؛ لكونه قد ترك ركناً آخر من أركانه، ولكنه ذكر ذلك لأن الوقوف بعرفة أهم أركان الحج. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - إذا قال المقر: " ليس له عليّ شيء إلا درهما "، فإن أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاستثناء من النفي إثبات - يوجبون على المقر درهماً، لأن الاستثناء من النفي إثبات. وأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلا يوجبون شيئا على المقر؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، ويقولون: إن المستثنى مسكوت عنه، لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات. ٢ - إذا قال: " والله لا آكل إلا هذا الرغيف "، فإن على المذهب الأول يحنث إن لم يأكل الرغيف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. أما بناء على المذهب الثاني: فإنه إذا لم يأكل شيئاً من الرغيف فإنه لا يحنث؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات. النوع السادس:. مفهوم " إنما ": هل تقييد الحكم بهذا اللفظ - وهو إنما - كقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق ": وقوله: " إنما الأعمال بالنيات "،

стр. 1684

وقوله: "إنما الربا في النسيئة " يدل على الحصر، وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه أو لا؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن " إنما " يدل على الحصر، وإثبات المذكور، ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن لفظة " إنما " مركبة من جزئين هما: " إن " المشددة، و " ما ". و" إنَّ " للإثبات مثل: " إن زيداً ناجح ". و" ما " للنفي مثل: " ما زيد بناجح ". وإذا كانت " إن " للإثبات، و " ما " للنفي حال انفرادهما، فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب، إذن لفظ " إنما " موضوع للأمرين: للإثبات، والحصر، ونفي ما عدا المذكور. أي: أن لفظ " إنما " يفيد الإثبات إذا نظرنا إلى " إنَّ "، ويفيد الحصر ونفي ما عدا المذكور إذا نظرنا إلى " ما ". الدليل الثاني: أن المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب اللغة العربية من لفظ " إنما " هو: الحصر، وإثبات المذكور ونفي ما عدا المذكور، فلم تستعمل في موضع من النصوص الشرعية، أو الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في الاستعمالِ الحقيقة، والأمثلة على ذلك كثيرة. ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، حيث حصر الله سبحانه نفسه في صفة الوحدة مع أنه له صفات كثيرة، ولكنه حصرها هنا باعتبار خاص، وهو المعلوم من سياق الآية، حيث قال

стр. 1685

تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) . ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ، فقد حصر الخشية على العلماء وإن كان يوجد من العباد من يخشاه سبحانه من غير العلماء، ولكنه حصر ذلك في العلماء؛ لكونهم أشد خشية لله بسبب علمهم بالآيات. ومنها: قوله تعالى: (إنما أنا منذر) ، فقد فسَّره بصريح الحصر في غير موضع كقوله تعالى: (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ) ، وقوله: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) . ومنها: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات "، وقد فسَّره بقوله: " لا عمل إلا بنية " وهو حصر. ومنها: قول الفرزدق: أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فحصر المدافعة فيه أو في مثله. المذهب الثاني: أن تقييد الحكم بلفظ " إنما " لا يدل على الحصر، بل يدل على إثبات الحكم المذكور - فقط - ولا يدل على نفي ما عداه. وهو مذهب أكثر الحنفية وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض الحنابلة كالطوفي. دليل هذا المذهب: أن لفظ " إنما " مركبة من جزأين هما: " إنَّ " و " ما ". و" إنَّ " للتأكيد.

стр. 1686

و" ما " كافة، وليست نافية. أي: أن " ما " تكف " إنَّ " وأخواتها عن العمل فيما بعدها، وتقلبها من اختصاصها بالدخول على الأسماء - فقط - إلى دخولها على الفعل: فلفظ " إنَّ " مختصة بالدخول على الأسماء فقط فيقال: " إن زيداً مسافر "، ولا تدخل على الأفعال فلا يقال: " إنَّ قام زيد ". ولكن لما وردت لفظة " ما " بعد " إن " أفادت أمرين: أولهما: أنها كفتها عن العمل. ثانيهما: أنها جعلت " إن " تدخل على الفعل فتقول: " إنما قام زيد". وإذا كانت " ما " كذلك فليست نافية، ولا تدل على النفي كقولنا: " إنما النبي محمد "، فإن هذا يدل على إثبات النبوة لمحمد ﷺ ، ولا تنفي النبوة عن غيره من الأنبياء. جوابه: لا نسلم ما ذكرتموه، لأن " إنما " تفيد الإثبات والنفي؛ لوجود ما يقتضيهما وهما: " إنَّ. " المؤكدة المثبتة، و " ما " النافية؛ قياسا على الاستثناء من النفي الذي هو إثبات، فكما أن قولنا: " لا فتى إلا علي" يفيد نفي الفتوة عن غير علي، وتأكيد الفتوة لعليّ، فكذلك هنا فقولنا: " إنما العالم زيد " يفيد إثبات العلم الصحيح لزيد والتأكيد على ذلك، ونفي العلم الصحيح عن غيره. أما قولكم: " إنما " النبي محمد، فهذا كلام من إنشاءكم، وهو

стр. 1687

اختراع على اللغة لم يسمع به، فلا يقوى على معارضة ما ورد في القرآن وكلام العرب. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث تأثرت بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها: لو أخبر مخبر قائلاً: " إنما العالم زيد "، فإن هذا يُفهم أن العلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده، هذا بناء على المذهب الاءول. أما على المذهب الثاني: فإن هذا لا يفيد الحصر، بل يفيد تأكيد الإثبات، فالعلم يوجد عند زيد وعند غيره. النوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر: قول الرسول ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم "، وقوله: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم "، وقولنا: " العالم زيد "، و " صديقي زيد " هل يدل ذلك على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وعلى حصر تحريم الصلاة في التكبير، وتحليل الصلاة في التسليم، وعلى حصر الحلم في زيد، وعلى حصر الصداقة فى زيد أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن ذلك يدل على الحصر ويفيده. أي: أن ذلك يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم والصداقة في زيد. وهو مذهب كثير من العلماء منهم الغزالي، وإلكيا الهراسي، وابن قدامة.

стр. 1688

وهو الحق عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: أن أهل اللغة يُفرقون بين قول القائل: " زيد صديقي "، وبين قوله: " صديقي زيد " بأن الثاني يفيد الحصر، ولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال بالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر وعدم إفادته. الدليل الثاني: أن الاسم إذا دخلت عليه " أل " كقوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم "، أو أضيف إلى معرفة كقوله ﷺ : "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم "، وقولنا: " صديقي زيد "، فإن هذا الاسم يفيد الاستغراق، وبالتالي فإن ذلك يفيد الحصر، وهو ظاهر فيه، بيان ذلك: أنه أفاد الحصر؛ لأن المحكوم به - وهو الخبر - يجب أن يكون مساويا للمحكوم عليه - وهو المبتدأ - أو أعم منه. فمثال المساوي: قولنا: " الإنسان بشر "، فالإنسان - هنا - وهو المبتدأ - محكوم عليه بأنه بشر - وهو الخبر - وهو مساوٍ له. ومثال الأعم قولنا: " الإنسان حيوان "، فالإنسان هنا. وهو المبتدأ - محكوم عليه " بأنه حيوان وهو أعم من الإنسان، وإذا ثبت ذلك فإن " التحريم " الوارد في حديث: " تحريمها التكبير " مبتدأ، و" التكبير " خبره، فيكون " التكبير " مساويا للتحريم، فينحصر التحريم في التكبير كما حصرنا " الإنسان " في " الحيوان "، وكما حصرنا الإنسان في البشرية. وعلى ذلك: فإن التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل يجب أن ينحصر في التسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم يقسم، والصداقة يجب أن تنحصر في زيد.

стр. 1689

المذهب الثاني: أن ذدك لا يدل على الحصر ولا يفيده. أي: أن ذلك لا يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم والصداقة في زيد في الأمثلة السابقة. وهو مذهب أكثر الحنفية، رالقاضي أبي بكر، وبعض المتكلمين. دليل هذا المذهب: أن مثل ذلك لو أفاد الحصر: لكان قول القائل: " صديقي زيد وعمرو " تناقضاً، لأن قوله: " صديقي زيد " يفيد الحصر - على زعمكم - وقوله: " وعمرو " يقتضي أن لا تكون صداقته منحصرة في زيد، بل توجد فيه وفي عمرو، فثبت التناقض. جوابه: أننا قلنا: إن هذا يفيد الحصر إذا كان مجرداً عن القرائن، أما إذا اقترن به ما يغيره عنه، فلا يفيد الحصر " لأجل هذه القرينة، و"عمرو " معطوف على " زيد " فهو يغيره، فيصير - حينئذ - المعطوف والمعطوف عليه كأنه جملة واحدة، والمعطوف عليه بدون المعطوف بعض الكلام، وبعض الكلام لا اقتضاء له على الانفراد، وهذا قياساً على ما قلناه في الاستثناء، فإن المستثنى منه مع المستثنى جملة واحدة، فإن المستثنى منه لو لم يقترن بالمستثنى كان المستثنى منه تمام الكلام، وبتقدير الاقتران به يصير بعض الكلام. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع، ومنها ما سبق من الأمثلة، فإنه بناء على المذهب الأول، فإن

стр. 1690

التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل يجب أن ينحصر في التسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم يقسم، والصداقة، والعلم يجب أن ينحصرا في زيد، هذه القاعدة، ولكن إذا وجد دليل أو قرينة تدل على غير ذلك، فإنه يؤخذ بها. أما بناء على المذهب الثاني - وهو أن مثل هذا لا يفيد الحصر - فإنه يترتب على ذلك - في الأمثلة السابقة -: أن بعض الشفعة فيما لم يقسم، وبعض التحريم التكبير، وبعض التحليل التسليم، وبعض العلم عند زيد، وبعض الأصدقاء زيد. هذه القاعدة عندهم - في مثل هذا التعبير - ولكن إذا وجدت قرينة تدل على غير ذلك كأن تدل على أن التحرلي م منحصر في التكبير فإنه يؤخذ بها. النوع الثامن: مفهوم اللقب: إذا قيد الحكم أو الخبر بالاسم فهل يدل على نفي الحكم عما عداه؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن مفهوم اللقب ليس بحُجَّة. أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، مطلقاً: أي: سواء كان هذا الاسم علماً أو اسم جنس. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن تقييد الحكم بالاسم لو كان دليلاً على نفي الحكم عما عداه لكان قول القائل: " عيسى رسول اللَّه " كفراً؛

стр. 1691

لأنه يدل بمفهومه على أن محمداً ﷺ وغيره من الأنبياء ليسوا برسل، وهذا كفر صريح. الدليل الثاني: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي الحكم عما عداه لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيداً يأكل إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبراً بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ربما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك دلَّ على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد. الدليل الثالث: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي الحكم عما عداه لأفضى ذلك إلى سد باب القياس، لأنه إذا قال - في حديث الأشياء الستة -: " لا تبيعوا البر بالبر " يجب أن لا يقاس الأرز عليه، لأن تخصيص البر بالذكر يوجب إباحة ربا الفضل في غيره من الأرز وغيره، فلما كان هذا مانعاً من القياس الثابت وجب تركه. المذهب الثاني: أن مفهوم اللقب حُجَّة. أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم، فإنه يدل على نفي الحكم عما عداه. وهو مذهب بعض المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الدقاق، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وهو رواية عن الإمام أحمد. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة، فإن الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دلَّ على أن ما عداه

стр. 1692

بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم، فإنه يدل على أن ما عداه بخلافه ولا فرق، فإذا قال: "اعط هذا الكتاب لزيد"، فإنه يفهم منه: أنه لا يعطيه إلى عمرو، ولا إلى غيره، بل يعطى لزيد فقط. جوابه: أن قياسكم الاسم على الصفة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين: أولهما: أن الصفة يجوز أن تكون علَّة يعلق الحكم عليها بخلاف الاسم فلا يجوز أن يكون عِلَّة، فلا يعلق الحكم عليه. ثانيهما: أن الصفة تذكر مع اسم فلا تفيد إلا تخصيصه. بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص. الدليل الثانيْ أنه لو تخاصم رجلان فقال أحدهما: " أما أنا فليست أمي ولا أختي ولا زوجتي زانية "، فإنه يتبادر إلى الفهم أنه ينسب الزنا إلى أم خصمه، وأخته، وزوجته، ولذلك يجب حد القذف على الأول عند بعض العلماء. جوابه: أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله، وهي الخصومة، لا من دلالة مقاله. ولو فرض ذلك في غير الخصومة، فنحن نمنع فهمه، لذلك لا يجوز إقامة حد القذف على القائل بذلك. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إن بعض الفروع قد تأثرت بهذا الخلاف ومنها:

стр. 1693

١ - أنه لو قال في الخصومة: " إن زوجتي ليست بزانية "، فإن هذا لا يعتبر قذفاً لزوجة خصمه عند أصحاب المذهب الأول؛ لأن مفهوم اللقب ليس بحجة، لذلك لا يجوز إقامة حد القذف على القائل. أما بناء على المذهب الثاني، فإن هذا يعتبر قذفا لزوجة خصمه، فتجب إقامة حد القذف على القائل، لأن مفهوم اللقب حُجَّة. ٢ - إذا أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها لعمرو، فإنه بناء على المذهب الأول لا يُعتبر ذلك رجوعاً عن الوصية لزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما أوصى بها لعمرو، ولا يجعل التعبير بالاسم الثاني دالاً على نفي غيره. أما أصحاب المذهب الثاني، فإنهم قالوا: يكون هذا رجوعاً عن الوصية لزيد، وتصح وصية عمرو، فيجعل التعبير بالاسم الثاني - وهو عمرو - دالاً على نفي غيره. المسألة الرابعة: شروط مفهوم المخالفة: إنني لما قلت: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والغاية، والحال، والمكان، والزمان، والشرط، والغاية، والعدد، والاستثناء، والحصر بإنجا، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حُجَّة ليس هذا على إطلاقه، بل يشترط في ذلك شروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على أصله

стр. 1694

المنطوق به بالإبطال؛ لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يجوز أن يُقدم الفرع على الأصل، ويُسقطه. الشرط الثاني: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان مفهوم موافقة، ولا يكون مفهوم مخالفة. الشرط الثالث: أن لا يوجد في المسكوت - المراد إعطاؤه حكما - دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل الخاص كان هو طريق الحكم المعمول به، لا المفهوم المخالف، كما قلنا في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إنه لم يعمل بمفهوم الشرط هنا؛ حيث لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر قد أباح القصر ولو لم يوجد الخوف، وهو قوله ﷺ : "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ". الشرط الرابع: أن يذكر القيد مستقلاً، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ، فتقييده بالمساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقاً. الشرط الخامس: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه من جهة المخاطب. الشرط السادس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) ، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما

стр. 1695

أمر اللَّه به من قبل كل من الزوجين، فلا يفهم منه: أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، فهذا الوصف لا مفهوم له، كذلك قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) ، فإن وصف الربائب بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها، فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له؛ إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته. الشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في التكثير كقولك: " جئتك ألف مرة " - وقد سبق التنبيه عليه - فهذا لا مفهوم. الشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) فهذا لا مفهوم له، حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل حلال، ولكن سيق هذا لبيان أن الربا كان جاريا على الأغلب وللتنفير منه. الشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على الامتثال كقوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً "، فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على الامتثال لأوامر اللَّه في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس المقصود منه جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله. الشرط العاشر: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) ، فإن هذا لا مفهوم له، لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري،

стр. 1696

وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون اللحم غير الطري ممتنع أكله. الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جواباً لسؤال سائل، أو حادث معين، فإن كان كذلك فإنه لا يعمل بالمفهوم؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، أو الحادثة، كما لو سئل النبي ﷺ عن سائمة الغنم، فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإنه لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها من هذا اللفظ. الشرط الثاني عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجد فيه شروط القياس - كلها - فلا مفهوم له، كقوله ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب الأسود، والحدبا "، فلا مفهوم لذلك؛ حيث إن الشارع إنما ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى. هذه أهم شروط مفهوم المخالفة.

стр. 1697

الباب الخامس في القياس ويشتمل على تمهيد، وأربعة فصول: أما التمهيد فهو في بيان أهمية القياس. أما الفصول فهي: الفصل الأول: في تعريف القياس. الفصل الثاني: في حجية القياس. الفصل الثالث: في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها. الفصل الرابع: في قوادح القياس ومبطلاته، والاعتراضات عليه.

стр. 1698

التمهيد في بيان أهمية القياس لقد قلنا في الباب الثالث: إن القياس هو رابع الأدلة المتفق عليها إجماعاً بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولقد أخرته إلى هنا؛ لأنه يأتي بالمرتبة الرابعة بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وما تفيده النصوص والألفاظ من الأحكام، كما قال الشاعر: إذا أعيا الفقيه وجود نص ... تعلَّق لا محالة بالقياس فالمجتهد لا يلجأ إليه إلا بعد فقد النص من الكتاب والسُّنَّة أو الإجماع. ومعرفة القياس من أهم شروط المجتهد؛ إذ لا يمكن أن يبلغ أحد الاجتهاد أو يستنبط حكما شرعيا لحادثة متجددة إلا بواسطة القياس. قال الإمام الشافعي ﵀: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد ﵀: " لا يستغنى أحد عن القياس "، وأهمية القياس تتبين في أمور: الأول: أنه يُعوَّل على القياس في معرفة أسرار الأحكام، والوقوف على الحكَم والمقاصد والعلل التي شرعت من أجلها الأحكام من جلب مَصالح أو درء مفاسد. الثاني: أن القياس هو المنهل العذب الذي نأخذ عن طريقه أحكام الوقائع والحوادث والقضايا المتجددة، وذلك لأنه من المعروف أن

стр. 1699

النصوص قليلة ومتناهية، والحوادث والوقائع والقضايا المتجددة كثيرة غير متناهية، فالنصوص لا تقوى على مد كل واقعة وحادثة بحكم منصوص عليه، فليس أمام المجتهد إلا القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال، فكانت الحاجة إلى القياس لا تنقطع، وفوائده لا تنتهي ما دامت الحوادث والوقائع والقضايا تتجدد على مدى السنوات والقرون إلى قيام الساعة. الأمر الثالث: أن من عرف القياس معرفة دقيقة فإنه يغنيه عن معرفة أكثر علوم الشريعة؛ حيث إنه إذا أراد أن يقيس على حكم من الأحكام ثبت بنص، فإنه لا بد أن يتأكد من ثبوت هذا النص، وأن يعرف تفاسير العلماء لهذا النص - سواء كانت آية أو حديثاً - وهل هو ناسخ أو منسوخ؟ وهل هو محكم أو متشابه؟ وهل هو حقيقة أو مجاز؟ وهل دلَّ على الحكم المقاس عليه بالمنطوق أو بالمفهوم؟ وهل هو عام أو خاص؟ أو مطلق أو مقيد؟ أو هو أمر أو نهي؟ أو هو مجمل أو ظاهر أو نص؟ إلى آخر ما يتعلق بالنص، ثم إذا كان الحكم مأخوذاً من حديث فإنه لا بد أن يعرف ما سبق، ويزيد معرفته لرجال الحديث، لأنه لا يجوز القياس على شيء مشكوك فيه، وهكذا، وهذا يشمل كل العلوم. الأمر الرابع: أن القياس باب من أبواب تعميم الأحكام الشرعية، حيث إنه إذا ثبت حكم من الأحكام وعرفنا عِلَّة ذلك الحكم، ووجدنا تلك العلَّة في فروع أخرى، فإنا نلحق تلك الفروع بذلك الأصل ونعمم حكم الأصل ونجعله لتلك الفروع.

стр. 1700

الفصل الأول في تعريف القياس وبشتمل على مباحث: المبحث الأول: تعريف القياس لغة. المبحث الثاني: تعريف القياس اصطلاحا.

стр. 1701

المبحث الأول في تعريف القياس لغة ويشتمل على مطلبين هما: المطلب الأول: فيما يطلق عليه لفظ " القياس " لغة. المطلب الثاني: في خلاف العلماء في لفظ القياس هل يطلق على "التقدير " و " المساواة " حقيقة أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر.

стр. 1702

المطلب الأول فيما يطلق عليه لفظ " القياس " لغة القياس لغة يطلق على إطلاقين: الإطلاق الأول: يطلق على التقدير، والتقدير هو: أن يعرف قدر أحد الأمرين بواسطة معرفتنا لقدر الآخر مثل: قولنا: " قست الثوب بالذراع " أي: قدرت الثوب بالذراع. ومنه قولهم: " قاس الطبيب الجراحة " أي: قدر الطبيب مدى غور ذلك الجرح بواسطة الميل، والميل هو: آلة تدخل في الجرح ليرى هل هو عميق ووصل إلى العظم، أو أنه وسط، أو أنه سطحي لم يؤثر، وذلك من أجل تقدير أرش - الجناية. الإطلاق الثاني: يطلق القياس لغة على المساواة، سواء كانت المساواة حسية كقولنا: " قست النعل بالنعل " أي: ساويت إحداهما بالأخرى، وقولنا: " قست الثوب بالثوب " أي: حاذيت وساويت أحدهما بالآخر. أو كانت المساواة معنوية كقولنا: " فلان يقاس بفلان " أي: يساويه في الفضل، والشرف، والعلم، وكقولنا: " فلان لا يقاس لفلان " أي: لا يساويه في الفضل والعلم.

стр. 1703

المطلب الثاني في خلاف العلماء في لفظ " القياس " هل هو حقيقة في هذين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ؟ على مذاهب: المذهب الأول: أن القياس مشترك معنوي بين " التقدير "، و" المساواة ". أي: أنه حقيقة في التقدير، ويكون المطلوب به شيئين هما: الأول: معرفة مقدار الشيء مثل: " قست الثوب كالذراع ". الثاني: التسوية في مقدار الشيء مثل: " فلان لا يقاس بفلان " أي: لا يساويه. فصار " التقدير " كلي تحته فردان: أحدهما: استعلام القدر نحو: " قست الثوب بالذراع ". والآخر: التسوية في المقدار نحو: " فلان لا يقاس بفلان ". وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن القياس إما أن يكون حقيقة في التقدير، مجازاً في المساواة، أو هو مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي، أو بالاشتراك المعنوي، والأمر إذا دار بين الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة تبين المراد من المعنيين، وإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة؛ لأن

стр. 1704

المجاز خلاف الأصل؛ لأن المجاز يحتاج إلى قرينة، فتبين أن لفظ القياس مشترك معنوي بين " التقدير " و " المساواة " - كما بيناه فيما سبق - لنسلم من الاشتراك اللفظي، والمجاز اللذين هما على خلاف الأصل. المذهب الثاني: أن القياس في اللغة حقيقة في التقدير مجاز في المساواة. وهو مذهب بعض العلماء كالآمدي. دليل هذا المذهب: أن المساواة لازمة للتقدير، والتقدير ملزوم، واستعمال اللفظ في ذلك مجاز لغوي من باب إطلاق الملزوم على اللازم، وهو شائع مشهور - وقد سبق بيانه في مبحث المجاز -. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن المجاز خلاف الأصل؛ حيث إنه يحتاج في دلالته إلى قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي بينما الحقيقة لا تحتاج إلى تلك القرينة، وما لا يحتاج مقدم على ما يحتاج. المذهب الثالث: أن لفظ " القياس " مشترك لفظي بين " التقدير " و" المساواة ". وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن لفظ " القياس " قد استعمله العرب في " التقدير "، واستعمله العرب في " المساواة "، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

стр. 1705

جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل؛ لأمرين: أولهما: أن الأصل عدم تعدد الوضع، أي: أن الأصل: أن يكون اللفظ له معنى واحد، فإذا ورد لفظ له معنيان فهذا خلاف الأصل. ثانيهما: أن المشترك اللفظي يحتاج في دلالته على أحد معنييه أو معانيه إلى قرينة تعين المراد منه، وما لا يحتاج يقدم على ما يحتاج. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول يحملون لفظ القياس على التقدير المتضمن معنى المساواة، ويحملونه على المساواة المتضمن معنى التقدير بدون الحاجة إلى قرينة، أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم يحملونه على التقدير بدون قرينة، ولا يحملونه على المساواة إلا بقرينة؛ لأنهم يفرقون بينهما، أما أصحاب المذهب الثالث: فإنهم لا يحملون لفظ القياس على شيء منهما إلا بقرينة، أي: أنهم يتوقفون حتى تثبت قرينة تبين المراد منه. * * * تنبيهان: التنبيه الأول: القياس يتعدى بـ " على " وهو كثير جداً في الاستعمال، ومنه قولنا: " النبيذ يقاس على الخمر "، و " الأرز يقاس على البر ". ويتعدى بـ " الباء " قليلاً يقال: " قاسه بالشيء "، ومنه قولهم: " قياس صب البول في الماء الراكد بالبول فيه ".

стр. 1706

التنبيه الثاني: القياس واوي، ويائي، وكل ذلك ورد عن العرب. فقد ورد: قاس، يقيس، قيسا، قياسا. وقد ورد: قاس، يقوس، قوساً.

стр. 1707

المبحث الثاني في تعريف القياس اصطلاحا ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي؟ المطلب الثاني: هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟ المطلب الثالث: نعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة.

стр. 1708

المطلب الأول هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يمكن تحديد القياس بحد حقيقي. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس اعتباري اصطلاحي، تكون حقيقته على حسب ما يصطلح عليه أهل الفن، لذلك يمكن أن يحده كل مجتهد بحسب اعتباره واصطلاحه الذي رآه. المذهب الثاني: أنه لا يمكن تحديد القياس بحد حقيقي، أي: يتعذر حد القياس بحد حقيقي، وهو اختيار إمام الحرمين وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن القياس يشتمل على حقائق مختلفة وهي: الأصل، والفرع، والعِلَّة، والحكم في نفي وإثبات، وكل واحد من هذه الحقائق يشترط فيه شروط تختلف عن شروط الآخر، فلا يمكن جمع هذه ْالحقائق وشروطها في حد واحد جامع مانع. وقالوا: ما وجد من تعريفات للقياس، فإنها ليست حدوداً حقيقية، بل هي رسوم، والرسوم غير الحدود. جوابه: لقد قلنا: إن القياس أمر اعتباري اصطلاحي، وبناء على ذلك

стр. 1709

فإنه يمكن للمجتهد أن يجمع أركان القياس، والقيود التي يراها في تعريف واحد على حسب رأيه هو فقط. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين قد قام بتعريفه، لكن أصحاب المذهب الأول يسمون ذلك حداً، وأصحاب المذهب الثاني يسمون ذلك رسما وليس بحد، فالخلاف في التسمية، أما المعنى فهو متفق عليه.

стр. 1710

المطلب الثاني هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن القياس من فعل المجتهد، لا يتحقق إلا بوجوده. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) . وجه الدلالة: أن الاعتبار هو الإلحاق بعد النظر في وجوه الأدلة، ولا شك أن ذلك من فعل المجتهد؛ يؤيده: أنه سبحانه أضاف الاعتبار إلى ذوي العقول البصيرة، فقال: " فاعتبروا ... ". الدليل الثاني: حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ : "إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ " قال: بكتاب اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسنّة رسول الله ﷺ ، قال: " فإن لم تجد؛ " قال: أجتهد رأيي، فصوبه النبي ﷺ . وجه الدلالة: أنه أضاف الاجتهاد إلى رأيه هو، والقياس من الرأي، فالقياس - إذن - يكون من فعل المجتهد. الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري كتابا جاء فيه: " الفهم فيما جاءك مما ليس في قرآن ولا سُنَة، ثم قس الأمور عند ذلك ".

стр. 1711

وجه الدلالة: أن عمر أمر أبا موسى بأن يلحق ما لم يرد في حكمه نص بما يشابهه مما ورد فيه نص، وليس هذا الإلحاق إلا من قبيل فعل المجتهد. الدليل الرابع: أن إلحاق الفرع بالأصل، وثبوت مثل حكم الأصل للفرع ليس بالأمر السهل، حيث إنه لا يجوز للمجتهد إلحاق هذا بذاك إلا بعد معرفة أن هذا الشيء شبيه بذلك الشيء، ومعرفة العِلَّة في الأصل، والتحقق من وجودها في الفرع إلى غير ذلك من الأمور التي تشترط للقياس - كما سيأتي التفصيل فيه - وكل هذا من فعل المجتهد وهو القائس. المذهب الثاني: أن القياس دليل مستقل كالكتاب والسُنَّة وضعه الشارع لمعرفة حكمه، سواء نظر فيه المجتهد أو لم ينظر، وليس فعلاً للمجتهد. وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والكمال ابن الهمام، وابن عبد الشكور، والأنصاري. دليل هذا المذهب: أن القياس وضعه الشارع ليعرف عن طريقه المجتهد حكم الله - تعالى - بواسطة النظر فيه؛ حيث إن دلالة القياس على الأحكام دلالة ذاتية وثابتة كالكتاب والسُّنَّة، سواء نظر المجتهد أو لم ينظر. جوابه: يجاب عنه بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن القياس لا يدل على أي حكم

стр. 1712

شرعي إلا بوجود مجتهد يبين هذه الدلالة، بواسطة تأكد هذا المجتهد من وجود أركان القياس الأربعة، وتوفر شروط كل ركن. الجواب الثاني: أن قياسكم القياس على الكتاب والسُّنَّة فهو قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن دلالة الآية من الكتاب، والحديث من السُّنَّة على الحكم لا يشترط فيها توفر أركان أو شروط، أما القياس فيشترط ذلك، ولا يبين ذلك إلا المجتهد. الجواب الثالث: أن الآية أو الحديث يستدل المجتهدون بهما على حد سواء بخلاف القياس، فقد يستدل بعض المجتهدين بهذا القياس في حين أن المجتهد الآخر - في تلك المسألة - يستدل بقياس آخر على رأي مخالف للأول مثل ما حصل بين ابن عباس، وزيد في مسألة " هل الجد يحجب الإخوة؛ "، فابن عباس - رضي الله عنهما - قد جعل الجد يحجب الإخوة، ودليله على ذلك: القياس، حيث قاس الجد على ابن الابن بجامع: أن كلًّا منهما في مرتبة واحدة بالنسبة للميت، فقال: " ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً " أي: أنه كما أن ابن الابن يحجب الإخوة، فكذلك ينبغي للجد أن يحجب الإخوة، ولا فرق بسبب الجامع السابق. أما زيد بن ثابت فإنه ورث الإخوة مع الجد، ودليله القياس، وهو قياس غير قياس ابن عباس، حيث قاس الأخ على الجد بجامع: أن كلًّا منهما قد أدلى بالأب، فالجد ما صار جداً للميت إلا لأنه أب أبيه، والأخ ما ضار أخاً للميت إلا لأنه ابن أبيه، فإذا كان الجد يرث فكذلك الأخ. فهنا كل من ابن عباسٍ وزيد ﵃ قد استعمل

стр. 1713

القياس واستدل به، ولكن استدلال واستعمال ابن عباس يختلف عن استدلال واستعمال زيد، فهذا يبين أن القياس من فعل المجتهد، بخلاف الآية أو الحديث، فإن استدلال هذا المجتهد بها هو نفسه استدلال المجتهد الآخر بها. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذا معنوي؛ حيث أثر في تعريفات الأصوليين للقياس. أي: أن عبارات الأصوليين في تعريف القياس قد اختلفت؛ بناء على اختلافهم في هذه المسألة. فمن أخذ بالمذهب الأول - وهو أن القياس من فعل المجتهد - فقد عبَّر - في تعريف القياس - بلفظ: " حمل فرع على أصل "، أو " إثبات "، أو " إلحاق "، أو " تعدية "، أو " تسوية "، أو " رد " أو نحو ذلك مما يفيد أن القياس من فعل المجتهد، ومكتسب منه؛ حيث إن الحمل يحتاج إلى حامل، والإثبات يحتاج إلى مثبت، ْوالإلحاق يحتاج إلى ملحق، والتعدية تحتاج إلى معدي، والتسوية تحتاج إلى مسوي، والرد يحتاج إلى راد، وهذا هو المجتهد وهو القائس، وقد فعل ذلك الجمهور، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وتاج الدين ابن السبكي، وصدر الشريعة من الحنفية، وفخر الدين الرازي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم من جمهور السلف والخلف. ومن أخذ بالمذهب الثاني - وهو: أن القياس دليل مستقك، وهم الآمدي، وابن الحاجب، وابن عبد الشكور، وابن الهمام،

стр. 1714

والأنصاري - فقد عبر عن القياس بأنه " استواء "، أو " مساواة "، أو نحو ذلك. والمساواة صفة قائمة بالمنتسبين: " الأصل "، و " الفرع "، مما يعطينا علماً بأن القياس ليس فعلاً للمجتهد، وكان مجرد عمله: إظهار حكم ما لم ينص عليه بطريق القياس بمساواته فيما نص عليه؛ لاشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل. أي: أن " الأصل "، و " الفرع " مستويان تمام التساوي، ولكن المجتهد يظهر هذا الاستواء - فقط - كالآية هي تدل على حكم تلك الحادثة، والمجتهد أظهر لنا هذه الدلالة.

стр. 1715

المطلب الثالث تعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف القياس، والسبب في هذا الاختلاف هو: اختلافهم في القياس هل هو دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؛ وقد سبق بيان ذلك، ونظراً لأني لا أريد أن أدخل طالب العلم في متاهات قد لا يخرج منها إلا بشق الأنفس، وانسجاماً للمنهج الذي رسمته للسير عليه في هذا الكتاب، فإني اخترت تعريفاً للقياس أقرب للصحة من غيره في نظري، وهو: أن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علَّة الحكم عند المثبت. بيانه وشرحه: قولنا: " إثبات " جنس يشمل كل إثبات، سواء كان إثباتا لمثل حكم الأصل في الفرع، وهو قياس المساواة - وهو الذي نحن بصدده -. أو كان إثباتاً لنقيض حكم الأصل في الفرع لنقيض العِلَّة فيه، رهو قياس العكس مثل قوله ﷺ : "وفي بضع أحدكم صدقة "، قالوا: يا رسول اللَّه، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ، قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام؛ " أي: أكان يأثم؛ قالوا: نعم، قال: "فمه ".

стр. 1716

يعني: أنه كما أنه إذا وضعها في حرام يأثم، فكذلك إذا وضعها في حلال، فإنه يؤجر. فهنا ثبت نقيض حكم الأصل - وهو الوطء في الحرام - في الفرع - وهو الوطء في الحلال - لنقيض العِلَّة وهي: افتراقهما في الحلال والحرام. ومعنى " الإثبات ": إدراك النسبة بين الفرع والأصل، والمراد به هنا: مطلق إدراك النسبة، سواء كان على جهة الإيجاب، أو جهة النفي، وسواء كان على سبيل القطع، أو على سبيل الظن. وقلنا ذلك حتى يشمل القياس: القياس في المثبتات، وفي المنفيات، وفي القطعيات، وفي الظنيات. فمثال القياس في المثبتات: قياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء في كل فيكون حراما، فأثبتنا تحريم التأفيف في الضرب. ومثال القياس في المنفيات قولهم: الكلب نجس، فلا يصح بيعه كالخنزير، فلما نفينا صحة بيع الخنزير نفينا صحة بيع الكلب؛ قياساً عليه بجامع النجاسة في كل. ومثال القياس في القطعيات: قياس الضرب على التأفيف في الحرمة بجامع الإيذاء، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله بجامع الإتلاف. وقلنا:. إنه قطعي هنا؛ لأن الفرع أَولى بالحكم من الأصل، هو في المثال الأول، أو مساوي له - كما هو في المثال الثاني -. ومثال القياس في الظنيات: قياس الأرز على البر في حرمة الربا

стр. 1717

بجامع كونه مكيلاً، وقلنا: إنه ظني؛ لأن الفرع ليس بأوْلى بالحكم من الأصل، ولا هو بالمساوي له. وقولنا: " مثل " في التعريف، المثل لا يحتاج إلى تعريف؛ لأن تصوره بديهي؛ حيث إن كل عاقل يعرف بالضرورة: أن هذا الحار مثل ذلك الحار في كونه حاراً، وأنه يخالف البارد. ولفظ: " مثل " أتى به في التعريف؛ لأمرين: أولهما: لإخراج قياس العكس؛ لأن قياس العكس هو: إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع؛ لافتراقهما في عِلَّة الحكم. ثانيهما: أنه ذكر للإشارة إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الحكم الثابت في الأصل، وإنما هو مثله؛ وذلك لاستحالة قيام الواحد بالشخص بمحلين؛ لذلك يكون الحكم في الفرع أضعف من الحكم في الأصل؛ لأن المشبه ليس في قوة المشبه به. فقولنا: " زيد كالأسد في الشجاعة " لا يفهم من هذا أن شجاعة زيد في قوة شجاعة الأسد، وإنما تقارب ذلك. فكذلك هنا لما قلنا: إن النبيذ مثل الخمر في الإسكار، فينبغي أن يكون مثله في التحريم لا يفهم من هذا أن تحريم النبيذ - وهو الفرع - هو نفسه تحريم الخمر - وهو الأصل -، بل إن الحكم في الفرع أخف من الحكم في الأصل، فإثم شارب النبيذ أقل من إثم شارب الخمر؛ وذلك لأن تحريم الخمر ثبت بدليل قطعي وهو النص، وتحريم النبيذ ثبت بدليل ظني، وهو القياس، وما ثبت بدليل ظني أخف مما ثبت بدليل قطعي. قولنا: " حكم أصل لفرع " المراد بالحكم هو الحكم المطلق وهو:

стр. 1718

نسبة أمر إلى آخر، وقلنا ذلك ليكون القياس شاملاً للقياس في الشرعيات، والقياس في اللغويات، والقياس في العقليات. وقال بعضهم: إن المراد بالحكم - هنا - هو الحكم الشرعي العرف بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلَّفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. وهذا ليس بصحيح؛ لأن تفسير الحكم بهذا يجعل القياس يختص بالشرعيات، وهذا تخصيص بدون مخصص قوي. والمراد بالأصل هو: المقيس عليه، وهو: الحادثة التي ورد حكمها في النص والإجماع مثل؛ " الخمر "، و " البر "، و "الهرة". والمراد بالفرع هو: المقيس، وهو الحادثة التي لم يرد حكمها في نص ولا إجماع مثل: " النبيذ "، و " الأرز "، و " الفأرة ". قولنا: " لاشتراكهما في عِلَّة الحكم " اللام - هنا - سببية. ومعنى اشتراكهما أي: اتحاد الأصل والفرع. والعلَّة هي: الجامع بين الفرع والأصل، ويُسمَّى مناط الحكم. مثل: قياس النجيذ على الخمر بجامع: الإسكار، وقياس الأررْ على البر بجامع: الكيل أو الوزن، وقياس الفأرة على الهرة بجامع: أن كلًّا منهما يكثر التطواف في المنزل ويصعب التحرز منها. والمراد بعِلَّة الحكم أي: عِلَّة حكم الأصل. وتقدير الكلام: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع، هذا الإثبات جاء بسبب اتحاد الأصل والفرع في علَّة حكم الأصل لا بسبب آخر، لذلك تجد المجتهد يفكر أولاً في الحكم هل هو معلل، وهلً علته متعدية؛ ثم يفكر ثانيا هل توجد هذه العلة في جزئية من

стр. 1719

الجزئيات؛ ثم يفكر ثالثاً في الإلحاق، ثم يفكر رابعا في نوع هذا الإلحاق، وهكذا - كما سيأتي التفصيل فيه إن شاء اللَّه تعالى -. وأتي بعبارة: " لاشتراكهما في علَّة الحكم " للاحتراز عن إثبات الحكم في الفرع بواسطة نصٍ أو إجماع، فلا يكون حكم الفرع ثابتا بالقياس، بل قد ثبت بذلك النص. مثال ثبوت حكم الفرع بالنص: ثبوت تحريم النبيذ بعموم قوله ﷺ : "كل مسكر حرام "، فمن أثبت تحريمه بهذا النص لا يجوز أن يقيسه على الخمر. ومثال ثبوت حكم الفرع بالإجماع: ثبوت الإرث للخالة؛ لإجماع الصحابة على ذلك، لا بسبب القياس على الخال الثابت إرثه بقوله ﵇: " الخال وارث من لا وارث له ". قولنا: " عند المثبت " المراد بالمثبت: القائس، وهو المجتهد الذي تولى عملية القياس، سواء كان مجتهدأ مطلقا أم كان مجتهداً بالمذهب، وليس المراد به: المقلد؛ لأن المقلد يأخذ الحكم من المجتهد. والمراد من هذا: أن إثبات مثل حكم الأصل للفرع بسبب اشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل، هذا على حسب ما ظهر لذلك المجتهد فقط دونَ غيره، لذلك قلنا فيما سبق: إن القياس من فعل المجتهد؛ حيث إنه قد يثبت هذا المجتهد مثل حكم الأصل للفرع بسبب جامع بينهما في حين أن مجتهداً آخر في عصره لا يرى ذلك.

стр. 1720

الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في بيان معنى الحجية، والتَّعبُّد. المبحث الثاني: في تحرير محل النزاع. المبحث الثالث: كل القياس حُجَّة عقلاً؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام؟ المبحث الرابع: النص على علَّة الحكم هل هو أمر بالقياس؟ المبحث الخامس: هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق عن طريق القياس، أوَ عن طريق اللفظ والعموم؟ المبحث السادس: في تقسيمات القياس. المبحث السابع: فيما يجري فيه القياس، وما لا يجري. المبحث الثامن: هل القياس من الدين؟
следующие страницы →