Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
يعني: أنه كما أنه إذا وضعها في حرام يأثم، فكذلك إذا وضعها
في حلال، فإنه يؤجر.
فهنا ثبت نقيض حكم الأصل - وهو الوطء في الحرام - في
الفرع - وهو الوطء في الحلال - لنقيض العِلَّة وهي: افتراقهما في
الحلال والحرام.
ومعنى " الإثبات ": إدراك النسبة بين الفرع والأصل، والمراد به
هنا: مطلق إدراك النسبة، سواء كان على جهة الإيجاب، أو جهة
النفي، وسواء كان على سبيل القطع، أو على سبيل الظن.
وقلنا ذلك حتى يشمل القياس: القياس في المثبتات، وفي
المنفيات، وفي القطعيات، وفي الظنيات.
فمثال القياس في المثبتات: قياس الضرب على التأفيف بجامع
الإيذاء في كل فيكون حراما، فأثبتنا تحريم التأفيف في الضرب.
ومثال القياس في المنفيات قولهم: الكلب نجس، فلا يصح بيعه
كالخنزير، فلما نفينا صحة بيع الخنزير نفينا صحة بيع الكلب؛ قياساً
عليه بجامع النجاسة في كل.
ومثال القياس في القطعيات: قياس الضرب على التأفيف في
الحرمة بجامع الإيذاء، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله بجامع
الإتلاف.
وقلنا:. إنه قطعي هنا؛ لأن الفرع أَولى بالحكم من الأصل، هو
في المثال الأول، أو مساوي له - كما هو في المثال الثاني -.
ومثال القياس في الظنيات: قياس الأرز على البر في حرمة الربا
стр. 1717
بجامع كونه مكيلاً، وقلنا: إنه ظني؛ لأن الفرع ليس بأوْلى بالحكم
من الأصل، ولا هو بالمساوي له.
وقولنا: " مثل " في التعريف، المثل لا يحتاج إلى تعريف؛ لأن
تصوره بديهي؛ حيث إن كل عاقل يعرف بالضرورة: أن هذا الحار
مثل ذلك الحار في كونه حاراً، وأنه يخالف البارد.
ولفظ: " مثل " أتى به في التعريف؛ لأمرين:
أولهما: لإخراج قياس العكس؛ لأن قياس العكس هو: إثبات
نقيض حكم الأصل في الفرع؛ لافتراقهما في عِلَّة الحكم.
ثانيهما: أنه ذكر للإشارة إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو
عين الحكم الثابت في الأصل، وإنما هو مثله؛ وذلك لاستحالة قيام
الواحد بالشخص بمحلين؛ لذلك يكون الحكم في الفرع أضعف من
الحكم في الأصل؛ لأن المشبه ليس في قوة المشبه به.
فقولنا: " زيد كالأسد في الشجاعة " لا يفهم من هذا أن شجاعة
زيد في قوة شجاعة الأسد، وإنما تقارب ذلك.
فكذلك هنا لما قلنا: إن النبيذ مثل الخمر في الإسكار، فينبغي أن
يكون مثله في التحريم لا يفهم من هذا أن تحريم النبيذ - وهو الفرع -
هو نفسه تحريم الخمر - وهو الأصل -، بل إن الحكم في الفرع
أخف من الحكم في الأصل، فإثم شارب النبيذ أقل من إثم شارب
الخمر؛ وذلك لأن تحريم الخمر ثبت بدليل قطعي وهو النص،
وتحريم النبيذ ثبت بدليل ظني، وهو القياس، وما ثبت بدليل ظني
أخف مما ثبت بدليل قطعي.
قولنا: " حكم أصل لفرع " المراد بالحكم هو الحكم المطلق وهو:
стр. 1718
نسبة أمر إلى آخر، وقلنا ذلك ليكون القياس شاملاً للقياس في
الشرعيات، والقياس في اللغويات، والقياس في العقليات.
وقال بعضهم: إن المراد بالحكم - هنا - هو الحكم الشرعي
العرف بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلَّفين اقتضاء أو تخييراً أو
وضعاً.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن تفسير الحكم بهذا يجعل القياس يختص
بالشرعيات، وهذا تخصيص بدون مخصص قوي.
والمراد بالأصل هو: المقيس عليه، وهو: الحادثة التي ورد
حكمها في النص والإجماع مثل؛ " الخمر "، و " البر "، و "الهرة".
والمراد بالفرع هو: المقيس، وهو الحادثة التي لم يرد حكمها في
نص ولا إجماع مثل: " النبيذ "، و " الأرز "، و " الفأرة ".
قولنا: " لاشتراكهما في عِلَّة الحكم " اللام - هنا - سببية.
ومعنى اشتراكهما أي: اتحاد الأصل والفرع.
والعلَّة هي: الجامع بين الفرع والأصل، ويُسمَّى مناط الحكم.
مثل: قياس النجيذ على الخمر بجامع: الإسكار، وقياس الأررْ
على البر بجامع: الكيل أو الوزن، وقياس الفأرة على الهرة
بجامع: أن كلًّا منهما يكثر التطواف في المنزل ويصعب التحرز منها.
والمراد بعِلَّة الحكم أي: عِلَّة حكم الأصل.
وتقدير الكلام: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع،
هذا الإثبات جاء بسبب اتحاد الأصل والفرع في علَّة حكم الأصل لا
بسبب آخر، لذلك تجد المجتهد يفكر أولاً في الحكم هل هو معلل،
وهلً علته متعدية؛ ثم يفكر ثانيا هل توجد هذه العلة في جزئية من
стр. 1719
الجزئيات؛ ثم يفكر ثالثاً في الإلحاق، ثم يفكر رابعا في نوع هذا
الإلحاق، وهكذا - كما سيأتي التفصيل فيه إن شاء اللَّه تعالى -.
وأتي بعبارة: " لاشتراكهما في علَّة الحكم " للاحتراز عن إثبات
الحكم في الفرع بواسطة نصٍ أو إجماع، فلا يكون حكم الفرع ثابتا
بالقياس، بل قد ثبت بذلك النص.
مثال ثبوت حكم الفرع بالنص: ثبوت تحريم النبيذ بعموم قوله
ﷺ : "كل مسكر حرام "، فمن أثبت تحريمه بهذا النص لا يجوز
أن يقيسه على الخمر.
ومثال ثبوت حكم الفرع بالإجماع: ثبوت الإرث للخالة؛
لإجماع الصحابة على ذلك، لا بسبب القياس على الخال الثابت
إرثه بقوله ﵇: " الخال وارث من لا وارث له ".
قولنا: " عند المثبت " المراد بالمثبت: القائس، وهو المجتهد
الذي تولى عملية القياس، سواء كان مجتهدأ مطلقا أم كان مجتهداً
بالمذهب، وليس المراد به: المقلد؛ لأن المقلد يأخذ الحكم من
المجتهد.
والمراد من هذا: أن إثبات مثل حكم الأصل للفرع بسبب
اشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل، هذا على حسب ما ظهر لذلك
المجتهد فقط دونَ غيره، لذلك قلنا فيما سبق: إن القياس من فعل
المجتهد؛ حيث إنه قد يثبت هذا المجتهد مثل حكم الأصل للفرع
بسبب جامع بينهما في حين أن مجتهداً آخر في عصره لا يرى ذلك.
стр. 1720
الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في بيان معنى الحجية، والتَّعبُّد.
المبحث الثاني: في تحرير محل النزاع.
المبحث الثالث: كل القياس حُجَّة عقلاً؛ أي: هل يجوز
التعبد بالقياس ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام؟
المبحث الرابع: النص على علَّة الحكم هل هو أمر بالقياس؟
المبحث الخامس: هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق
عن طريق القياس، أوَ عن طريق اللفظ والعموم؟
المبحث السادس: في تقسيمات القياس.
المبحث السابع: فيما يجري فيه القياس، وما لا يجري.
المبحث الثامن: هل القياس من الدين؟
стр. 1721
المبحث الأول في بيان معنى الحجية، والتعبد
الحُجَّة هي الدليل والبرهان، ومعنى كون القياس حُجَّة: أنه دليل
وبرهان نصبه الشارع لمعرفة بعض الأحكام، والمراد من قولنا:
القياس حُجَّة - كما قال فخر الدين الرازي - أنه إذا حصل للمجتهد
ظن بأن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة فهو مكلف
بالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتي به غيره.
وقول بعضهم: " يجوز التعبد بالقياس " هذه عبارة عن إيجاب
الله تعالى العمل بمقتضى القياس، وذلك كإيجاب العمل بالكتاب
والسُّنَّة تماما، فيكون المكلَّف بالقياس - على هذا - المجتهد ومن
يقلده.
فالحكم الذي توصلنا إليه من خلال عملية القياس هو الذي نتعبد
الله به، فنرجوا من اللَّه الثواب على العمل به، ونخاف منه العقاب
عند ترك العمل به.
فالحجية والتعبد متلازمان، بيان ذلك:
أنه لا فائدة من حجية القياس سوى وجوب العمل بمقتضاه، ولا
يمكن أن نعمل به إلا إذا كان حُجَّة.
إذن: يجوز أن نُعبِّر عن هذا بالتعبد والحجية، ولا ضير في
ذلك، وهو منتشر في كتب الأصول.
стр. 1722
المبحث الثاني تحرير محل النزع
يتبين ذلك فيما يلي:
أولاً: الأمور الدنيوية يجري القياس فيها بالاتفاق.
والمقصود بالأمور الدنيوية هي: التي لم يكن المطلوب بها حكما
شرعياً كمداواة الأمراض، والأدوية، والأسفار، مثل: أن يفقد
الطبيب دواء لمرض معين - فيأتي الطبيب بدواء يشابهه في تأدية نفس
الغرض " والجامع: أن كلًّا منهما موافق لمزاج المرض المخصوص.
ومعنى كون القياس حُجَّة في ذلك: أنه ليس حُجَّة من قِبَل
الشارع، حيث إنه حُجَّة صناعية اقتضتها صناعة الطب يسترشد بها
الطبيب لمداواة الأمراض، واستمدادها من العقل، ومثل ذلك
الأغذية فيجوز قياس غذاء على غذاء في تأدية عمل واحد.
ثانياً: الأمور اللغوية كقياس النبش على السرقة، واللواط على
الزنا. هذا اختلف العلماء في جريان القياس فيها على مذهبين - وقد
سبق بيان ذلك -.
ثالثاً: الأمور الشرعية، وهو موضوع مبحث القياس، وإذا أطلق
القياس فالمراد به: القياس في الشرعيات، وقد اختلف في جواز هذا
القياس.
والخلاف لم يجر في كل قياس، بل إن الخلاف قد جرى في
جزئية من القياس، وتتبين تلك الجزئية فيما يلي فأقول:
стр. 1723
لقد علمت: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع
لاشتراكهما في علَّة الحكم عند المثبت، فلا بد - إذن - من أربعة
أركان وهي: " الأصل "، و " الفرع "، و " العِلَّة "، و " الحكم ".
فالقياس إذن متوقف على مقدمتين هما:
المقدمة الأولى: أن يتأكد المجتهد أن الحكم في الأصل معلل بعِلَّة،
وأنها متعدية.
المقدمة الثانية: أن يتأكد أن تلك العِلَّة حاصلة بتمامها في الفرع.
فهنا ننظر إما أن تكون تلك المقدميتن قطعيتين، أو ظنيتين، أو
الأولى قطعية، والثانية ظنية، أو العكس، فهذه أربعة أقسام، إليك
بمانها:
القسم الأول: أن تكون المقدمتان قطعيتين، فهنا قد اتفق العلماء
على أن القياس حُجَّة يجب العمل به، وإن كان بعضهم لا يسميه
قياساً.
وهذا ينحصر في ست صور هي كما يلي:
الصورة الأولى: أن ينص على العِلَّة نصا صريحاً كقوله ﷺ :
"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر "،
فهنا نص على العِلَّة وهي: البصر أو النظر،
والاطلاع على أسرار الناس، ولذلك شرع
الحكم، وهو مشروعية الاستئذان، فيقاس على ذلك الاستماع،
ويمكن أن يمثل له بقوله ﷺ :
"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ".
الصورة الثانية: إيماء النص إلى العلَّة كقوله ﷺ في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "،
فهنا قد نبَّه النص على العِلَّة وهي: " كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها "،
стр. 1724
فلذلك شرع الحكم، وهو طهارة سؤر الهرة، فيقاس عليها الفأرة
لوجود نفس العِلَّة، وهي كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها،
فيكون حكم الفأرَة مثل حكم الهرة وهو طهارة سؤرها.
ومن العلماء من جعل هذه الصورة من الصورة الأولى وهو:
النص على العِلَّة.
الصورة الثالثة: أن يجمع العلماء على العِلَّة كالحجر على الصبي
لعلة ظاهرة، وهي: ضعف الإدراك عنده.
الصورة الرابعة: أن يكون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوف
به كتحريم ضرب الوالدين قياساً على تحريم التأفيف لهما بجامع
الإيذاء - وقد سبق في مفهوم الموافقة -.
الصورة الخامسة: أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به
كتحررم إحراق مال اليتيم قياساً على تحريم أكله، بجامع الإتلاف في
كل - وقد سبق بيانه في مفهوم الموافقة.
ويُسمى هذا بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس العبد على الأَمَة
أو العكس.
الصورة السادسة: قياس النبي ﷺ مثل قوله لعمر ﵁ لما جاءه وقال له: يا رسول اللَّه، إني قبلت وأنا صائم،
فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أرأيت لو تمضمضت؛ " يعني: قس القُبْلة على المضمضة.
فاتفق العلماء على أن القياس يجوز في هذه الصور؛ نظراً لأن
المقدمتين قد قطع بهما، وحينئذٍ يجب العمل بالقياس فيها.
والدليل على ذلك: الاستقراء والتتبع لكلام علماء الأصول
стр. 1725
المحققين في تحرير محل النزاع، وفي أدلة المجوزين للقياس والمانعين
منه، حيث اتضح من خلال هذا الاستقراء أن الخلاف في القياس في
غير تلك الصور الست، وإن ذكر بعضهم خلافا فيها فليس خلافا
حقيقياً يترتب عليه اختلاف في الحكم، فيكون خلافا لفظيا لا ثمرة
له، وهو خلاف لا يضر ما دام أن الكل يقولون بوجوب العمل به.
القسم الثاني: أن تكون المقدمة الأولى قطعية، والثانية ظنية مثل
قياس القاضي في حال الجوع والعطش على قضائه حال الغضب
بجامع: اشتغال الفكر، وتشوشه عن فهم أدلة الخصمين.
فهنا: قد أجمع العلماء على أن عِلَّة منع القاضي من القضاء حين
الغضب هو ذلك التشوش الذي حصل في فكره، وهذه العِلَّة
مقطوع بها، لذلك أجمع العلماء عليها، أما التشوش الحاصل عند
العطشان والجوعان والحاقن وما شابه ذلك لم يقطع به بل هو ظنيء
القسم الثالث: أن تكون المقدمة الأولى ظنية، والثانية قطعية
كقياس التفاح على البر في حرمة ربا الفضل بعِلَّة كونه مطعوماً.
فهنا: العلَّة في البر مظنونة لاحتمال أن تكون العِلَّة كونه مكيلاً،
أو كونه موزوناً، أو كونه مقتاتا، أو كونه مدخراً - حيث جرى
الخلاف في ذلك -.
لكن العلَّة في الفرع مقطوع بها وهو: كونه مطعوما؛ حيث لا
يوجد عِلَّة سَواها في الفرع.
القسم الرابع: أن تكون المقدمتان ظنيتين كقياس النبيذ على الخمر،
والأرز على البر، والزبيب على التمر، وغير ذلك.
стр. 1726
فالإسكار علَّة مظنونة في الأصل وهو الخمر، ومظنونة في الفرع،
وهو النبيذ، ويقال مثل ذلك في باقي الأمثلة.
وهذه الأقسام الثلاثة - وهو كون المقدمتين ظنيتين - أو إحداهما
ظنية والأخرى قطعية - قد اختلف العلماء فيها؛ لأن ذلك يفيد ظنية
القياس، والخلاف في القياس الظني، وتلك الظنية كما أنها متحققة
بظنية المقدمتين معاً: فهي أيضاً متحققة بظنية إحداهما.
стр. 1727
المبحث الثالث هل القياس حُجَّة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس
ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب كثيرة، فبعضهم قال:
يجوز عقلاً، ويجوز شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً، ويجوز
شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً وشرعا، وبعضهم قال: يجوز
عقلاً ولا يجوز شرعا، وبعضهم قال: لا يجوز عقلاً ولا شرعا،
وقد بينت ذلك ببعض التفصيل في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح
روضة الناظر " إلا أن هذه الأقوال والمذاهب وإن كثرت ترجِع إلى
مذهبين هما " أن القياس حُجَّة "، و " أن القياس ليس بحُجة "،
وإليك بيانهما:
المذهب الأول: أن القياس حُجَّة، أي: يجوز التعبد بالقياس
عقلاً وشرعا، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة
لإثبات أحكام شرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على أن القياس يُعتبر
دليلاً من الأدلة الشرعية.
والاستدلال بالإجماع أقوى من الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة هنا؛
стр. 1728
لأنه لا يؤلي النسخ، ولا يحتمل التأويل بخلاف النص من الكتاب
والسُّنَّة، فإنه يقبل النسخ والتأويل، وما لا يقبل يُقدم على ما يقبل.
لذلك قال فخر الدين الرازي: " الإجماع هو الذي يعول عليه
جمهور الأصوليين " - أي: في حجية القياس -.
وقال الآمدي: " الإجماع أقوى الحجج في هذه المسألة ".
وقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد
أقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.
وتقرير إجماع الصحابة على حجية القياس هو أن يقال: أجمع
الصحابة ﵃ على إثبات الأحكام بالقياس وعلى أنه
يعمل به، وما أجمع عليه الصحابة فهو حق، فالعمل بالقياس حق.
وسأبين ذلك بوجوه أربعة:
الوجه الأول: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة - رضي الله
عنهم - القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها،
فقاموا بإلحاق المثل بالمثل بسبب جامع، والعادة تقتضي بأن اجتماع
جمع كثير من الصحابة على العمل بالشيء لا يكون إلا بقاطع دال
على العمل به.
الوجه الثاني: أنه قد تكرر عمل أكثر الصحابة بالقياس عند عدم
النص وشاع وذاع، ولم ينكر ذلك أحد.
الوجه الثالث: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على الآخرين قولهم
بالقياس واستدلالهم به، فإن القول به يكون مجمعا عليه بين
الصحابة، وهذا الإجماع صحيح.
стр. 1729
الوجه الرابع: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب العمل
بمقتضاه.
فالناتج من هذه الوجوه الأربعة: أن القياس حُجَّة، يجب العمل
به، وأنه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسُنَّة
والإجماع.
الأدلة على هذه الوجوه الأربعة:
سأبين فيما يلي دليل كل وجه من تلك الوجوه الأربعة، وبعض
الاعتراضات الموجهة إلى كل دليل، والجواب عنه فأقول:
أما الوجه الأول - وهو: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة
القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها - فالدليل
عليه: ما نقل عن الصحابة من الوقائع التي حكموا فيها بالقياس،
وهذا كثير، ومن ذلك:
١ - قياس الصحابة ﵃ خلافة أبي بكر على
الإمامة في الصلاة، وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا
نرضاه لدنيانا ".
وجه الدلالة: أنهم قاسوا الإمامة العظمى، وهي الخلافة على
الإمامة الصغرى، وهي: الصلاة بجامع: الصلاحية في كل.
٢ - اجتهاد أبي بكر ﵁ في أخذ الزكاة من منع
دفع الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ وقتالهم على ذلك، ووافقه الصحابة.
وجه الدلالة: أن أبا بكر قاس خليفة رسول الله ﷺ على رسول الله ﷺ في أخذ الزكاة، وقتالهم عليها، بجامع: قيام كل منهما في تنفيذ أوامر الشريعة.
стр. 1730
اعتراض على ذلك:
أن أبا بكر لم يتمسك بالقياس، وإنما تمسك بالنص، وهو قوله
تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) ، فهنا الآية قد
أمرت بالأخذ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فيجب أن يؤخذ
من المسلمين الزكاة، فمن أطاع فلا إشكال، ومن عصى وأبى أن
يؤديها فيجب قتاله؛ استنادأ إلى قاعدة: " ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب "، وأبو بكر نائب عن الرسول ﷺ فيجب أن يقاتلهم على ذلك، فيكون أبو بكر قد استدل بالنص على قتالهم، لا بالقياس.
جوابه:
أن قوله تعالى: (خذ من أموالهم) خطاب مع النبي ﷺ ، فلا يتعدَّى إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل إلا القياس هنا.
وقال بعض العلماء: إن أبا بكر قاتل من منع الزكاة؛ قياساً على
الصلاة، فكما أن الصلاة يُقاتل من تركها، فكذلك يقاتل من منع
الزكاة بجامع: أن كلًّا منهما ركن من أركان الإسلام، وهذا ممكن
لكن القياس الأول أَوْلى، وعليه الأكثر.
٣ - أن أبا بكر ﵁ ورث أم الأم، وترك أم
الأب، فقال له رجل يقال له عبد الرحمن بن سهل بن حارثة: "لقد
ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو
كانت هي الميتة ورث جميع ما تركته، فرجع أبو بكر عن ذلك إلى
التشريك.
وجه الدلالة: أن أبا بكر رجع عن إفراد أم الأم بالسدس إلى رأي
стр. 1731
آخر، وهو تشريك أم الأم مع أم الأب بالسدس؛ قياسا لأم الأب
على أم الأم.
٤ - أن أبا بكر ﵁ قاس تعيين الإمام بالعهد إلى
عمر على تعيينه بعقد الأُمَّة له بالخلافة بجامع: أن كلًّا منهما صادر
ممن هو أهل لذلك، فالأُمَّة عقدوا لأبي بكر بالخلافة لأنهم أهل
لذلك، وأبو بكر أهل لذلك؛ لأنه نائب عنهم.
٥ - ما روي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى
الأشعري كتابه المشهور، والذي جاء فيه: " اعرف الأشباه والنظائر
وقس الأمور برأيك ".
٦ - ما روي عن عمر - أيضاً - أنه جلد أبا بكرة واثنين معه
هما: نافع، وشبل بن معبد، حد القذف؛ حيث لم يكمل نصاب
الشهادة على المغيرة بن شعبة بأنه زنى.
وجه الدلالة: أن عمر قاس الشاهد في الزنا عند عدم تمام
النصاب على القاذف في وجوب الحد.
٧ - ما روي عن عمر - أيضا - في مسألة المشركة - وهي:
زوج وأم وأخوة الأم وأخوة أشقاء فحكم فيها بأن النصف للزوج،
والسدس للأم، والثلث للأخوة لأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء
شيئاً، فقال الإخوة الأشقاء: هب أن أبانا كان حماراً، أو حجراً
ألسنا من أم واحدة؛ فشرك بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء في قضاء
آخر، فهنا قاس الإخوة الأشقاء على الإخوة لأم بجامع: اشتراكهم
في الإدلاء للميت بالأم.
٨ - ما روي: أن عمر ﵁ قد أرسل إلى امرأة
فأجهضت - أي: أسقطت جنينها - خوفا وفزعا من هيبته،
стр. 1732
فاستشار الصحابة في ذلك، فقال - عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن
عفان: إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك، وقال له عليّ بن أبي
طالب: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطاً عنك، وأرى أن عليك
الدية فاتبع عمر رأي علي.
وجه الدلالة: أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف قاساه على
مؤدب امرأته وولده وغلامه، وقاسه علي على قاتل الخطأ.
٩ - ما روي: أن عمر ﵁ كان متردداً في قتل
الجماعة بالواحد، فقال عليّ ﵁: يا أمير المؤمنين،
أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟
قال: نعم، قال: فكذلك.
وجه الدلالة: أنه قاس القتل على السرقة.
١٠ - قال علي ﵁: " اجتمع رأي ورأي عمر
في أمهات الأولاد ألا يبعن، أما الآن فقد رأيت بيعهن ".
وجه الدلالة: أن المسألة مختلف فيها: فمن ذهب إلى جواز بيع
أمهات الأولاد قاسهن على الإماء وغيرهن من الممتلكات، ومن
ذهب إلى عدم جواز بيعهن قاسهن على الحرائر.
١١ - ما روي عن علي أنه قال في حد شارب الخمر: " إذا
شرب سكر، وإذا سكر هذى، دماذا هذى افترى، فعليه حد
المفتري ".
وجه الدلالة: أن عليا قاس شارب الخمر على القاذف بجامع:
الافتراء.
стр. 1733
١٢ - اختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في توريث الإخوة مع
فإن زيداً قد ورث الإخوة مع الجد، ودليله: القياس؛ حيث
قاس الأخ على الجد بجامع: أن كلًّا منهما قد أدلى إلى الميت بالأب.
أما ابن عباس فقد أنكر على زيد ذلك وقال: " ألا يتقي اللَّه زيد
يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، حيث إنه يذهب
إلى أن الجد يحجب الإخوة، ودليله: القياس، حيث قاس الجد
على ابن الابن، فكما أن ابن الابن في منزلة الابن في حجبه
للإخوة، فكذلك الجد في منزلة الأب في حجبه للإخوة.
١٣ - اختلاف الصحابة في الخلع هل هو طلاق أو فسخ؛ فمن
ذهب إلى أنه طلاق - وهو ما روي عن عثمان - فإنه ألحقه بالطلاق
قياسا عليه، فأعطاه حكمه، وجعله يهدم من عدده، ومن لم
يذهب إلى أنه طلاق، فقد قال: إنه فسخ - وهو ما حكي عن ابن
عباس - فلم يهدم عنده من عدد الطلاق شيئاً.
١٤ - ما روي عن ابن عباس أنه قال في دية الأسنان: ألا اعتبرؤم
ذلك بالأصابع سواء وإن اختلفت منافعها.
وجه الدلالة: أن ابن عباس قاس الأسنان على الأصابع في حكم
الدية.
١٥ - اختلاف الصحابة في مسألة " الحرام "، وهو قول الزوج
لزوجته: " أنت علي حرام "، فبعضهم - وهو عليّ، وزيد،
وابن عمر - ذهب إلى أنه في حكم التطليقات الثلاث.
وبعضهم - وهو ابن مسعود - ذهب إلى أنه في حكم التطليقة
الواحدة.
стр. 1734
وبعضهم - وهو أبو بكر، وعمر، وعائشة - ذهب إلى أنه في
حكم اليمين تلزم فيه الكفارة.
وبعضهم - وهو ابن عباس - ذهب إلى أنه في حكم الظهار.
وجه الدلالة: أن من قال: إنه طلاق ألحقه بالألفاظ الموضوعة
للطلاق؛ لأنه لفظ يؤثر في تحريم الزوجة، وهو ليس من صريح
الطلاق، وليس مما أجمعوا على أنه من كناياته، ثم من جعله ثلاثا
فقد احتاط في الأمر، ومن جعله واحدة رجعية أخذ بالمتيقن، ومن
جعله واحدة بائنة توسط.
ومن قال: إنه ظهار فقد ألحقه بصيغته لمشابهته له في افتضاء
التحرريم؛ لأنه ليس من الألفاظ الموضوعة له.
ومن قال: إنه يمين ألحقه باليمين، فأوجب عليه كفارته.
هذا بعض ما نقل عن الصحابة من القول بالقياس والعمل به،
وهي وإن كانت آحاداً فإنه لا يمتنع تواتر القدر المشترك بين التفاصيل،
وهو: العمل بالقياس في الجملة.
اعتراض على هذا الوجه - وهو: الوجه الأول -:
ما ذكرب م من الصور السابقة لا يفيد ذهاب الصحابة جميعاً إلى
القول بالقياس، وما رويتم عن بعض الصحابة لا تزيد رواتها مع ما
شابهها على المائة والمائتين، وذلك لا يفيد القطع بالصحة؛ لاحتمال
تواطؤ هذا القدر على الكذب.
جوابه:
أن هذه مكابرة ومعاندة، فإنه لا يشك عاقل في أن القدر المشترك
مما ذكرنا أو لم نذكره مما شابهه متواتر، ومن اطلع على كتب السمر
стр. 1735
والأخبار والمحدثين والفقهاء، فإنه يقطع بصحة ذلك، قال المزني
صاحب الشافعي: " الفقهاء من عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم،
وأجمعوا بأن نظير الحق حق، وأن نظير الباطل باطل، فلا يجوز
لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها.
أما الوجه الثاني - وهو: أنه لم يوجد من واحد من الصحابة
إنكار أصل القياس - فالدليل عليه: أن القياس أصل عظيم في
الشرع نفياً وإثباتا، فلو أنكر بعضهم القياس لكان ذلك الإنكار
منقولاً إلينا، وهو أوْلى بالنقل من مسألة " الحرام "، و " الجد
والإخوة "، ونحوهما، ولو نقل لاشتهر ولوصل إلينا، فلما لم
يصل إلينا: علمنا أنه لم يوجد إنكار أصل القياس.
اعتراض على هذا الوجه - وهو الوجه الثاني -:
لا نسلم ما قلتموه في هذا الوجه - وهو الوجه الثاني - بل ثبت
الإنكار ووصل إلينا، فإنه نقل عن الصحابة إنكار الرأي تارة،
وأخرى إنكار القياس، وثالثة ذم من أثبت الحكم غير مستند لكتاب
أو سُنة، من ذلك:
١ - أنه روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: " أي
سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه برأي ".
٢ - ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: " إياكم
وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السق، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها
فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ".
٣ - أنه روي عن عمر - أيضا - قال: " إياكم والمكايلة "،
قيل: ما المكايلة؛ قال: " المقايسة ".
стр. 1736
٤ - أن شريحاً قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁
إليَّ قائلاً: " أقض بما في كتاب اللَّه، فإن جاءك ما ليس في كتاب
، لله فاقض بما في سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ،
فإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما أجمع عليه أهل العلم ... ".
٥ - أنه روي عن علي أنه قال: " لو كان الرأي أوْلى من السُّنَّة
لكان باطن الخف أوْلى بالمسح من ظاهره ".
٦ - أنه روي أن عليا قال - في مسألة الجنين -:
" إن اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك " - يعني: عبد الرحمن بن
عوف، وعثمان بن عفان - في قصة الجنين السابقة الذكر -.
٧ - أنه روي أن عليا قال: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم
فليقل في الجد برأيه ".
٨ - أنه روي أن ابن مسعود قال: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم
ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم "، وروي هذا عن
ابن عباس.
٩ - أنه روي أن ابن عباس قال: " من أحدث رأيا في كتاب الله
، ولم تمض به سُنَّة من رسول اللَّه ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللَّه تعالى ".
١٠ - أنه روي أن ابن عباس قال: إن اللَّه تعالى قال لنبيه ﷺ : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ، ولم يقل: بما رأيت، ولو جعل
لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لنبيه ﷺ .
١١ - أنه روي أن ابن عباس قال: " إياكم والمقاييس فإنما عبدت
الشمس بالمقاييس ".
стр. 1737
١٢ - أنه روي ابن عمر قال: " السُّنَّة: ما سنَّه رسول اللَّه ﷺ لا تجعلوا الرأي سُنَّة للمسلمين ".
١٣ - أنه روي أن ابن مسعود قال: " إذا قلتم في دينكم بالقياس
فقد أحللتم كثيراً مما حرَّمه اللَّه، وحرَّمتم كثيراً مما أحلَّه اللَّه ".
فهذه الصور وما شابهها مما ورد عن الصحابة إنكارات صريحة
للرأي والقياس، ونقلت إلينا، فإذا نظرنا إلى هذه الإنكارات منهم
فإنه يثبت أنهم أنكروا أصل القياس؛ إذن لا إجماع على اعتباره.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين: " جواب إجمالي "، و " جواب تفصيلي ".
أما الجواب الإجمالي فنقول فيه: إن هذه الروايات الواردة في
إنكار وذم القياس منقولة عمن نقل عنهم القول بالقياس والعمل به.
إذن: التعارض بين النقلين ثابت فلا بد من دفعه.
ودفعه لا يمكن إلا بالتوفيق بين هذين النقلين؛ لأنه لا يمكن أن
نترك النقلين معا؛ حيث إن فيه تركا لأمرين قد ثبتا شرعا، وهذا
باطل.
ولا يمكن أن نعمل بهما معاً؛ لأنه يلزم من ذلك الجمع بين
النقيضين وذلك مستحيل.
ولا يمكن - أيضا - أن نعمل بأحد النقلين دون الآخر من غير قرينة
ترجح أحدهما.
فلم يبق إلا التوفيق بينهما.
وطريق التوفيق بينهما: أن نحمل ما نقل عنهم من العمل بالرأي
стр. 1738
والقياس على القياس الصحيح، وهو: المستكمل لجميع شروط
الاحتجاج به، والصادر من أهل الاجتهاد.
أما ما نقل عنهم من إنكار وذم العمل بالرأي والقياس فنحمله على
ما كان صادراً عن الجهال، ومن لم يصل إلى درجة الاجتهاد، وما
كان مخالفا للنص، وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان
على خلاف القواعد الشرعية، وهذا هو المسمى بالقياس الفاسد.
أما الجواب التفصيلي فهو: أن يجاب عن كل رواية من الروايات
المنقولة السابقة في ذم الرأي والقياس، فنقول على الترتيب السابق:
١ - أما - قول أبي بكر ﵁: " أي سماء تظلني
وأي أرض تقلني ... "، فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن،
ونحن نسلم أنه لا مجال للرأي في ذلك؛ لكونه مستنداً إلى محض
السمع عن النبي ﷺ وأهل اللغة.
٢ - وأما قول عمر ﵁:
" إياكم وأصحاب الرأي.. "، فإنما قصد به ذم من ترك الموجود من الأحاديث، وعدل إلى الرأي والقياس مع أن العمل به مشروط بعدم النص.
٣ - وأما قول عمر: " إياكم والمكايلة "، وفسر المكايلة بأنها
المقايسة، فإن المراد بالمقايسة التي حذر عمر عنها هي القابسة الفاسدة.
٤ - وأما قول عمر لشريح: " اقض بما في كتاب اللَّه.. "
فنقول فيه: إن القياس مما أجمع أهل العلم على العمل به.
٥ - وأما قول علي: " لو كان الرأي أوْلى من السُنَّة.. "
فالمقصود منه: أن الشريعة ليست كلها على ما يقتضيه القياس، بل
بعضها تعبدي لا يجوز القياس فيه، وبعضها الآخر له عِلَّة يمكن أن
يقاس عليه بسبب تلك العِلَّة.
стр. 1739
٦ - وأما قول عليّ في الجنين: " إن اجتهدا فقد أخطئنا.. "،
فإن عليا يبين في هذه المقالة: أنه ليس كل اجتهاد صوابا، وليس كل
اجتهاد خطأ، فإنه قد يخطى المجتهد في اجتهاده.
٧ - وأما قول علي: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم ... "
فإنه يقصد الرأي المجرد، وهو غير المستند إلى أصل من كتاب أو
سُنَة، فإن هذا لا يجوز.
٨ - وأما قول ابن مسعود: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم،
ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم "، فالمراد منه:
القياس المذموم، وهو القياس الفاسد الصادر عن الجهال، ولهذا
وصفهم بأنهم جهال.
٩ - وأما قول ابن عباس: " من أحدث رأيا في كتاب اللَّه "،
فإنه يحمل على الرأى المجرد عن اعتبار الشارع له.
١٠ - وأما قول ابن عباس: " إن اللَّه تعالى قال لنبيه: (وأن
احكم بينهم بما أنزل الله) ، ولم يقل بما رأيت "، فإن الحكم
بالقياس هو حكم بما أنزل اللَّه؛ لأن اللَّه أمر به بقوله:
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
١١ - وأما قول ابن عباس: " إياكم والمقاييس.. "، فإن المراد
بالمقاييسِ هنا: المقاييس الفاسدة وهي التي لم تتوفر فيها شروط
القياس.
١٢ - وأما قول ابن عمر: " السُّنَّة: ما سنه رسول اللَّه ﷺ ، ولا تجعلوا الرأي سُنَّة المسلمين "،
فإنه يفيد أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، والرأي المعتبر من الشارع
هو من السُنَّة؛ لأن السُنَّة دلَّت عليه بأحاديث سيأتي ذكرها - إن شاء اللَّه -
стр. 1740
أما الرأي المجرد من اعتبار الشارع له فليس من السُّنَّة في شيء.
١٣ - وأما قول ابن مسعود: " إذا قلتم في دينكم بالقياس فقد
أحللتم كثيراً مما حرمه اللَّه ... "، فالمقصود بالقياس هنا: القياس
الفاسد، وهو الذي لم يستند إلى أصل، أو الصادر من الجاهل،
أو المخالف للقواعد الشرعية.
والحاصل: أن هذه الأجوبة التفصيلية عن تلك النصوص مستفادة
من الجواب الإجمالي: فكل نص فيه ذم للقياس يُعنى به القياس
الفاسد غير المعتبر شرعا، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس،
وكل نص فيه دليل على العمل بالقياس، وفيه مدح له، فإنه يُعنى به
القياس الصحيح، وهو المستكمل لشروط القياس.
اعتراض على جوابنا هذا:
قال قائل - معترضاً -: لا نُسَلِّمُ لكم هذا الجمع بين النقلين،
بل يمكن الجمع عندنا بطريق آخر وهو: أن نعتبر أن القائل بالقياس
انقلب منكراً له في آخر أمره، وحينئذٍ يحصل الإجماع على إنكار
القياس، وهو ما ندعيه.
جوابه:
أن قولكم: إن القائل به انقلب منكراً في آخر أمره لا دليل عليه،
فيكون قولكم دعوى بلا دليل، فتكون دعواكم باطلة، فيجب
المصير إلى الجمع الذي ذكرناه؛ حيث إنه يعتبر من طرق الجمع بين
الدليلين إذا تعارضا.
أما الوجه الثالث - وهو: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على
الآخرين قولهم بالقياس فقد انعقد الإجماع على صحته -.
стр. 1741
فالدليل عليه: أن سكوتهم وعدم إنكارهم على القائلين بالقياس
إما أن يكون عن خوف أو عن رضا.
لا يمكن أن يكون سكوتهم عن خوف؛ لأمرين:
أولهما: أن بعضهم خالف البعض الآخر في مسألة: " الحرام "
و" الخلع "، و " الجد والإخوة "، و " بيع أمهات الأولاد "، وغيرها
ولو كان هناك خوف يمنعهم من إظهار ما في قلوبهم لما وقع ذلك
الخلاف، فلا يعقل أن يكون سكوتهم عن مسائل أخرى عن خوف.
ثانيهما: أنا نعلم من حال الصحابة ﵃ شدة
انقيادهم للحق، لا سيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل
أصلاً، وذلك مانع قوي يمنع من حمل سكوتهم على الخوف.
فثبت بذلك: أن سكوتهم كان عن رضا وعن موافقة، وذلك
يوجب الإجماع على حجية القياس، وإلا لكانوا مجمعين على الخطأ.
ما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الثالث -:
الاعتراض الأول: إذا كان سكوتهم لا عن خوف، فلا يلزم منه
ثبوت الإجماع على حجية القياس؛ لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم
لخفاء الدليل.
جوابه:
إن هذا بعيد، لأنهم عرفوا أن الشرع من عند اللَّه، فلو لم يكن
القياس مأذونا فيه: لكان القائس مشرعا، وحينئذٍ كانوا ينكرون عليه.
الاعتراض الثاني: إذا كان سكوتهم لا عن خوف فلا يلزم منه
ثبوت الإجماع على حجية القياس، لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم
لأنهم في مهلة النظر، ولم يظهر لهم كون القياس حقا أو باطلاً.
стр. 1742
جوابه:
أن سكوتهم المستمر - بعد مدة تكفي للنظر - دليل واضح على أن
هذا السكوت عن رضا وموافقة واقتناع.
الاعتراض الثالث: أنه لا مانع من أن يكون سكوتهم عن إنكار
القياس ناتج عن خوف، لأن القائل بالقياس هم: أبو بكر،
وعمر، وعلي، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد، ومعاذ
من أصحاب الدولة والسلطان ومن حولهم وحواشيهم وجلسائهم،
فهؤلاء معهم الرغبة والرهبة، فشاع ذلك في الدهماء، وانقادت
لهم العوام، فإنه يجوز للباقين السكوت تقية، أو لعلمهم أن
إنكارهم غير مقبول، وكيف يقال: إن الخوف زائل وقد قال ابن
عباس في مسألة العول - يقصد عمر -: " هبته وكان والله مهيبا "؟!
جوابه:
إن هذا طعن قبيح في حق الصحابة ﵃ وجهل
بما كانوا عليه من الصلابة في الدين، بدليل الاستقراء والتتبع لجميع
الوقائع التاريخية المستفيضة، حيث إنها تؤكد أن جميع الصحابة لا
تأخذهم في اللَّه لومة لائم، وأنهم لا يمكن أن يروا منكراً ويسكتوا
عنه، ومن تلك الوقائع: ما ذكرناه من استدراكات بعض الصحابة
على بعض، ومخالفة بعضهم لبعض.
ومن ذلك: خبر المرأة التي راجعت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
في مسألة تحديد المهر حتى عدل عن رأيه إلى رأيها وقال: " أصابت
امرأة وأخطا عمر ".
ومن ذلك: ما قاله سلمان الفارسي لعمر بن الخطاب:
" لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب؟ "،
стр. 1743
فأمر عمر ابنه عبد اللَّه بأن يجيب سلمان فأخبره أنه لما أصبح ثوب أبيه
خلقاً فيه اثنتا عشرة رقعة، فقد تبرع بنصيبه من الثياب وضمه إلى
ثوب أبيه ليصنع منه ثوباً يصلي فيه بالناس الجمعة ويستقبل به الوفود.
ومن ذلك: قول عبيدة السلماني لعليّ: " رأيك مع الجماعة
أحب إلينا من رأيك لوحدك "، لما قال عليّ: " اجتمع رأي ورأي
عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن ".
ثم إن الصحابة ﵃ اعتادوا على حرية الرأي،
فلا يضيق أحد منهم برأي الآخر مهما كان مركزه أو سلطانه بدليل:
أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عمر فساله عن حكم مسألة فأحاله إلى
عليّ وزيد فأفتياه، ثم رأى عمر الرجل صاحب المسألة، فسأله عن
قضاء عليّ وزيد فأخبره، فقال عمر: " لو كنت أنا لقضيت بكذا "
فقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؛ قال عمر: " لو كنت أردك
إلى كتاب الله أو سُنَّة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي
مشترك ".
وأما قول ابن عباس: " لقد هبته وكان واللهِ مهيبا "، فإنه يجاب
عنه: بأن الأمر أمر اجتهاد، ولو كان لدى ابن عباس دليل على
مذهبه من الكتاب والسُّنَّة يؤكد ذلك المذهب لأعلنه، ولكنه الرأي.
أما الوجه الرابع - وهو: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب
العمل به - فهو صحيح لا ينبغي لعاقل أن يتردد فيه - وقد سبق
الاستدلال على ذلك في باب الإجماع.
ما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الرابع -:
الاعتراض الأول: سلمنا أن سكوتهم عن موافقة وعن رضا،
стр. 1744
ولكن لا حُجَّة في إجماع الصحابة، لأنهم عدلوا عما أمروا به ونهوا
عنه وتجبروا وتآمروا، وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم حتى
جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب.
ومثل هؤلاء لا يجوز الاحتجاج بأقوالهم.
جوابه:
إن هذا يعتبر من سخافات النظام والرافضة، ويجب على المسلم
أن لا يلتفت لمثل هذه السخافات، حيث إنها تحط من قدر الصحابة،
فإن ذلك زندقة وإلحاد في الدين.
وكيف يقال فيهم مثل ذلك، والله قد عدلهم ورضي
عنهم، واختارهم لصحبة نبيه، فقال النبي ﷺ :
"إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "؟!
الاعتراض الثاني: سلمنا معكم أن إجماع الصحابة على العمل
بالقياس حُجَّة، لكن لم ينقل إلينا أنهم أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، أو بنوع واحد معين منها، فما المانع من أن يكون
إجماعهم على القياس الأولى وهو: أن يكون الفرع أوْلى بالحكم من
الأصل، أو يكون إجماعهم على منصوص العلَّة، وهذان النوعان
ليسا محل النزاع، بل متفق على جريان القياس فيهما.
جوابه:
إن تخصيص ما أجمعوا عليه على هذين النوعين يحتاج إلى دليل
ولا دليل عندكم، وإذا لم يوجد دليل على التخصيص، فإن الأمر
بالقياس يبقى على العموم، فيثبت أنهم أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، وأنه لا فرق بينها، وهذا هو الظاهر من استقراء
حالهم في الخلاف والاستدلال.
стр. 1745
الاعتراض الثالث: سلمنا أن الصحابة أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، فما المانع من أن يكون خاصا بهم: فلا يلزم من
جواز العمل بالقياس للصحابة جوازه لمن بعدهم؛ لأن هناك فرقا بين
الصحابة وغيرهم؛ ووجه الفرق:
أن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وكان معروفا منهم شدة
اليقين والصلابة في الدين، وكثرة التحفظ، وبذل النفس والنفيس،
وترك الأهل والأوطان في سبيل نصرة دين اللَّه وإقامته، وقد ورد في
حقهم من الفضل والثناء في القرآن والسُّنَّة ما لم يرد في حق غيرهم.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه كما أن الكتاب والسُنَّة يحتج بهما كل شخص
توفرت فيه شروط الاجتهاد على إثبات الأحكام الشرعية في كل
زمان، ولا فرق في ذلك بين فرد وفرد وشخص وشخص، فكذلك
القياس يحتج به كل شخص؛ لأنه لا قائل بالفرق بين الأزمان ولا
بين الأشخاص من حيث الحجج الشرعية.
الجواب الثاني: أن هذا الاعتراض مخالف للإجماع؛ وما خالف
الإجماع فهو ساقط لا يعتد به، بيان ذلك:
أن الناس افترقوا - بالنسبة للقياس - إلى فريقين فقط: فريق قائل
بان القياس حُجَّة بالنسبة إلى جميع الأُمَّة، وفريق آخر قائل بأن
القياس ليس بحُجَّة بالنسبة إلى جميع الأمَّة، فاتفق الفريقان على نفي
التفصيل، فيكون القول بالتفصيل خرقا لهذا الإجماع.
الاعتراض الرابع: سلمنا أن إجماع الصحابة حُجَّة، ولكنه إجماع
стр. 1746
سكوتي -، والإجماع السكوتي لا يفيد إلا الظن، ومسألتنا قطعية؛
حيث إنها قاعدة أصولية، والقطعي لا يستفاد من دليل ظني.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أنها قطعية، بل هي ظنية عندنا؛ لأن هذه المسألة
عملية، والظن قائم مقام العلم في وجوب العمل بدليل: أنه لا
فرق بين أن يعلم بالمشاهدة وجود الغيم الرطب المنذر بنزول المطر
الذي يجب التحرز منه، وبين أن يخبر بوجود مثل هذا الغيم مخبر
لمن لا يمكنه مشاهدة الغيم في أنه يلزمه التحرز منه، فكذا هاهنا لا
فرق بين أن يتواتر النقل من الشرع في أنا مأمورون بالقياس، وبين أن
يخبرنا به من يظن صدقه في وجوب العمل بالقياس، وإن لم نعلم
صدق المخبر بذلك.
هذا هو الدليل الأول من أدلة الجمهور على حجية القياس.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة من هذه الآية على أن القياس حُجَّة من طريقين:
الطريق الأول: أن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره،
وإجراء حكمه عليه، ومساواته به.
والله أمر بالاعتبار في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا ... ) ، فيكون
اللآصياس على هذا مأمور به، فيكون تقدير الآية: " اعلموا أنكم إذا
صرتم إلى الخلاف والشقاق ساوت حالكم حال بني النضير،
واستحققتم من العقاب مثل الذي استحقوه، واللفظ عام في الاعتبار
فوجب حمله على عمومه، والأمر بكل اعتبار إلا ما خصه الدليل،
وإن كان السبب الذي ورد فيه من الأخبار عن بني النضير خاصاً ".
стр. 1747
الطريق الثاني: أن القياس مجاوزة الحكم من الأصل إلى الفرع،
والمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور والانتقال من مكان إلى
مكان آخر، والعبور هو المجاوزة يقال: " عبرت هذا النهر " أي:
جزته واجتزته، وإذا كان الاعتبار مجاوزة، والقياس مجاوزة،
فتكون النتيجة: أن القياس هو الاعتبار.
والاعتبار مأمور به بالآية، فتكون النتيجة أن القياس مأمور به.
والأمر للوجوب؛ لأنه لا توجد قرينة تصرف الأمر من الوجوب
إلى غيره، فيكون القياس واجبا، والوجوب مستلزم للجواز، أي:
إذا كان القياس واجبا، فمن باب أوْلى أن يكون جائزاً؛ لأن
الوجوب جواز وزيادة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد بالاعتبار هنا: القياس
الشرعي؛ لأنه لو كان المراد بالاعتبار القياس لخالف أول الآية
آخرها، وكان تقدير الآية: " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين
فألحقوا الفروع بالأصول، أو قيسوا الذُّرَة على البر "، وهذا في
غاية الركاكة، ولا يليق بجلال القرآن.
بل نقول: إن الاعتبار المأمور به هو الاتعاظ؛ حيث إنه هو الذي
يتفق مع أول الآية وآخرها، ويكون المعنى: اتعظوا يا أولي العقول
السليمة بفعل هؤلاء حتى لاينزل بكم مثل ما نزل بهم.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن لفظ " الاعتبار " لفظ مشترك بين ثلاث معان:
القياس، والمجاوزة، والاتعاظ.
стр. 1748
ونحن رجحنا أن يكون المراد بالاعتبار القياس لوجهين:
الوجه الأول: أن كثيراً من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار
القياس مباشرة - كما سبق -.
الوجه الثاني: أن كثيراً من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار
القياس بطريق غير مباشر؛ حيث قالوا: إن الاعتبار مجاوزة،
والقياس مجاوزة، إذن يكون القياس هو الاعتبار - كما سبق بيانه -.
فنحن رجحنا أن يكون معنى المراد من الاعتبار: القياس بواسطة
مساعدة اللغة لنا.
الجواب الثاني: أن الذي لا يناسب صدر الآية هو الاعتبار بمعنى
القياس - فقط - ونحن لم نقل: إنه هو المأمور به، بل نقول: إن
المأمور به هو الاعتبار بمعنى المجاوزة، وهو القدر المشترك بين
الاتعاظ والقياس، والمجاوزة هي: الانتقال من شيء إلى آخر،
سواء كان انتقالاً من حال إلى آخر، كما في الاتعاظ، أو من أصل
إلى فرع كما في القياس، فكل من القياس والاتعاظ فيه مجاوزة،
فيكون معنى الآية: " إنا فعلنا بهم ما فعلنا فقيسوا الأمور أنتم يا أولي
الأبصار"، فدخل في ذلك قياس أفعالنا على أفعالهم في وصول
الجزاء، فيحصل الاتعاظ، وكذلك قياس الفروع على الأصول،
فلا يلزم من كون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه عدم
مناسبته للقدر المشترك لما فيه من معنى الاتعاظ.
الاعتراض الثاني: نسلم أن المأمور به في الآية هو: الاعتبار الذي
هو بمعنى المجاوزة، وأن المجاوزة كلي يشمل القياس والاتعاظ،
حيث إنه مشترك بينهما، ولكن لا نُسَلِّمُ أن الآية مع هذا تثبت أن
القياس حُجَّة، لأن الأمر الكلي من حيث هو كلي لا دلالة فيه على
стр. 1749
الجزئي بخصوصه، فالمجاوزة من حيث هي مجاوزة لا دلالة فيها
على خصوص القياس، ولا توجد قرينة تدل على ذلك، فلا يلزم
الأمر بالمجاوزة الأمر بالقياس.
جوابه:
نُسلم لكم أن الأمر بالكلي ليس أمراً بكل جزئي بالنظر لذاته، من
غير أن تنظم إليه قرينة تفيد العموم، أما إذا انضم إليه ما يفيد العموم
فإنه يكون أمراً بكل جزئي؛ لأن دلالة العام كلية، أي: مقصود بها
الحكم على كل فرد فرد، وهنا وجد في الآية ما يقتضي العموم،
وهو هنا الاستثناء، فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني
- مثلاً -، وقلنا - فيما سبق -: إن الاستثناء معيار العموم،
وحينئذ يكون عاماً، والأمر به أمر بكل جزئي، وبذلك يكون القياس
مأموراً به قصداً، والعمل به واجبا، والوجوب يستلزم الجواز.
الاعتراض الثالث: نسلم لكم أن الآية تفيد الأمر بالقياس، لكن
لا يجوز التمسك بها؛ لأن دلالتها على الوجوب دلالة ظنية،
والظن لا يكتفى به في إثبات المسائل الأصولية؛ لشدة اهتمام الشارع
بها.
جوابه:
إن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل فإنها تثبت بالدليل
الظني، فالقياس - إذن - يثبت بالأدلة الظنية؛ لأن المقصود من كون
القياس حُجَّة هو وجوب العمل به، لا مجرد اعتقاد وجوبه، فأي
مسألة هي وسيلة إلى العمل فإنها تأخذ حكم المسائل العملية.
الاعتراض الرابع؛ أن الآية تفيد الأمر بالقياس، ولكن الأمر قد
يرد للوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وغير ذلك من المعاني التي
стр. 1750
ترد لها صيغة " افعل " - كما سبق - ولا قرينة قدل على أنها
للوجوب دون الندب والإباحة، فحمل الأمر على الوجوب - هنا -
هو ترجيح بدون مرجح.
جوابه:
أن الأمر إذا تجرد عن القرائن، فإنه يقتضي الوجوب دون غيره
- عندنا كما سبق بيانه - ولا يصرف إلى غيره إلا بقرينة، ولا قرينة - هنا - تصرفه عن إفادة الوجوب.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) هذا ما استدل به الشافعي.
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد أقام مثل الشيء مقام الشيء،
فدل ذلك على أن حكم الشيء يعطى لنظيره، وأن المتماثلين
حكمهما واحد، وذلك هو القياس الشرعي.
أو تقول في وجه الدلالة: إن اللَّه لما أوجب المثل ووكل تحقيقه في
شيء خاص إلى اجتهادنا: كان إذناً من - اللَّه تعالى بالاجتهاد مطلقا،
فلزم من يقول بمشروعية الاجتهاد في تحقيق المناط أن يقول بمشروعية
الاجتهاد القياسي.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، واستدل بتلك الآية ابن
سريج.
وجه الدلالة: أن المتنازع فيه لو ردوه إلى أولي الأمر - وهم
العلماء - لعلموا حكمه بالاستنباط، ولا معنى للاستنباط إلا
القياس، مأخوذ من استنبط الماء إذا أخرج من معدنه.
стр. 1751
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أن الاستنباط هو القياس، بل
يمكن أن يكون المراد به ما هو أعم من القياس؛ حيث إنه يصح أن
يقال: إن مستخرج الحكم من ظاهر النص يُسمى مستنبطا.
جوابه:
إن لفظة: " الاستنباط " لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها خاصة في
الشيء الذي لا يستخرج إلا بصعوبة، فالشخص الذي يأتي بماء من
بئر عميق يُسمَّى مستنبطا للماء، لكن الذي يأتي به من البحر أو
النهر، فإنه لا يُطلق عليه أنه مستنبط عرفا، فكذلك هنا فإن من
استخرج حكما بصعوبة ومشقة، فإنه يُطلق عليه أنه مستنبط، وهذا
يحصل في القياس فقط، ومن عرف حكما من ظاهر نص كمعرفته
لوجوب الصلاة من قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، فإنه لا
يسمى مستنبطاً عادة وعرفا.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) .
وجه الدلالة: أن القياس هو في حقيقته تمثيل الشيء بالشيء،
وتشبيه أحدهما بالآخر، فإذا جاز ذلك من اللَّه العالم بكل شيء
الذي لا تخفى عليه خافية، فهو من المخلوق أوْلى بالجواز.
وقد أكثر ابن القيم ﵀ من ذكر مثل هذهَ الآية التي فيها
ضرب اللَّه فيها لعباده الأمثال، وساقها للاستدلال بها على حجية
القياس.
الدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) .
стр. 1752
وجه الدلالة: أن العدل هو: التسوية بين المتماثلين في الحكم،
ولا شك أنه يتناول القياس؛ حيث إن فيه تسوية بين الفرع والأصل.
الدليل السابع: قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قاسهم على الأمم السابقة في أنهم
إن فعلوا مثل فعلهم من التكذيب نالهم ما نال السابقين من العاقبة
السيئة، فهنا أربعة أركان كاملة، فالأصل: الأمم السابقة، والفرع:
المخاطبون بالسير والنظر، والعِلَّة: التكذيب، والحكم: الهلاك.
الدليل الثامن: حديث معاذ، وهو: أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً، قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "
قال: بكتاب اللَّه ، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنَة
رسول اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو،
فضرب رسول اللَّه على صدر معاذ ثم قال: " الحمد لله الذي وفق
رسول رسول اللَّه إلى ما يرضي اللَّه ".
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صوَّب معاذاً على أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة التشريع.
أو تقول - في وجه الدلالة -: إنه لو لم يكن القياس أصلاً
ودليلاً من أدلة الأحكام مطلقا لما صوب النبي ﷺ معاذاً على ما قال، ولما أقره؛ لأنه ﷺ لا يقر على خطأ، خصوصا في مثل هذا الأصل العظيم.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن الحديث ضعيف، من حيث سنده، والحديث
стр. 1753
الضعيف لا يمكن أن يستند إليه ويعتمد عليه في إثبات قاعدة أصولية
كالقياس.
بيان ذلك الضعف: أن الحديث رواه شعبة عن أبي عون، عن
الحارث بن عمرو - ابن أخي المغيرة بن شعبة - عن أناس من أهل
حمص من أصحاب معاذ بن جبل، عن معاذ.
والحارث بن عمرو مجهول لا يعرف، وأصحاب معاذ من أهل
حمص مجهولون - أيضا -.
قال الذهبي: " تفرَّد به أبو عون - محمد بن عبد اللَّه الثقفي - عن
الحارث، وما روى أحد عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول ".
وهذه الجهالة في الحارث،؛ أصحاب معاذ تسببت في ضعف
الحديث.
جوابه:
يجاب عنه باجوبة:
الجواب الأول: أن حامل لواء هذا الحديث هو شعبة، وشعبة
هذا قد أثنى عليه أهل الحديث، فقال بعضهم: " إذا رأيت شعبة في
إسناد حديث فاشدد يديك به "، فتقوى الحديث برواية شعبة له.
الجواب الثاني: أن الحديث قد انتشر بين رجال من أهل حمص
من أصحاب معاذ، وهذا يقوي الحديث؛ حيث إن أصحاب معاذ قد
عرفوا بالعلم والدين والفضل والصدق، ولا يعرف في أصحابه متهم
ولا كذاب ولا مجروح، فانتشاره واشتهاره بينهم يقوي الحديث.
الجواب الثالث: أن الحارث بن عمرو معدود من الثقات كما قاله
стр. 1754
ابن حبان، والعبرة بالتجريح اتفاق أئمة الحديث، أما تجريح بعض
أئمة الحدث لبعض الرواة، فهذا قل من يسلم منه.
الجواب الرابع: على فرض ضعف الحدمث فقد تقوى بعدة شواهد
موقوفة عن عمر، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس، روى ذلك
كله البيهقي في " السنن الكبرى " - بعد أن روى هذا الحديث -
تقوية له، حيث قضى هؤلاء بما يدل عليه الحديث من الاجتهاد.
الجواب الخامس: أن هذا الحديث روي عن طريق آخر بإسناد
متصل، ورجاله معروفون بالثقة، قال أبو بكر الخطيب: " وقد
قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ،
وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة ".
الجواب السادس: أن هذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن الأُمَّة قد
تلقته بالقبول، والحديث المرسل إذا نقلته الأُمَّة بالقبول فإنه يعمل به
ويكون حُجَّة بالاتفاق.
الاعتراض الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي ﷺ قد صوَّب معاذاً على استعمال الاجتهاد عند عدم وجود نص؛ حيث روي الحديث برواية أخرى، وهي: أنه لما قال معاذ: " اجتهد رأيي "، قال له النبي
ﷺ : "اكتب إليّ وأكتب إليك ليس لأحد أن يقول أنا "، فهنا - في هذه الرواية - لم يقره على الاجتهاد برأيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذه الرواية والزيادة غريبة وشاذة، فلا تقوى
على معارضة روايتنا الصحيحة المشهورة.
стр. 1755
الجواب الثاني: نسلم لكم صحة هذه الزيادة، ولكن يمكن الجمع
بينها وبين روايتتا لأن نقول: إنه تحمل هذه الزيادة والرواية التي
ذكرتموها على ما إذا اتسمع الوقت للواقعة التي نزلت؛ حيث يمكن
الصبر حتى يكاتب ﷺ وهو في المدينة.
أما روايتنا فإنا نحملها على ما إذا ضاق الوقت، بحيث لا يمكن
الصبر في معرفة حكم اللَّه فيها على ذهاب الكتاب إلى المدينة ورده.
الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث مناقض لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وقوله: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ،
حيث قال النبي لمجيم لمعاذ: " إذا لم تجد الحكم في الكتاب ... "
يقتضي هذا أن الكتاب لم يشتمل على جميع الأحكام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المقصود بالكتاب في الآيتين هو القرآن
الكريم، بل هو اللوح المحفوظ، فلا تناقض.
الجواب الثاني: سلمنا أن المراد به: القرآن الكريم، فلا يمكن أن
يفهم أحد اشتمال القرآن على جميع الأحكام؛ لأن ظاهر القرآن
يخلو من دقائق الحساب، وتفاريع الحيض، والوصايا، وأحكام
السائل التي اختلف فيها الصحابة كمسألة الجد والإخوة، والتحريم،
والخلع، وغير ذلك، فيتعين أن يكون المراد اشتماله عليها ابتداء،
وهذا لا يناقض العمل بالقياس؛ لأنه لما أمر اللَّه بالقياس بقوله تعالى:
(فاعتبروا) كان ما يستفاد منه مما اشتمل عليه بالواسطة.
الاعتراض الرابع: أن تصويب النبي ﷺ
لمعاذ العمل بالقياس كان
следующие страницы →