Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أن الاستنباط هو القياس، بل
يمكن أن يكون المراد به ما هو أعم من القياس؛ حيث إنه يصح أن
يقال: إن مستخرج الحكم من ظاهر النص يُسمى مستنبطا.
جوابه:
إن لفظة: " الاستنباط " لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها خاصة في
الشيء الذي لا يستخرج إلا بصعوبة، فالشخص الذي يأتي بماء من
بئر عميق يُسمَّى مستنبطا للماء، لكن الذي يأتي به من البحر أو
النهر، فإنه لا يُطلق عليه أنه مستنبط عرفا، فكذلك هنا فإن من
استخرج حكما بصعوبة ومشقة، فإنه يُطلق عليه أنه مستنبط، وهذا
يحصل في القياس فقط، ومن عرف حكما من ظاهر نص كمعرفته
لوجوب الصلاة من قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، فإنه لا
يسمى مستنبطاً عادة وعرفا.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) .
وجه الدلالة: أن القياس هو في حقيقته تمثيل الشيء بالشيء،
وتشبيه أحدهما بالآخر، فإذا جاز ذلك من اللَّه العالم بكل شيء
الذي لا تخفى عليه خافية، فهو من المخلوق أوْلى بالجواز.
وقد أكثر ابن القيم ﵀ من ذكر مثل هذهَ الآية التي فيها
ضرب اللَّه فيها لعباده الأمثال، وساقها للاستدلال بها على حجية
القياس.
الدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) .
стр. 1752
وجه الدلالة: أن العدل هو: التسوية بين المتماثلين في الحكم،
ولا شك أنه يتناول القياس؛ حيث إن فيه تسوية بين الفرع والأصل.
الدليل السابع: قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قاسهم على الأمم السابقة في أنهم
إن فعلوا مثل فعلهم من التكذيب نالهم ما نال السابقين من العاقبة
السيئة، فهنا أربعة أركان كاملة، فالأصل: الأمم السابقة، والفرع:
المخاطبون بالسير والنظر، والعِلَّة: التكذيب، والحكم: الهلاك.
الدليل الثامن: حديث معاذ، وهو: أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً، قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "
قال: بكتاب اللَّه ، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنَة
رسول اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو،
فضرب رسول اللَّه على صدر معاذ ثم قال: " الحمد لله الذي وفق
رسول رسول اللَّه إلى ما يرضي اللَّه ".
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صوَّب معاذاً على أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة التشريع.
أو تقول - في وجه الدلالة -: إنه لو لم يكن القياس أصلاً
ودليلاً من أدلة الأحكام مطلقا لما صوب النبي ﷺ معاذاً على ما قال، ولما أقره؛ لأنه ﷺ لا يقر على خطأ، خصوصا في مثل هذا الأصل العظيم.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن الحديث ضعيف، من حيث سنده، والحديث
стр. 1753
الضعيف لا يمكن أن يستند إليه ويعتمد عليه في إثبات قاعدة أصولية
كالقياس.
بيان ذلك الضعف: أن الحديث رواه شعبة عن أبي عون، عن
الحارث بن عمرو - ابن أخي المغيرة بن شعبة - عن أناس من أهل
حمص من أصحاب معاذ بن جبل، عن معاذ.
والحارث بن عمرو مجهول لا يعرف، وأصحاب معاذ من أهل
حمص مجهولون - أيضا -.
قال الذهبي: " تفرَّد به أبو عون - محمد بن عبد اللَّه الثقفي - عن
الحارث، وما روى أحد عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول ".
وهذه الجهالة في الحارث،؛ أصحاب معاذ تسببت في ضعف
الحديث.
جوابه:
يجاب عنه باجوبة:
الجواب الأول: أن حامل لواء هذا الحديث هو شعبة، وشعبة
هذا قد أثنى عليه أهل الحديث، فقال بعضهم: " إذا رأيت شعبة في
إسناد حديث فاشدد يديك به "، فتقوى الحديث برواية شعبة له.
الجواب الثاني: أن الحديث قد انتشر بين رجال من أهل حمص
من أصحاب معاذ، وهذا يقوي الحديث؛ حيث إن أصحاب معاذ قد
عرفوا بالعلم والدين والفضل والصدق، ولا يعرف في أصحابه متهم
ولا كذاب ولا مجروح، فانتشاره واشتهاره بينهم يقوي الحديث.
الجواب الثالث: أن الحارث بن عمرو معدود من الثقات كما قاله
стр. 1754
ابن حبان، والعبرة بالتجريح اتفاق أئمة الحديث، أما تجريح بعض
أئمة الحدث لبعض الرواة، فهذا قل من يسلم منه.
الجواب الرابع: على فرض ضعف الحدمث فقد تقوى بعدة شواهد
موقوفة عن عمر، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس، روى ذلك
كله البيهقي في " السنن الكبرى " - بعد أن روى هذا الحديث -
تقوية له، حيث قضى هؤلاء بما يدل عليه الحديث من الاجتهاد.
الجواب الخامس: أن هذا الحديث روي عن طريق آخر بإسناد
متصل، ورجاله معروفون بالثقة، قال أبو بكر الخطيب: " وقد
قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ،
وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة ".
الجواب السادس: أن هذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن الأُمَّة قد
تلقته بالقبول، والحديث المرسل إذا نقلته الأُمَّة بالقبول فإنه يعمل به
ويكون حُجَّة بالاتفاق.
الاعتراض الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي ﷺ قد صوَّب معاذاً على استعمال الاجتهاد عند عدم وجود نص؛ حيث روي الحديث برواية أخرى، وهي: أنه لما قال معاذ: " اجتهد رأيي "، قال له النبي
ﷺ : "اكتب إليّ وأكتب إليك ليس لأحد أن يقول أنا "، فهنا - في هذه الرواية - لم يقره على الاجتهاد برأيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذه الرواية والزيادة غريبة وشاذة، فلا تقوى
على معارضة روايتنا الصحيحة المشهورة.
стр. 1755
الجواب الثاني: نسلم لكم صحة هذه الزيادة، ولكن يمكن الجمع
بينها وبين روايتتا لأن نقول: إنه تحمل هذه الزيادة والرواية التي
ذكرتموها على ما إذا اتسمع الوقت للواقعة التي نزلت؛ حيث يمكن
الصبر حتى يكاتب ﷺ وهو في المدينة.
أما روايتنا فإنا نحملها على ما إذا ضاق الوقت، بحيث لا يمكن
الصبر في معرفة حكم اللَّه فيها على ذهاب الكتاب إلى المدينة ورده.
الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث مناقض لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وقوله: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ،
حيث قال النبي لمجيم لمعاذ: " إذا لم تجد الحكم في الكتاب ... "
يقتضي هذا أن الكتاب لم يشتمل على جميع الأحكام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المقصود بالكتاب في الآيتين هو القرآن
الكريم، بل هو اللوح المحفوظ، فلا تناقض.
الجواب الثاني: سلمنا أن المراد به: القرآن الكريم، فلا يمكن أن
يفهم أحد اشتمال القرآن على جميع الأحكام؛ لأن ظاهر القرآن
يخلو من دقائق الحساب، وتفاريع الحيض، والوصايا، وأحكام
السائل التي اختلف فيها الصحابة كمسألة الجد والإخوة، والتحريم،
والخلع، وغير ذلك، فيتعين أن يكون المراد اشتماله عليها ابتداء،
وهذا لا يناقض العمل بالقياس؛ لأنه لما أمر اللَّه بالقياس بقوله تعالى:
(فاعتبروا) كان ما يستفاد منه مما اشتمل عليه بالواسطة.
الاعتراض الرابع: أن تصويب النبي ﷺ
لمعاذ العمل بالقياس كان
стр. 1756
قبل نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، فإن هذه الآية أفادت إكمال
الدين وتمامه، فيكون القياس قبل نزول هذه الآية حُجَّة؛ لكون
النصوص غير وافية لجميع الأحكام، أما بعد إكمال الدين والتنصيص
على جميع الأحكام، فلا يكون القياس حُجَّة؛ لعدم الحاجة إليه.
جوابه:
إن هذه الآية إنما تدل على كمال الدين من حيث أصوله، دون
فروعه؛ لأن الواقع أن النصوص لم تتناول جميع الفروع؛ لعدم
تناهيها، وبذلك تكون الحاجة ماسة إلى القياس لإثبات أحكام بعض
الفروع التي لم ينص على حكمها، فيكون القياس حُجَّة.
الاعتراض الخامس: أن معاذاً إنما قال: " أجتهد رأيي "، ولم
يقل أقيس، والاجتهاد كما يكون في القياس فكذلك يكون في تحقيق
المناط، فترجيح أن المراد بالاجتهاد هو القياس ترجيح بلا مرجح.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه قال: " أجتهد "، والاجتهاد عام وشامل
للقياس وغيره، فيكون - على هذا - القياس أحد جزئيات الاجتهاد
فيدخل، بل القياس هو أعلى مراتب الاجتهاد، فدخوله أوْلى من
دخول غيره.
الجواب الثاني: أنه يوجد دليل يجعلنا نرجح أن المراد بذلك
القياس وهو: أن معاذاً ذكر الاجتهاد بعد النص من الكتاب والسُّنَّة،
أي: أنه يجتهد فيما لا نص فيه، أما تحقيق المناط فمعروف أنه يعتمد
على النص.
-
стр. 1757
الاعتراض السادس: أن النبي ﷺ قد أقر لمعاذ العمل به، فما المانع من أن يكون خصوصية له ﵁.
جوابه:
إن الأصل: أن يكون عاما غير مختص بمعاذ بدليل قوله ﷺ : "قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة "،
فلا يختص بمعاذ إلا بدليل، ولا دليل صحيح عندنا،
فيبقى العام على عمومه.
الاعتراض السابع: أن الحديث خبر آحاد، فلا يفيد إلا الظن،
والظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.
جوابه:
أن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل، فإنها تثبت
بالظن؛ قياساً على الفروع - كما قلنا ذلك فيما سبق أكثر من مرة -
هذا الدليل الثامن من الأدلة على أن القياس حُجَّة.
الدليل التاسع: قوله ﷺ :
" لعن اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ".
وجه الدلالة: أنه ﷺ حكم بتحريم أثمان الشحوم، قياساً على أكلها المحرم بالنص.
الدليل العاشر: قوله ﷺ :
"إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
وجه الدلالة: أنه دلَّ على أنه ﷺ يقضي برأيه، والقياس نوع من أنواع الرأي، فيكون حُجَّة.
اعتراض على هذا:
أن هذا خاص بالنبي ﷺ ، حيث إن اللَّه سبحانه يخطأه إذا أخطأ، بخلاف غيره من العلماء، وعليه فيجوز له الاجتهاد دون غيره.
стр. 1758
جوابه:
إنه إذا جاز للنبي ﷺ الاجتهاد، فإنه يجوز لغيره من العلماء إذا فهموا المعنى الذي من أجله شرع الحكم المقاس عليه، ثم إن الخطأ
من المجتهد يؤجر عليه بأجر واحد.
الدليل الحادي عشر: ما روي أن عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن قُبْلة الصائم فقال: " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "
قلت: لا بأس بذلك، فقاق الرسول ﷺ : "ففيم؟ ".
وجه الاستدلال: أن هذا تنبيه على إلحاق القُبْلة بالمضمضة في عدم
الإفطار، والجامع: أن كلًّا منهما مقدمة لما يفطر، ولكنه لا يفطر،
فالمضمضة مقدمة للشرب، والقُبْلة مقدمة للإنزال، فتبين أن النبي
ﷺ قد استعمل القياس، وذلك يوجب كون القياس حُجَّة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا من أقيسة النبي ﷺ ، فلا يدخل في محل النزاع؛ للاتفاق على جوازه.
جوابه:
إذا جاز له ﷺ أن يقيس، فإنه يجوز لغيره،
والجامع: فهم المعنى الذي من أجله شرع الحكم.
الاعتراض الثاني: أن النبي ﷺ ذكر المضمضة - هنا - تقريبا لفهم عمر؛ لا لأجل قياس القُبْلة عليها.
جوابه:
إن المسألة في الحديث ليست من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى تقريب
لفهمه، فلو لم يكن المقصود من ذكر المضمضة التنبيه على أصل القياس
لما كان لذكره فائدة، بل يكفي أن يقول: لا، القُبْلة لا تفطر.
стр. 1759
الاعتراض الثالث: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد إلا
الظن، والظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.
جوابه:
أن القياس قاعدة أصولية وسيلة إلى العمل، فيكتفى بإثبات ذلك
بالدليل الظني؛ قياسا على الفروع.
الدليل الثاني عشر: أنه روي عن النبي ﷺ أنه - أحيانا - يذكر الحكم مقرونا بعلته، والتعليل يفيد تعدي الحكم أينما وجدت العِلَّة، وذلك هو نفس القياس.
من ذلك: قوله ﷺ :
"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة "،
وقوله ﵇ في حق المحرم الذي وقَصَتْه ناقته:
" لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"،
وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها
تذكركم الآخرة "، وقوله - لما سئل عن بيع الرطب بالتمر -:
"أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فقال: " فلا إذن "،
وقوله: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى
يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده "، وقوله: " إنها ليست
بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، فتعليل الشارع
لبعض الأحكام إنما هو لإرشاد الخلق إلى كيفية ربط الأحكام بعللها
ليلحقوا ما وجدت فيه تلك العلل بتلك الأحكام.
اعتراض على هذا الدليل:
أنه لا يلزم من تعليل الحكم المنصوص عليه بعلَّة: إلحاق غير
المنصوص به؛ لاشتراكهما في العِلَّة، بل يجوز أَن يكون التعليل
стр. 1760
لبيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، ولهذا جاز
التعليل بالعِلَّة القاصرة التي لا قياس عليها.
جوابه:
أن الأصل في التعليل: أن يكون لتعدية الحكم، وذلك لا ينافي
قصد بيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، فالتعليل
يعم الأمرين، ولا يوجد مخصص لأحدهما.
الدليل الثالث عشر: أنه لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو
أكثر الحوادث بدون أحكام؛ لأمرين:
أولهما: قلة النصوص.
ثانيهما: كثرة الحوادث والصور والجزئيات التي لا نهاية لها.
فثبت أنه لا بد من القياس لإيجاد أحكام لتلك الحوادث المتجددة،
وهذا فيه رد على أعداء الإسلام حيث قالوا: إن الإسلام غير قادر
على إيجاد أحكام للحوادث المتجددة.
الدليل الرابع عشر: أن المجتهد إذا غلب على ظنه أن حكم الأصل
معلل بعلَّة معينة، ثم وجد هذه العِلَّة في محل آخر - وهو الفرع -
فإنه يحَصل عنده ظن غالب بأن حَكم الأصل متعدٍ إلى ذلك المحل
الذي وجدت العِلَّة فيه، واحتمل عنده احتمالاً مرجوحا عدم تعدية
حكم الأصل للفَرع، فالمجتهد أمامه أربعة أمور - لا خامس لها -
وهي:
الأول: إما أن يعمل بما غلب على ظنه، ويعمل بالاحتمال
المرجوح معا.
الثاني: وإما أن لا يعمل بهما معا.
стр. 1761
الثالث: وإما أن يعمل بالاحتمال المرجوح فقط ويترك العمل بما
غلب على ظنه.
الرابع: وإما أن يعمل بما غلب على ظنه فقط ويترك العمل
بالاحتمال المرجوح.
وكلها باطلة إلا الرابع، بيان ذلك:
أما الأول - وهو: العمل بهما معاً - فهو محال؛ لأنه جمع بين
متناقضين، والجمع بين المتناقضين محال.
أما الثاني - وهو: ترك العمل بهما معا - فهو محال - أيضا -؛
لأنه رفع للنقيضين معاً، وخلو الشيء عن النقيضين محال.
أما الثالث - وهو: العمل بالاحتمال بالمرجوح، وترك العمل
بالظن الراجح - فهو خلاف المشروع والمعقول؛ لأنه عمل بالضعيف
وترك للعمل بالقوي، وهذا لا يجوز شرعا ولا عقلاً.
فلم يبق إلا الرابع، وهو العمل بالظن الراجح، والعمل
بالراجح متعين؛ لأنه ثبت بعد استقراء أمور الشرع الجزئية والكلية أن
الظن الراجح يجب العمل به، وهذا ما يفيده القياس، فكان العمل
في قتضى القياس واجباً وهو المطلوب.
هذا ما صح عندنا من الأدلة على حجية القياس، وأنه دليل من
الأدلة الشرعية المعتمدة.
المذهب الثاني: أن القياس ليس بحُجَّة، ولا يجوز التعبد به عقلاً
ولا شرعا، أي: أن القياس لا يعتبر دليلاً من الأدلة الشرعية.
وأصحاب هذا المذهب افترقوا إلى فريقين:
الفريق الأول: أنكروه شرعا، أي: أن الأدلة الشرعية دلَّت على
أن القياس ليس بحُجَّة وهم الظاهرية.
стр. 1762
الفريق الثاني: أنكروه عقلاً، أي: أن معقول الشرع دلَّ على أن
القياس ليس بحجة، وهم النظام ومن تبعه.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
وجه الدلالة: أن الآية أفادت نهي المؤمنين عن التقدم على الله
وعلى رسوله بأي قول أو فعل، والقول بالقياس تقدم على الله
ورسوله؛ لأنه حكم بغير قولهما، فيكون منهيا عنه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الآية لا تمنع من العمل بالقياس، بل ربما
أوجبت العمل به؛ لأنها نهت عن العمل بغير كتاب اللَّه وسُنَّة
رسوله، والعمل بالقياس عمل بكتاب اللَّه وسُنَّة رسوله من وجهين:
الوجه الأول: أن من شروط الأصل - كما سيأتي إن شاء الله -:
أن يكون ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما
واختلف في القياس على المجمع عليه، فيكون العمل بالقياس عمل
بالكتاب والسُّنَّة.
الوجه الثاني: أن الكتاب والسُّنَّة قد ورد فيهما الأمر بالقياس في
آيات وأحاديث كثيرة ذكرناها سابقا في أدلتنا على حجية القياس،
فيكون العمل بالقياس عملاً بالكتاب والسُّنَّة.
الجواب الثاني: أن عملنا بالقياس ليس فيه تقديم على الكتاب
стр. 1763
والسُنَّة؛ لأننا لا نجري القياس فيما فيه نص من كتاب أو سُنَّة، بل
نجريه فيما ليس فيه نص، وليس في ذلك تقديم عليهما.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ،
وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أن الكتاب اشتمل على جميع
الأحكام الشرعية، فما ليس في كتاب اللَّه وجب: أن لا يكون
حمقا، وجاء ذكر السُّنَّة فكانت حقاً، وجاء ذكر الإجماع فكان حقاً،
لكن لم يذكر القياس فوجب أن يبقى على النفي الأصلي، فلا يجوز.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الكتاب قد اشتمل على جواز القياس مباشرة
بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، وغيرها من الآيات
التي ذكرتها في الاستدلال على أن القياس حُجَّة، فيكون الأمر
بالقياس قد ورد به الكتاب.
الجواب الثاني: إن لم يُسلّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس
مباشرة، فإنه دلَّ على ذلك بطريق غير مباشر؛ حيث إنه دلَّ على أن
السُّنَة حُجَّة بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) ، وغيرها
من الآيات.
ودل على أن الإجماع حُجَّة بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..) ، وغيرها من
الآيات - كما سبق بيانه - وهما - أي: السُّنَّة والإجماع - قد دلا
على أن القياس حُجَّة بواسطة الأحاديث التي ذكرناها أثناء استدلالنا
стр. 1764
لحجية القياس، وبواسطة إجماع الصحابة السكوتي، وقد سبق
بيانه.
الجواب الثالث: إن لم يُسلَّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس
مباشرة أو بطريق غير مباشر، فادعاء المستدل أن الكتاب قد اشتمل
على جميع الأحكام الجزئية غير صحيح؛ لعدم وجود حكم في الجد
والإخوة، والتحريم، والمفوضة، والعول، والخلع، وغيرها مما
اختلف الصحابة فيها.
فإما أن يقال: إنه لا حكم لها، وإما أن يقال: إن لها حكما في
الكتاب، وإما أن يقال: إن لها حكما وأخذناه عن طريق القياس.
فإن زعم المستدل: أنه لا حكم لها، فهذا باطل؛ لأنه لا يوجد
حادثة إلا ولها حكم في الإسلام، وإن ادعى أحد غير ذلك فقد كفر.
وإن زعم المستدل: أن لها حكما ووجدناه في الكتاب، فهذا غير
صحيح؛ إذ لو كان هناك حكم في الكتاب لما اختلف الصحابة فيها.
فلم يبق إلا أن لها حكماً وأخذناه عن طريق القياس، وهو
الصحيح، وهو الذي أفتى به الصحابة.
الدليل الثالث: قوله تعالى؛ (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .
وجه الدلالة: أن ثمرة القياس، وهو: ثبوت حكم الفرع مظنون
لا معلوم، وكل مظنون لا يغني من الحق شيئاً منهي عن اتباعه،
فحكم الفرع منهي عن العمل به، فيثبت عدم جواز تعبدنا بالقياس.
جوابه:
إن الظن المنهي عن اتباعه والذي لا يغني عن الحق شيئاً فيما يكون
العلم واليقين ضرورة له كالعقائد وأركان الإسلام، دون مطلق الظن،
стр. 1765
وإلا انتقض بدلالات الكتاب والسُّنَّة على الأحكام، فإنها كلها
ظنية، ومع ذلك يجوز العمل بها بالإجماع.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
وجه الدلالة: أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل اللَّه، وكل
حكم لم ينزله اللَّه تعالى ابتداعا في الدين، وهذا منهي عنه،
فالقياس منهي عنه.
جوابه: -
إن الحكتم بالقياس حكم بما أنزل اللَّه؛ لأمرين:
أولهما: أن الله تعالى ورسوله قد دلَّ كلامهما في الكتاب والسُّنَّة
على جواز الحكم بالقياس بواسطة تلك الآيات والأحاديث التي
ذكرناها أثناء استدلالنا على حجية القياس، وإذا كان الأمر كذلك
فالحكم بالقياس يعتبر حبهما بما أنزل اللَّه.
ثانيهما: أن من شروط صحة القياس - كما سيأتي - أن يكون
حكم الأصل ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما،
فيكون العمل بالقياس عملاً بما هو مستنبط من المنزل، وكأنه حكم
بالمنزل وهو الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
وجه الدلالة: أن الآية دلَّت على أن الأُمَّة إذا تنازعت في شيء
ولم تعرف حكمه، فيجب أن تأخذ حكمه من الكتاب والسُّنَّة،
فالحكم بالقياس ليس مردوداً إلى اللَّه ولا إلى رسوله، فيكون ذلك
الماخوذ عن طريق القياس باطلاً.
стр. 1766
جوابه:
إن الحكم بالقياس حكم مردود إلى اللَّه ورسوله، أي: إلى
الكتاب والسُّنَّة؛ لأمرين، قد ذكرتهما في جواب الدليل الرابع
السابق.
ثم إن هذه الآية حُجَّة عليكم لا لكم؛ حيث أبطلتم القياس من
غير رد إلى قول اللَّه ولا إلى قول رسوله، ولا إلى ما استنبط منهما.
الدليل السادس: ما روي عن النبي ﷺ :
"تعمل هذه الأُمَّة برهة بكتاب اللَّه، وبرهة بسُنَّة رسول اللَّه، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا ".
وجه الدلالة: أن الأُمَّة إذا عملت بالرأي، فإن عملهم به مذموم
وموجب للضلال والإضلال، والقياس من الرأي، فيكون مذموماً،
وغير مشروع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا يستدل به
على شيء، بيان الضعف: أنه كان من رواته عثمان بن عبد الرحمن
الزهري، وهذا متفق على ضعفه كما قال الهيثمي، وكذلك من
رواته جبارة بن المفلس، وهو ضعيف، كما قال ابن السبكي.
الجواب الثاني: أن الحديث على فرض صحته، فإنه معارض
بالأحاديث القوية التي استدللنا بها على حجية القياس السابقة،
وحينئذ يجب الجمع بينهما، ووجه الجمع: أن يحمل هذا الحديث
الذي اً ستدل به المنكر للقياس على القياس الفاسد، وهو الذي
стр. 1767
لم يستجمع شروط القياس، وتحمل الأحاديث الدالة على جواز القياس
على القياس الصحيح، وهو المستجمع لشروط القياس، وعلى هذا
فإنه يعمل بالدليلين.
الدليل السابع: ما روي عن ﷺ :
"الحلال ما أحلَّ اللَّه والحرام ما حرَّم اللَّه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ".
وجه الدلالة: أن الحديث قد بين أقساما ثلاثة هي: " حلال "،
و" حرام "، و " مسكوت عنه لا يلحق بالحرام ولا بالحلال "، فلو
قلتم بالقياس فإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالحرام، فيكون حراما
بعد أن كان مباحاً، وهذا تحريم لما أحله اللَّه بالسكوت عنه.
وإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالواجب، ويكون تاركه آثما بعد
أن كان مباحاً، وعليه: فالقياس يؤدي إلى تحريم الحلال وإيجاب
المباح، وهذا خلاف ما دلَّ عليه الحديث والشرع كله، فيكون
القياس باطلاً، لأنه يؤدي إلى باطل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث إن من رواته سيف
ابن هارون البرجمي، ضعَّفه النسائي والدارقطني، كما نقله الذهبي،
والحديث الضعيف لا يصلح للاستدلال به على شيء.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنا لا نُسَلِّمُ أن ما ثبت
حكمه عن طريق القياس مسكوت عنه، فيكون معفواً عنه، وإنما هو
داخل فيما حرَّمه اللَّه، أو أوجبه؛ لأمرين:
أولهما: أن الشارع لما علل الحكم في المنصوص على حكمه
стр. 1768
جعل بهذا التعليل سريان حكمه في المسكوت عنه، فكان المسكوت
عنه محكوماً فيه معنى بحكم اللَّه.
ثانيهما: أن دخول الواقعة في التحريم أو الإيجاب كما يعرف
بدلالة اللفظ يعرف - أيضا - بالدلائل العامة التي تبينها مقاصد
الشريعة في جملة نصوصها، وعامة أحوالها.
الدليل الثامن: ما روي أن النبي ﷺ أنه قال:
" تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيُحلون الحرام، ويحرمون الحلال ".
وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في ذم من يقيس الأمور برأيه،
بل جعل القائلين بالقياس والعاملين به خطراً على الأُمَّة، وأنهم
يسببون الفتنة التي ذمَّها اللَّه، وهذا يبطل القياس.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث قال يحمص بن معين:
إن هذا الحديث ليس له أصل، والحديث الضعيف لا يصلح
للاستدلال به.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، لكنه معارض
بالأحاديث التي دئَت على حجية القياس - وهي التي ذكرناها فيما
سبق - فيجب - حينئذٍ - الجمع بينها، ووجه الجمع: أن نحمل
هذا الحديث على القياس الفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط
القياس، وأن القائس ليس أهلاً للاجتهاد، ويؤيد ذلك قوله فيه:
"فيحملون الحرام، ويحرمون الحلال "، ونحمل الأحاديث التي
стр. 1769
دلَّت على العمل بالقياس على القياس الصحيح المستكمل لشروط
القياس.
الدليل التاسع: ما روي عن ﷺ أنه قال:
" ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولدون: أبناء سبايا الأمم،
فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا ".
وجه الدلالة: الحديث بيق أن ذم بني إسرائيل كان بسبب القياس
الذي استعملوه في دينهم، فمن فعل مثل ما فعلوا فقد استحق الذم
من اللَّه تعالى، أي: فمن استعمل القياس في معرفة الأحكام فقد
استحق الذم، فيكون استعمال القياس مذموما.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث لم يصح؛ لأن في سنده سويداً قال
عنه الإمام أحمد: إنه متروك الحديث، وقال الشهاب البوصيري:
إنه ضعيف، وفي سنده - أيضا - ابن أبي الرجال وهو متروك عند
النسائي، ومنكر الحديث عند البخاري، وإذا كان الحديث لم يصح
فلا يصلح للاستدلال به.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنه يحمل على القياس
الفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس، أو أن القائس لم
يكن أهلاً للقياس، ويؤيد ذلك معنى الحديث؛ حيث إن معناه:
إنهم لم يعرفوا الأشباه، ولم يدركوا الإمثال ونظائرها، بل قاسوا
بالهوى والتعصب كما فعلوا في الشحوم حين حرمها الله عليهم،
فجملوها وباعوها، وما هذا إلا ضلال لا يقول به عاقل.
стр. 1770
وعلى هذا فالقياس الصحيح وهو المستكمل لشروط القياس،
وفاعله من أهل الاجتهاد، وهو الذي يجري على حسب أمر الشارع
لا يؤدي إلى ضلال، بل يؤدي إلى حق، والحق يجب اتباعه،
فيكون القياس حُجَّة.
الدليل العاشر: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على أن القياس
ليس بحُجَّة.
بيان ذلك: أنه نقل عن بعض الصحابة ذم العمل بالقياس - وقد
ذكرنا عدداً من النصوص على ذلك أثناء الاعتراض على الوجه الثاني
من وجوه تقرير الإجماع عند الجمهور - وهم القائلون بحجية القياس
وقد سبق -.
قال المنكرون للقياس: ولم يظهر من واحد منهم الإنكار على
ذلك الذم، وذلك يدل على انعقاد الإجماع على فساد القياس،
وعلى أن اللَّه لم يتعبدنا به.
جوابه:
لقد أجبنا عن ذلك بجوابين: " جواب إجمالي "، و " جواب
تفصيلي ".
أما الجواب الأجمالي فقد سبق بالتفصيل، ولا مانع من أن أشير
إليه هنا تذكرة للقارئ وهو: أن أقول: إن كل نص ورد فيه ذم
للقياس والرأي وأهله: فالمقصود فيه القياس الفاسد، وهو الذي لم
يستكمل شروط القياس، أو ورد من شخص ليس أهلاً للاجتهاد،
وأن كل نص ورد فيه مدح للقياس فالمقصود فيه القياس الصحيح،
إلى آخر ما قلناه هناك.
стр. 1771
وأما الجواب التفصيلي فالمقصود منه: الجواب عن كل نص ونقل
عن الصحابة فيه ذم للقياس، وقد سبق بيان ذلك هناك، ولا داعي
لتكراره.
الدليل الحادي عشر: إجماع العترة دلَّ على أن القياس ليس بحُجَّة
والمراد منهم: علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء، والحسن
والحسين، بيان ذلك:
أن المستدلين قالوا: كما نعلم بالضرورة - بعد مخالطة أصحاب
النقل - أن مذهب الأئمة الأربعة - وهم أبو حنيفة، ومالك،
والشافعي، وأحمد - القول بالقياس، فكذا نعلم بالضرورة أن
مذهب أهل البيت كالصادق والباقر إنكار القياس؛ حيث انعقد
إجماعهم على ذلك، وإذا ثبت أن آل البيت أجمعوا على إنكار
القياس ثبت أنه لا يجوز العمل به؛ لأن إجماعهم حُجَّة.
وهذا قول الشيعة الإمامية.
قال الحيدري: " ومذهب أهل البيت معلوم متواتر عنهم قد نقله
الخلف عن السلف في رد القياس، ورد من قال به ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن نقل الشيعة الإمامية إنكار القياس عن العترة
معارض بنقل الشيعة الزيدية عن العترة وجوب العمل بالقياس، قال
يحيى الزيدي: " إن أكثر أهل البيت قائلون بالقياس، وكيف يدعى
إنكار القياس والإمام علي بن أبي طالب قد عمل بالقياس في فتاويه،
وكذا من جاء من بعده من أئمة الشيعة " اهـ.
стр. 1772
فهنا ثبت أن النقلين متعارضان، فبطلت دعواهم أن العترة أجمعوا
على إنكار القياس، وإذا كان النقلان متعارضين، فلا بد من الجمع
بينهما، ووجه الجمع: أن نحمل قول من قال بعدم حجية القياس
بأنه يقصد القياس الفاسد الذي لم يستكمل شروط القياس أو الصادر
من غير أهل الاجتهاد، ونحمل قول من قال بحجية القياس بانه
يقصد القياس الصحيح الذي استكمل شروط القياس.
الجواب الثاني: إن سلمنا صحة حصول إجماع العترة على إنكار
لمقياس، فإنا لا نُسَلِّمُ أن إجماعهم حُجَّة على غيرهم عند المخالفة؛
لأن العترة بعض المجتهدين، والإجماع ينبغي أن يتفق عليه كل
المجتهدين الموجودين في العصر الواحد؛ لأن العصمة ثبتت للكل،
لا للبعض، فيكون قول الكل هو الحُجَّة، فيبطل - بذلك -
دعواهم أن إجماع العترة حُجَّة.
الدليل الثاني عشر: أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين
المجتهدين؛ لأن مقدماته ظنية، والظن سبيل الخلاف، لا سبيل
الوفاق، والخلاف والمنازعة منهي عنهما؛ لقوله تعالى:
(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ،
وبذلك يكون القياس منهياً عنه، فيحرم العمل به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول؛ أن الخلاف والمنازعة المنهي عنها في الآية المراد بها:
الخلاف والمنازعة في الحروب وسياسة الأمَّة وإدارة شئونها؛ حيث إنها
توجب الفشل وتسبب الهزيمة أمام الأعداء، أما الخلاف والمنازعة في
стр. 1773
الأحكام الشرعية، بحيث يرى مجتهد ما لا يراه الآخر لدليل ثبت
عنده: فليس منهياً عنها بدليل: ما اشتهر عن الصحابة أنهم اختلفوا
في مسائل كثيرة تكاد لا تحصى كمسألة الجد والإخوة، والخلع،
والتحريم، والعول، وغيرها، ولو كان الاختلاف والمنازعة منهيا
عنها على الإطلاق: لكان الصحابة قد أخطأوا في ذلك، بل لكانت
الأمَّة كلها مخطئة، وهذا ممتنع؛ لأن الأُمَّة معصومة عن الخطأ.
الجواب الثاني: أنه بناء على اعتقادكم وهو: أن الظن سبيل
الخلاف يكون كل ما أفاد الظن منهيا عنه؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة،
فيلزم على هذا: أن لا نعمل بظواهر النصوص، ولا خبر الواحد،
ولا الشهادة، ولا الأدلة العقلية، فتبطل بذلك أغلب أدلة الشرع،
وهذا لا يقوله عاقل.
الدليل الثالث عشر: أن القياس مبني على التعليل، والشريعة
الإسلامية مبنية على التعبد والتحكم، فالقياس على هذا لا يمكن في
الشريعة، لعدم التناسب بينهما.
أما الدليل على أن القياس مبني على التعليل فهو قولكم: إن مدار
القياس على العلَّة، فإن وجدت عِلَّة الأصل في الفرع ألحقناه به،
وإن لم توجد لا يجوز الإلحاق.
وأما الدليل على أن الشريعة مبنية على التعبد والتحكم، فهو أنها
تفرق بين المتماثلات في الحكم، وتجمع بين المختلفات في الحكم.
أما التفرقة بين المتماثلات فمنها الصور التالية:
الأولى: أن الشارع رخص في قصر الصلاة في الرباعية في حق
المسافر، دون الثلاثية والثنائية مع أن الصلوات متماثلة.
стр. 1774
الثانية: أن الشارع فضل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض:
ففضل ليلة القدر على سائر الأزمنة مع أنها متماثلة مع باقي الليالي،
وفضل مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة وسائر المشاعر مع أن الأمكنة
متماثلة.
الثالثة: أنه أوجب قضاء الصوم على الحائض والنفساء، ولم
يوجب قضاء الصلاة عليهما مع أنهما متماثلين؛ حيث إن كلًّا منهما
عبادة بل الصلاة أولى من الصوم بالمحافظة.
الرابعة -: أنه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمداً،
وهو طاهر، دون البول، وهو نجس.
الخامسة: أنه حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا
كانت حرة مع أنها لا تفق الشبان ألبتة، وأباح النظر إلى الأمَة الشابة
الحسناء مع أنها تفق الشيخ الهرم.
السادسة: أنه أوجب قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير مع
أنهما متماثلين، بل غاصب الكثير أوْلى بالقطع.
السابعة: أنه أوجب الجلد بالقذف بالزنا، دون القذف بالكفر مع
أن القذف بالكفر أشد.
الثامنة: أنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق، دون قاذف العبد
العفيف.
التاسعة: أنه قبل في القتل شاهدين، دون الزنى فإنه لا يقبل فيه
إلا أربعة، مع أن القتل أشد من الزنى.
العاشرة: أنه أوجب غسل الثوب من بول الصبية، وأوجب
الرش من بؤل الصبي.
стр. 1775
الحادية عشرة: أنه فرق في العدة بين الموت والطلاق مع أن الرحم
لايختلف فيهما.
فكيف مع ذلك التفريق بين المتماثلات أن يقال بجواز القياس في
الشريعة؟! إذ لو جاز القياس لألحق المثل بالمثل، ولكنه لم يفعل.
أما الجمع بين المختلفات فمنها الصور التالية:
الأولى: أن الشارع سوَّى بين قتل الصيد في الحج عمداً والقتل
خطأ في وجوب الضمان مع أنهما مختلفان.
الثمانية: أنه سوَّى بين الصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة مع
اختلافهما.
الثمالثة: أنه سوَّى بين الماء والتراب؛ حيث جعل التراب كالماء مع
وجود الاختلاف؛ حيث إن التراب لا ينظف، بل يزيد في تشويه
الوجه.
فبسبب هذه الصور أثبت النظام أن الشريعة فرقت بين المتماثلات
وجمعت بين المختلفات في الحكم، وقال: إذا كان هذا هو حال
هذه الشريعة، فلا مجال للعقل فيها، وبالتالي لا يسوغ استعمال
القياس فيها؛ لأنه مبني على تعقل المعنى الذي من أجله شرع
الحكم، والعقل لا يمكنه إدراك مثل هذه الأمور.
هذا هو الدليل الثالث عشر على عدم حجية القياس.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الأحكام أقسام ثلاثة:
стр. 1776
القسم الأول: أحكام لم نعرف عللها، فهو تعبدي كعدد
الصلوات والركعات.
القسم الثاني: أحكام قد تُردد في تعليله.
القسم الثالث: أحكام قد عرفنا عللها.
ونحن لم نقل بأن القياس جائز مطلقا، بل لا نقيس إلا بشروط
منها: قيام الدليل على أن الحكم معلل، ودليل على عين العِلَّة
المستنبطة، ودليل على وجود تلك العِلَّة في الفرع، والصور التي
ذكرها النظام لم تتوفر فيها هذه الأدلة، فلذلك لم يجر فيها
القياس، فيكون الاعتراض بها باطل، وعدم ظهور الحكمة فيها لمثل
النظام لا يجعلها دليلاً على أن كل أحكام الشريعة غير معللة،
وبالتالي لم يصح الأخذ بالقياس عليها.
الجواب الثاني: أن هذه الصور التي أراد النظام بسردها أن يثبت أن
الشريعة جمعت بين المختلفات، وفرقت بين المتماثلات قليلة جداً
ونادرة، وورود الصور النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في
حصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر في حالة واحدة لا
يقدح في ظن نزول المطر منه، فامتناع القياس في صور معدودة لا
يقتضي امتناعه من أصله.
الجواب الثالث: وهو الجواب التفصيلي عن كل صورة ذكرها
النظام فأقول:
أولاً: ما ذكره من صور التفرقة بين المتماثلات، فالجواب عنها فيما
يلي:
- أما قوله في الصورة الأولى: " إنه رخص في قصر الصلاة في
الرباعية للمسافر دون الثلاثية والثنائية "، فالجواب عنه: بأنه فرق
стр. 1777
بينها، لقيام الفارق وهو: أن القصد من قصر الصلاة إنما هو
التخفيف على المسافر، والمحتاج للتخفيف إنما هو العدد الكثير المانع
للمسافر من قضاء حوائجه كالرباعية، دون العدد القليل كالثنائية،
فهي خفيفة على المسافر لا تمنعه من قضاء حوائجه.
وأيضا: فإن الصلاة الثنائية لو قصرت لعادت إلى ركعة واحدة،
وذلك ليس له نظير في أصل مشروعية الصلاة.
أما الثلاثية فإنه لا يمكن قصرها؛ لأمور:
أولها: أنه لا يمكن شطرها.
ثانيها: أنه لو حذف ثلثيها فإنه يبقى ركعة واحدة، وهذا مخل
لها، وليس لذلك نظير في أصل مشروعية الصلاة.
وثالثها: أنه لو حذف ثلثها، فإنه تبقى ركعتان، وهذا يخرجها
عن حكمة مشروعيتها وترأ، فإنها شرعت ثلاثا، فتكون وتر النهار
كما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
" وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب ".
أما قوله في الصورة الثانية: " إنه فضل بعض الأزمنة والأمكنة مع
أنها متماثلة،، فالجواب عنه: أنه ليس المعنى المقتضي للتفضيل هو
حقيقة الزمان والمكان كما توهم النظام، بل إن بعض الأزمنة وبعض
الأمكنة فضلت لوجود ما يقتضي لذلك التفضيل من الأمور التي
وقعت فيها: فليلة القدْر فضلت عن سائر الليالي؛ لأن القرآن نزل
فيها، وجعلت ميعاداً لنزول الملائكة والروح فيها بإذن ربهم،
ففضلت عند الخلائق بسبب ما ينزل بها من النعم والرحمات،
فكانت العبادة فيها أفضل حتى يكون حظ العبد فيها أوفر.
стр. 1778
ومكة المكرمة فضلت؛ نظراً لوجود المسجد الحرام والمشاعر
الكريمة.
والمدينة فضلت؛ لأنها مكان هجرة الرسول ﷺ ، وأهلها أول من بايعه على النصرة والمنعة، وفيها قبر أفضل الخلق نبينا محمد ﷺ .
وفضل بيت المقدس؛ لأن فيه المسجد الأقصى، وهو أولى
القبلتين، ومجمع الأنبياء، والمكان الذي أسري النبي ﷺ إليه، وعرج منه إلى السماء.
وفضلت عرفة؛ لأنه محل وقوف الجم الغفير من الخلائق
متجردين ملبين.
فاتضح مما سبق أن التفضيل لا لأجل حقيقة الزمان والمكان، بل
لوجود ما يقتضي ذلك التفريق، ونتيجة لذلك اختلف الحكم، فبطل
ما ادعاه النظام من أنها متساوية.
وأما قوله في الصورة الثالثة: " إنه أوجب قضاء الصوم على
الحائض والنفساء دون قضاء الصلاة مع أنهما متماثلين "، فالجواب
عنه: أن إيجاب قضاء الصوم دون الصلاة ليس ذلك لزيادة العناية
بالصوم دون الصلاة، بل السر في ذلك: أن الشارع نظر إلى المشقة
وعدمها، والمصلحة وعدمها، بيان ذلك:
أنه نظراً لحصول المشقة الشديدة في قضاء الصلاة؛ لتكررها لم
يوجب الشارع قضائها، ونظراً لعدم المشقة في الصوم فإنه أوجب
قضائها.
وأيضا: فإن مصلحة الصلاة ستحصل فى زمن الطهر - لتكررها -
فلم يوجب قضائها، وأما مصلحة الصوم فإنها لا تحصل - لعدم
تكرره - فأوجب قضائه لتحصل المصلحة.
стр. 1779
فثبت بذلك أن بين الصلاة والصوم فرقا اقتضى ذلك الاختلاف في
الحكم، فبطل ما ادعاه النظام من كونهما متماثلين.
وأما قوله في الصورة الرابعة: " إنه أوجب الغسل من المني وأبطل
الصوم بإنزاله عمداً وهو طاهر، دون البول وهو نجس "، فالجواب
عنه: أن بين المني والبول فروقاً هي كما يلي:
الأول: أن المني يخرج من جميع البدن، لذلك سماه اللَّه تعالى
سلالة؛ لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول فهو فضيلة الطعام
والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم
من تأثره بخروج البول.
الثاني: أن الجسم كله يحصل له ارتخاء وثقل وكسل عقب خروج
المني، والاغتسال بالماء يشده ويعيد إليه قوته، أما البول إذا خرج فلا
يحدث في الجسم ذلك، فلا يحتاج إلى الاغتسال.
الثالث: أن إيجاب الغسل من المني وإبطال الصوم بإنزاله عمداً
ليس في ذلك حرج ومشقة؛ نظراً لقلة ما يقع، أما البول فإنه لو
أوجب اللَّه الغسل في كل مرة يبول فيها الإنسان لوقع الناس في حرج
ومشقة؛ نظراً لكثرة ما يقع.
فثبت أن المني يختلف عن البول فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم،
فبطل ما ادعاه النظام في أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة الخامسة: " إنه حرم النظر إلى العجوز
الشوهاء إذا كانت حرة، وأباح النظر إلى الأمَة الحسناء "، فالجواب
عنه: أن الذي أوقع النظام في هذه الشبهة: أنه أخطأ في العِلَّة
ومقصد الشارع هنا؛ حيث توهم بأن السر؛ في ذلك الحكم هو القبح
والحسن في جزئيات النساء، وليس ذلك بصحيح، بل إن الحرة
стр. 1780
حرَّم النظر إليها مهما كانت، دون الأمَة مهما كانت؛ لأنه يوجد
فرق، وهو: أن المقصود من الأمَة الخدمة، وهي تستوجب التعرض
للنظر، وتكون الأمَة معها مبتذلة؛ إذ لا يمكن أن تقوم بعملها تمام
القيام وهي متسترة، وليس المقصود من الأمَة التزوج والنكاح لما
يترتب عليه استرقاق الولد، ولهذا لم يجز التزوج بأمَة الغير إلا فى
حالة الضرورة القصوى، من أجل ذلك أباح النظر إليها، فلو حرم
النظر إلى الأمَة لوجد في ذلك مشقة شديدة.
أما الحرة، فبما أنها قد أعدت للتزوج بها وإنكاحها، وهي
المقصودة للنسل والذرية، فإن ذلك كان داعيا إلى المحافظة عليها،
وتكريمها وتحسينها أمام الرجال الأجانب بمنع النظر إليها؛ دفعاً للفتنة
وحفظا للأنساب.
فثبت بهذا أن بين الحرة والأمَة فرقا اقتضى اختلاف الحكم.
فبطل - بهذا - ما قاله النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة السادسة: " إنه أوجب قطع يد سارق القليل
دون غاصب الكثير مع أنهما متماثلان "، فالجواب عنه: أن بين
السرقة والغصب فرقا هو: أن السرقة أخذ مال الغير خفية من حرز
مثله في وقت ليس للمال حارس، ولا مدافع، أي: أن السارق لا
يمكن الاحتراز منه؛ حيث إنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر
القفل، ولا يستطيع صاحب المال الاحتراز بحفظ ماله بكثر من ذلك
فلو لم يشرع قطع يده لكثرت السرقة وعظم الضرر، واشتدت المحنة
بالناس؛ حيث يجمع شخص ماله بكل مشقة، ثم يأخذه شخص
آخر بدون أدنى تعب.
أما الغاصب فإنه يأخذ المال بمرأى من الناس، وبمرأى من صاحب
стр. 1781
المال، فيمكن التحرز منه، ويمكن للناس أن يأخذوا على يديه،
ويقوموا بأخذ حق المظلوم والمغصوب، ويشهدوا أمام القضاء على
اعتدائه.
فثبت أن بين الغاصب والسارق فرقا اقتضى ذلك اختلاف الحكم
فيهما، فبطل ما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة السابعة: " إنه أوجب الجلد بالقذف بالزنى
دون القذف بالكفر "، فالجواب عنه: أن الذي جعل النظام يقول
بذلك هو توهمه بأن السر في حد القذف كونه رماه بأمر محرم شرعا
لذلك قال بأن القذف بالكفر أشد، فهو أوْلى بهذا الحد، وهذا
ليس بصحيح، بل بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقان هما:
الفرق الأول: أن جلد القاذف بالزنى في غاية المناسبة؛ حيث إنه
لا سبيل إلى العلم بكذبه، فجعل الحد تكذيبا له، وتبرئة لعرض
المقذوف.
الثاني: أن المقذوف بالزنى يلحقه من العار والشنار ما اللَّه به عليم
لا سيما إدا كان المقذوف بالزنى امرأة، فإن العار والمعرة التي تلحقها
بالقذف بين أهلها وتشعب ظنون الناس فيها، وكونهم بين مصدق
ومكذب: لا يمكن أن يلحقها مثله بالقذف بالكفر؛ حيث إن الكفر
فيه تعاظم وجبروت وقوة بخلاف الزنا، فإن فيه خسة، ودناءة،
وسفول، ولو خير شخص بين الزواج بكافرة لم تزن ولا يمكنها أن
تفعل ذلك، وبين مسلمة قد زنت مرة واحدة، أو قيل عنها شيء في
ذلك لاختار الكافرة اليهودية أو النصرانية؛ وذلك لعظم الزنى في
الشريعة وفي نفوس الأحرار من الناس؛ لكونه يخلط الأنساب،
ويسبب شك الزوج في هؤلاء الأولاد هل هم له أو لغيره طول عمره.
стр. 1782
فثبت أن بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقا، فاقتضى ذلك أن
يختلف الحكم فيهما.
وأما قوله في الصورة الثامنة: " إنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق
دون قاذف العبد العفيف "، فالجواب عنه: أن الجلد ليس المعنى فيه
مجرد العفة حتى يكون قاذف العبد العفيف أحق بهذا الحد، بل المعنى
الذي اقتضى حد القذف هو: ما سبق قوله في جواب الصورة
السابعة من أن الزنى مستقبح في العادات، وأن العار الذي يلحق
فاعله لا يستطيع أن يتحمله من كان عنده شيء من المروءة والشهامة
والشيمة، فلو ترك الناس يقذف بعضهم بعضا بهذا الأمر المستقبح
دون إقامة الحد على القاذفين، لأدى ذلك إلى مفاسد لا تعد ولا
تحصى، يقوم بتلك المفاسد الحاقدون والحاسدون الذين يريدون
إسقاط وإهدار قيمة الآخرين، وإذهاب كرامتهم، وبما أن الحر
أشرف من العبد خص بهذه المزية، دون العبد الذي هو نازل القدر
شرعاً، فثبت أن ما ادعاه النظام غير صحيح.
وأما قوله في الصورة التاسعة: " إنه يقبل في القتل بشاهدين،
دون الزنى لا بد فيه من أربعة "، فالجواب عنه: أن هذا في غاية
الحكمة والمصلحة، فكان الشارع قد احتاط للقصاص وللدماء كما
احتاط لحد الزنى، بيان ذلك:
أن الشارع لو لم يقبل في القتل إلا أربعة شهود لتجرأ المعتدون
على القتل، وضاعت أكثر الدماء.
وأما الزنى فإنه قد بالغ في ستره، فلم يقبل فيه إلا أربعة شهود
يشهد كل واحد منهم بما رآى شهادة يتنفى معها الاحتمال، وكذلك
في الإقرار به لم يكتف بأقل من أربع مرات؛ احتياطاً من الشارع في
стр. 1783
إثباته، وحرصا على ستره، كما كره الشارع إظهاره والتكلم به،
وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا
والآخرة، وما ذلك إلا لما يلحق الشخص بالزنى من العار، بخلاف
ما يلحق القاتل.
فثبت اختلافهما فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم، فبطل توهم
النظام.
وأما قوله في الصورة العاشرة: " إنه أوجب غسل الثوب من بول
الصبية، - وأوجب الرش من بول الصبي مع تماثلهما لا، فالجواب
- عنه: أنه نرق بينهما لوجود فروق هي كما يلي:
الأول: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر؛ لما في الأنثى
من برودة ولما في الذكر من حرارة، والحرارة تخفف من نتن البول.
الثاني: أن بول الصبية ينزل في مكان واحد فيسهل غسله، أما
بول الصبي فإنه لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقاً، فيشق
غسله.
الثالث: أن الصبي يكثر حمل الرجال والنساء له، فالبلوى تعم
ببوله فيشق غسله، بخلاف الصبية.
فلما ثبتت هذه الفروق بين الصبي والصبية اختلف الحكم، فبطل
ما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة الحادية عشرة: " إنه فرق في العدة بين الموت
والطلاق مع أن الرحم لا يختلف فيهما "، فالجواب عنه: أن
الشارع فرق بين عدة المتوفى عنها وعدة المطلقة؛ لوجود الفارق
بينهما وهو: أن صاحب النسب في حال الموت غير موجود،
стр. 1784
فاحتيط له بأربعة أشهر وعشراً، بخلاف المطلق؛ حيث إنه موجود،
فتبين أنه ليس المقصود من العدة براءة الرحم فقط، ولما وجد هذا
الفارق فرق الشارع بينهما في الحكم، فبطل ما ادعاه النظام من
تماثلهما.
ثانيا: ما ذكره من صور الجمع بين المختلفات، فالجواب عنها فيما
يلي:
أما قوله - في الصورة الأولى -: " إن الشارع قد سوى بين قتل
الصيد في الحج عمداً، والقتل خطأ في وجوب الضمان مع
اختلافهما "، فالجواب عنه: أن هذا من باب الحكم الوضعي؛
حيث إن سبب الضمان وجد فيهما وهو: نفس الإتلاف، وإن افترقا
في الإثم، وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام باسبابها،
وهذا في غاية العدل، فلو فرق بين المتعمد والمخطئ في الضمان
لادعى المتلف الخطأ وعدم القصد والعمد، فتساويا في الحكم،
فبطل ما ادعاه النظام من اختلافهما.
وأما قوله - في الصورة الثانية -: " إنه سوى بين الصبية المتوفى
عنها والكبيرة في العدة مع اختلافهما "، فالجواب عنه: أن هذا من
باب سد الذرائع؛ بيان ذلك: أن الصبية لو استثنيت من وجوب
العدة لوقع أن تزوج البنت باعتقاد أنها صغيرة مع أن رحمها مشغول،
فيحصل بذلك اختلاط في الأنساب، فاحتياطا للمحافظة على الأنساب
وجدت العدة حتى على المتيقن من براءة رحمها، فيكون تساوي
الصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة من باب الاحتياط، فبان من
ذلك عدم اختلافهما، فيكون ما ادعاه النظام من اختلافهما باطلاً.
وأما قوله - في الصورة الثالثة -: " إن الشارع قد سوى بين الماء
стр. 1785
والتراب حيث جعل التراب كالماء مع وجود الاختلاف.
فالجواب عنه: أنا لا نُسَلِّمُ أنه سوى بينهما، بل جعل التراب بدلا
عن الماء عند فقده، وجعل التراب بديلاً عن الماء عند فقده؛ لأمور
هي كما يلي:
الأول: أنه عام ومتيسر، ويحصل عليه كل الناس بدون مشقة.
الثاني: أن الشارع جمع الماء والتراب، وجعل منهما حياة كل
حيوان؛ حيث أخرج منهما أقوات بني آدم، والحيوانات.
الثالث: أن تكوين البشر من عنصرين: الماء والتراب.
الرابع: أن في استعمال التراب عند فقد الماء رفع للحرج الذي
يجده فاقد الماء، أو من يحتاج إلى شرب الماء إذا خاف على نفسه
في السفر أو الحضر.
فاتضح من ذلك أن الماء والتراب يجتمعان في أمور لذلك جمع
الشارع بينهما، وجعل التراب بد، عن الماء عند فقده.
الدليل الرابع عشر: أن البراءة الأصلية معلومة، والحكم الثابت
بالقياس لا يخلو إما أن يكون على وفق البراءة الأصلية، أو على
خلافها.
فإن كان الحكم الثابت بالقياس على وفق البراءة الأصلية، فإن
القياس غير مفيد؛ لأن الحكم حاصل بالبراءة الأصلية.
وإن كان الحكم الثابت بالقياس على خلاف البراءة الأصلية، فهو
ممتنع؛ لأن الحكم الثابت بالقياس معارض للحكم الثابت بالبراءة
الأصلية، والحكم الثابت بالبراءة الأصلية مقطوع به؛ لأن البراءة
دليل قطعي، والحكم الثابت بالقياس مظنون؛ لأن القياس دليل ظني،
والظني إذا عارض القطعي كان الظني باطلاً، فيلزم كون القياس
باطلاً.
стр. 1786
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالقياس إذا وافق البراءة الأصلية
فهو يفيد التأكيد والتقوية، كما يقال: " دلَّ على هذا الحكم الكتاب
والسُّنَّة والإجماع "، فلا نسلم لكم عدم الفائدة.
أما إذا خالف الحكم الثابت عن طريق القياس البراءة الأصلية،
فلا نسلم أن هناك مقطوعاً به عارض مظنونا؛ لأن المقصود هو
استمرار البراءة الأصلية، واستمرارها مظنون، فيكون مظنون قد
عارض مظنوناً.
الجواب الثاني: على فرض التسليم أن فيه مقطوعا به عارض
مظنوناً، لكن هذا منقوض بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية
كخبر الواحد، والعمومات، وجواز العمل بالفتوى، والشهادة،
وتقويم المقومين، وجواز العمل بالظن بالأمور الدنيوية.
الدليل الخامس عشر: أن القياس لا يفيد إلا الظن؛ لأنه يعتمد
على مقدمات ظنية، وكل ما أفاد الظن يستحيل أن يتعبدنا اللَّه به؛ لأن الظن يؤدي بالمجتهدين إلى أن يحكموا حكما يمكن أن يكون
مخالفا لحكم اللَّه، ويؤدي إلى التخبط في أحكام الله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا معكم أن القياس يفيد الظن، ولكن ينبغي
التنبيه إلى أننا لا نقبل قياس كل أحد مطلقا، بل لا نقبل إلا قياس
المجتهد - وهو من توفرت فيه شروط المجتهد وهي كثيرة - فمن
стр. 1787
توفرت فيه تلك الشروط وبحث ودقق في المسألة، ثم بعد ذلك
خرج بحكم معين، فإن هذا هو حكم الله، وهو حكم ظني راجح،
والعمل به واجب.
أما الشخص الذي لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فإن هذا لا
يقبل منه شيء وإن جزم بالحكم الذي ذكره؛ لأنه ذكره لا عن نظر
واستدلال، فيرد عليه جملة وتفصيلاً، حيث إنه هو يؤدي إلى حكم
يحتمل أن يكون مخالفاً لحكم اللَّه.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل لهم منقوض بورود التعبد بالمظنون
كأخبار الآحاد، والنصوص التي فيها إجمال، أو عموم أريد به
خصوص، وقبول الشهادة، والاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات،
وتقييم المتلفات، فإذا أجازوا التعبد بهذه الظنون فليجيزوا التعبد
بالقياس، ولا فرق بينها بجامع: أن كلًّا منها لا يفيد إلا الظن.
الدليل السادس عشر: أن إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عن
طريق العقل أو طريق النقل، وكل الطريقين باطل، بيان ذلك:
أنه إن قيل: إنه ثبت عن طريق العقل فهو باطل؛ لأن العقل لا
مجال له في الشرعيات، وإن قيل: إنه ثبت عن طريق النقل فهو
باطل؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد "، فإن زُعم أنه
ثابت عن طريق التواتر فهو باطل؛ لأنه لو كان لعرفناه كما عرفه
ذلك المثبت له، وإن زعم أنه ثابت عن طريق الآحاد فهذا باطل
- أيضاً -؛ لأنه لا يجوز إثبات القواعد الأصولية بالآحاد.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه لا يجوز إثبات القاعدة الأصولية
стр. 1788
بخبر الواحد مطلقاً، بل إنه إذا كانت القاعدة وسيلة إلى العمل فإنه
يجوز إثباتها بالآحاد؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثاني: أنا قد أثبتنا القياس عن طريقين: أحدهما:
الأخبار التي تلقتها الأُمَّة بالقبول، والأخبار التى تلقتها الأُمَّة بالقبول
تكون بمنزلة التواتر في إيجاب العلم والعمل، والثاني: إجماع
الصحابة - كما سبق بيانه -.
الدليل السابع عشر: أنه لو كان التعبد بالقياس جائزاً لما تعارضت
الأقيسة؛ لأن حجج اللَّه تعالى لا تتعارض ولا تتهافت، لكن
الأقيسة قد عارض بعضها البعض الآخر؛ حيث ترى أحد المتنازعين
من أهل القياس يزعم أن قوله هو القياس الصحيح، ثم يأتي الآخر
بقياس آخر يناقضه، ويزعم أنه هو القياس الصحيح.
جوابه:
إن سبب تعارض أقيستهم: اختلافهم في المعنى الذي علل به
الحكم تبعا لاختلاف أنظارهم في فهمه، كما يختلفون في فهم
الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس لكان على عليته
دلالة، والدلالة إما أن تكون بالنص، وإما أن تكون بالعادات.
فإن زعم أنه دلَّ عليها بالنص فهذا ليس في محل النزاع؛ لأن
النزاع فِيما كانت العلَّة مستنبطة، والمستنبطة غير المنصوصة.
وإن زعم أنه دً عليها بالعادات، فهذا لا يجوز؛ لأن العادات لا
تثبت الأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لعللها.
جوابه:
لا نسلم هذا الحصر فيما ذكرتم؛ فإن هناك طردا أخرى يعرف بها
стр. 1789
كون الوصف الجامع عِلَّة كا لإيماء، والتنبيه، والإجماع، والدوران،
والسبر، والتقسيم، والمناسبة - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه -.
الدليل التاسع عشر: أن التحليل والتحريم أحكام شرعية،
والحكم خبر عن اللَّه، وأخبار اللَّه إنما تعلم بالتوقيف، لا بالقياس؛ القياس من فعل القائس، لا من توقيف الشارع، وربما أخطأ
القائس في الحكم، فكيف يكون حُجَّة مع هذا الاحتمال؟!
جوابه:
إن إثبات الحكم بالقياس أو نفيه يتوقف على ورود دليل من نص أو
إجماع على التعبد به، فلما ورد دليل يدل على ذلك كان إخباراً عن
إثبات الحكم بالفرع.
أي: أن الأحكام تعرف بالنص، وما عرف بالقياس فهو معروف
بالنص، لأن النص دال على القياس، فما أدى إليه فهو مأخوذ من
النص، وإن كان التوصل إلى ذلك بضرب من الاستدلال والنظر.
الدليل العشرون: أن التعبد بالقياس غير جائز في زمن النبي ﷺ ؛ حيث إنه لم يكن حُجَّة فيه؛ لعدم جواز الاجتهاد في عصره، فبطل
كونه متعبداً به في سائر العصور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الرسول ﷺ
قد استعمل القياس في أحاديث كثيرة قد ذكرنا بعضها في أدلتنا، فهذا فيه دلالة على مشروعية القياس.
الجواب الثاني: نسلم لكم أن القياس غير جائز في زمنه ﷺ ، ولكن هذا لا يدل على عدم جوازه بعد زمنه، لأن الناس في زمنه
стр. 1790
- ﷺ لم يكونوا بحاجة إلى القياس، لكون الوحي لا زال ينزل بأحكام لحوادث، بخلاف ما بعده من الأزمان.
الدليل الواحد والعشرون: أن أقوى عِلَّة عندكم هي: العِلَّة
المنصوص عليها ومع قوتها فإنها لا تقوى على إلحاق الفرع بالأصل،
فلو قال السيد لوكيله: " أعتق من عبيدي سالما؛ لأنه أسود "،
للزم من ذلك إعتاق سالم فقط، ولا يتعداه إلى كل أسود قياسا مع
أن العِلَّة منصوص عليها، وهذا متفق عليه، فكذلك لو قال
الشارع: " حرمت الربا في البر؛ لأنه مطعوم "، فإنه لا يتعدى
ذلك البر أبداً إلى كل مطعوم، فلا يقاس عليه كل مطعوم، فإذا
كانت العِلَّة المنصوص عليها لا توجب الإلحاق، فمن باب أوْلى أن
العِلَّة المستَنبطة لا توجب الإلحاق؛ لأنها أضعف منها.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنكم قستم كلام الشارع على كلام المكلَّفين،
وهذا لا يصح؛ لوجود الفرق بينهما.
ووجه الفرق: أنه لم يجز قياس غير سالم عليه بجامع السواد
بالاتفاق؛ لأن هذا يخص الأملاك، والشارع قد قيد الأملاك
حصولاً وزوالاً على ألفاظ قد تعبدنا اللَّه بها دون الإرادات، فلا
يجوز القياس فيها كالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق،
والعتاق، هذه الأمور لا بد من أن يتلفظ المالك بلفظة واضحة تدل
على مراده، فلو أن رجلاً قد أعطى آخر ثمنا لسلعة أضعاف ثمنها
الأصلي، وظهر على صاحب السلعة علامات الفرح، ولكنه
следующие страницы →