Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالقياس إذا وافق البراءة الأصلية
فهو يفيد التأكيد والتقوية، كما يقال: " دلَّ على هذا الحكم الكتاب
والسُّنَّة والإجماع "، فلا نسلم لكم عدم الفائدة.
أما إذا خالف الحكم الثابت عن طريق القياس البراءة الأصلية،
فلا نسلم أن هناك مقطوعاً به عارض مظنونا؛ لأن المقصود هو
استمرار البراءة الأصلية، واستمرارها مظنون، فيكون مظنون قد
عارض مظنوناً.
الجواب الثاني: على فرض التسليم أن فيه مقطوعا به عارض
مظنوناً، لكن هذا منقوض بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية
كخبر الواحد، والعمومات، وجواز العمل بالفتوى، والشهادة،
وتقويم المقومين، وجواز العمل بالظن بالأمور الدنيوية.
الدليل الخامس عشر: أن القياس لا يفيد إلا الظن؛ لأنه يعتمد
على مقدمات ظنية، وكل ما أفاد الظن يستحيل أن يتعبدنا اللَّه به؛ لأن الظن يؤدي بالمجتهدين إلى أن يحكموا حكما يمكن أن يكون
مخالفا لحكم اللَّه، ويؤدي إلى التخبط في أحكام الله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا معكم أن القياس يفيد الظن، ولكن ينبغي
التنبيه إلى أننا لا نقبل قياس كل أحد مطلقا، بل لا نقبل إلا قياس
المجتهد - وهو من توفرت فيه شروط المجتهد وهي كثيرة - فمن
стр. 1787
توفرت فيه تلك الشروط وبحث ودقق في المسألة، ثم بعد ذلك
خرج بحكم معين، فإن هذا هو حكم الله، وهو حكم ظني راجح،
والعمل به واجب.
أما الشخص الذي لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فإن هذا لا
يقبل منه شيء وإن جزم بالحكم الذي ذكره؛ لأنه ذكره لا عن نظر
واستدلال، فيرد عليه جملة وتفصيلاً، حيث إنه هو يؤدي إلى حكم
يحتمل أن يكون مخالفاً لحكم اللَّه.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل لهم منقوض بورود التعبد بالمظنون
كأخبار الآحاد، والنصوص التي فيها إجمال، أو عموم أريد به
خصوص، وقبول الشهادة، والاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات،
وتقييم المتلفات، فإذا أجازوا التعبد بهذه الظنون فليجيزوا التعبد
بالقياس، ولا فرق بينها بجامع: أن كلًّا منها لا يفيد إلا الظن.
الدليل السادس عشر: أن إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عن
طريق العقل أو طريق النقل، وكل الطريقين باطل، بيان ذلك:
أنه إن قيل: إنه ثبت عن طريق العقل فهو باطل؛ لأن العقل لا
مجال له في الشرعيات، وإن قيل: إنه ثبت عن طريق النقل فهو
باطل؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد "، فإن زُعم أنه
ثابت عن طريق التواتر فهو باطل؛ لأنه لو كان لعرفناه كما عرفه
ذلك المثبت له، وإن زعم أنه ثابت عن طريق الآحاد فهذا باطل
- أيضاً -؛ لأنه لا يجوز إثبات القواعد الأصولية بالآحاد.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه لا يجوز إثبات القاعدة الأصولية
стр. 1788
بخبر الواحد مطلقاً، بل إنه إذا كانت القاعدة وسيلة إلى العمل فإنه
يجوز إثباتها بالآحاد؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثاني: أنا قد أثبتنا القياس عن طريقين: أحدهما:
الأخبار التي تلقتها الأُمَّة بالقبول، والأخبار التى تلقتها الأُمَّة بالقبول
تكون بمنزلة التواتر في إيجاب العلم والعمل، والثاني: إجماع
الصحابة - كما سبق بيانه -.
الدليل السابع عشر: أنه لو كان التعبد بالقياس جائزاً لما تعارضت
الأقيسة؛ لأن حجج اللَّه تعالى لا تتعارض ولا تتهافت، لكن
الأقيسة قد عارض بعضها البعض الآخر؛ حيث ترى أحد المتنازعين
من أهل القياس يزعم أن قوله هو القياس الصحيح، ثم يأتي الآخر
بقياس آخر يناقضه، ويزعم أنه هو القياس الصحيح.
جوابه:
إن سبب تعارض أقيستهم: اختلافهم في المعنى الذي علل به
الحكم تبعا لاختلاف أنظارهم في فهمه، كما يختلفون في فهم
الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس لكان على عليته
دلالة، والدلالة إما أن تكون بالنص، وإما أن تكون بالعادات.
فإن زعم أنه دلَّ عليها بالنص فهذا ليس في محل النزاع؛ لأن
النزاع فِيما كانت العلَّة مستنبطة، والمستنبطة غير المنصوصة.
وإن زعم أنه دً عليها بالعادات، فهذا لا يجوز؛ لأن العادات لا
تثبت الأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لعللها.
جوابه:
لا نسلم هذا الحصر فيما ذكرتم؛ فإن هناك طردا أخرى يعرف بها
стр. 1789
كون الوصف الجامع عِلَّة كا لإيماء، والتنبيه، والإجماع، والدوران،
والسبر، والتقسيم، والمناسبة - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه -.
الدليل التاسع عشر: أن التحليل والتحريم أحكام شرعية،
والحكم خبر عن اللَّه، وأخبار اللَّه إنما تعلم بالتوقيف، لا بالقياس؛ القياس من فعل القائس، لا من توقيف الشارع، وربما أخطأ
القائس في الحكم، فكيف يكون حُجَّة مع هذا الاحتمال؟!
جوابه:
إن إثبات الحكم بالقياس أو نفيه يتوقف على ورود دليل من نص أو
إجماع على التعبد به، فلما ورد دليل يدل على ذلك كان إخباراً عن
إثبات الحكم بالفرع.
أي: أن الأحكام تعرف بالنص، وما عرف بالقياس فهو معروف
بالنص، لأن النص دال على القياس، فما أدى إليه فهو مأخوذ من
النص، وإن كان التوصل إلى ذلك بضرب من الاستدلال والنظر.
الدليل العشرون: أن التعبد بالقياس غير جائز في زمن النبي ﷺ ؛ حيث إنه لم يكن حُجَّة فيه؛ لعدم جواز الاجتهاد في عصره، فبطل
كونه متعبداً به في سائر العصور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الرسول ﷺ
قد استعمل القياس في أحاديث كثيرة قد ذكرنا بعضها في أدلتنا، فهذا فيه دلالة على مشروعية القياس.
الجواب الثاني: نسلم لكم أن القياس غير جائز في زمنه ﷺ ، ولكن هذا لا يدل على عدم جوازه بعد زمنه، لأن الناس في زمنه
стр. 1790
- ﷺ لم يكونوا بحاجة إلى القياس، لكون الوحي لا زال ينزل بأحكام لحوادث، بخلاف ما بعده من الأزمان.
الدليل الواحد والعشرون: أن أقوى عِلَّة عندكم هي: العِلَّة
المنصوص عليها ومع قوتها فإنها لا تقوى على إلحاق الفرع بالأصل،
فلو قال السيد لوكيله: " أعتق من عبيدي سالما؛ لأنه أسود "،
للزم من ذلك إعتاق سالم فقط، ولا يتعداه إلى كل أسود قياسا مع
أن العِلَّة منصوص عليها، وهذا متفق عليه، فكذلك لو قال
الشارع: " حرمت الربا في البر؛ لأنه مطعوم "، فإنه لا يتعدى
ذلك البر أبداً إلى كل مطعوم، فلا يقاس عليه كل مطعوم، فإذا
كانت العِلَّة المنصوص عليها لا توجب الإلحاق، فمن باب أوْلى أن
العِلَّة المستَنبطة لا توجب الإلحاق؛ لأنها أضعف منها.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنكم قستم كلام الشارع على كلام المكلَّفين،
وهذا لا يصح؛ لوجود الفرق بينهما.
ووجه الفرق: أنه لم يجز قياس غير سالم عليه بجامع السواد
بالاتفاق؛ لأن هذا يخص الأملاك، والشارع قد قيد الأملاك
حصولاً وزوالاً على ألفاظ قد تعبدنا اللَّه بها دون الإرادات، فلا
يجوز القياس فيها كالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق،
والعتاق، هذه الأمور لا بد من أن يتلفظ المالك بلفظة واضحة تدل
على مراده، فلو أن رجلاً قد أعطى آخر ثمنا لسلعة أضعاف ثمنها
الأصلي، وظهر على صاحب السلعة علامات الفرح، ولكنه
стр. 1791
لم يتكلم فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لم يتلفظ بشيء، وهكذا القول في
العتق لا بد أن يقول: " أعتقت فلان "، وإلا لما صح العتق.
والسر في ذلك: أن اللَّه تعالى أراد حفظ مال المسلم، فلو أجاز
القياس في كلام المكلفين فيما يخص الأملاك لأصبح المسلم غنيا
وأمسى فقيراً.
أما الشارع، فإن الأحكام تؤخذ من ألفاظه، ومقاصده،
وسكوته، فلذلك يجوز أن نأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به
بواسطة عِلَّة يستنبطها المجتهد.
الجواب الثاني: أننا لو فكرنا في ذلك تفكيراً لغويا مجرداً عن
الشرع لجاز القياس على العلَّة المنصوص عليها كقولنا: " لا تجالس
زيداً، فإنه مبتدع "، فإنَّ اللغة تقتضي عدم مجالسة كل مبتدع،
فكذا يجوز قياس كل أسود على سالم عن طريق اللغة، لكن الشرع
قد منع من هذا القياس؛ لأنه تعبدنا بألفاظ فيما يخص الأملاك.
الجواب الثالث: أنكم وقعتم فيما فررتم منه، حيث إنكم قد
استعملتم القياس لإبطال القياس، فقستم كلام الشارع على كلام
المكلفين، فإن كان القياس باطلاً عندكم، فإنه يبطل دليلكم هذا؛
لأنه مبني عليه.
الدليل الثاني والعشرون: أن الرسول ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، ومع ذلك فإنه ذكر الأشياء الستة في حديث عبادة بن الصامت مع طوله، وترك عبارة: " حرمت الربا في المكيل " مع قصرها،
فكيف يليق به ذكر الطويل الموهم وهو حديث الأشياء الستة، وترك
الوجيز المفهم وهي عبارة: " حرمت الربا في المكيل "؟!
فلو كان القياس جائزاً لما شق على نفسه بذكر هذه الأشياء بأعيانها
-
стр. 1792
ولقال: " حرمت الربا في المكيل "، فما ذكرها بأعيانها إلا لأنه لا
يجوز الترابي فيها فقط، ولا يجوز القياس عليها.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن قولكم: " كيف يليق به ... " هذا تحكم
على اللَّه وعلى رسوله، وهو لا يجوز؛ لأنه لو فتح مثل هذا
لكثرت الاستفسارات عن الشريعة كلها، فيقال: لماذا طول في بعض
الأحكام وفصل فيها، وبعضها الآخر اختصر؟ ولماذا لم يبين أن
القياس حُحة، أو أنه ليس بحُجَّة لينقطع النزاع، وهكذا.
الجواب الثاني: على فرض جواز مثل هذه الأسئلة، فإنا نجيب
عن ذلك فنقول: إنه ترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم لغرض
أراده وهو: الحث على طلب العلم والتشمير عن ساعد الجد لتبيين
ذلك للناس وتوضيحه،. وما ذلك إلا ليرفع الذين آمنوا والذين أوتوا
العلم درجات، ولتكون هذه النصوص محل تفكير وتدبر من قبل
المجتهدين إلى يوم القيامة، ولو أبان اللَّه كل شيء لحفظ ذلك، ولم
يشتغل أحد بالتفكير فيها ولسد باب الاجتهاد.
هذه أهم أدلة النكرين للقياس والجواب عنها فاتضح بذلك:
أن القياس يعتبر دليلاً من أدلة الشريعة يحتج به على إثبات
الأحكام الشرعية، ولقد أطلت في أدلة المثبتين، والنافين له والرد
عليها، لأمرين:
أولهما: أهمية القياس، حيث إن أكثر الأحكام الفقهية مبنية عليه،
وقد بيَّنت ذلك في التمهيد.
ثانيهما: أن الأدلة من قِبَل المثتبتين للقياس، وأدلة النافين له
стр. 1793
ومناقشتها تفيد القارئ معرفة واسعة لأسرار، وعلل، وحِكَم
الأحكام الشرعية، مما يجعله متوسعاً في معرفته لمقاصد الشريعة،
وهو مطلب مهم لكل طالب علم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في حجية القياس خلاف معنوي، قد أثر في كثير من
الفروع الفقهية، ومنها:
١ - إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق
الأنف وهو السعوط، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف، فإنه
بناء على المذهب الأول: يحرم ويثبت الرضاع؛ قياسا على الْتقام
الثدي، وعلة ذلك: أن كلًّا منهما يقوي العظم، وينبت اللحم،
وهذا مذهب الجمهور.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك لا يحرم،
فلا يحرم عندهم إلا ما وصل إلى الجوف عن طريق الْتقام الثدي،
ولم يقولوا في ذلك بالقياس، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو
مذهب الظاهرية.
٢ - إذا قال الزوج: " أنت عليّ كظهر أختي "، أو قال أي لفظ
يشبه ذلك كقوله: أنت عليّ كيَدِ أمي، أو كرِجْلها، أو نحو ذلك
من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه، فإنه يحصل الظهار؛ قياسا على
لفظ الظهار الصريح، وهو قوله: " أنت عليّ كظهر أمي " التي
أجمع العلماء عليها، ولا فرق؛ حيث شبه ذلك بمن تحرم عليه،
وهذا قول أصحاب المذهب الأول وهم: المثبتون للقياس.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس فقد ذهبوا إلى
стр. 1794
أنه لا يحصل الظهار إلا بقول الرجل لزوجته: " أنت علي كظهر
أمي " دون غيرها من الصيغ، ولم يأخذوا بالقياس.
٣ - ذهب أصحاب المذهب الأول - وهم المثبتون للقياس - إلى
أن كل صنف يشابه الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة بن
الصامت وهي: الفضة، والذهب، والبر، والشعير، والملح،
والتمر، فإنه يجري فيه الربا كما جرى في هذه الأصناف، قياسا
عليها، فيجري الربا في الأرز والذرة والعدس وغير ذلك، وهو
مذهب الجمهور.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس - فإنهم
قالوا: إن الربا لا يقع إلا في هذه الأصناف الستة فقط، ولا يتعدى
حكم الربا إلى غيرها؛ بناء على عدم جواز القياس عندهم، فلا ربا
عندهم في الأرز، والذرة.
стр. 1795
المبحث الرابع النص على عِلَّة الحكم هل هو أمر بالقياس أو لا ؟
بيان المقصود بهذه المسألة: إذا ذكر الشارع وصفا صالحاً لتعليل
الحكم به كقوله ﷺ في لحوم الأضاحي: " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة "،
أو قولك: " حرمت الخمر لعلة الإسكار "، فهل يُعد هذا أمراً بإجراء القياس في كل ما توجد فيه هذه العِلَّة؟
أي: أن الشارع إذا نص على علَّة الحكم في محل ثم وجد
المجتهد تلك العلَّة في محل آخر، هل يجب عليه أن يعدي الحكم
إلى ذلك المحل الآخر الذي وجدت العِلَّة فيه، أو لا يجب على
المجتهد، ولا يكلف بتعدية الحكم إلى غير ذلك المحل الذي نص فيه
على العِلَّة إلا إذا ورد فيه أمر يُفيد التعبد بالقياس.
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يفيد الأمر بالقياس مطلقا،
أي: سواء كان التنصيص على العِلَّة َ في جانب الفعل بأن يكون
الحكم إيجاباً أو ندبا، أو في جانبَ الترك بأن يكون الحكم تحريما أو
كراهة.
وهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأكثر الحنابلة، واختاره أبو
إسحاق الشيرازي، وأبو بكر الجصاص، والكرخي، وأكثر الحنفية،
وأبو الحسين البصري، وأشار إليه أحمد.
стр. 1796
وهذا المذهب هو الحق عندي، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لو لم يجز القياس على العلَّة المنصوص عليها
لم يكن للنص عليها فائدة؛ حيث لا فائدة لذكَرها في النص إلا
القياس عليها، وإلا لكان وجودها عبثاً.
اعتراض:
قال قائل - معترضاً -: إن هناك فائدة وهي: أن يعلمنا أنها عِلَّة،
حيث عقلنا المعنى الذي من أجله شرع الحكم، ولا نقول بالتعميم
إلا بدليل يدل عليه، وإذا كان المقصود هو العلم بالعِلَّة، فالعلم
نفسه فائدة.
جوابه:
إنه يلزم على قولكم هذا أن يكون الأمر لا يفيد الوجوب أو
الندب، وكذلك لا يفيد التحريم أو الكراهة، وإنما تكون فائدته أن
يُعلم أنه أمر، أو نهي، وكذلك سائر أقسام الكلام.
فيثبت: أنه لا فائدة في معرفة العِلَّة وذكرها إلا لنعرف المصلحة
فيها، وإذا عرفت المصلحة لزمه العمل عليها أين وجدت من المحال،
وإلا فذلك الحكم قد استفدناه بالنص، فلا فائدة في معرفة علته.
الدليل الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يفيد وجوب تعميم الحكم
في جميع المحال التي وجدت فيها تلكَ العِلَّة، مثل لو قال الله
تعالى: " أوجبت أكل السُّكَّر في كل يوم؛ لأَنه حلو "، لكان ذلك
تعليلاً لوجوبه في كل يوم؛ ولعلمنا أن الحلاوة - فقط - وجه
المصلحة في الوجوب في كل يوم؛ حيث قصر التعليل عليها، فإذا
ثبت ذلك علمنا: أن الحلاوة هي المؤثرة في المصلحة، وهي العلَّة،
فوجب أكل كل شيء فيه حلاوة مثل: العسل.
стр. 1797
مثال آخر: لو قال الطبيب: " لا تأكل هذا لبرودته "، فإنه
يتبادر إلى الذهن: النهي عن كل ما توجد فيه هذه العِلَّة، وهي
البرودة.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن التنصيص على العِلَّة لم يكن لأجل
الإلحاق، بل لبيان الحكمة والمصلحة في كل حكم، وهذا يفيد
الانقياد والقبول؛ حيث إن النفوس تميل إلى قبول ما عرفت فيه
الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع هذا الحكم أو ذاك.
جوابه:
إن ﷺ بعث لبيان الأحكام الشرعية التي يجب أن تتعبد بها الأُمَّة، ويعملوا بمقتضاها مصداقا لقوله تعالى: (وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون) ، ولم يبعث لأجل التنبيه على أسرار الأحكام
دون العمل بها.
المذهب الثاني: أن التنصيص على عِلَّة الحكم ليس أمراً بالقياس
مطلقاً، أي: سواء كان التنصيص علىَ العِلَّة في جانب الفعل، أو
في جانب الترك.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، والغزالي، والأستاذ أبي إسحاق
الإسفراييني، والآمدي، ونسبه إلى أكثر الشافعية، ونسبه ابن
الحاجب إلى الجمهور، واختاره جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب
المعتزليان، واختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشيعة الزيدية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، وجوز
стр. 1798
أن تكون المصلحة إذا نص على إيجاب أكل السكر؛ لأنه حلو أن
تختص بالسكر دون غيره مما وجدت فيه الحلاوة كالعسل مثلاً،
بدليل:. أن من تصدق على رجل؛ لأنه فقير لا يجب أن يتصدق على
كل فقير، فكذلك هاهنا من أوجب عليه أن يأكل السكر؛ لأنه حلو
لا يجب عليه أن يأكل كل حلو.
جوابه:
إنه إذا كانت العلَّة هي وجه المصلحة في الموضع المخصوص
المنصوص وجب تعلق الحكم بها أينما وجدت؛ لجواز أن تكون
مصلحة - أيضاً - فيكون الإخلال بفعله مفسدة.
الدليل الثاني: أن تعدية الحكم من محله إلى المحل الآخر لا بد
له من دليل يدل عليه، وحيث لا يوجد دليل من أمر، أو إخبار من
الشارع يدل على ذلك، فإن التنصيص على العلَّة لا يفيد وجوب
الأمر بتعدية الحكم.
جوابه:
إن ثبوت تعليل الحكم بمنزلة الإخبار من الشارع بوجوب تعدية
الحكم من المحل المنصوص عليه إلى المحل الآخر، وكأن الشارع لما
نص على العِلَّة قال: يجب على المجتهد أن يعدي الحكم إلى كل ما
توجد فيه تلك العِلَّة؛ لوجود المصلحة فيه.
الدليل الثالث: أن الإنسان إذا قال: " أعتقت عبدي فلانا؛ لأنه
أسود "، أو قال: " والله لا آكل السكر؛ لأنه حلو ": لم يلزمه
عتق كل عبيده السود، ولا يحنث باكل أي حلو غير السكر، فلو
كان التنصيص على العِلَّة يوجب تعدية الحكم من المحل المنصوص إلى
جميع المواضع التي توجد فيه هذه العِلَّة: لوجب أن يعتق عليه كل
стр. 1799
عبد له أسود، وللزمه أن يحنث باكل كل حلو، ولما لم يعتق كل
عبد له أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو دلَّ على التنصيص على
العِلَّة ليص أمراً بالقياس.
جوابه:
إن الكلام هنا يخص ما يجعله صاحب الشرع عِلَّة، وليس ما
يجعله البشر عِلَّة، بيان ذلك:
أنه إنما لم يعتق عليه كل أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو غير
السكر؛ لأن الواحد منا يجوز عليه التناقض والبَداء في أفعاله
وأقواله، بخلاف صاحب الشرع، فإن المناقضة والبَداء عليه غير
جائزة في أفعاله وأقواله في طرد عِلَّته وجريانها في أحكامها.
المذهب الثالث: أن التنصيص على العلَّة أمر بالقياس في جانب
الترك في التحريم - فقط - أما التنصيص عَلى العِلَّة في جانب الفعل
فليس أمراً بالقياس، وإلى هذا التفصيل ذهب أبو عبد اللَّه البصري.
مثال جانب الترك: ما إذا قال: " حرمت الخمر لإسكارها "
فالتنصيص على العِلَّة - هنا - يفيد الأمر بالقياس.
ومثال جانب الفعل: ما إذا قال: " تصدقت على زيد لفقره "
فالتنصيص على العِلَّة - هنا - لا يفيد إلا الأمر بالقياس.
دليل هذا المذهب:
أن تحريم الشيء وطلب تركه؛ لعلة يقتضي ترتب المفسدة على
فعل ذلك الشيء لتلك العِلَّة، ومعروف أن التباعد عن هذه المفسدة
لا يحصل إلا بترك جميع ما وجدت فيه هذه العِلَّة.
أما إيجاب الشيء وطلب فعله لعلة تترتب عليها مصلحة،
стр. 1800
فإن حصول هذه المصلحة لا يتوقف على فعل جميع ما يترتب عليه
مثلها.
قال ابن تيمية في " المسودة " - بعد ذكر رأي أبي عبد اللَّه البصري
هذا -: الفرق بين التحريم والإيجاب في العِلَّة المنصوصة قياس
مذهبنا في الأيمان وغيرها؛ لأن المفاسد يجب تركها كلها بخلاف
المصالح، فإنما يجب تحصيل ما يحتاج إليه، فإذا أوجب تحصيل
مصلحة لم يجب تحصيل كل ما كان مثلها للاستغناء عنه بالأول،
ولهذا نقول بالعموم في باب الأيمان إذا كان المحلوف عليه تركا
بخلاف ما إذا كان المحلوف عليه فعلاً " اهـ.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن فعل كل خير ليس بواجب متى وجدت فيه المصلحة
التي أمر بالفعل لأجلها، بل الأمر الواجب كالنهي في طلب الخير
ودفع الضرر، فإيجاب كل شيء تحريم لضده، فترك الواجب كفعل
المنهي عنه يكون مشتملاً على ضرر يجب دفعه، وعلى هذا: يجب
أن يكون حال الفعل والإيجاب كحال الترك والنهي، ولا فرق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف لم يتوارد على محل
واحد؛ حيث إن ما أثبته كل فريق لا ينفيه الآخر، وما نفاه كل فريق
لا يثبته الفريق الآخر، فأحد المذاهب يفرض الكلام في استقلال
التنصيص على العِلَّة بالوجوب بدون ضميمة شيء آخر معها،
والمذهب الآخر يفرضه في عدم استقلال التنصيص على العلَّة
بالوجوب، وأنه لا بد أن ينضم إلى ذلك كون العِلَّة مناسبة، وهَذا
стр. 1801
يقتضي أن النفي والإثبات في هذا الخلاف لم يتواردا على محل
واحد، فكان الخلاف لفظيا.
تنبيه: هذه المسألة مفروضة في حال عدم التعبد بالقياس، فلما
ورد التعبد بالقياس بالأدلة العقلية والنقلية تصبح هذه المسألة قليلة
الجدوى لا نصيب لها من الواقع، وبخاصة بالنظر إلى المجتهد الذي
يبحث في الأدلة التفصيلية، وما تدل عليه من أحكام، فإذا كان
دليل وجوب العمل بالقياس ثابتا عنده، وقد نص الشارع على
العلَّة، فمما لا شك فيه أنه يجب عليه العمل به بعد توفر أركانه
وشروط كل ركن، وبذلك لا يوجد تنصيص على العِلَّة لم ينضم
إليه دليل يدل على التعبد، فتكون هذه المسألة فرضية، قصد منها
الجلإل والمناظرة.
وبعض العلماء قصد من إيرادها بعد حجية القياس إضافة دليل آخر
يؤيد حجية القياس والعمل به في هذه المسألة، وهذا سائغ.
стр. 1802
المبحث الخامس هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
القياس، أو عن طَريق اللفظ والعموم ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
القياس فقط.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: " حرمت
الخمر لشدتها "، فإنه لا يتناول إلا تحريمها خاصة، ولو لم يرد
التعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك، ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من
نبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب
ورود التعبد بالقياس فقط.
المذهب الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، وهو ما ذهب إليه النظام.
دليل هذا المذهب:
أنه لا فرق في اللغة بين قوله: " حرمت الخمرة لشدتها " وبين
قوله: " حرمت كل مشتد "، فإن القولين بمعنى واحد؛ فالنبيذ
يدخل مع المشتدات كما دخل الخمر عن طريق العموم.
стр. 1803
جوابه:
لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: " حرمت الخمرة لشدتها " لا تتناول
من حيث الوضع اللغوي إلا تحريم الخمرة المشتدة فقط، ولو لم يرد
التعبد بالقياس لاقتصرنا عليه، وكيف يصح ما تقولونه من الإلحاق
عن طريق اللفظ والعموم، ولله تعالى أن ينصب شدة الخمر خاصة
عِلَّة، ويكون فائدة ذكر العِلَّة زوال التحريم عند زوال الشدة.
بيان نوع الخلاف:
أن الخلاف هذا يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا
فيكون الخلاف معنويا؛ لأن النظام قصد من كلامه: أن تحريم النبيذ
ثبت عن طريق اللفظ والنص، والجمهور قصدوا: أن تحريم النبيذ
ثبت عن طريق القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق اللفظ والنص وبين ما ثبت عن
طريق القياس من وجهين:
الوجه الأول: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من
الحكم الثابت عن طريق القياس.
الوجه الثاني أن الحكم الثابت عن طريق النص يَنسخ، ويُنسخ
به، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا يُنسخ به؛
لأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ لا يكون بالاجتهاد، كما
سبق بيانه في باب النسخ.
ويمكن أن يكون الخلاف لفظياً إذا نظرنا إلى الاتفاق على الحكم،
وإلى الدلالة؛ بيان ذلك:
أن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على تحريم النبيذ، ولكن اختلفوا
في طريق الوصول إليه:. فالنظام توصل إلى هذا التحريم عن طريق
стр. 1804
عموم اللفظ، فهو يريد: أنه لما قال الشارع: " حرمت الخمر؛
لشدته " أن المحرم جميع المشتدات، والنبيذ من المشتدات، إذن
النبيذ يدخل ضمن جزئيات المشتد.
أما الجمهور فإنهم توصلوا إلى تحريم النبيذ عن طريق القياس
وقالوا: إن النبيذ يلحق بالخمر بجامع الإسكار، ولو لم يرد التعبد
بالقياس لما حرم النبيذ.
كذلك لو نظرنا إلى الدلالة فإنا نقول: إن أصحاب المذهبين قد
اتفقوا على أن تحريم النبيذ ثبت عن طريق دليل ظني، فالنظام أثبت
ذلك عن طريق العموم، ودلالة العموم ظنية، والجمهور أثبتوا ذلك
عن طريق القياس، ودلالة القياس ظنية.
стр. 1805
البحث السادس تقسيمات القياس
إن هذا له علاقة قوية بحجية القياس من حيث معرفة مراتبه التي
ينشأ عنها اختلاف في قوة الاحتجاج به تبعاً لاختلاف تلك المراتب
من جهة القوة والضعف، لذلك نقول: إن القياس له تقسيمات
عديدة هي كما يلي:
التقسيم الأول: ينقسم القياس من حيث القوة والضعف إلى
قسمين:
" القياس الجلي "، و " القياس الخفي ".
فالقسم الأولى، وهو القياس الجلي هو: ما كانت العِلَّة فيه
منصوصة أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع
بنفي تأثيره، وهو صادق بالقياس الأولى، والقياس المساوي.
فقياس الأولى: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق
به كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف بجامع: الأذى
في كل منهما.
وقياس المساوي: أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به
كقياس الأَمة على العبد في وجوب تقويم النصيب على معتق بعضها؛
حيث لم نعلم وجود فارق بينهما سوى الذكورية والأنوثة، وهما لا
يلتفت إليهما الشارع في أحكام العتق، ومثال آخر: قياس إحراق
مال اليتيم على أكله بجامع الإتلاف.
стр. 1806
أما القسم الثاني وهو: القياس الخفي فهو: ما كانت علَّته
مستنبطة من حكم الأصل، واحتمال تأثير الفارق فيه قوي كقياس
النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، وقياس القتل بالمثقل على القتل
بالمحدد في وجوب القصاص بجامع: أن كلًّا منهما يعتبر قتلاً عمداً
عدواناً.
التقسيم الثاني: ينقسم القياس من حيث القطع والظن إلى قسمين:
" قياس قطعي "، و " قياس ظني ".
أما القسم الأول وهو: القياس القطعي فهو: ما قطع فيه بعلية
الوصف في الأصل، وقطع بوجودها في الفرع، ويشمل القياس
الأولى والقياس المساوي - كما سبق بيانه -.
أما القسم الثاني وهو: القياس الظني فهو: ما كانت إحدى
المقدمتين فيه أو كلتاهما ظنية، أي: أنا ظننا ظنا غالبا أن هذه هي
علَّة الأصل، وقطعنا بوجودها في الفرع، أو أنا ظننا أن هذه هي
علَّة الأصل، وظننا وجودها في الفرع - كما ذكرنا ذلك في تحرير
محل النزاع، وهذا هو المقصود بباب القياس مثل: قياس النبيذ على
الخمر بجامع الإسكار، وكقياس التفاح على البر بجامع الطعم.
وهذا التقسيم لا ينفي قول بعضهم: " إن القياس لا يكون إلا
ظنياً "، حيث إن مقصود هذا: أن القياس المختلف في حجيته لا
يكون إلا كذلك، فلم ينف وجود القياس القطعي، وإنما حصر
الخلاف في الظني.
والقياس القطعي قد اختلف في تسميته بذلك، فبعضهم سماه
بذلك، وبعضهم سماه بمفهوم الموافقة بقسميه، وبعضهم سماه،
بدلالة النص كما ذكرنا ذلك أثناء كلامنا عن المفهوم.
стр. 1807
التقسيم الثالث: ينقسم القياس باعتبار ذكر نفس العِلَّة فيه أو ذكر
ما يدل عليها، أو عدم ذلك إلى ثلاثة أقسام: " قياس عِلَّة "،
و"قياس دلالة "، و " قياس في معنى الأصل ".
أما القسم الأولى وهو: قياس العِلَّة فهو: ما صرح فيه بها،
وذلك كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الإسكار، وقد
يظهر وجه الحكمة معها كالفساد الذي في الخمر، وما فيها من الصد
عن ذكر اللَّه، وقد لا يظهر، بل يستأثر اللَّه به كالكيل
والوزن والاقتيات في تحريم الربا.
وأما القسم الثانىِ وهو: قياس الدلالة فهو: ما جمع فيه بين
الأصل والفرع بلازم العِلَّة، أو أثرها أو حكمها.
فمثال ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العِلَّة: قياس النبيذ
على الخمر في الحرمة بجامع الرائحة المشتدة في كل؛ حيث إن
الرائحة المشتدة لازمة عادة أو عقلاً للإسكار.
ومثال الجمع بينهما بأثر العلَّة: قياس القتل بالمثقل على القتل
بالمحدد في وجوب القصاص بجامع الإثم في كل؛ حيث إنه أثر
العِلَّة التي هي القتل العمد العدوان، وهو لازم شرعي.
ومثال الجمع بينهما بحكم العِلَّة: قياس قطع الجماعة بالواحد
على قتلهم به بجامع: وجوب الدية عليهم فيما لو كان غير عمد،
وهو حكم العلَّة التي هي القطع منهم خطأ في الصورة الأولى،
والقتل منهم خَطأ في الصورة الثانية، فقتل الجماعة بالواحد في
العمد ووجوب الدية بالقطع عليهم في الخطأ أمر ثابت من الشارع.
وأما قطعهم به في العمد فلم يرد حكمه في النصوص الشرعية،
стр. 1808
لذلك أثبتناه بما هو معلوم من الشارع وهو: وجوب الدية عليهم
بالقطع فيما لو كان خطأ.
والجمع يلازم العِلَّة في هذا القسم أقوى من الجمع بأثرها،
والجمع بأثر العِلَّة أقوى من الجمع بحكمها.
وأما القسم الثالث وهو القياس في معنى الأصل فهو: الذي لم
يصرح فيه بالعلَّة، ولا يلازمها، ولا بأثرها، ولا بحكمها، وإنما
جمع فيه بين الأصل والفرع بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء
على التبول فيه في المنع بجامع: عدم الفارق بينهما في مقصود المنع،
وهو: تقذير الماء وإفساده وتنجيسه.
وسبب تسمية هذا القسم بالقياس في معنى الأصل: أن الفرع فيه
بمنزلة الأصل، حيث لم يوجد فارق بينهما.
التقسيم الرابع: ينقسم القياس إلى " قياس أولى "، و " قياس
مساو "، و " قياس أدنى ".
أما القسم الأول - وهو: القياس الأولى - فهو: ما كان فيه
ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل كقياس ضرب
الوالدين على التأفيف لهما في الحرمة بجامع: الإيذاء، وكقياس
الشاة العمياء على العوراء في عدم الاكتفاء بها في التضحية بجامع:
وجود النقص المنافي للمقصود من الأضحية، وكقياس الجنون
والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل على النوم في نقص الوضوء،
فإن الأمور المذكورة أولى بالحكم من الأصل.
وأما القسم الثاني - وهو: القياس المساوي - فهو: ما كان حكم
الفرع فيه مثل حكم الأصل، وذلك كقياس إحراق مال اليتيم على
أكله في التحرلي م بجامع: الإتلاف في كل من غير وجه حق،
стр. 1809
وكقياس المرأة على الرجل في أنها إذا أفلست وعندها شيء لم تدفع
ثمنه، فإن صاحب المال يكون أحق به من غيره.
والقياس الأولى والقياس المساوي يسميان بالقياس الجلي،
وبالقياس القطعي، وقد اختلف في تسميته قياسا كما سبق بيانه.
أما القسم الثالث - وهو القياس الأدنى - فهو: ما عدا القسمين
السابقين.
وهو المسمى بالقياس الخفي، وبالقياس الظني، وهو المقصود
بالقياس عند الإطلاق، وهذا متفق على تسميته قياسا.
وبعض العلماء ذكروا أقساما كثيرة لكني لم أذكرها هنا؛ لأنها إما
إنها تدخل ضمن ما ذكرت، أو أنها تعتبر عن مسالك العلَّة،
فوضعها هناك أولى - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى -.
стр. 1810
المبحث السابع في ما يجري فيه القياس وما لا يجري فيه
لما فرغنا من حجية القياس، وبينا أن مذهب جمهور العلماء: أن
القياس حُجَّة: اختلف الجمهور - فيما بينهم - هل القياس حُجَّة في
كل شيء، أو أن هناك بعض الأمور يجري فيها القياس، بينما هناك
أمور لا يجري فيها القياس؛، فاختلفوا في ذلك، ولبيان ذلك
بالتفصيل قد قسمت ذلك إلى الطالب التالية:
المطلب الأول: في القياس في العقوبات.
المطلب الثاني: في القياس في المقدرات.
المطلب الثالث: في القياس في الأبدال.
المطلب الرابع: في القياس في الرخص.
المطلب الخامس: في القياس في الأسباب والشروط والموانع.
المطلب السادس: في القياس في العبادات وما يتعلق بها.
المطلب السابع: في القياس في العاديات.
المطلب الثامن: في القياس في العقليات.
المطلب التاسع: في القياس في كل الأحكام.
المطلب العاشر: في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل.
стр. 1811
المطلب الأول في القياس في العقوبات
والمراد من ذلك: الحدود والكفارات، فاختلف العلماء في جواز
القياس في الحدود والكفارات كقياس النباش على السارق، واللائط
على الزاني، وقياس من أفطر في نهار رمضان بشرب على المجامع
في نهار رمضان في وجوب الكفارة، على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إجراء القياس في هذه الأمور.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول. عموم أدلة حجية القياس التي ذكرناها فيما سبق،
ومنها: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، والآيات
الأخرى، وحديث معاذ والأحاديث التي ذكرناها معه، وإجماع
الصحابة السكوتي، وغير ذلك، فإنها تدل دلالة واضحة على أن
القياس يجري في جميع الأحكام إذا استكملت جميع شروط القياس،
فلم تفرق بين حكم وحكم، فالقول بأنه حُجَّة في بعض الأحكام
دون بعض إما تخصيص للعام أو تقييد للمطلق، وقد اتفق العلماء
على أنه لا يجوز تخصيص العام ولا تقييد المطلق إلا بدليل، وحيث
إنه لا دليل لكل منهما، فتبقى أدلة القياس على عمومها وعلى
إطلاقها، فيكون القياس يجري في جميع الأحكام المستكملة لشروط
القياس، فينتج من ذلك جريان القياس في الحدود والكفارات،
وجميع المقدرات؛ لأنها من ضمن الأحكام.
стр. 1812
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن أردتم أن أدلة القياس تدل على جريانه
في الأحكام الشرعية عند استكماله لشروطه، فهذا مسلم، ولكن لا
نسلم إمكان حصولها في الحدود والكفارات لعدم إدراك العقل المعنى
الذي من أجله شرع هذا الحد أو تلك الكفارة.
جوابه:
إن العقل يحكم بأنه لا يمتنع عقلاً أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة
لمعنى معين مناسب للحكم، ثم يوجد ذلك المعنى في صورة أخرى.
الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان
طريقه غلبة الظن، ويجوز فيه الخطأ والسهو، فكذلك يجوز أن
تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما
يفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.
الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار
في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليّ: " نرى أن نجلده ثمانين،
فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى "، فجلد
عمر شارب الخمر ثمانين جلدة، فهذا إلحاق شارب الخمر بالقاذف
في الحد قياسا؛ إذ ليس من قبيل الاجتهاد بالنص، ولا الإجماع،
ولا البراءة الأصلية، ولا غيرها من الأدلة سوى القياس، وشاع
وذاع، ولم ينكره أحد فكان إجماعا، فينتج من ذلك: أن القياس
يجوز في الحدود، وإذا جاز في الحدود فإنه يجوز - أيضاً - في
الكفارات؛ لأنها أحكام مقدرة من قِبَل الشارع.
الدليل الرابع: أن العمل بالقياس عمل بالظن الغالب، ونحن
стр. 1813
مأمورون بأن نعمل به، وبذلك يكون إثبات الحدود والكفارات
بالقياس عملاً بما أمرنا به من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
المذهب الثاني: لا يجوز القياس في الحدود والكفارات.
وهو مذهب الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحد شرع للردع والزجر عن المعاصي،
والكفارات وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع عن المعاصي،
وما يتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فلا يجوز
إثبات شيء من ذلك بالقياس، لأننا لا نعلم المصلحة التي من أجلها
شرعت هذه الأمور.
جوابه:
إن هذا لو كان طريقاً في نفي القياس في الحدود والكفارات:
لوجب أن يجعل مثل هذا طريقاً في نفي القياس في جميع الأحكام،
كما فعله نفاة القياس حيث قالوا: " إن الأحكام شرعت لمصلحة
المكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا اللَّه تعالى، فيجب أن لا يعمل
فيها بالقياس ".
ولما بطل هذا في نفي القياس في جميع الأحكام: بطل في نفي
القياس في الحدود والكفارات، فينتج جواز القياس فيها.
الدليل الثاني: أن الحدود والكفارات تشتمل على تقديرات لا
تعقل معناها بالرأي كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف،
والقياس لا يصح إلا إذا عقل المعنى الذي من أجله شرع الحكم،
فلما لم نعقل ولم ندرك المعنى والعِلَّة في الحدود والكفارات
стр. 1814
فلا يجوز جريانها بالقياس كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة،
وأنصبة الزكوات.
جوابه:
إن الأحكام التي أدركنا العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم يجري
فيها القياس: فمن الممكن أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة لمعنى
مناسب، ثم يوجد ذلك المعنى المناسب في شيء آخر، فتكون
معقولية التقدير غير ممتنعة، من أمثلة ذلك: قياس النباش على
السارق في القطع بجامع: أخذ مال غيره خفية من حرز مثله،
وقياس القاتل عمداً عدواناً على القاتل خطأ في وجوب الكفارة
بجامع: القتل بغير حق.
وأما ما لا يدرك فيه المعنى المناسب، فلا خلاف في أنه لا يجوز
القياس فيه؛ لفقدانه ركناً من أهم أركان القياس، وهي العِلَّة.
الدليل الثالث: أن القياس يفيد الظن، والظن يدخله احتمال
الخطأ فيكون شبهة، فلا يصح أن يثبت به الحد؛ لأن الحدود تدفع
بالشبهات بقوله ﷺ :
" ادرؤا الحدود بالشبهات ".
وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، وقد يدخلها احتمال الخطأ،
فتدفع بالشبهات، فينتج: أنه لا قياس في الحدود والكفارات.
جوابه:
لا نسلم أن مجرد الظن يكون شبهة يمنع من إجراء القياس في
الحدود والكفارات مع ظهور الظن الغالب؛ لأنه لو كان مطلق الظن
مانعا من إقامة الحد: لما وجب هذا الحد بالأدلة الظنية كاخبار
الآحاد، وظواهر النصوص، والشهادات، وما شابه ذلك: فخبر
стр. 1815
الواحد يجوز عليه الخطأ، ومع ذلك يثبت به الحد، والشهود يجوز
عليهم الكذب والخطأ، ومع ذلك تقبل شهادتهم في الحدود،
وكذلك يقبل تقويم المقوم في نصاب السرقة مع جواز الخطأ عليه،
فإذا لم يكن الظن في هذه الأدلة مثيرة للشبهة، فكذلك القياس
الظني لا يثير الشبهة، فيقبل القياس في الحدود والكفارات.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
١ - أن من أفطر متعمداً من غير عذر بأكل أو شرب، فعليه
كفارة من جامع في نهار رمضان، وهو قول أصحاب المذهب
الأول، ودليلهم: قياس الآكل والشارب عمداً على المجامع في نهار
رمضان بجامع: أن كلًّا منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.
وذهب بعض العلماء - وهو المذهب الثاني - إلى أنه لا كفارة
عليه، ودليلهم على ذلك: حديث الأعرابي الذي قال للنبي
ﷺ :
إني واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: " اعتق رقبة "، فإنه ورد
في الجماع في نهار رمضان، ولا يُعدَّى الحكم إلى كل إفطار، وهو
ما عليه كثير من العلماء.
٢ - النباش - وهو من ينبش القبر فيأخذ ما في الأكفان - تقطع
يده؛ قياساً على السارق بجامع أخذ مال غيره من حرزه، وهو قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب أصحاب المذهب الثاني إلى أنه لا تقطع يد النباش؛ لعدم
وجود دليل على ذلك، ولا يصح القياس في الحدود عند أصحاب
هذا المذهب.
تنبيه: لقد بحثت إثبات العقوبات بالقياس في مصنف مستقلِ
فراجعه - إن شئت - فهو مطبوع متداول.
стр. 1816
المطلب الثاني القياس في المقدرات
المراد من ذلك: أن يرد من الشارع تقدير بعدد في موضع يمكن
إدراك المعنى الذي تعلق به هذا المقدار، ويوجد هذا المعنى في موقع
آخر، فهل يتعلق به ذلك التقدير كما تعلق في الموضع الأول؛
مثال ذلك: تقدير نصاب السرقة بثلاثة دراهم، وتقدير مدة
القصر للمسافر بأربعة أيام، وتقدير الحد في حد الزنى بمائة،
وتقدير التسبيح بمائة، فهل يجوز القياس على ذلك؟
لقد اختلف العلماء - في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إثبات المقدرات بالقياس.
وهو مذهب الباقلاني، والباجي، وأبي إسحاق الشيرازي،
وإمام الحرمين، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وفخر الدين الرازي،
وتاج الدين ابن السبكي، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس للأحكام المقدرة، وغير
المقدرة، فتكون الأحكام المقدرة فرداً من أفراد ذلك العموم..
الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به المقدرات، فكذلك تثبت
بالقياس بجامع: أن كلًّا منهما ظنيا.
الدليل الثالث: أن المقتضي للتعدية قد وجد في المقدرات، فينبغي
أن يوجد القياس كسائر الأحكام.
стр. 1817
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في المقدرات.
وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن التقديرات قد ثبتت على وجه لا يمكن إدراك وجه اختصاصها
بذلك التقدير، دون ما هو أعلى أو أدنى، كما في تقدير نصب
الزكوات، فكانت من الأمور التعبدية التي لا نعلم العِلَّة التي من
أجلها شرعت، فلا يجري القياس فيها.
جوابه:
إننا في القياس ننظر إلى المعاني التي تعلَّقت بها تلك المقدرات،
فإذا وجدنا ما يساوي هذا المعنى في محل آخر أثبتنا فيه ما كان ثابتا
في الأصل من حكم، دون تعرض إلى وجه اختصاص ذلك المعنى
المشترك بين الأصل والفرع بمقدار عينه الشارع، فالنظر إلى المعنى
المشترك، وإثبات الحكم له، وليس النظر إلى وجه الاختصاص
بذلك المقدار لذلك المعنى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي كما قلنا في إثبات العقوبات بالقياس؛ حيث
إن أصحاب المذهب الثاني لم يقيسوا على المقدرات شيئاً آخر، بينما
أصحاب المذهب الأول قد قاسوا على المقدرات وعملوا على ذلك
القياس.
فإن قال قائل: إن الخلاف يشبه أن يكون لفظيا؛ حيث إن
أصحاب المذهب الثاني قد أثبتوا التقدير فيها بالقياس.
ومن ذلك: تقدير المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسح
стр. 1818
الخف وتقدير الخرق الذي يعفى عنه في الخف بثلاثة أصابع؛ قياساً
على مسحه، وتقدير الدلاء التي تنزح من البئر حتى يحكم بطهارتها
إذا وقع فيها فأرة بعشرين، وتقدير سن البلوغ بسبع عشرة.
قلت - في الجواب عن ذلك -: إنهم قالوا: إن تلك المواضع
وأمثالها إنما كان من باب الاجتهاد في تحقيق المناط، فلم ينظروا في
الاجتهاد في أمور وردت فيها تقديرات من الشارع، كما في الحدود
وعدد الركعات، وإنما في أمور لم يرد فيها تقدير، فقالوا: إنا إذا
نظرنا في تعيين التقدير المناسب لها نجد أن التقدير لها متردد بين
مرتبتين هما: " المرتبة الدنيا "، و " المرتبة العليا "، فنجتهد في
تحديد المرتبة المتوسطة بينهما، وبذلك يتعين المقدار المناسب، فمثلاً،
إنا قلنا: إدن سن البلوغ سبع عشرة هذا لم نتوصل إليه بالقياس، بل
بالاجتهاد في تحفيق المناط، وطريقة ذلك:
أن عندنا مرتبة دنيا هي عشر سنين لا يكون فيها بالغاً، ومرتبة
عليا، وفي عشرون سنة يكون فيها بالغا، وبينهما مرتبة متوسطة
مترددة، فنجتهد في تحديد هذه المرتبة وإزالة هذا التردد، وعلى
ضوئها يكون تقدير السن التي يحكم فيها بالبلوغ، ومثل ذلك مثل
الاجتهاد في تحقيق المناط في تقدير مهر المثل، والئفقة، ونحو ذلك.
وفرق بين الاجتهاد بتحقيق المناط، والاجتهاد بالقياس، حيث إن
ما ثبت بالاجتهاد بتحقيق المناط أقوى مما ثبت بالقياس.
стр. 1819
المطلب الثالث القياس في الأبدال
المراد بإثبات الأبدال بالقياس: أن يرد من الشارع اعتبار أمر قائماً
مقام أمر لم يتمكن من طولب به من الإتيان به، مع إمكان إدراك
المعنى الذي تعلق به هذا الاعتبار، ويوجد هذا المعنى في محل آخر،
فهل يحكم على ما وجد فيه هذا المعنى بكونه بدلاً كما حكم في
الأول؛ مثل: المحصر إذا لم يجد هدياً هل ينتقل إلى الصوم؛ لأنه
هدقي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياسا
على سائر الهدايا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
وهو ما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي، والباجي، وأبو يعلى
الحنبلي.
وهو الحق؛ للأدلة الثلاثة التي ذكرناها في إثبات المقدرات
بالقياس، فراجعها من هناك.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
هو نفس استدلالهم على أن المقدرات لا يجوز إثباتها بالقياس،
فراجعه من هناك.
стр. 1820
جوابه:
وهو نفس الجواب الذي ذكرناه هناك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع، ومنها:
١ - أن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم، فإنه ينتقل إلى
الصوم؛ لأنه دَمٌ تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى
الصوم؛ قياساً على دمِ التطيب واللباس، هذا بناء على المذهب
الأول، ومنع ذلك أصحاب المذهب الثاني؛ لأن هذا إثبات بدل
بالقياس، وهو لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
٢ - المحصر إذا لم يجد هدياً، فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه
هدي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم، قياساً
على سائر الهدايا، هذا على المذهب الأول.
أما أصحاب المذهب الثاني فلم يقولوا بذلك؛ نظراً لأنهم يمنعون
إثبات الأبدال بالقياس.
стр. 1821
المطلب الرابع في القياس في الرخص
هل يجوز القياس في الرخص كقياس الثلج على المطر في جواز
الجمع بين الصلاتين بجامع أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إثبات الرخص بالقياس، ولا مانع من
ذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية القياس من الإجماع
والكتاب والسُّنَّة والمعقول - كما سبق بيانه -؛ حيث إنها دلَّت على
أن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية إذا عرفت العلَّة وتحققت
في الفرع ووجدت جميع شروط القياس، فإن تلك الأدلة لم تفرق
بين حكم وحكم، وبما أن الرخصة حكم من الأحكام الشرعية،
فإنها تدخل في هذا العموم.
الدليل الثاني: أن الرخص تثبت بخبر الواحد، فكذلك تثبت
بالقياس، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ
والسهو في كل منهما.
المذهب الثاني: لا يجوز إجراء القياس في الرخص.
وهو مذهب الحنفية، وقول للإمام مالك، وقول للإمام الشافعي.
стр. 1822
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس
عليها يؤدي ويفضي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.
جوابه:
إن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة
ذلك الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب
الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في
صورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها - أيضاً - عملاً برجحانها -
فنحن حينئذٍ قد اكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.
الدليل الثاني: أن الرخص منح من اللَّه - تعالى - وعطايا فلا
يتعدى بها عن مواضعها؛ حيث إن في قياس غير المنصوص على
المنصوص في الأحكام الاحتكام على المعطي في غير محل إرادته،
وهذا لا يجوز، فينتج من ذلك: عدم جواز إثبات الرخص بالقياس.
جوابه:
إن مدار إجراء القياس على إدراك العلَّة والمعنى من شرع الحكم،
وكون الرخص تتصف باليسر والتخفيف لا يمنع من إجراء القياس
فيها، فمتى أدركنا العلَّة التي من أجلها شرعت تلك الرخصة،
ووجدنا تلك العلَّة في شَيء آخر، فإننا نعدي تلك الرخصة إلى ذلك
الشيء؛ تكثير لمنح اللَّه، وحفظا لحكمة الوصف من الضياع.
وقال إمام الحرمين - في الجواب عن ذلك الدليل -: هذا هذيان،
فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من اللَّه تعالى، ولا
يختص بها.
стр. 1823
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
١ - أن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسا على المطر بجامع:
أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم، هذا على المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين من أجل
الثلج، لأن الرخصة تخص المطر - فقط - ولا قياس في الرخص،
ولا يدخل الثلج في لفظ " المطر "، وهو رأي أصحاب المذهب
الثاني.
٢ - أن الإنسان إذا ركب دابة مسافة ميل، وخاف الغرق إن نزل
أو خاف غيره من أسباب القتال، فإنه يصلي صلاة القتال، ولا
يعيد؛ قياساً على الصلاة في القتال بجامع: الخوف في كل، أي:
كما رخص للمقاتل كذلك يرخص للراكب الخائف، هذا قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصلي صلاة القتال، بل يؤدي
الصلاة المعتادة؛ لأن الرخصة تخص المقاتل - فقط - ولا تتعدى إلى
غيره؛ حيث إنه لا قياس في الرخص، وهو قول أصحاب المذهب
الثاني.
تنبيه: لقد تكلمت عن هذه المسألة في مصنف مستقل وسميته
"الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع إن شئت، فهو مطبوع
متداول.
стр. 1824
المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع
المراد بالقياس في الأسباب هو: إثبات سببية وصف لحكم قياسا
له على وصف ثبتت سببيته لحكم آخر.
مثاله: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص
بجامع: القتل العمد العدوان، ولما كان السبب في وجوب
القصاص هو القتل بالمحدد، فإنه يكون القتل بالمثقل سبباً لوجوب
القتل.
كذلك إيجاب الحد على اللائط قياساً على الزاني بجامع إيلاج
فرج في فرج محرم شرعاً، فلما كان الزنى سبباً لإيجاب الحد كذلك
تكون اللواطة سبباً لإيجاب الحد.
والمراد بالقياس في الشروط هو: أنه لما كان معنى الشرط: ما
يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته:
فإنا إذا وجدنا أمراً من الأمور قد نص على شرطه ووجدنا ما يشاركه
في وجه الشرطية فيلحق به على وجه القياس ليكون شرطا لذلك
الأمر الآخر المشارك، مثاله: أن الشارع قد اشترط لصحة الصلاة
الاستنجاء من البول والغائط بالماء أو الحجر، والحجر إنما صح
الاستنجاء به بدل الماء؛ لكونه قالعاً لعين النجاسة فيقاس عليه كل
جامد يتوفر فيه هذا الوصف، وكقياس الوضوء على التيمم بجامع:
تمييز العادة عن العبادة بكل منهما، والنية شرط في التيمم، فتكون
شرطاً في الوضوء.
والمراد بالقياس في الموانع هو: أن المانع لما كان وجوده سببا لعدم
الحكم، فإنه إذا وجد في شيء لم ينص عليه، فإنه يكون سببا
стр. 1825
للحكم بعدم الحكم؛ قياساً على وجوده في الصورة التي نص فيها
على الحكم.
مثاله: أن الشارع قد أسقط عن الحائض الصلاة؛ لوجود الحيض
فيقاس عليه النفاس في وجوب إسقاط الصلاة عنها بجامع أن كلاً
منهما أذى وقذر يجب تنزيه المصلي منه.
هذا المراد في القياس في الأسباب والشروط والموانع، وهو قد
اختلف العلماء في جواز ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القياس لا يجري فى الأسباب والشروط
والموانع.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض
الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن مدار القياس على العِلَّة والجامع بين الأصل
والفرع: فإن لم توجد العلة والجامع في - الأسباب والشروط
والموانع، فلا يجوز القياس وهو ظاهر؛ حيث فقد أهم ركن من
أركان القياس وهو: العِلَّة.
وإن وجدت العِلَّة والجامع بين الأصل والفرع، فلا فائدة في
القياس؛ لأن هذا الجامع يعتبر هو السبب أو الشرط أو المانع،
ويكون كل من الأصل والفرع فرداً من أفراد هذا السبب،. أو هذا
الشرط، أو هذا المانع، وبذلك يكون الاشتغال بالقياس في
الأسباب والشروط والموانع لا فائدة فيه.
فمثلاً: لما قاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع: القتل
العمد العدوان، فإنه جعل القتل العمد العدوان هو سبب وجوب
القصاص، فيكون القتل بالمثقل، والقتل بالمحدد فردين من أفراد
القتل العمد العدوان، فلا حاجة إذن للقياس.
следующие страницы →