← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

المطلب الرابع في القياس في الرخص هل يجوز القياس في الرخص كقياس الثلج على المطر في جواز الجمع بين الصلاتين بجامع أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز إثبات الرخص بالقياس، ولا مانع من ذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية القياس من الإجماع والكتاب والسُّنَّة والمعقول - كما سبق بيانه -؛ حيث إنها دلَّت على أن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية إذا عرفت العلَّة وتحققت في الفرع ووجدت جميع شروط القياس، فإن تلك الأدلة لم تفرق بين حكم وحكم، وبما أن الرخصة حكم من الأحكام الشرعية، فإنها تدخل في هذا العموم. الدليل الثاني: أن الرخص تثبت بخبر الواحد، فكذلك تثبت بالقياس، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما. المذهب الثاني: لا يجوز إجراء القياس في الرخص. وهو مذهب الحنفية، وقول للإمام مالك، وقول للإمام الشافعي.

стр. 1822

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس عليها يؤدي ويفضي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز. جوابه: إن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها - أيضاً - عملاً برجحانها - فنحن حينئذٍ قد اكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته. الدليل الثاني: أن الرخص منح من اللَّه - تعالى - وعطايا فلا يتعدى بها عن مواضعها؛ حيث إن في قياس غير المنصوص على المنصوص في الأحكام الاحتكام على المعطي في غير محل إرادته، وهذا لا يجوز، فينتج من ذلك: عدم جواز إثبات الرخص بالقياس. جوابه: إن مدار إجراء القياس على إدراك العلَّة والمعنى من شرع الحكم، وكون الرخص تتصف باليسر والتخفيف لا يمنع من إجراء القياس فيها، فمتى أدركنا العلَّة التي من أجلها شرعت تلك الرخصة، ووجدنا تلك العلَّة في شَيء آخر، فإننا نعدي تلك الرخصة إلى ذلك الشيء؛ تكثير لمنح اللَّه، وحفظا لحكمة الوصف من الضياع. وقال إمام الحرمين - في الجواب عن ذلك الدليل -: هذا هذيان، فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من اللَّه تعالى، ولا يختص بها.

стр. 1823

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - أن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسا على المطر بجامع: أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم، هذا على المذهب الأول. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين من أجل الثلج، لأن الرخصة تخص المطر - فقط - ولا قياس في الرخص، ولا يدخل الثلج في لفظ " المطر "، وهو رأي أصحاب المذهب الثاني. ٢ - أن الإنسان إذا ركب دابة مسافة ميل، وخاف الغرق إن نزل أو خاف غيره من أسباب القتال، فإنه يصلي صلاة القتال، ولا يعيد؛ قياساً على الصلاة في القتال بجامع: الخوف في كل، أي: كما رخص للمقاتل كذلك يرخص للراكب الخائف، هذا قول أصحاب المذهب الأول. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصلي صلاة القتال، بل يؤدي الصلاة المعتادة؛ لأن الرخصة تخص المقاتل - فقط - ولا تتعدى إلى غيره؛ حيث إنه لا قياس في الرخص، وهو قول أصحاب المذهب الثاني. تنبيه: لقد تكلمت عن هذه المسألة في مصنف مستقل وسميته "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع إن شئت، فهو مطبوع متداول.

стр. 1824

المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع المراد بالقياس في الأسباب هو: إثبات سببية وصف لحكم قياسا له على وصف ثبتت سببيته لحكم آخر. مثاله: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع: القتل العمد العدوان، ولما كان السبب في وجوب القصاص هو القتل بالمحدد، فإنه يكون القتل بالمثقل سبباً لوجوب القتل. كذلك إيجاب الحد على اللائط قياساً على الزاني بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً، فلما كان الزنى سبباً لإيجاب الحد كذلك تكون اللواطة سبباً لإيجاب الحد. والمراد بالقياس في الشروط هو: أنه لما كان معنى الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته: فإنا إذا وجدنا أمراً من الأمور قد نص على شرطه ووجدنا ما يشاركه في وجه الشرطية فيلحق به على وجه القياس ليكون شرطا لذلك الأمر الآخر المشارك، مثاله: أن الشارع قد اشترط لصحة الصلاة الاستنجاء من البول والغائط بالماء أو الحجر، والحجر إنما صح الاستنجاء به بدل الماء؛ لكونه قالعاً لعين النجاسة فيقاس عليه كل جامد يتوفر فيه هذا الوصف، وكقياس الوضوء على التيمم بجامع: تمييز العادة عن العبادة بكل منهما، والنية شرط في التيمم، فتكون شرطاً في الوضوء. والمراد بالقياس في الموانع هو: أن المانع لما كان وجوده سببا لعدم الحكم، فإنه إذا وجد في شيء لم ينص عليه، فإنه يكون سببا

стр. 1825

للحكم بعدم الحكم؛ قياساً على وجوده في الصورة التي نص فيها على الحكم. مثاله: أن الشارع قد أسقط عن الحائض الصلاة؛ لوجود الحيض فيقاس عليه النفاس في وجوب إسقاط الصلاة عنها بجامع أن كلاً منهما أذى وقذر يجب تنزيه المصلي منه. هذا المراد في القياس في الأسباب والشروط والموانع، وهو قد اختلف العلماء في جواز ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن القياس لا يجري فى الأسباب والشروط والموانع. وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن مدار القياس على العِلَّة والجامع بين الأصل والفرع: فإن لم توجد العلة والجامع في - الأسباب والشروط والموانع، فلا يجوز القياس وهو ظاهر؛ حيث فقد أهم ركن من أركان القياس وهو: العِلَّة. وإن وجدت العِلَّة والجامع بين الأصل والفرع، فلا فائدة في القياس؛ لأن هذا الجامع يعتبر هو السبب أو الشرط أو المانع، ويكون كل من الأصل والفرع فرداً من أفراد هذا السبب،. أو هذا الشرط، أو هذا المانع، وبذلك يكون الاشتغال بالقياس في الأسباب والشروط والموانع لا فائدة فيه. فمثلاً: لما قاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع: القتل العمد العدوان، فإنه جعل القتل العمد العدوان هو سبب وجوب القصاص، فيكون القتل بالمثقل، والقتل بالمحدد فردين من أفراد القتل العمد العدوان، فلا حاجة إذن للقياس.

стр. 1826

وكذلك لما قاس الوضوء على التيمم بجامع: أن كلًّا منهما طهارة مقصودة يتميز بها العبادة عن العادة، فإنه جعل الطهارة التي تميز العبادة عن العادة هي شرط صحة الصلاة، فيكون الوضوء والتيمم لزدين من أفراده، فلا حاجة مع هذا للقياس. وكذلك لما قاس النفاس على الحيض بجامع: أن كلًّا منهما أذى وقذر يجب تنزيه المصلي منه: جعل الأذى والقذر الذي يجب تنزيه المصلي منه مانع لصحة الصلاة، فيكون الحيض والنفاس فردين من أفراده، فلا حاجة إذن للقياس. الدليل الثاني: أن إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع يؤول إلى إبطال الأصل المقيس عليه، ومن شروط القياس: ألا يعود التعليل والقياس على الأصل بالإبطال، بيانه: أننا إذا ألحقنا السبب والشرط والمانع الذي لم ينص عليه بالسبب والشرط والمانع المنصوص عليه لعلة وجامع جمع بين المنصوص عليه - من السبب أو الشرط أو المانع - وبين غير المنصوص عليه من السبب أو الشرط أو المانع - فإن هذا سيؤول إلى أن السبب والشرط والمانع في الأصل لم يكن هو ما نص عليه، وإنما هو معنى أوسع منه، وفي هذا إبطال للأصل، وهو السبب والشرط والمانع المنصوص عليه. ولعلي أصور ذلك بالمثال: أنه لما قاس اللواط على الزنى في وجوب الحد؛ لوجود معنى مشترك بينهما وهو الجامع، وهو: إيلاج فرج في فرج محرم شرعا، فإن هذا يؤدي إلى أن الزنى لم يكن عِلَّة للحد، وإنما العلَّة هي معنى أوسع منه وهو: إيلاج قرج في فرج محرم شرعا. كذلك لما قاس النفاس على الحيض في إسقاط الصلاة بجامع: أن

стр. 1827

كلاً منهما أذى، فإن يؤدي ويفضي إلى أن الحيض لم يكن علَّة لإسقاط الصلاة، وإنما العِلَّة معنى أوسع منه وهو: وجود الأذَى والقذر. المذهب الثاني: أن القياس يجري في الأسباب والشروط والموانع. وهو مذهب بعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن الهمام، وكثير من الشافعية كالغزالي، وتاج الدين ابن السبكي، وابن برهان، والحنابلة. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها لم تفرق بين حكم وحكم، والأسباب والشروط والموانع تُعتبر داخلة تحت هذا العموم؛ لأنه يطلق عليها أحكام شرعية فيجري القياس فيها كما يجري في غيرها. جوابه: أنا نسلم لكم عموم أدلة حجية القياس، ولكن بشرط توفر جميع أركان القياس وشروط كل ركن، والأسباب والشروط والموانع تخصص من هذا العموم، فلا يجري فيها القياس؛ لأن إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع يؤدي إلى أمرين باطلين: أولهما: أن إجراء القياس فيها لا فائدة فيه. تانيهما: أنه يؤدي إلى تغيير الأصل وإبطاله، وقد بيَّنت ذلك في الدليلين اللذين ذكرتهما فىِ مذهبنا. وهذان الأمران هما اللذان قد خصصا الأسباب والشروط والموانع وأخرجاها عن إجراء القياس فيها.

стр. 1828

الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الأسباب والشروط والموانع فكذلك تثبت الأسباب والشروط والموانع بالقياس بجامع: أن كلا منهما يفيد الظن. جوابه: إن قياس القياس على خبر الواحد قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن إثبات الأسباب والشروط والموانع بالقياس يترتب عليه: أن هذا القياس يؤدي إلى إبطال الأصل، وهو السبب والشرط والمانع المقيس عليه، وهذا لا يوجد في إثبات الأسباب والشروط والموانع بخبر الواحد. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم: المانعون من إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع - بيَّنوا أن لا يكون كل من السببين سببا للحكم من حيث خصوصه، وإنما السبب: القدر المشترك بينهما. وهذا المعنى لا ينكزه ولا ينفيه أصحاب المذهب الثاني - وهم: المجوزون لإجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع -؛ لأنهم إنّما قاسوا لأجل أن يثبتوا أن المقيس فرد من أفراد القدر المشترك كالمقيس عليه الذي دلَّ النص على سببيته، لا ليثبتوا أنه مستقل بالسببية بخصوصه.

стр. 1829

المطلب السادس القياس في العبادات وما يتعلَّق بها المراد بالعبادات هو: أعظم العبادات وأدخلها في باب التعبد كالصلوات وما شابهها، والزكوات، والصيام، والحج كإثبات صلاة بإيماء الحاجب قياسا على صلاة المومئ برأسه. ولقد اختلف العلماء في جريان القياس في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز القياس في العبادات. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لعموم أدلة حجية القياس، فهي دلَّت على جواز القياس في جميع الأحكام الفقهية ولم تفرق بين ما يخص العبادات أو المعاملات، والمرجع في ذلك هو: معرفة العلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فمتى ما عرفناها في الحكم المنصوصَ على حكمه، ووجدناها في الفرع، فإنه يصح القياس، مع استكمال شروط القياس. المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في العبادات. وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، وبعض المعتزلة كالجبائي، ونسب إلى أبي حنيفة. دليل هذا المذهب: أن الصلاة بإيماء الحاجب وما شابه ذلك هي من الأمور الهامة التي

стр. 1830

تتوفر الدواعي على نقلها، فلو كانت مشروعة لوجب على النبي ﷺ أن يبينها، وينقل ذلك أهل التواتر إلينا حتى يصير ذلك معلوما لنا قطعاً، ولما لم يحصل ذلك علمنا أن المصير إلى هذا القول باطل. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن عدم النقل لا يدل على عدم الوجدان، وعدم الوجدان لا يدل على العدم، كما أن العدم لا يدل على عدم الجواز. الجواب الثاني: أن هذا منتقض بوجوب الوتر عندهم، حيث إن الوتر واجب عندهم مع أنه لم يعلم وجوبه قطعا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم: المانعون من إجراء القياس في العبادات - مقصودهم: أن إثبات الحكم بالقياس ابتداء من غير أصل يقاس عليه، أو إثبات عبادة زائدة على العبادات الواردة في تلك الأصول ابتداء أو إثبات كيفية خاصة لتلك العبادات مما لا مجال للعقل فيه: غير صحيح. وهذا يوافقهم عليه أصحاب المذهب الأول - وهم المجوزون -. أما إجراء القياس مع توفر شروط القياس فهو صحيح، وهذا يؤيده الاستقراء والتتبع لكلام الفقهاء في جميع أبواب العبادات، فإنه مملوء بالقياسات في العبادات.

стр. 1831

المطلب السابع القياس في العاديات ما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل وأكثره، هل يجوز إجراء القياس فيه؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجري القياس في الأمور العادية والخلقية. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس - كما علمنا سابقاً - مبني على إدراك العلَّة في الأصول والفروع، والأمور العادية ترجع إلى العادة والخلقة تختلف باختلاف الأشخاص والأمزجة، ولا يعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس. المذهب الثاني: أنه يجري القياس في الأمور العادية. وهو مذهب بعض العلماء، نقله أبو عبد اللَّه المحلي. دليل هذا المذهب: أن مدار القياس على إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم، وهذه الأمور العادية والخلقية ممكن إدراك معناها. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأمور العادية؛ نظراً لاختلاف عادات الناس، وأمزجتهم، وما يصلح لهذا قد لا يصلح لذاك وهكذا، فيصعب إدراك عِلَّة تجمع بين الأصل والفرع، بل لا يمكن.

стр. 1832

بيان نوع الخلاف: الخلاف لا شك أنه معنوي؛ حيث أثر في مسألة وهي: هل الحامل تحيض أو لا؟ فمن ذهب إلى أن القياس يجري في الأمور العادية: أثبت أن الحامل تحيض وقال: لو منع الحمل دم الحيض لمنع دم الاستحاضة، ألا ترى أن الصغر لما منع أحدهما منع الآخر، فكذلك الكبر. ومن ذهب إلى أن القياس لا يجري في هذه الأمور قال: إن الحامل لا تحيض، وقال: لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم حيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم يصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض. فإذا ثبت أن ما ينزل من الحامل هو دم حيض - كما قال الأولون هنا - فإنه يترتب على ذلك أحكام شرعية مثل: تحريم مس المصحف، وامتناعها عن الصلاة، وامتناعها من مواصلة الصوم، وتحريم وطئها.

стр. 1833

المطلب الثامن القياس في العقليات لقد اختلف في جريان القياس في الأمور العقلية على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز جريان القياس في العقليات، وهو: إلحاق الغائب بالشاهد، وله جامع عقلي يكون في أربعة أشياء هي: العِلَّة، والحد، والشرط، والدليل. فمثال الجمع بالعلَّة: كون الشيء يصح أن يرى معللاً بالوجود شاهداً، فكذا في الغائب بقصد قياس الباري على خلقه في أنه يرى بجامع الوجود؛ حيث إنه عِلَّة الرؤية. ومثال الجمع بالحد: قولك: حقيقة العالم شاهداً من له العلم، فيجب طرد ذلك الحد غائبا بقصد إثبات العلم لله تعالى بالقياس على ثبوت ذلك لخلقه مع الجزم باختلاف العلمين في الحقيقة والكيفية؛ إذ ليس كمثله شيء. ومثال الجمع بالشرط: قولك: العلم مشروط بالحياة شاهداً، فكذلك غائبا، قالأصل هو الشاهد، والفرع هو: الغائب، والجامع: كون كل منهما حيا، والحكم اتصاف كل منهما بالعلم والإرادة، مع الاختلاف في الحقيقة. ومثال الجمع بالدليل: قولك: الإحكام يدل على العلم والإرادة شاهداً، فكذا غائباً. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، وليس المقصود من

стр. 1834

القياس هنا: استنباط كون اللَّه موجوداً أو عالما، فهذا قد ثبت بالنقل لمن آمن بالله وكتبه ورسله، ولكن المقصود هو: تقريب ذلك إلى الأذهان وتصوير هذه الأمور للسامع، ولا مانع من ضم دليل إلى دليل آخر ليحصل بذلك الترجيح، فيما لو وجد تعارض. المذهب الثاني: لا يجوز جريان القياس في العقليات. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن القياس لا يفيد اليقين، والمطالب العقلية يقينية. جوابه: إن هذا الدليل يدل على عدم الحاجة إلى القياس، ولا يدل على امتناع القياس في الأمور العقلية، ثم إن ما أفاد القطع أو الظن سواء في الشريعة. ثم إننا أردنا في القياس التصوير والتقريب إلى الأذهان فقط - لا أخذ الحكم. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ إذ أن تلك الأحكام العقلية والعقائدية ثابتة، سواء استعمل القياس أو لا، ولكن أصحاب المذهب الأول قالوا بجواز استعماله في العقليات من باب كثرة الاستدلال والاستئناس، وأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم بيَّنوا أن تلك الأحكام ثابتة بدون قياس، فلا داعي له، فيكون استعماله عبثا، والعقل يمنع من العبث.

стр. 1835

المطلب التاسع في القياس في كل الأحكام هل القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية بلا استثناء؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية. وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه لو كان كل حكم يصح أن يثبت قياسا: للزم من ذلك أن يكون حكم أصل القياس ثابتا بالقياس - أيضا - وكذلك حكم أصل أصله، ثم إن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر فهو خلاف الغرض، وإن لم ينته وتسلسل الأمر امتنع وجود قياس ما؛ وذلك لتوقفه على أصول لا نهاية لها. الدليل الثاني: أنه معلوم أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من الأحكام كعدد الصلوات، وعدد ركعات كل صلاة، وعدد الطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن من عقل معناه، وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي يعلل به الحكم في الأصل، وهذا لم ندرك علته. الدليل الثالث: أنا بينا في هذا الفصل عدم جواز إجراء القياس في العاديات والأمور الخلقية، والأسباب والشروط والموانع، وهذا يبطل القول بإجراء القياس في كل الأحكام.

стр. 1836

المذهب الثاني: أنه يجوز إجراء القياس في كل الأحكام. ذهب إلى ذلك بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الأحكام الشرعية - كلها - من جنس واحد، وتدخل تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وحيث ثبت جريان القياس في بعضها، فانه يثبت جريانه في بعضها الآخر؛ لأنهما متماثلان ولا فرق بينهما. جوابه: لا نسلم أن جميع الأحكام متماثلة، بل بينها فرق؛ حيث إن بعضها قد يقترن بأمور تجعله يختلف عن بعضها الآخر، ويتميز عنه: فبعضها ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فهذا يجوز فيه القياس؛ لأن مدارَ القياس مبني على إدراك العِلَّة. وبعضها الآخر: لا ندرك تلك العِلَّة، فهذا لا يجوز القياس فيها مطلقاً. فثبت: أنه مع دخول كل الأحكام تحت حد واحد وهو الحكم الشرعي، وأنها كلها من اللَّه تعالى، فإنه يوجد بينها فرق من حيث إدراك العِلَّة وعدم ذلك - كما بينت -. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي هنا؛ لأن أصحاب المذهب الأول - إنما نفوا جريان القياس في كل الأحكام بالفعل وإثبات جميعها به؛ بناء على أن من الأحكام ما تحقق لدينا عدم إدراك معناه، وإن إثبات جميعها به قد يؤدي إلى أن لا يثبت حكم منها بغيره، وذلك محال؛ لأنه يلزم منه الدور والتسلسل وهما باطلان.

стр. 1837

أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم لما أجازوا جريان القياس في كل الأحكام، فإنهم قصدوا بتجويزه: أن كل حكم بالنظر لذاته، وبقطع النظر عن غيره صالح لأن يثبت بالقياس إذا أدرك معناه؛ بناء على رأي الجمهور وهو: أن جميع الأحكام لها علل ومعاني في الحقيقة والواقع، ولكننا أدركنا ذلك في بعض الأحكام، ولم ندرك علل ومعاني الأحكام الأخرى.

стр. 1838

المطلب العاشر في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل الأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي ﷺ مكة عنوة أو صلحاً لا يجري فيه القياس. دليل ذلك: أن ما كان من هذا القبيل إنما يراد ليعرف ويعلم لا ليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك. تنبيه: بقي من موضوع ما يجري فيه القياس وما لا يجري: القياس في اللغات هل يجوز أو لا يجوز، وهذا قد تكلمت عنه بالتفصيل في المبحث الرابع من الفصل الأول - من الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فارجع إليه إن شئت.

стр. 1839

المبحث الثامن هل القياس من الدين ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: - أن القياس دين، أي: يسمى دينا. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به، فإنا نكون متعبدين به، وإذا ثبت: أن اللَّه تعالى قد تعبدنا به، فإنه يكون من الدين. الدليل الثاني: أن من نزلت به حادثة، وكان فيها مجتهداً لنفسه، وضاق عليه الوقت: وجب عليه أن يقيس وينظر، وإذا لم يضق عليه الوقت استحب له ذلك ليعد الجواب لوقت الحاجة، والواجب والمستحب من الدين، فيصح بذلك أن يسمى القياس دينا. المذهب الثاني: أن القياس لا يُسمى دينا، وليس منه. وهو مذهب أبي الهذيل العلاف. دليل هذا المذهب: أن القياس لا يطلق عليه اسم الدين؛ لأن اسم الدين يقع على ما هو ثابت مستمر، وكيف يسمى دينا، وهو فعل القائس. أي: أن القياس من فعل المكلف، وهو القائس، ولا يصح أن يكون الدين من فعل المكلف؛ إذ لو كان فعلاً للمكلف لم يعرف به الحكم. جوابه: نسلم أن القياس من فعل المكلف، ولكن اشترط أن يكون هذا

стр. 1840

المكلف مجتهداً - وهو من توفرت فيه شروط الاجتهاد - دون غيره، والمجتهد يُعتبر مرجعاً لغير المجتهد في أحكام اللَّه تعالى؛ لمعرفته بها، فيكون كل ما يقوله من الدين والشرع، فإذا توصل إلى أن الأرز من المطعومات قياساً على البر، فإنه يحرم الربا فيه، فإن هذا من الدين والشرع. ولو لم يقبل قياس المجتهد ويعمل به لضاعت أكثر الشريعة؛ لأن أكثر الفروع مبنية على القياس، وغيره مما يجتهد فيه المجتهدون، فيعتبر كلامهم وقياساتهم من الدين الذي نتعبد اللَّه به، فنرجوا بذلك ثواب اللَّه، ونخاف عقابه. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، لا يترتب عليه أي أثر، لاتفاق أصحاب المذهبين على أن القياس حُجَّة، فلم يرد عن أبي الهذيل، أو الجمهور مخالفة في حجية القياس، والعمل بمقتضاه، فالعمل به متفق عليه. وإنما النزاع بين المذهبين جاء في تسمية ذلك دينا أو لا، فالجمهور سموه بذلك، وأبو الهذيل منع من هذه التسمية. فالخلاف إنما هو في مجرد التسمية فقط، فيكون الخلاف لفظيا. هذا آخر المجلد الرابع من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه " لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الخامس إن شاء الله وأوله: " أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها " وهو الفصل الثالث من الباب الخامس

стр. 1841

المجلد الخامس الفصل الثالث في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها ويشتمل على تمهيد، ومباحث: أما التمهيد: فهو في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالاً. أما المباحث فهي: المبحث الأول: في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما. المبحث الثاني: في الفرع وشروطه وما يتعلق به. المبحث الثالث: في العلة وشروطها وما يتعلق بها. -

стр. 1842

التمهيد في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالاً ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في تعريف الركن لغة واصطلاحا. المطلب الثاني: في بيان أركان القياس إجمالاً. المطلب الثالث: في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من الأركان.

стр. 1843

المطلب الأول تعريف الركن أولاً: تعريف الركن لغة: الركن لغة هو: أحد الجوانب التي يُستند إليها ويقوم بها، وركن الشيء جانبه الأقوى. ثانياً: تعريف الركن اصطلاحا: الركن اصطلاحاً: هو الداخل في حقيقة الشيء المحقق لماهيته، وقيل: هو: ما يتم به الشيء، وهو داخل فيه. - والماهية هي الحقيقة الكلية المعقولة. وقولهم: إن الركن داخل في الماهية معناه: أنه جزء من مفهومها يتوقف تعلقها على تعلقه. فيكون الفرق بين الركن والشرط: أن شرط الشيء: ما يتم به الشيء ويتوقف عليه، لكنه خارج عنه. فالركوع - مثلاً - ركن في الصلاة؛ لأن الصلاة تتوقف عليه مع أنه داخل فيها، والوضوء شرط لها؛ لأنها تتوقف عليه - أيضا - لكنه خارج عنها.

стр. 1844

المطلب الثاني في بيان أركان القياس إجمالاً جمهور العلماء الذين قالوا بحجية القياس يعتبرون أركان القياس أربعة هي: الأول: الأصل، والثاني: الفرع، والثالث: العلَّة الجامعة بين الأصل والفرع، والرابع: حكم الأصل. فهذه الأركان لا يتم القياس إلا بها، فالقياس مجموع الأمور الأربعة. وقد قدم ذكر الأصل على غيره من الأركان؛ لأن الأصل يجب تقديمه دائما، وقدم الفرع على حكم الأصل؛ لأن الفرع مقابل للأصل، فناسب أن يذكر عقيبه لما بين الضدين من اللزوم في الذهن، وقدمت العلَّة على حكم الأصل؛ لأنها سبب بالنسبة له، ولا شك أنه يقدم السبب على المسبب.

стр. 1845

المطلب الثالث في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من أركان القياس لم يذكر حكم الفرع ضمن أركان القياس، لسببين: أولهما: أن حكم الفرع ثمرة القياس، وثمرة الشيء لا يصح أن تكون من أركانه. ثانيهما: أن حكم الفرع لو عُدَّ منها لاقتضى توقف القياس عليه، فيكون دوراً، والمعلوم: توقف ثمرة القياس على القياس لا العكس. اعتراض على هذا: قال قائل - معترضاً -: لو أطلق لفظ " حكم " لكان أوْلى ليشمل حكم الأصل وحكم الفرع. جوابه: إننا قيدنا لفظة: " حكم " بقولنا: " حكم الأصل "؛ لكون حكم الأصل هو السابق في ثبوته؛ حيث إن العلم به سابق على العلم بحكم الفرع، فحكم الأصل هو الطريق إلى العلم بحكم الفرع؛ إذ لولاه لما ثبت للفرع حكم، فلو أطلقنا لفظة: " حكم " للزم تسوية السابق باللاحق والمتقدم بالمتأخر، ويكون حكم الفرع هو عين حكم الأصل، وهذا لا يجوز؛ لأننا قلنا في حقيقة القياس: "إثبات مثل حكم أصل لفرع ... "، فحكم. الفرع مثل حكم الأصل، وليس هو عينه، وقد بيَّنَّا ذلك أثناء شرحنا لتعريف القياس.

стр. 1846

فلو قال الشارع: " حرمت الخمر لإسكارها " ثم قيس النبيذ عليها. فالأصل.: الخمر، والفرع: النبيذ، والجامع: الإسكار، والحكم: التحريم الذي نص عليه، وعلم في الخمر قبل أن يعلم في النبيذ، وليس تحريم النبيذ هو عين تحريم الخمر، بل إن الخمر أشد تحريماً.

стр. 1847

المبحث الأول في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في بيان المراد بالأصل. المطلب الثاني: في بيان المراد بحكم الأصل. المطلب الثالث: هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعِلَّة؟ المطلب الرابع: في اشتراط كون حكم الأصل شرعيا عمليا. المطلب الخامس: في اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً. المطلب السادس: في اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى. المطلب السابع: في اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً بعمومه حكم الفرع. المطلب الثامن: هل يشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل؟ المطلب التاسع: هل يشترط في الأصل: أن يكون قد انعقد الأجماع على أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص؟ المطلب العاشر: هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد؟ المطلب الحادي عشر: اشتراط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة.

стр. 1848

المطلب الثاني عشر: بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص فإنه يجوز القياس عليه. المطلب الثالث عشر: حكم القياس على أصل ثابت عن طريق الإجماع. المطلب الرابع محشر: هل يشترط في الأصل المقاس عليه: أن تجمع الأمة - كلها - عليه، أو يكفي اتفاق الخصمين؟ المطلب الخامس عشر: حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس. المطلب السادس عشر: إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه، وقد اختلف فيه الخصمان، فهل يجوز القياس عليه؟ المطلب السابع عشر: هل يقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس؟

стр. 1849

المطلب الأول في بيان المراد بالأصل لقد اختلف العلماء في المراد بالأصل على مذاهب: المذهب الأول: أن الأصل هو: محل الحكم المشبه به. وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لأن الأصل هو: ما كان حكم الفرع مقتبسا منه، ومردوداً إليه، وهذا إنما يتحقق في محل الحكم المقيس عليه، أو المشبه به. فمثلاً: حرم اللَّه تعالى الخمر بقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فإذا قيس عليها النبيذ بجامع الإسكار، فإن النبيذ - على هذا - يكون محرما كالخمر، فالأصل فناا هو: الخمر الذي هو محل الحكم، ويكون الفرع هو النبيذ؛ حيث إن النبيذ مردود إلى نفس الخمر، فيأخذ مثل حكمه. المذهب الثاني: أن الأصل هو: دليل الحكم، أي: نفس الدليل الدال على حكم الواقعة، فيكون الأصل في المثال السابق هو نفس الدليل الدال على تحريم الخمر وهي الآية. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الدليل هو الذي بني عليه الحكم وهو التحريم - هنا - فيكون

стр. 1850

هو الأصل؛ لأنه مفتقر إليه، ولا يصح أن يكون المحل هو الأصل؛ لأنه محتاج إلى غيره، وهو الدليل الذي أثبت الحكم فيه. المذهب الثالث: أن الأصل هو: الحكم الثابت في المحل، وهو التحريم في المثال السابق. وهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي. دليل هذا المذهب: أن الأصل هو: ما ابتنى عليه غيره، وكان العلم به موصلاً إلى العلم أو الظن بغيره، وهذه الخاصية موجودة في الحكم لا في غيره؛ لأن حكم الفرع لا يتفرع عن المحل، وكذا فقد يؤخذ الحكم عن دليل عقلي، أو مما هو معروف بالضرورة فيقاس عليه، ويتفرع منه حكم الفرع. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ نظراً لصحة إطلاق الأصل على كل من هذه المذاهب، ولا مانع من ذلك، بيان ذلك: أنه إذا كان معنى الأصل: ما يبنى عليه غيره، فإنه يمكن أن يكون الحكم أصلاً؛ لبناء الحكم في الفرع عليه، وهو مراد أصحاب المذهب الثالث. وإذا كان الحكم في الخمر أصلاً فالنص الذي به معرفة الحكم يكون أصلاً للأصل، وعلى هذا: فأيُّ طريق عرف به حكم الأصل من نص أو إجماع أمكن أن يكون أصلاً، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني. وكذلك الخمر فإنه إذا كان محلاً للفعل الموصوف بالحرمة فهو - أيضاً - أصل للأصل، فيمكن أن يكون أصلاً، وهو مراد أصحاب المذهب الأول.

стр. 1851

المطلب الثاني في بيان المراد بحكم الأصل حكم الأصل هو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سُنَّة، أو إجماع في الأصل، ويراد: إثبات مثله في الفرع كحرمة الخمر، فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ، وحرمة الربا في البر، فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.

стр. 1852

المطلب الثالث هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعلة ؟ قال العلماء: إن علَّة تحريم ربا التفاضل في الأرز هي: كونه مكيل جنس، قياساً على البر، فهل الحكم في البر - وهو أحد الأصناف المنصوص عليها - ثابت بهذه العِلَّة أو بالنص؟ لقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين: المذهب الأول: أن حكم الأصل ثابت بالعِلَّة، لا بالنص. وهو مذهب المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية، وهو الحق؛ لأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص، دون العِلَّة لامتنع جريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، والسبب في ذلك: أنه لا يتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتا في المنصوص عليه بالعلَّة حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العِلَّة، فاما إذا كانَ الحكم ثابتاً في الأصل بالنص، لا بالعلَّة، ولا نص في الفرع، ولم يثبت بالعِلَّة في الأصل لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف الذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذٍ -، ويكون الفرع غير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين، فيكون إجماعهم على ذلك إجماعا على أن الحكم في الأصل ثابت بالعِلَّة. المذهب الثاني: أن حكم الأصل ثابت بالنص، لا بالعلَّة. وهو مذهب كثر الحنفية، وكثر الحنابلة.

стр. 1853

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن حكم الأصل قد يثبت تعبُّداً، فلو ثبت بالعلَّة لم يثبت مع عدمها. جوابه: إن كل الأحكام معللة، لكن بعض الأحكام قد أدركنا العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فإن كانت قاصرة لم نقس على ذلك، وإن كانت متعدية استعملنا القياس. أما البعض الآخر من الأحكام فلم ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فلذلك قلنا: إن الحكم تعبدي، فالحكم التعبدي له عِلَّة قد ثبت الحكم بها، لكن لم ندركها. الدليل الثاني: أن العِلَّة مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه ، وتابعة له في الوجودَ، فلو كان الحكم ثابتاً بها، لكان الأصل ثابتاً بما لا ثبوت له دون ثبوته، وهذا دور. جوابه: إنا لا نريد أن العِلَّة هي المعرفة للحكم بالنسبة إلينا؛ لأنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما نريد أنها المعرفة للمعنى الذي شرع لأجله الحكم، أي: أن العِلَّة دالة على أن الحكم لم يوجد هنا - مثلاً - إلا من أجل كذا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، وذلك لأن قول أصحاب المذهب الأول - إن الحكم ثابت بالعلَّة - لا يريدون به أن العِلَّة معرفة له بالنسبةِ إلينا؛ لأنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته.

стр. 1854

وإنما يريدون أن هذه العِلَّة هي التي من أجلها شرع الشارع هذا الحكم في الاءصل. وقول أصحاب المذهب الثاني - وهو: أن الحكم ثابت بالنص - وأن العلَّة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست العِلَّة التي من أجلهاً شرع الحكم، وإنما أرادوا: أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، ولم ينكر أصحاب المذهب الأول ذلك، فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ. ولقد ذكرت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " أن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين، ورجحت: أن الخلاف معنوي، وأنا الآن أعدل عن ذلك الرأي، وأثبت هنا أن الخلاف لفظي؛ لما ذكرت.

стр. 1855

المطلب الرابع في اشتراط كون حكم الأصل حكماً شرعيا عمليا يشترط في حكم الأصل أن يكون حكما شرعيا عمليا قد ثبت بكتاب أو سُنّة، أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي يكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع. وخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي، والحكم الحسي، فعلى تقدير جريان القياس فيها، فإنه ليس قياسا شرعيا، بل عقليا، ولغويا، وحسيا. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان القياس لغويا، ويتوصل به إلى حكم شرعي، فإن هذا يعتبر داخلاً في الحكم الشرعي كقياس تسمية النبش سرقة، واللواطة زنى، ليثبت بذلك القطع، والجلد أو الرجم.

стр. 1856

المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع أن يكون ثابتا مستمراً في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن ثابتا فيه بأن لم يشرع فيه أصلاً، أو أنه شرع فيه، لكنه نسخ، فإنه لا يجوز بناء حكم الفرع عليه؛ لأمرين: أولهما: أن كون الشيء مبنيا على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن الصفة ثابتة له. ثانيهما: أنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتا أمكن توجيه المنع عليه، فلا يمكن للمستدل أن ينتفع به قبل إقامة الدليل على ثبوته.

стр. 1857

المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى يشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل مدرك المعنى والعلَّة التي لأجلها شرع هذا الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العِلَّة؛ حيث إن المراد منه تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي العلَّة. أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك عِلَّته كاعداد الصلوات، وركعات كل صلاة، وعدد السعي والطواف، فإنه لا يجوز القياس فيه.

стр. 1858

المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً بعمومه حكم الفرع فمثلاً: لو جعلنا دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام "، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فالنبيذ محرم بالنص، لا بالقياس.

стр. 1859

المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت القياس على الأصل مطلقا، فلم تعتبر هذا الشرط. الدليل الثاني: أنا إذا ظننا كون حكم الأصل معللاً بوصف، ثم علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل، والعمل بالظن واجب. المذهب الثاني: أنه لا يقاس على الأصل إلا إذا قامت الدلالة على جواز القياس عليه. وهو مذهب عثمان البتي البصري. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لم يورد دليلاً على ما زعمه، وما لا دليل عليه فإنه لا يعتمد ولا يعول عليه. الجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة ﵃ -

стр. 1860

حيث إنه من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم فإنه يعلم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علَّة لحكم الأصل في الأصل ووجدها في الفرع وإن لم يقم دليل خَاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل، وجواز القياس عليه، وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: " اعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك "، ولم يفصل. من ذلك: أنهم اختلفوا في قول الرجل لامرأته: " أنت علي حرام "، فقاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم قاسه على الظهار، وبعضهم قاسه على اليمين، ولم ينقل نص خاص، ولا إجماع على القياس على تلك الأصول. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني تصبح دائرة القياس ضيقة جداً، كما هو واضح.
следующие страницы →