← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يجوز تكليف بعض مبهم من الجماعة، وذلك لحصول المصلحة المطلوبة في ذلك. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا القياس غير صحيح، لأنه قياس مع النص، حيث وردت نصوص دلت على تكليف الجميع دون البعض، كما في قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله) ، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، فهذه الخطابات وردت في القتال، وهي تعم كل الأفراد بدليل واو الجماعة واسم الموصول اللذين يفيدان العموم، مع الاتفاق على أن القتال فرض كفاية، فإن هذا التعميم في الآيات بتوجيه الخطاب إلى مجموع المسلمين دليل على أن الواجب الكفائي مطلوب من الجميع. الدليل الثاني: أن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض المكلَّفين دليل على توجيه الخطاب فيه إلى بعض المكلَّفين، لا كلهم، لأن الأصل عدم سقوط الشيء إلا بفعل من وجب عليه، وما دام أن الاتفاق قد وقع على سقوطه بفعل بعض المكلَّفين، فيكون الواجب موجها إلى هذا البعض فقط. جوابه: يجاب عنه: بأن الواجب قد سقط عن الجميع بفعل بعضهم لا لأن هؤلاء البعض قد طلب منهم الواجب فقط، وإنما سقط الواجب عن الجميع بفعل البعض، لأن المقصود في الواجب الكفائي هو: فعل الواجب وإيقاعه بقطع النظر عن الفاعل - كما قلنا سابقا -، فإذا كان الفعل قد حصل فقد حصلت المصلحة التي من أجلها صدر الأمر من الشارع، وبعد ذلك يكون بقاء الوجوب على الباقين

стр. 212

تحصيلاً للحاصل، كما لو أوجب أداء دين على كفيلين، فأدى أحدهما الدين كله، فإنه يسقط أداء هذا الواجب عن الكفيل الآخر، فكذا هنا. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لأن الحكم لا يتغير سواء كان المخاطب به هو الكل، أو البعض؛ حيث إنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. *** المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟ هذه المسألة تسمى تارة بهذا الاسم، وتسمى تارة بـ " مقدمة الواجب "، وتارة تسمى بـ " الوسيلة " أو " وسيلة الواجب " أو "ما لا يتم الأمر إلا به يكون مأموراً به ". تحرير محل النزاع في هذه المسألة: أقول في ذلك: إن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان: القسم الأول: ما يتوقف عليه في وجوبه. القسم الثاني: ما يتوقف عليه في وقوعه. أما القسم الأول - وهو: ما يتوقف عليه وجوب الواجب - فهذا القسم لا يجب إجماعا سواء كان سببا أو شرطا، أو انتفاء مانع. فبلوغ النصاب - مثلاً - سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا يجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة عليه. والزوجات والمماليك سبب وجوب النفقات، فلا يجب تحصيلها حتى تجب تلك النفقات.

стр. 213

والإقامة شرط وجوب الصوم، فلا يجب على أحد أن يقيم في بلد ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم. والدين مانع من الزكاة، فلا يجب على أحد أن يوفي دينه حتى تجب الزكاة. أما القسم الثاني - وهو: ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تقرر الوجوب - فهو يتنوع إلى نوعين: النوع الأول: ما يكون غير مقدور للمكلف، أي: أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به غير مقدور للمكلف كالقدرة على الفعل، واليد في الكتابة، والرجل للمشي، وحضور الإمام والعدد الكامل للجمعة، فهذا النوع لا يجب إجماعاً؛ لأنه ليس بقدرة المكلف ولا طاقته تحصيل ذلك، بل عدم تلك الأمور يمنع الوجوب. النوع الثاني: ما يكون مقدوراً للمكلَّف، أي: أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به مقدوراً للمكلَّف، ويجب فيستطيع فعله واختياره. وهذا النوع - وهو المقدور عليه - له أربع حالات: الحالة الأولى: أن يكون إيجاب الواجب مقيَّداً بحصول المقدور عليه، وورد صريحاً كقولك لغيرك: " إن ملكت النصاب فزك " أو تقول: " إن توضأت فصل "، فهذا واجب مقيَّد بحصول السبب، أو الشرط، وقد حصل الاتفاق على أن كلًّا من السبب والشرط في - هذه الحالة - لا يجب بوجوب الواجب، بل الواجب نفسه لا يجب إلا بعد حصول السبب والشرط. الحالة الثانية: أن يُصرح بعدم إيجابه، كأن يقول: " صل، ولا أوجب عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به لا يجب بالاتفاق؛ عملاً بموجب التصريح.

стр. 214

الحالة الثالثة: أن يُصرح بوجوبه كأن يقول: " صل، وأوجب عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به واجب اتفاقاً؟ عملاً بموجب التصريح. الحالة الرابعة: ألا يصرح الشارع بإيجابه ولا عدم إيجابه، ولا يقيده بشيء، بل يأتي اللفظ مطلقاً مثل وجوب غسل الوجه، هل يوجب غسل جزء من الرأس ليتحقق غسل الوجه؛ ومثل وجوب صوم اليوم هل يجب تبعاً لذلك صوم جزء من الليل ليتحقق من صوم اليوم؛ فهذا هو المحل الذي تنازع فيه العلماء. أي: هل ما لا يتم الواجب إلا به واجب؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: * المذهب الأول: أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقا. أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب. أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب. أو سبباً عادياً مثل: حز الرقبة بالنسبة إلى القتل. أو شرطاً شرعياً مثل: الوضوء للصلاة. أو شرطاً عقلياً مثل: ترك أضداد المأمور به. أو شرطاً عادياً مثل: غسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء. وهذا هو الصحيح عندي، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب، وما لا بد منه في الواجب يكون واجباً.

стр. 215

فعندنا مقدمتان: الأولى: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب. الثانية: أن ما لا بد منه في الواجب يكون واجباً. دليل المقدمة الأولى: أن ما لا بد منه في الشيء الواجب لا يكمل ذلك الشيء الواجب إلا به. دليل المقدمة الثانية: أن ما لا بد منه المكمل للواجب لازم، واللازم واجب، فما لا بد منه واجب. فنتج من المقدمتين: أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. الدليل الثاني: أن الواقع المحسوس يشهد لذلك، فإن السيد لو قال لعبده: " ائتني بماء "، ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع القدرة - وإلا لاستحق العقوبة من السيد. فلذلك لزمه ووجب عليه إحضار السبب " وهو الرشاء والدلو " الذي بواسطتهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء؛ لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا. فنتج أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. تنبيه: اختلف الجمهور - وهم أصحاب المذهب الأول - في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به - وهي مقدمة الواجب - هل هو متلقى من نفس الصيغة الموجبة للواجب، أو متلقى من دلالتها؟

стр. 216

اختلف هؤلاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من نفس الصيغة الموجبة للواجب المطلق. ذهب إلى ذلك بعض العلماء كما ذكره ابن السمعاني في " القواطع ". القول الثاني: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من دلالة الصيغة، أي: أن وجوب مقدمة الواجب دلَّت عليها الصيغة من حيث المعنى. وهذا هو الصواب؛ لأن الدلالة اللفظية: ما كان مسموعا في اللفظ، ولا شك أن لكل من الشرط والسبب لفظا يخصه، ولم يسمع ذلك، فوجب أن تكون دلالته من حيث المعنى. المذهب الثاني: أن ما لا يتم الواجب إلا به ليس بواجب مطلقا. ذهب إلى ذلك بعض الشافعية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الخطاب لم يتعرض لإيجاب هذه الأشياء، وأن هذه الشرائط لها صيغ بخصوصها، واختلاف الصيغ يدل على اختلاف المصوغ له. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن هذا الدليل لكم يدل على أنكم تقولون بأن لفظ الصيغة لا يدل على وجوب المقدمة، وإنما وجوب المقدمة دل عليه معنى الصيغة، وهذا ما نقوله. الدليل الثاني: أنه لو وجب ما يتوقف عليه الواجب للزم تعقل

стр. 217

الموجب له، لأن الإيجاب بدون التعقل غير معقول، والتالي باطل وذلك لأن كثيراً ما نؤمر بأشياء ونغفل عن مقدماتها. جوابه: يقال في الجواب: إنا نمنع لزوم التعقل هنا، وإنما يلزم فيما إذا كان الأمر بالمقدمة صريحاً، ولكن مقدمة الواجب هنا صارت: واجبة عندنا عن طريق دلالة الصيغة عليها من حيث المعنى. - المذهب الثالث: إن كانت المقدمة شرطا شرعيا فتجب، وإن لا فلا. ذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وابن القشيري، وابن برهان، وابن الحاجب. دليل هذا المذهب: أن الشرط الشرعي إنما عرفت شرطيته من الشارع، فعدم إيجابه بالخطاب الموجب للمشروط يوجب غفلة المكلف عنه، وعدم التفاته إليه، وذلك موجب لتركه، وتركه يؤدي إلى بطلان المشروط، فلزم من ذلك: أن يكون الخطاب الموجب للمشروط موجباً له. بخلاف غير الشرعي، فإن شرطيته عرفت من غير الشرع كالعقل والعادة. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن هذا التفريق بين الشرط وغيره لا داعي له؛ لأن كلًّا من الشروط والأسباب الشرعية وغير الشرعية يفهم وجوبها من صيغة الخطاب الموجب للواجب عن طريق المعنى. المذهب الرابع: إن كانت مقدمة الواجب سبباً، فتجب وإلا فلا.

стр. 218

اختاره صاحب المصادر. أي: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب سببه فقط، سواء كان هذا السبب شرعيا، أو غير شرعي، وأما الشرط فلا يدل الخطاب على إيجابه مطلقا. دليل هذا المذهب: أن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه؛ لأنه معروف: أن السبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم، والشرط إنما يؤثر بطرف العدم خاصة. جوابه: يقال في الجواب عنه: إنه لا داعي ولا مبرر لهذا التفريق بين السبب والشرط، لأن كلًّا منهما يفهم وجوبه من صيغة الخطاب الموجب للواجب عن طريق المعنى. - المذهب الخامس: الفرق بين الملازم في الذهن، وغير الملازم. فإن كانت مقدمة الواجب قد لازمت الذهن حال استماع المكلف للأمر، وعلم أن الإتيان بالمأمور به ممتنع بدون الإتيان بتلك المقدمة، فهي واجبة. أما إذا كانت مقدمة الواجب غير ملازمة للذهن، بل لم نعلم بها إلا عن طريق العقل والشرع، فلا يكون الأمر واجبا من تلك الصيغة، بل واجب من المركب من الأمر والعقل. ذهب إلى هذا بعض المتأخرين، كما قال ذلك الزركشي. جوابه: يقال في الجواب عنه - كما قلنا فيما سبق -: إن هذا التفريق

стр. 219

لا داعي له؛ لأنه متى ما علمنا بالمقدمة، سواء عن طريق الذهن، أو عن طريق الخطاب الآمر بالواجب، فإنها تكون تلك المقدمة واجبة. - المذهب السادس: التوقف. ذهب إلى ذلك بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه يحتمل أن يكون الخطاب الآمر بالواجب الأصلي آمراً بشرط تحصيل المقدمة، ويحتمل غير ذلك والاحتمالان متساويان، فوجب التوقف. جوابه: يقال في الجواب عنه: إنه لا داعي لهذا التوقف مع وضوح أدلتنا على وجوب المقدمة - وهو المذهب الأول - لأن الخطاب الآمر بالواجب الأصلي هو أمر بتحصيل المقدمة عن طريق معنى الصيغة. بيان نوع هذا الخلاف: هذا فيه تفصيل، إليك بيانه: الخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور القائلين بوجوب المقدمة مطلقا، وبين أصحاب المذهب الثاني القائلين بعدم الوجوب مطلقا، هذا الخلاف اختُلِف فيه على قولين: القول الأول: أن الخلاف لفظي. وهو الصحيح عندي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقا على أن المقدمة واجبة، دلَّ على ذلك استقراء وتتبع كلام أصحاب المذهب الثاني؛ حيث إنه يفهم من كلامهم في تقرير مذهبهم أنهم ينكرون وجوب المقدمة من نفس الصيغة الموجبة للواجب المطلق، ولكن لا ينكرون وجوب المقدمة من دلالة اللفظ بالتضمن أو الالتزام.

стр. 220

أي: من أنكر إيجاب المقدمة مطلقا لكون الأمر ساكتاً عنها، إنما أراد أن الأمر لم يتناولها لفظة، ولم ينكر أنها تجب تبعا، وهذا موافق لمذهب الجمهور بأن المقدمة واجبة مطلقا؛ حيث إنهم أرادوا به أن المقدمة تجب تبعا للواجب الأصلي، ولم يقولوا: إنها تجب بالأمر الدال على الواجب صراحة، فكان كل فريق موافقا للآخر في المعنى والمراد، فكان الخلاف لفظيا. القول الثاني: إن الخلاف معنوي له فائدة. واختلف أصحاب هذا القول - فيما بينهم - في هذه الفائدة، هل هي في الآخرة، أو في الدنيا؟ على رأيين: الرأي الأول: أن فائدة الخلاف في الآخرة فقط وهي: تعلق الثواب والعقاب، أي: إذا فعل المكلف الواجب ومقدمته، فهل نقول: يثاب ثوابين: ثواب على الواجب، وثواب على المقدمة؟ وإذا تركهما هل يعاقب عقابين: عقاب على الواجب، وعقاب على المقدمة؟ اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في تلك المسألة الأصولية. الرأي الثاني: أن فائدة الخلاف في الدنيا؛ حيث إنه يترتب على هذا الخلاف في هذه القاعدة، اختلاف في عدد كثير من المسائل الفقهية، فقالوا على لزوم المقدمة وهو رأي الجمهور الأحكام التالية: ١ - أنه إذا اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا معاً، ووجب الكف عنهما، وكذا إذا اشتبهت الميتة بمذكاة. ٢ - إذا نسي صلاة من الخمس ولم يعلم بها لزمه أن يصلي جميع الخمس، لتحقق براءة الذمة.

стр. 221

٣ - إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب، أو البدن وجب غسله كله. ٤ - إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار وجب غسل الجميع وتكفينهم، والصلاة عليهم. ٥ - إذا اشتبهت عليه الثياب النجسة بالطاهرة لزمه أن يصلي بعدد النجس، ويزيد صلاة أخرى لتحقق الصلاة بثوب طاهر. الجواب عن تلك الأمثلة: يجاب عن ذلك بأن تلك الأمثلة لا تمنع من القول بأن الخلاف لفظي، وذلك لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن المقدمة لا تجب مطلقا - لا يخالفون في ذلك، فقد وافقوا الجمهور عليها، لكنهم وافقوهم عليها عن طريق التبع، أي: أنها وجبت بسبب دلالة الصيغة، لا بنفس الصيغة الدالة على وجوب الواجب المطلق. الخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب الثالث والرابع، وهم المفرقون بين السبب والشرط، أو بين الشرط الشرعي وغيره هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لأنه لا يستلزم الفرق الذي ذكروه اختلافا بينهما في الأحكام الفقهية. الخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب الخامس وهم القائلون بالفرق بين الملازم في الذهن فيجب، وبين غير الملازم فلا يجب هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لاتفاق الفريقين على أن المقدمة واجبة، وهو عند الجمهور واضح. أما عند أصحاب المذهب الخامس، فالمقدمة إما واجبة، بالصيغة

стр. 222

نفسها التي أوجبت الواجب المطلق، حيث قالوا: إن المكلََّف حال استماع صيغة الأمر يعلم أن الإتيان بالمأمور ممتنع بدون الإتيان بتلك المقدمة. وإما إنها واجبة بدلالة صيغة الأمر، لا بالصيغة نفسها، حيث قالوا: فلا تكون المقدمة واجبة من تلك الصيغة، بل من المركب من الأمر والعقل، وهذا هو مقتضى مذهب الجمهور ومقصودهم من مذهبهم.

стр. 223

المطلب الثاني في المندوب ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: مناسبة ذكر المندوب هنا. المسألة الثانية: في حقيقة المندوب: أولاً: تعريف المندوب لغة. ثانياً: تعريفه اصطلاحاً. المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه. المسألة الرابعة: في الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟ المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟ المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟ المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟

стр. 224

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المندوب هنا: لقد ذكرنا المندوب بعد الواجب مباشرة: لاشتراكهما في طلب الفعل؛ وأن كلًّا منهما يثاب على فعله، وإن كان ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب. وبعض الأصوليين يذكرون الحرام بعد الواجب مباشرة، ويذكرون المندوب قبل المكروه، ولعل علتهم في ذلك: أن كلًّا من الواجب والحرام يشتركان في صيغة واحدة، والمندوب والمكروه يشتركان في صيغة واحدة. فالواجب والحرام يشتركان في الطلب الجازم، سواء كان طلب فعل أو ترك. والمندوب والمكروه يشتركان في الطلب غير الجازم، سواء كان طلب فعل أو طلب ترك. والأوْلى ما ذكرناه؛ لأن أثر الطلب أو الترك أقوى من أثر الجزم وعدمه. المسألة الثانية: حقيقة المندوب: أولاً: المندوب لغة مأخوذ من الندب وهو: الدعاء إلى أمر مهم، يقال: " ندبته " أي: دعيته إلى شيء مهم، ولم يرد عن العرب إلا لذلك كما قال قريط العنبري: لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانا والنائبة هي: المصيبة العظيمة.

стр. 225

فهذا الشاعر قد دعا بني مازن من تميم لنجدته وإعانته على استرجاع إبله ممن أخذها، فقاموا بذلك، واسترجاع الإبل من الأعداء ليس بالأمر الهين، فيثبت: أن الندب هو الدعاء إلى فعل أمر مهم، أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم، فلا يسمى ندباً. ثانياً: المندوب اصطلاحا: أقرب التعريفات إلى الصحة عندي هو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً. شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: " المطلوب فعله " أخرج الحرام؛ لأنه مطلوب تركه، - وأخرج المكروه؛ لأنه مطلوب تركه - أيضاً -، وأخرج المباح؛ لأنه لم يطلب تركه ولا فعله. قولنا: " شرعاً " أخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع. قولنا: " من غير ذم على تركه " أخرج الواجب؛ لأنه مطلوب فعله، ويذم على تركه مطلقا. قولنا: " مطلقا " لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقاً، أي: بلا بدل. وأخرج بلفظ " مطلقاً " الواجب الموسَّع، والواجب المخير، والواجب الكفائي؛ لأن هذه الواجبات الثلاثة يجوز تركها، لكن بشرط البدل. فالواجب الموسَّع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على فعله في آخر الوقت.

стр. 226

والواجب المخيَّر يجوز فيه ترك أيِّ خصلة بشرط العزم على فعل الخصلة الأخرى من بين المخيَّر بينها. والواجب الكفائي يجوز للمكلَّف ترك الواجب بشرط علمه بأن غيره قد فعله. أما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط. المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه: المندوب ليس له صيغة معينة، بل له صيغ مختلفة تدل عليه وهي: الصيغة الأولى: الأمر الصريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، مثل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ، فهذا الأمر للندب وليس للوجوب، والقرينة الصارفة هي: السُّنَّة التقريرية؛ حيث إنه لما نزلت هذه الآية لم يكاتب بعض الصحابة عبيدهم الذين بين أيديهم، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ . الصيغة الثانية: التصريح بأن ذلك سُنَّة، كقوله ﷺ في قيام رمضان - في رواية -: " وسننت لكم قيامه ". الصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، ومنه قوله - في غسل الجمعة -: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ". الصيغة الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله - عليه السلام - لبريرة - حيث أعتقت وفارقت زوجها مغيثا وكان رقيقا -: " لو راجعتيه ".

стр. 227

المسألة الرابعة: الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟ المندوب له أسماء كثيرة، فهل تلك الأسماء مترادفة أو مختلفة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المندوب، والمستحب، والتطوع، والسُّنَّة، والإحسان، والمرغب فيه أسماء مترادفة؛ لأنها أسماء لمعنى واحد، وهو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقا، أو هو: الفعل المطلوب طلباً غير جازم. المذهب الثاني: أن تلك الأسماء غير مترادفة. وهو: اختيار بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. واختلف أصحاب هذا المذهب في التفريق بينها على أقوال: القول الأول: إنه يوجد فرق بين السُّنَّة، والمستحب، والتطوع، فالسُنَّة: ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، والمستحب: هو ما فعله النبي ﷺ ولم يواظب عليه، بل فعله مرة أو مرتين. أما التطوع: فهو الذي لم يفعله النبي ﷺ ، بل أنشأه المكلَّف من نفسه واختاره، ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالقاضي حسين، والبغوي. القول الثاني: أن لفظ " السُنَّة " يختص بالعرف بالمندوب بدليل قولهم: " هذا واجب أو سُنَّة ". القول الثالت: أن لفظ " السُّنَّة " غير مرادف للمندوب، بل يتناول كل ما علم أو ظن ندبيته أو وجوبه بقوله أو فعله ﵇، ولذلك قال ﷺ : "الختان سُنَّة للرجال ومكرمة للنساء "،

стр. 228

وقال: " النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". قال صفي الدين الهندي في " نهاية الوصول ": وليس المراد منه النكاح المندوب فقط، بل المراد منه إما النكاح الواجب، أو المطلق الذي هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب، أو العموم ليتناول جميع أفراده. القول الرابع: إن النفل والتطوع لفظان مترادفان، وهما ما سوى الفرائض والسنن، أما المستحب ونحو ذلك فأنواع لهما. القول الخامس: إن السُّنَّة ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل والندب: ما زاد على ذلك. القول السادس: إن النفل قريب من الندب، إلا أنه دونه في الرتبة. القول السابع: إن السُّنَّة: ما ارتفعت رتبته في الأمر، وبالغ الشرع في التحضيض عليه، أما ما كان في أول هذه المراتب فهو تطوع ونافلة، أما ما كان متوسطا بين هذين فهو فضيلة ومرغب فيه. القول الثامن: إن السُّنَّة: مما صلاهما ﷺ في جماعة وداوم عليها، والفضيلة: ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها كسجود التلاوة. بيان نوع الخلاف: هذا الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب الثاني على اختلاف أقوالهم خلاف لفظي راجع إلى اللفظ والتسمية؛ لأن حاصله أن كلًّا من تلك الأقسام، كما أنها تسمى بأسمائها المذكورة، هل تسمى بغير تلك الأسماء؟ فعلى المذهب الأول، فإنه يُسمَّى كل منها باسم الآخر، أي:

стр. 229

يصدق على كل من الأقسام أنه مرغب فيه من الشارع، ومطلوب فعله. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يسمى كل واحد من الأسماء باسم الآخر، أي: لا يصدق على كل من الأقسام اسم الآخر، بل لكل اسم واصطلاح خاص به، فالخلاف في إطلاق الاسم فقط. *** المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟ لا خلاف ولا نزاع في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر " افعل "، وتستعمل فيه. ولكن الخلاف في -: هل المندوب مأمور به حقيقة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة. ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، وأكثر أتباعهما، واختاره المحققون من الحنفية، وهو وجه عند المالكية. وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. والاستدعاء هو: الطلب، والمندوب مستدعى ومطلوب، وبناء على ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب؟ لاشتراكهما في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مستدعى ومطلوب، فهذا يصدق عليهما. أي: كما أن " الإنسان " و " الفرس " يصدق عليهما اسم واحد،

стр. 230

وهو: " الحيوان "؛ إلا أن الأول حيوان ناطق، والثاني حيوان غير ناطق، فكذلك الواجب والمندوب يصدق عليهما اسم واحد، وهو: أن كلًّا منهما مأمور به حقيقة إلا أن الأمر بالواجب أمر جازم، والأمر بالمندوب أمر غير جازم. الدليل الثاني: أنه قد شاع وذاع بين الفقهاء وأهل اللغة أن الأمر ينقسم إلى قسمين: " أمر إيجاب " و " أمر ندب واستحباب "، وحيث إن مورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فإنه يثبت: أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب. الدليل الثالث: أن اللَّه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأموراً به حقيقة. من ذلك: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) ، فهنا قد أمر اللَّه تعالى بأشياء، منها: ما هو واجب، كالأمر بالعدل، ومنها ما هو مندوب إليه كالأمر بالإحسان، وإعطاء ذي القربى، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب سواء بسواء، وهذا يقتضي أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب. ومن ذلك قوله تعالى: (وأمر بالمعروف) ، فهنا قد أمر الله تعالى بالمعروف، والمعروف عام لدخول أل الاستغراقية عليه، فهو يشمل الطاعات الواجبة، والطاعات المندوبة، وهذا يدل على أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب ولا فرق. ومن ذلك ما قالته أم عطية ﵂: "أمرنا ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أنه ليس إخراجهن واجباً.

стр. 231

ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم: " أن النبي ﷺ أمر بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام " فإن هذه الأمور فيها ما هو واجب، وفيها ما هو مندوب إليه، ومع ذلك قد وحَّد الشارع الأمر، مما يدل على أن الأمر قد استعمل في المندوب، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن المندوب مأمور به حقيقة. الدليل الرابع: أن المندوب طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة، فالمندوب مأمور به حقيقة. دليل المقدمة الصغرى - وهي: أن المندوب طاعة -: إجماع العلماء على أن المندوب طاعة. دليل المقدمة الكبرى - وهي: أن كل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة -: أن الطاعة تقابل المعصية، والمعصية مخالفة الأمر، فالطاعة: امتثال الأمر. فتكون النتيجة: أن المندوب مأمور به حقيقة. اعتراض على هذا: قال معترض على الدليل الرابع: إن كون المندوب طاعة لا يدل على أنه مأمور به؛ لأن الطاعة ليست من خصائص الأمر. جوابه: يقال في الجواب عن ذلك: إن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر من حيث الامتثال والمخالفة، فيكونان من خصائصه، ويؤيد ما قلناه نصوص قد وردت: منها: قوله تعالى: (أفعصيت أمري) ، وقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) .

стр. 232

ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعراً -: أمرتك أمراً جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالماَ ومن ذلك قول العرب - نثراً -: " فلان مطاع الأمر "، و " فلان معصي الأمر "، وقولهم: " أمر فأطيع "، وقولهم: "أمر فعصي ". المذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر مأموراً به عن طريق المجاز. ذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر الشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر الدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية، وهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن السمعاني، وصحَّحه ابن العربي. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . وجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف ذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب مأموراً به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر أيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة. جوابه: يقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب

стр. 233

حيث إن اللَّه تعالى توعَّد من يخالف أمره بالعقاب، ولكن يجوز صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف، فإذا صرف الأمر من كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضى الندب، فإن ذلك لا يخرج الأمر عن تسميته أمراً، فثبت: أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كالواجب بدليل: اشتراكهما في التسمية. الدليل الثاني: قوله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". وجه الدلالة: أن " لولا " تفيد انتفاء شىء لوجود غيره، والمراد هنا: انتفاء الأمر لوجود المشقة. فلو كان المندوب مأموراً به حقيقة، لكان السواك مأموراً به، ولكن الصادق المصدوق نفى الأمر عن السواك من أجل المشقة التي ستلحق الأمة لو أمر به، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله، فثبت أن المندوب غير مأمور به حقيقة. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي الوجوب، ويكون تقدير الكلام: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أمر إيجاب وإلزام "، بدليل: أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة إنما تلحق فيما يلزم فعله. وإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم: ثبت أن الأمر غير الجازم لم ينفه الرسول ﷺ ، وهو الدال على المندوب، فنتج من ذلك: أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازماً أو غير جازم. الدليل الثالث: أنه يفهم من صيغة الأمر أنها تقتضي إيقاع الفعل

стр. 234

اقتضاء جازما لا تخيير فيه؛ حيث إن تاركه يعاقب، بخلاف المندوب، فإن فيه نوع تخيير، وهو: إن شاء المكلَّف فعل المندوب وله ثواب، وإن شاء ترك ولا عقاب عليه، ولو كان المندوب مأموراً به حقيقة لما وقع التخيير فيه، فثبت أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة لثبوت التخيير فيه. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الأمر ليس فيه تخيير، بل يقع التخيير فيه بدليل " الواجب الموسَّع "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو وسطه، أو آخره، وبدليل "الواجب المخيَّر "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يفعل إحدى خصال الكفارة. الجواب الثاني: سلمنا لكم قولكم: " إن الأمر لا تخيير فيه "، ولكن لا نُسَلِّمُ أن المندوب فيه تخيير؛ لأن فعل المندوب أرجح من تركه. أما التخيير فهو عبارة عن كون فعل الشيء وتركه سواء لا يرجح أحدهما على الآخر كالفعل والترك بالنسبة للمباح، فثبت أن المندوب لا تخيير فيه، فشارك الواجب في عدم التخيير، فثبتت مشاركته في كونه مأموراً به حقيقة، فنتج: أن المندوب مأمور به حقيقة. الدليل الرابع: لو كان المندوب مأموراً به لسمى تاركه عاصيا، ولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل، وصيام التطوع، وصلاة النفل، وصدقات التطوع، وإماطة الأذى عن الطريق: " عصيت أمر اللَّه "،

стр. 235

كما يقال في الواجب، ولما لم يجز أن يوصف تارك المندوب بالعصيان دلَّ على أن المندوب غير مأمور به حقيقة. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن تارك المندوب لم يسم عاصياً بسبب أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، فلو سمي تارك المندوب عاصياً لالتبس مع الواجب، لذلك أسقط اللَّه تعالى الذم عن تارك المندوب. بيان نوع هذا الخلاف: لقد اختلف في هذا الخلاف على قولين: القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له. وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق أصحاب المذهبين، فلم يبق إلا في إطلاق اسم الأمر على المندوب حقيقة، أو مجازاً. القول الثاني: إن الخلاف معنوي، قد ترتب عليه بعض الآثار والفوائد، منها: ١ - أنه إذا ورد لفظ الأمر، ودل دليل على أنه لم يرد به الوجوب، فإنه يحمل على الندب، دون الحاجة إلى دليل، وذلك بناء على المذهب الأول؛ حيث إن اللفظ عندهم له حقيقتان. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل وذلك لأن حمل اللفظ على المجاز لا يجوز إلا بدلالة؛ لجواز كون الأمر للإباحة. ٢ - أنه إذا قال الراوي: " أمرنا "، أو "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بكذا "

стр. 236

فعلى المذهب الأول: يكون الأمر متردداً بين إرادة الوجوب والندب، فيكون الأمر مجملاً بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود. أما على المذهب الثاني: فإن الأمر يكون للوجوب، وهو ظاهر فيه حتى يقوم دليل على خلافه. *** المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المندوب من الأحكام التكليفية. وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وابن عقيل، وابن قاضي الجبل، وابن قدامة، والطوفي. وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان؛ نظراً لفوات الثواب الجزيل بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل. الدليل الثاني: أن تخصيص الفعل بوعد الثواب يحث العاقل على الفعل، وهذا من الكلفة. فإن قال معترض: إن المندوب غير ملجا لذلك الفعل بالإكراه الشرعي، والمشقة إنما تنشا عن الإلجاء، والمختار لا مشقة فيه. فإنا نقول له: إن هذا الاعتراض يناسب المعنى اللغوي للتكليف

стр. 237

الذي هو: إلزام ما فيه كلفة وهي: المشقة، ولا يناسب المعنى الشرعي للتكليف وهو: " الخطاب بأمر أو نهي "، كما سيأتي. الدليل الثالث: أن التكليف من الشارع هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة، إلا أن ذلك قد يكون بإلزام وذاك هو الإيجاب، وقد لا يكون بإلزام وذاك هو المندوب، فهما قد طلبهما الشارع، ولم يخير في فعلهما أو تركهما، وهما في فعلهما مشقة وكلفة، إلا أنهما يختلفان في الترك، فترك الواجب يزيد في المشقة؛ لأن التارك يعاقب، أما ترك المندوب فلا مشقة فيه؛ لأنه لا عقاب عليه، فتبقى المشقة في المندوب في الفعل فقط. المذهب الثاني: أن المندوب ليس من الأحكام التكليفية. ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدي، وابن الحاجب، والقرافي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسبه بعضهم إلى الأكثرين. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمندوب لا كلفة ولا مشقة فيه، بل هو مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن قياسكم المندوب على المباح قياس فاسد؟ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين المندوب والمباح من وجوه: الوجه الأول: أن المندوب مطلوب فعله، أما المباح فهو مخير بين الفعل والترك.

стр. 238

الوجه الثاني: أن المندوب يثاب المكلََّف على فعله، أما المباح فإن المكلَّف إذا فعله فإنه لا يثاب. الوجه الثالث: أن العقل والشرع يمنعان من ترك المندوبات استصلاحاً ونظراً، لا عزماً وجزماً، بخلاف المباحات، فإن العقل والشرع لا يمنعان من تركها. الدليل الثاني: أن المندوب في سعة من تركه، ولا تكليف في السعة. جوابه: يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن كون الشارع قد جوَّز ترك المندوب لا يعني أنه لم يكلف به، بل كلف به إلا أن ذلك التكليف ليس بإلزام على فعله، - وإلا كان واجباً. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ حيث إنه راجع إلى تفسير التكليف ما هو؟ فمن فسر التكليف بأنه " الخطاب بأمر أو نهي "، أو " الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة ": قال: المندوب من التكليف. ومن فسَّر التكليف بأنه: " إلزام ما فيه كلفة ": قال: المندوب ليس من التكليف؛ لأنه لا إلزام في طلب المندوب. فيكون أصحاب المذهبين متفقين على أن المندوب مطلوب فعله، إلا أن أحدهما نفى عنه اسم التكليف؛ نظراً لعدم الإلزام في طلبه،

стр. 239

والآخر - وهو الذي اخترناه - أثبت له اسم التكليف؛ لوجود المشقة والكلفة في طلبه كما قلنا. *** المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه، أى: لا يصير المندوب واجباً بالشروع فيه مطلقاً. أي: أن المكلف إذا شرع بمندوب، فإنه يجوز له تركه متى ما شاء، فهو مخير بين قطعه وإتمامه، لكن يستحب له الإتمام؛ لما فيه من الثواب، فإن قطعه فلا إثم ولا قضاء عليه. هذا في غير نفل الحج والعمرة، - حيث يجب فيهما الإتمام، أما غيرهما فلا يجب عليه الإتمام - كما قلنا -. ذهب إلى ذلك: الإمام أحمد في رواية عنه، والشافعية، والحنابلة. وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قوله ﷺ : "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر "، فأجاز - هنا - قطع صيام النفل بدون إثم ولا قضاء، فيدل على أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه. الدليل الثاني: ما روي: " أن ﷺ كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر "، وهو واضح في الدلالة على أن المندوب لا يلزم في الشروع فيه. الدليل الثالث: أن عائشة ﵂ قالت: قال لي

стр. 240

رسول اللَّه ﷺ ذات يوم: " يا عائشة، هل عندكم شيء؟ "، فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ ما عندنا شيء، قال: " فإني صائم " قالت: فخرج رسول اللَّه ﷺ فأهديت لنا هدية، ثم عاد فقلت: قد خبأت لك شيئاً، قال: " ما هو؟ " قلت: حيس، قال: "هاتيه "، فجئت به فأكل، ثم قال: " كنت أصبحت صائما ". وجه الدلالة: أنه لو كان الإتمام واجبا لفعله النبي @س) ، ولكنه قطعه ولم يتمه، فدل ذلك على عدم لزوم الإتمام. الدليل الرابع: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على ذلك؛ حيث إن أبا الدرداء، وأبا طلحة، وأبا هريرة، وابن عباس، وحذيفة، كانوا يصومون تطوعا، ثم يقطعون ذلك من غير نكير من بقية الصحابة، فصار بمثابة الإجماع السكوتي على أن النفل لا يلزم بالشروع فيه، فلو أنكر عليهم بعض الصحابة في ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا غيره. الدليل الخامس: قول الصحابي وفعله دلَّ على ذلك، حيث إن البيهقي وعبد الرزاق أخرجا عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا صائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان. وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعا، ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعا، ثم شاء أن يقطعها قطعها. الدليل السادس: آخر النفل من جنس أوله ولا فرق بينهما. فكما أنه مخير في الابتداء بين أن يسُرع فيه وبين أن لا يشرع فيه؟ لكونه نفلاً، فكذلك يكون مخيراً في الانتهاء، وإذا ترك الإتمام فإنما ترك أداء النفل، وذلك لا يلزمه شيئاً.

стр. 241

المذهب الثاني: أن المندوب يلزم بالشروع فيه، فإذا شرع المكلف في أداء المندوب، فإنه يجب عليه المضي فيه وإتمامه. ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وأكثر المالكية على تفصيل في ذلك: فالحنفية ذهبوا إلى أن المكلف إذا شرع في أداء النفل، فيجب عليه الإتمام، فإن خرج منه لعذر: لزمه القضاء، ولا إثم عليه، وإن خرج منه لغير عذر: لزمه القضاء وعليه الإثم. هذا في جميع المندوبات. أما المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه يجب عليه الإتمام إذا شرع في المندوب، فإن خرج منه بغير عذر فعليه القضاء فقط، وإن خرج بعذر فلا قضاء عليه. هذا في سبعة من المندوبات - عندهم - وهي: "الحج المندوب "، و " العمرة المندوبة " - وهذا بالاتفاق بين العلماء - و " طواف التطوع "، و " الصلاة المندوبة "، و "الصوم المندوب "، و " الائتمام: فمن صلى في جماعة امتنع أن يفارق الإمام "، و " الاعتكاف: فمن نوى اعتكاف عشرة أيام وجب عليه إكمالها إذا شرع فيها ". أما ما عدا ذلك من المندوبات - فيجوز - عند المالكية - أن يقطعه إذا دخل فيه. أدلة أصحاب هذا المذهب: استدل هؤلاء على أن المكلََّف إذا شرع في المندوب أو النفل، فإنه يجب عليه إتمامه، ولا يجوز قطعه بأدلة، هي كما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) . وجه الدلالة؛ أن اللَّه نهى عن إبطال الأعمال مطلقا، وهذا يعم

стр. 242

الأعمال الواجبة والأعمال المندوبة، والنهي المطلق يفيد التحريم، فيكون الإبطال حرام، وترك الحرام واجب، فيكون إتمام ما شرعنا فيه واجبا، سواء كان واجبا أصلاً أم مندوباً. جوابه: يجاب عن ذلك بأجوبة: الجواب الأول: أن النهي هنا يحمل على التنزيه، لا على التحريم، والذي صرفه إلى التنزيه الأحاديث السابقة التي ذكرناها ضمن أدلة المذهب الأول؛ حيث إنها خاصة، والآية عامة، وإذا تعارض العام مع الخاص قدم الخاص؛ جمعاً بين الدليلين، وبناء على هذا يكون النهي الوارد في الآية للتنزيه. وإذا ثبت هذا، فإنه يجوز لمن شرع في النفل أن يقطعه مطلقاً. الجواب الثاني: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالردة بدليل الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) . الجواب الثالث: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالرياء، وهو رأي ابن عباس، وابن جريج، ومقاتل، كما نقله بعض المفسِّرين كالزمخشري، والقرطبي، ونقله ابن عبد البر عن أهل السنة. الدليل الثاني: أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله - ٢٥١ -

стр. 243

الله، ماذا فرض اللَّه عليّ من الصلاة؛ قال: " خمس صلوات في اليوم والليلة "، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: " لا، إلا أن تطوع ". وجه الدلالة: أنك إن دخلت في التطوع فإنه يلزمك إتمامه، وإن كان في الأصل هو تطوع، ولا يلزم المكلَّف فعله، لكن لزم بسبب دخولك فيه. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن الاستثناء في قوله: " إلا أن تطوع " منقطع، أي: أنه لا علاقة له بما تقدم بدليل: أن النبي ﷺ قد أبطل تطوعه بفطره بعد نية الصوم، وبدليل حديث عائشة: أن النبي ﷺ لما أكل مما أهدي إليه قال: " كنت أصبحت صائماً "، وبدليل: أن كبار الصحابة كانوا يقطعون صيام النفل من غير نكير. الدليل الثالث: أنه روي: أن عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدى لنا حيس فأفطرنا، ثم سألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: " اقضيا يوماً مكانه ". وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لما أوجب أن تقضي عائشة وحفصة يوماً مكان اليوم الذي أفطرتا فيه، فإنه يشير إلى أن المندوب يلزم بالشروع فيه. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث مرسل، وضعيف، كما قال كثير من علماء الحديث، وذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري "،

стр. 244

وقال عنه الترمذي: " فيه مقال "، وقال عنه أبو داود: " لا يثبت " وإذا كان كذلك فلا يستطيع أن يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة التي أثبتت أن المندوب لا يلزم بالشروع. الجواب الثاني: على فرض ثبوت هذا الحديث، فإن الأمر في قوله: " اقضيا " يحمل على الندب، لا على الوجوب، والقرينة الصارفة هي الأحاديث التي ذكرناها في المذهب الأول. الدليل الرابع: أن النفل يلزم بالشروع؛ قياساً على النفل المنذور، فكما أن النفل المنذور صار لله - تعالى - تسمية بمنزلة الوعد، فهو أدنى حالاً مما صار لله تعالى فعلاً وهو المؤدى. جوابه: يقال في الجواب عنه: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنا نتكلم عن النفل المطلق، وهذا بخلاف النفل المنذور، فإنه قد قيد بالنذر، حيث أوجب الناذر على نفسه ذلك. الدليل الخامس: أن نفل الحج ونفل العمرة يجب بالشروع فيهما، فكذلك أيُّ نفل يشرع فيه يجب إتمامه، ولا فرق، والجامع: أن كلاً من الحج والعمرة وغيرهما يطلق عليه اسم " النفل ". جوابه: يقال في الجواب عنه: إن قياسكم النفل المطلق على نفل الحج والعمرة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن نفل الحج والعمرة يفارق نفل غيرهما من وجهين: الوجه الأول: أن النية في نفل الحج والعمرة لا تختلف عن النية في فرضهما، فهي في كل منهما قصد التلبس بالحج والعمرة، وهذا

стр. 245

ليس متحققاً في غيرهما من النوافل؛ حيث إن نية النفل غير نية الفرض. الوجه الثاني: أنه تجب الكفارة فيهما بالجماع، كما تجب في فرضهما، بخلاف وجوب الكفارة بالإفطار في الصيام، فإنها تجب في الفرض، دون النوافل. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث أثَّر في بعض المسائل الفقهية، وهي أنه إذا دخل في نافلة من النوافل، سواء كانت في الصوم، أو الصلاة، فإنه عند أصحاب المذهب الأول - وهو المختار -: يجوز له قطع ذلك بعذر أو بدون عذر، ولا شيء عليه. أما عند المالكية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل فيه من النافلة، فإنه ينظر: إن كان قطعها بعذر فلا قضاء عليه. وإن كان قطعها بلا عذر فعليه القضاء. أما عند الحنفية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل فيه من النافلة فإنه ينظر: إن كان قد قطع النافلة بعذر فعليه القضاء، ولا إثم عليه. وإن كان قد قطع النافلة بغير عذر فعليه القضاء، وعليه الإثم.

стр. 246

المطلب الثالث في المباح وفيه مسائل: المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا. المسألة الثانية: في حقيقة المباح: أولاً: المباح لغة. ثانياً: المباح اصطلاحا. المسألة الئالثة: في صيغ المباح. المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟ المسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها. المسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟ المسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟ المسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟ المسألة التاسعة: هل يُسمَّى المباح حسنا؟

стр. 247

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا: مناسبة ذكره بعد الواجب والمندوب هي: أن هذه الثلاثة تشترك في فعل المكلف الذي تعلَّق به الحكم الشرعي، لا في تركه. المسألة الثانية: في بيان حقيقة المباح: أولاً: المباح لغة: المباح: اسم مفعول مشتق من الإباحة، وهو يطلق على الإظهار والإعلان، يقال: " باح بسره " أي: أظهره وأعلنه. ويطلق ويراد به: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من بستانه " أي: أذن بالأكل منه، وهذا هو أقرب المعاني لمراد الأصوليين من المباح. ثانيا: المباح اصطلاحا: المباح هو: ما أذن اللَّه - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته. شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: " ما " للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل في ذلك الأحكام التكليفية - كلها - الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وقولنا: " أذن اللَّه تعالى " أي: صدر هذا من اللَّه وهو الشارع الحكيم. وقد احترزنا بذلك من أفعال اللَّه، حيث قيل: إنها خالية من

стр. 248

الثواب والعقاب، ومع ذلك فهي ليست مباحة، فذكرنا هذا القيد؟ لإخراج هذا الزعم؛ لأن الإذن صدر من اللَّه للمكلفين. وقولنا: " للمكلفين " جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي. وخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي والنائم، والبهيمة، فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم. وقولنا: " في فعله وتركه مطلقا " أي: من غير بدل. وخرج بهذا: " الواجب الموسَّع "، و " الواجب المخير"؛ حيث إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة أو تلك من غير ذم ولا مدح في تركها: فالمكلف مخيَّر بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازما على فعلها في وسط أو آخر وقتها. وكذلك في الواجب المخيَّر: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازما على فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين - مثلاً -. فذكرنا في التعريف " مطلقا " لإخراج ذلك، أي: أن الترك في المباح يكون مطلقا غير مشروط. قولنا: " من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه " معناه: أن التارك لا يُذَم، ولا يُمدح، والفاعل لا يُذم ولا يُمدح، فالفعل والترك - وهما الطرفان - متساويان عند الشارع. وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:

стр. 249

١ - " الواجب " لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم. ٢ - " المندوب " لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه. ٣ - " الحرام " لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم. ٤ - " المكروه " لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم. قولنا: " لذاته " أي: تارك المباح وفاعله لا يذم ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى. فخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجباً، وأخرج المباح الذي يستعين به على واجب. وهناك تعريفات أخرى للمباح قد تعرضت لبعضها في كتابي "إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر". المسألة الثالثة: في صيغ المباح: هناك صيغ تستعمل في الإباحة هي كما يلي: الأولى: " الإحلال " أو " أحل "، ومنه قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ، وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) . الثانية: " لا جناح "، ومنه قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) . الثالثة: " لا حرج "، ومنه قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ "، وقوله ﷺ : "افعل ولا حرج ".

стр. 250

الرابعة: صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، فهذا الأمر بالانتشار هو للإباحة، والقرينة التي صرفت الأمر إلى الإباحة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) ، حيث إنه كان الانتشار لطلب الرزق ممنوعاً إذا نودي للصلاة، ثم أباحه بعد الصلاة. المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المباح من الشرع، أي: أنه حكم شرعي، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الراجح؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن الإباحة: تخيير بين الفعل والترك، وهو متوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام الشرعية، فتكون الإباحة حكماً شرعياً. فهذا الدليل قائم على القياس، وهو قياس الإباحة على بقية الأحكام الشرعية، كالواجب والمندوب بجامع: أن كلًّا منها متوقف في وجوده على الشرع. الدليل الثاني: الأفعال ثلاثة أقسام: قسم صرَّح الشرع فيه بالتخيير بين فعله وتركه، فقال: " إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه "، فهذا خطاب من الشارع صريح وهو حكم شرعي.
следующие страницы →