← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع أن يكون ثابتا مستمراً في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن ثابتا فيه بأن لم يشرع فيه أصلاً، أو أنه شرع فيه، لكنه نسخ، فإنه لا يجوز بناء حكم الفرع عليه؛ لأمرين: أولهما: أن كون الشيء مبنيا على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن الصفة ثابتة له. ثانيهما: أنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتا أمكن توجيه المنع عليه، فلا يمكن للمستدل أن ينتفع به قبل إقامة الدليل على ثبوته.

стр. 1857

المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى يشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل مدرك المعنى والعلَّة التي لأجلها شرع هذا الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العِلَّة؛ حيث إن المراد منه تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي العلَّة. أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك عِلَّته كاعداد الصلوات، وركعات كل صلاة، وعدد السعي والطواف، فإنه لا يجوز القياس فيه.

стр. 1858

المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً بعمومه حكم الفرع فمثلاً: لو جعلنا دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام "، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فالنبيذ محرم بالنص، لا بالقياس.

стр. 1859

المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت القياس على الأصل مطلقا، فلم تعتبر هذا الشرط. الدليل الثاني: أنا إذا ظننا كون حكم الأصل معللاً بوصف، ثم علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل، والعمل بالظن واجب. المذهب الثاني: أنه لا يقاس على الأصل إلا إذا قامت الدلالة على جواز القياس عليه. وهو مذهب عثمان البتي البصري. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لم يورد دليلاً على ما زعمه، وما لا دليل عليه فإنه لا يعتمد ولا يعول عليه. الجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة ﵃ -

стр. 1860

حيث إنه من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم فإنه يعلم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علَّة لحكم الأصل في الأصل ووجدها في الفرع وإن لم يقم دليل خَاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل، وجواز القياس عليه، وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: " اعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك "، ولم يفصل. من ذلك: أنهم اختلفوا في قول الرجل لامرأته: " أنت علي حرام "، فقاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم قاسه على الظهار، وبعضهم قاسه على اليمين، ولم ينقل نص خاص، ولا إجماع على القياس على تلك الأصول. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني تصبح دائرة القياس ضيقة جداً، كما هو واضح.

стр. 1861

المطلب التاسع هل يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق العلماء على أن حكمه معلل، ولا يشترط - أيضا - أن تثبت علَّته بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية جاز القياس عليه. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للدليلين اللذين ذكرتهما في " أنه لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه "، وهو المطلب السابق. المذهب الثاني: أن ذلك يشترط فلا يقاس على أصل حتى يدل نص على عين علَّة ذلك الحكم، أو انعقد الإجماع على كون حكمه معللاً. وهو مذهب بشر المريسي المعتزلي. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه. الجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة والواقع من

стр. 1862

فقهاء الإسلام، حيث إنه ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل بواسطة عِلَّة اجتهادية مثل فعلهم في مسألة: " أنت عليّ حرام "، فقاسه بعضهم على الطلاق بعلَّة تختلف عمن قاسه على اليمين. ومثل فعلهم في " مسألة الجد والإخوة " وغيرها. وكذلك فقهاء الإسلام كثيراً ما نراهم يختلفون في عِلَّة الأصل، فمثلاً: حرم التفاضل في بيع البر بالبر، وهذا ثابت بحديث الأشياء الستة، ولكن الفقهاء اختلفوا في العلَّة التي من أجلها حرم هذا التفاضل على أقوال: فقيل: إن العِلَّة هي الطعم، وعليه يحرم التفاضل في كل مطعوم. وقيل: إن العِلَّة هي الاقتيات والادخار، وعليه فإنه يحرم التفاضل فيما يقتات وما يدخر كالأرز والذرة. وقيل: إن العلَّة هي الكيل أو الوزن، وعلى هذا: يحرم التفاضل فيما يكال وَما يوزن ومع ذلك فقد جاز القياس. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إنه بناء على المذهب الثاني تكون دائرة القياس ضيقة جداً، لأن أكثر العلَل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل بتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.

стр. 1863

المطلب العاشر هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين. أي: لا يشترط في الأصل: أن لا يكون محصوراً بالعدد، بل يجوز القياس على الأصل، سواء كان محصوراً أو لم يكن محصوراً. وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لعموم أدلة حجية القياس، فإنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير المحصور إذا أدركت عِلَّة حكم الأصل. المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على الأصل المحصور بالعدد. وهو مذهب بعض العلماء حتى إنهم قالوا: لا يجوز القياس على جواز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنهن محصورات في قوله ﵇: " خمس يقتلن في الحل والحرم ". أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة، وذلك يدل على نفي الحكم عما عداه، أي: أن تخصيص ذلك بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه يمنع أن مفهوم العدد هنا حُجَّة.

стр. 1864

الجواب الثاني: سلمنا أن مفهوم العدد حُجَّة هنا، لكن القياس أقوى منه هنا إذا فهم المعنى الذي لأجله شرع الحكم. الدليل الثاني: أن جواز القياس عليه يبطل الحصر، فلم يجز كما إذا كان القياس يرفع شيئاً من مدلولات النص الدال على حكم الأصل. جوابه: أنا نمنع أن القياس على الأصل المحصور يبطل الحصر، أو يرفع شيئا من مدلولات النص، بل إن القياس يزيد عليه أشياء بشرط الاتفاق مع المذكورات بالعلَّة. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني لا يقاس على الخمس اللاتي يقتلن بالحل والحرم، ولا يقاس على الأشياء الستة في حديث عبادة بن الصامت. أما بناء على المذهب الأول فإنه يقاس على كل شيء إذا وجدت العلَّة.

стр. 1865

المطلب الحادي عشر اشتراط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة قد صرح بها لأن العلَّة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال مثلاً: تجب الزكاة في الحلي للعِلَّة المقتضية لوجوبها في النقد. * * *

стр. 1866

المطلب الثاني عشر بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص فإنه يجوز القياس عليه . لأن النص من الأدلة المثبتة للأصل؛ لأن الأصل ينبني عليه الفرع، ويلحق به، ويعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه. مثاله: قولنا: الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل سبع مرات؛ قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان نجس، فإن منع أحدهم الحكم في ولوغ الكلب دللنا عليه بنص الحديث الذي هو قوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ".

стр. 1867

المطلب الثالث عشر حكم القياس على أصل ثبت عن طريق الإجماع لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز القياس على أصل ثابت عن طريق الإجماع. وهو مذهب جمهور العلماء. وهذا هو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن الإجماع أصل ثابت تثبت به أحكام الشرع، فجاز القياس على الأصل الثابت به كالقياس على ما ثبت بالكتاب والسُّنَّة. الدليل الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثابت بخبر الواحد، وهو يفيد الظن.، فمن باب أَوْلى أن يقاس على أصل ثابت بالإجماع؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد. المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس إلا على الأصل الثابت بالكتاب والسُّنَّة - فقط - ولا يجوز القياس على أصل ثابت بالإجماع مطلقاً. ْوهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن بعض الحنابلة. دليل هذا المذهب: إنه إذا أجمع العلماء على أصل، فإن ذلك الإجماع أو الاتفاق

стр. 1868

حصل عن دليل - وهو مستند الإجماع - فيجب طلب الدليل والمستند، فإنه ربما كان نطقا يتناول الفرع فيغني عن القياس، وربما كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع، فلا يجوز القياس عليه. جوابه: إن الدليل الذي ثبت به الإجماع إن كان نطقاً يتناول الفرع: لم يمنع القياس، بل يقويه. وإن كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع لا يمنع أن يكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه. فإذا لم يوجد ما يمنع القياس على ما ثبت بالإجماع، فإنه يقاس عليه بشرط: معرفة العِلَّة، ولا داعي للنظر فى مستند الإجماع. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإنه لا يجوز إلا على ما شبت بدليلين هما: الكتاب والسُّنَّة، أما على المذهب الأول فإنه يقاس على الأصل الثابت بثلاثة أدلة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، فتكون دائرة القياس عند أصحاب المذهب الثاني أضيق من دائرة القياس عند أصحاب المذهب الأول، ويكون كل قياس الأصل فيه مجمع عليه باطلاً عند أصحاب المذهب الثاني.

стр. 1869

المطلب الرابع عشر هل يشترط في حكم الأصل المقاس عليه أن تجمع عليه كل الأمة، أو يكفي اتفاق الخصمين ؟ لقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع، ولكن اختلف العلماء هل يكفي اتفاق الخصمين أو يشترط اتفاق كل الأُمَّة؛ على مذهبين: المذهب الأول: أنه يكفي اتفاق الخصمين، فلا يشترط أن يكون حكم الأصل المقيس عليه متفقا عليه من كل الأُمَّة؛ حيث إن الخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل، فإن المناظرة تنضبط، ويكون لها فائدة، أما إن كان حكم الأصل مختلفاً فيه، فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع، وهذا هو الحق؛ لما ذكرت. مثال ذلك: قياس الأرز على البر في تحريم ربا الفضل بجامع: الطعم، أو الكيل، فإن الحكم متفق عليه، وإن اختلف في العِلَّة كما سبق. المذهب الثاني: أنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن يكون متفقا عليه بين الأمَّة، ولا يكفي أن يكون الأصل متفقاً عليه بين الخصمين. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن حكم الأصل إذا لم تجمع عليه كل الأمَّة، فإنه يجوز للخصم

стр. 1870

- وهو المعترض -: أن يعلل حكم الأصل بعلَّة قاصرة لا تتعدى إلى الفرع، وإن وافقه المستدل على هذا بطل القياس؛ لعدم وجود المعنى الجامع بين الأصل والفرع. وإن لم يوافقه المستدل على ذلك، بل علل المستدل بعلة أخرى متعدية إلى الفرع: بطل القياس أيضا؛ لأن المعترض قد علل حكم ذلك الأصل بعلة قاصرة، ومنع أن يكون ذلك الشيء الذي أتى به المستدل عِلَّة للأصل. وبيَّن - أي: المعترض - عدم موافقته على أن العِلَّة في حكم الأصل تلك العلَّة المتعدية التي أوردها المستدل، وذكر أَن عِلَّة حكم الأصل هي التي لا تتعدى إلى الفرع. وسموا ذلك بالقياس المركب، وهو: أن يكون الحكم متفقا عليه بين الخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فكل واحد من الخصمين علل الحكم بعلة مخالفة لعلة الآخر، كما في قياس حلي البالغة على حلي الصبية؛ فإن عدم وجوب الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بين الخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فإنه عند أحدهما: لعلَّة كونه حليا، وعند الآخر: لعِلَّة كونه ما، للصبية. جوابه: أنا لو عملنا بهذا الشرط، وهو إجماع كل الأُمَّة على حكم الأصل، فإن ذلك يفضي إلى ندرة الأصل وحكمه المقاس عليه، وبالتالي ندرة القياس كله مما يؤدي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، كما سبق.

стр. 1871

المطلب الخامس عشر حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: لا يجوز القياس على أصل ثبت عن طريق القياس. وهو مذهب جمهور العلماء، فلا يجوز قياس الذرة على الأرز الذي هو مقاس على البر. وهذا هو الحق؛ لأن العلَّة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو في المثال: البر - والأصل الأول - وهو الأرز - إن كانت موجودة في الفرع وهو: الذرة، فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة - على الأصل الثاني - وهو البر - مباشرة؛ لأن ذكر الأصل الأول يكون - حينئذٍ - تطويل من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده وعدم اعتباره. وإن كانت العِلَّة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز، والأصل الثاني وهو البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة -: لم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز -؛ لأنه قد ظهر أن حكم الأصل الأول - وهو الأرز - قد ثبت بعِلَّة غير موجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة القياس: أن تكون عِلَّة الأصل وعِلَّة الفرع متساويتين. المذهب الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس.

стр. 1872

وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة، وهو اختيار أبي عبد اللَّه البصري. دليل هذا المذهب: أنه لما ثبت الحكم في الفرع صار أصلاً في نفسه، فجاز أن يستنبط منه عِلَّة، ويقاس عليه غيره كالنص نفسه، ولا فرق. جوابه: إن هذا يؤدي إلى إثبات حكم في الفرع بغير علَّة الأصل، وذلك لا يجوز. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، كما سبق من المثال.

стр. 1873

المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلف فيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه ؟ لقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على حكم الأصل المنصوص عليه، واتفق عليه الخصمان، وبيَّنت أن الحكم الذي اتفق الخصمان عليه يجوز القياس عليه. لكن إذا نص على حكم أصل، ولكن اختلف الخصمان فيه، فهل يجوز القياس عليه؟ لقد اختلف العلماء فيه على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز القياس على الأصل وحكمه إذا كان منصوصاً عليه، وإن خالف فيه أحد الخصمين، فلا ينظر إلى خلافه، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق. مثاله: قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل ذلك الإناء سبع مرات؛ قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان نجس. فإن منع الخصم في ولوغ الكلب - أي: فإن خالف الخصم في حكم الأصل - فإن المستدل يرد ويقول: إن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات قد ثبت بالنص.، وهو قوله ﵇: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا "، فيصح قياس الخنزير على الكلب، وإن خالف الخصم في الأصل وحكمه.

стр. 1874

لكن صحة هذا مشروطة بأن يكون النص غير شامل للفرع، فإن كان شاملاً للفرع أخذنا حكمه من النص، ولا داعي للقياس. هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لأن الأصل وحكمه يعتبران من أركان القياس، فإذا خالف أحد في هذا الأصل، فيجوز للمستدل أن يثبته بدليل معتمد كالنص وغيره، وهذا حال جميع أركان القياس إذا خالف في أحدها بعض المعترضين، وليس طريق إثبات حكم الأصل مقصوراً على الاتفاق - فقط -، بل يكفي أي دليل يجعل المجتهد يغلب على ظنه أنه قد أثبت ذلك الحكم، والنص يغلِّب الظن، فيجب أن يثبت به الأصل وحكمه كالإجماع، لأن الفرق بينهما تحكم. اعتراض على هذا: قال قائل - معترضاً -: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجوزوا القياس على ما ثبت بالقياس، مع أن القياس يغلب على الظن أنه عبت للأصل. جوابه: إن الأصل عندنا لا يثبت بالقياس، لذلك لا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس، لأن العِلَّة الجامعة بين الأصل الأول والثاني إن كانت موجودة في الفرع، فلَيقم المستدل ويقيسه على الأصل الثاني مباشرة ويكفيه، وإن لم تكن العلَّة موجودة في الفرع لم يصح القياس؛ لأن القياس مبني على وجوَد العِلَّة، وهي هنا ليست كوجودة، لهذا السبب منعنا القياس على ما ثبت بالقياس. المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على المختلف فيه وإن كان منصوصا عليه.

стр. 1875

وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن القياس المختلف فيه بين الخصمين، يؤدي ويفضي إلى الانتقال من مسألة إلى مسألة أخرى، بيان ذلك: أن المستدل إذا قاس على أصل مختلف فيه بين الخصمين، فإن المعترض يمنع ذلك، ويقول: لا أسلم ثبوت ذلك الأصل بذلك النص، فإن أثبت المستدل الأصل بدليل آخر كالمفهوم، أو الإجماع السكوتي، أو نحوهما: جاز للمعترض أن يمنع الاستدلال بذلك، فيكون مختلفاً فيه، وهكذا إن حاول المستدل أن يثبت الأصل بأي دليل عارضه خصمه فيه، فينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى، ويبني الخلاف على الخلاف، وليس أحد الخصمين بأوْلى من الآخر في ذلك، حيث إن كلًّا منهما قد بلغ درجة الاجتهاد. جوابه: إن الأصل وحكمه يثبت بالنص كغيره من أحكام الشريعة كثبوت الأحكام بأخبار الآحاد، والظواهر من النصوص، والمجتهد الذي يثبت حكماً بأي نص يعمل به ويفتي به، ولا يضره مخالفة الخصم وعدم أخذه بذلك النص، فكذلك هنا فإنه يُثبت الأصل وحكمه بأي نصٍ صح عنده ويبني عليه أحكاما أخرى من قياس عليه، ونحو ذلك. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، وهو واضح.

стр. 1876

المطلب السابع عشر هل يُقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس ؟ أو تقول: هل يقاس على حكم الأصل المعدول به عن سنن القياس؟ المراد من ذلك: أن الطريقة المعهودة في القياس الشرعي: كون ذلك الحكم معللاً بعلَّة منصوصة أو مستنبطة، وكون تلك العلَّة موجودة في صور كثيرة، فإذا ورد حكم معدول به عن هذا فهَل يقاس عليه أو لا؟ أقول - في الجواب عن ذلك -: إن الأحكام المشروعة أنواع، سأذكرها وأذكر منها الخارج عن قاعدة القياس، وغير الخارج، فأقول: النوع الأول: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ من أصول أُخر، ولا يعقل معناها كأعداد الصلوات، وأعداد ركعات كل صلاة، ونصب الزكاة، ولِمَ جُعل الركوع مفرداً، والسجود مثنى؟ فهذا النوع لا يجوز القياس فيه؛ نظراً لعدم وجود العِلَّة التي هي أهم ركن من أركان القياس. وهذا غير خارج عن قاعدة القياس؛ لأنه لم يسبقها عموم قياس يمنع منها، ولا يستثنى عن أصول أخر حتى يسمى بالخارج عن القياس، ولكن بعض العلماء سماه بالخارج عن قاعدة القياس، وهذه التسمية مجاز.

стр. 1877

النوع الثاني: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ ويقتطع من أصول أُخر، وهي معقولة المعنى، لكنها عديمة النظير والمثيل. أي: لا يكون له نظير خارج عما يتناوله الدليل الدال على تلك الأحكام، فهذا لا يقاس عليها؛ نظراً لتعذر الفرع الذي هو ركن من أركان القياس. من أمثلته: رخصة المسح على الخفين؛ فإنه معلل بعسر نزعه في كل وقت، وأن الحاجة ماسة إليه، ولكن لا يساويه في هذا المعنى شيء مما يشبهه من بعض الوجوه كالعمامة والقفازين، فلذلك لم يجز قياس شيء منها عليه، وهذا على مذهب من قال: لا يجوز القياس على الرخص. وكذلك رخصة القصر لعذر السفر، فمانه معلل بالمشقة المخصوصة وهي غير حاصلة في حق غير المسافر، فإن الشقة مناسبة ظاهرة لذلك الحكم، ولا يمكن تعليله بمطلق المشقة، وإلا لوجب ثبوت القصر في حق المريض. وكذلك مشروعية القسامة تجب على من لم يدع عليه ولي الدم القتل، ولا تسقط بها عنهم الدية، ووجبت على عدد مخصوص، وجعل الخيار إلى ولي الدم فيمن يحلف، وهذا لا يوجد في غيره. وهذا غير خارج عن قاعدة القياس، لكن القياس هنا امتنع؛ لعدم وجود الفرع - كما سبق قوله -. ولذلك لا يصح ما يقوله بعض الفقهاء: إن توقيت الإجارة خارج عن قياس الأصول كالبيع والنكاح؛ لأنه ليس جعل أحدهما أصلاً والآخر خارجاً عنه بأوْلى من العكس، بل كل واحد منها أصل بنفسه لانظير له.

стр. 1878

النوع الثالث: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة والأصول المقررة، ولا يحقل معناه، وهذا النوع لا يقاس عليه؛ نظراً لفقد العِلَّة التي عليها مدار القياس. من أمثلة ذلك: قبول شهادة خزيمة بمفرده لقوله ﷺ : "من شهد له خزيمة فهو حسبه "، وقوله لأبي بردة: هاني بن نيار الأنصاري - وقد ضحى بالجذع من المعز -: " تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك ". وتسمية هذا النوع بالخارج عن قاعدة القياس تسمية حقيقية؛ حيث إن القاعدة: أن الجذع من المعز لا تجزئ، والقاعدة: أنه لا يقبل في الشهادة إلا شهادة اثنين. النوع الرابع: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة، وهو مخالف للأصول المقررة، وهو معقول المعنى. مثل: مشروعية بيع العرايا - وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بمثل قدره تمراً عن طريق الخرص - فهذا على خلاف القاعدة وهي: النهي عن بيع المزابنة - وهي: بيع التمر بالتمر - ونعلم أنه لم يشرع ناسخا لبيع المزابنة، بل على وجه الاستثناء والاقتطاع عنها لحاجة الفقراء، فيقاس العنب على الرطب؛ لأنه في معناه. وكذلك: ما شرع من رد المصراة، ورد صاع من التمر معها بدل اللبن الموجود في ضرعها؛ فإن هذا لم يشرع لقاعدة ضمان المثليات بالمثل، والمتقومات بالقيمة، ولكنه على وجه الاستثناء من تلك القاعدة؛ لعِلَّة وهي: الحاجة لذلك؛ حيث إن اللبن الكائن في الضرع لدى البيع اختلط باللبن الحادث بعده، ولا يمكن التمييز

стр. 1879

بينهما، ولا يمكن معوفة القدر الموجود في الضرع عند البيع، وكان الأمر قد تعلق بمطعوم، لذلك خلَّص الشارع المتبايعين من المنازعة والوقوع في ورطة الجهل بالتقدير بصاع من التمر، لاشتراكهما في وصف الطعام، ولتقاربهما في القيمة كما قدر دية الجنين بغرة عبد أو امَة، مع اختلاف الجنين بالذكورة والأنوثة، ولما فهمنا المعنى الذي لأجله شرع الحكم قسنا عليه غيره؛ حيث إنا نقول: لو ردَّ المصراة بعيب آخر غير التصرية رد معها أيضا صاعا من التمر بدل اللبن الموجود في الضرع. وهذا النوع قد اختلف فيه هل يجوز القياس عليه أو لا؟ اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان: المذهب الأول: أنه يجوز القياس عليه مطلقا وإن كان خارجا عن قاعدة القياس. هو مذهب كثير من الشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية. وهو الحق؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى، مُدرك العلَّة إما عن طريق النص، أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس على غيره من الأصول الغير المعدول به عن سنن القياس، والجامع: توفر أركان القياس وشروط كل ركن. المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس عليه. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن القياس على المعدول به عن سنن القياس تكثير لمخالفة الدليل؛ لأن قياس الأصول يقتضي أن يكون حكم المعدول عن سنن القياس

стр. 1880

كحكمه، لكن النص أخرجه عنه، فيبقى ما عداه على وفقه، فإخراج غيره عن حكمه تكثير لمخالفته، بخلاف القياس على الأصول الغير المعدول به عن سق القياس؛ فإنه لا يلزم منه مخالفة الدليل. جوابه: إن الشارع إنما يخالف الدليل لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح، وهو شأن صاحب الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة أخرى: وجب أن يخالف الدليل بها - أيضا - عملاً برجحانها، فنحن - حينئذٍ - قد أكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذا النوع معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - أنه على المذهب الأول: يجوز قياس العنب على الرطب، فيجوز بيع العنب بالزبيب، كما جاز بيع الرطب بالتمر. وعلى المذهب الثاني: لا يجوز ذلك. ٢ - أنه على المذهب الأول: يجوز القياس على مسألة المصراة بخلاف المذهب الثاني. النوج الخامس: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير اقتطاع عن أصول أخر، وهي معقولة المعنى، ولها نظير وفروع. فهذا اتفق القائلون بالقياس على أنه يجري فيه القياس. وهو قسم غير خارج عن قاعدة القياس باعتبار وجه من الوجوه. فهذه الأنواع الخمسة اختلف حكم القياس فيها بسبب اختلاف الأحكام فيها.

стр. 1881

المبحث الثاني في الفرع وشروطه وما يتعلق به ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في بيان المراد بالفرع. المطلب الثاني: اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت واختلاف. المطلب الثالث: اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه أو مجمعاً عليه. المطلب الرابع: اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلاً لحكم الأصل في عينه أو جنسه. المطلب الخامس: اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل. المطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا؟ المطلب السابع: هل يشترط في حكم الفرع أن يكون مما ثبت بالنص جملة؟

стр. 1882

المطلب الأول بيان المراد بالفرع لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الفرع هو الحل الذي لم ينص على حكمه كالنبيذ فإنه فرع، والخمر أصل؛ لأن الجميع مسكر. وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن الفرع هو: المفتقر إلى غيره، والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على الحل وهو النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه وهو: الإسكار، فلولا الخمر لا عرفنا حكم النبيذ. المذهب الثاني: أن الفرع هو: حكم تلك الصورة المقيسة، فيكون الفرع - على هذا - تحريم النبيذ. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن حكم الصورة الثانية متفرج عن العِلَّة، والعلَّة متفرعة عن حكم الصورة الأولى، وفرع الفرع فرع لذلك الأصل، فصح أن يكون حكم الصورة الثانية فرعا. جوابه: إن هذا فيه تكلفا واضحا؛ حيث إن الفرع عند الإطلاق ينصرف إلى الفرع المباشر، لا إلى ما كان فرعا بواسطة.

стр. 1883

بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ نظراً لصحة إطلاق الفرع على كل من هذين المذهبين، ولا مانع من ذلك؛ لكن إطلاقه على المذهب الثاني فيه بعض التكلف، فيكون الفرع على المذهب الأول أوْلى. فيكون - على هذا - الأصل هو المحل الذي ورد حكمه في الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع كالخمر، والهرة، والصبي. والفرع هو المحل الذي لم يرد حكمه في كتاب، ولا سُنَّة، ولا إجماع: كالنبيذ، والفأرة، والسفيه، بيان ذلك: أننا لما قسنا النبيذ على الخمر كان عندنا أربعة أركان: الأصل: الخمر، والفرع: النبيذ، والعِلَّة: الإسكار، والحكم: التحريم. ولما قسنا الفأرة على الهرة: كان عندنا أربعة أركان: الأصل: الهرة - الوارد حكمها بقوله ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، والفرع: الفأرة، والعلَّة: كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها، والحكم: طهارة سؤرَ كل منهما. ولما قسنا السفيه على الصبي كان عندنا أربعة أركان: الأصل: الصبي، حيث أجمع العلماء على أنه يحجر عليه - والفرع: السفيه، والعِلَّة: ضعف التصرف، والحكم: الحجر عليهما.

стр. 1884

المطلب الثاني اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت واختلاف وذلك كالإسكار، فإنه موجود في الخمر، وموجود في النبيذ من غير اختلاف، لذلك ألحقنا النبيذ بالخمر، وكالطعم، فإنه موجود في الأرز وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز على البر، والقتل العمد العدوان فإنه موجود في القتك بالمثقل، وموجود في القتل بالمحدد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد، وهكذا. فإن وجد تفاوت واختلاف فإنا ننظر: إن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علَّة الفرع عن عِلَّة حكم الأصل كقول بعضهم: تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياسا على مال المكلف بجامع: أن كلًّا منهما يملك ماله، فإن هذا لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن علَّة حكم الأصل تختلف عن علَّة الفرع؛ حيث إن علَّة الأصل - وهو البالغ -: أنه يملك ماله بالقوة والفعل، أما عِلَّة الفرع فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط. وإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة عِلَّة الفرع: فإن القياس يصح، بل يكون الفرع أوْلى بالحكم من الأَصل، كما في قياس ضرب الوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء في كل، فإن الإيذاء في الضرب أشد.

стр. 1885

المطلب الثالث اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه أو مجمعا عليه أي: يشترط في الفرع: أن يكون خالياً عن نص من كتاب، أو سُنَّة، أو إجماع يصادم وينافي حكم القياس، فإذا كان النص أو الإجماع يخالف القياس فلا قياس، وإلا لزم تقديم القياس على الحكم الثابت بالنص والإجماع، هذا إذا كان النص أو الإجماع يخالف الحكم الذي ورد به القياس. أما إذا كان يوافق القياس فإنا ننظر: إن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو الذي دلَّ على حكم الأصل، فالقياس باطل؛ لأن نسبة دلالة النص أو الإجماع على حكنم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلاً، والأخرى فرعا أوْلى من العكس. وإن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير النص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز عند أكثر العلماء، وهو الحق، لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز؛ لإفادة زيادة الظن.

стр. 1886

المطلب الرابع اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلاً لحكم الأصل في عينه، أو جنسه مثال المماثلة بينهما في العين: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص في النفس بجامع: القتل العمد العدوان. فعين الحكم تعدى إلى الفرع، وهو قصاص النفس، فالحكم في الفرع هو الحكم في الأصل بعينه. ومثال المماثلة بينهما في الجنس: قياس ثبوت ولاية النكاح على الثيب الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها بجامع: الصغر: فقد تعدى جنس الولاية في الفرع، وهو جنس تحته ولاية المال، وولاية النفس، لأن ولاية النكاح من جنس ولاية المال، فإنهما سبب لنفاذ التصرف، وليست عينها لاختلاف التصرفين. وهذا الاشتراط واضح في تعريفنا للقياس، حيث قلنا: " إن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع ".

стр. 1887

المطلب الخامس اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل يشترط: ألا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل مثل: أن يقال: الوضوء شرط للصلاة فتجب فيه النية كالتيمم، ومعلوم أن مشروعية التيمم متأخرة عن مشروعية الوضوء؛ فمشروعية الوضوء كانت قبل الهجرة، ومشروعية التيمم كانت بعد الهجرة في السنة الرابعة، وقيل: في الخامسة. واشترط ذلك: لأن ثبوت حكم الأصل الذي هو وجوب النية في التيمم مقارن لعلته التي هي كونها شرطا في الصلاة، فإذا تقدم حكم الفرع كوجوب النية في الوضوء على حكم الأصل الذي هو وجوب النية في التيمم: لزم تقدمه على عِلَّته المقارنة لحكم الأصل، وهذا لا يصح.

стр. 1888

المطلب السادس هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا ؟ لقد اختلف العلماء فى ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يكفي ظن وجود العِلَّة في الفرع. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لقوله تعالى: (فاعتبروا) حيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم والظن. المذهب الثاني: أنه يشترط حصول العلَّة في الفرع معلوما، لا مظنونا. وهو مذهب بعض العلماء. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لا دليل على هذا المذهب، وما لا دليل عليه لا يعول عليه. الجواب الثاني: أن الظن غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل، فإذا حصل ظن كون الحكم معللاً بذلك الوصف، ثم حصل ظن ثبوت ذلك الوصف في الفرع: حصل ظن أن الحكم في الفرع يماثل الحكم في الأصل، والعمل بالظن واجب. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإن دائرة القياس تكون أضيق من العمل على المذهب الأول، وقد سبق ذكر ذلك.

стр. 1889

المطلب السابع هل يشترط في حكم الفرع: أن يكون مما ثبت بالنص جملة ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز القياس مطلقا. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعموم حديث معاذ السابق الذكر؛ حيث قال: " أجتهد رأيي "، فلم يفصل بين ما ثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال، وبين غيره، وأقره النبي ﷺ على ذلك، فدلَّ على أن القياس لا يشترط فيه تقدم نص مجمل على الفرع. المذهب الثاني: يشترط لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع بالنص على جهة الإجمال. وهو ما ذهب إليه أبو هاشم، حيث نقل عنه أنه يذهب إلى وجوب تناول النصوص لحكم الفرع على جهة الإجمال، والقياس إنما هو للكشف عن مواضعها وانتزاع تفاصيلها، وذلك كميراث الجد مع الإخوة الثابت بنص إجمالي، ثم استعمل القياس لتفصيله، فلولا ورود ميراث الجد لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة الدال عليه الإجماع وإطلاق قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) ، وكذلك القول في سائر الفروع، فاما إثبات فرع لم يتناول حكمه نص على سبيل الجملة فلا يصح.

стр. 1890

دليل هذا المذهب: أن الصحابة لم تستعمل القياس إلا في فروع قد ورد حكمها بنصوص على سبيل الإجمال، ألا ترى إلى قياسهم الجد على ابن الابن، وقياسهم حد شارب الخمر على حد القاذف في تعيين عدد الجلدات لورود حد القاذف بالنص بخلاف الشارب، وهذا على جهة الإجمال. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إنه ثبت بعد تتبع واستقراء ما ورد من الأقيسة التي استعملها الصحابة ﵃ أنهم كانوا يستعملون القياس مطلقاً بدون أن يتقيدوا بهذا الشرط، من ذلك: أنهم استعملوا القياس في الكنايات في الطلاق، ومن ذلك: أنهم قاسوا من قال لزوجته: " أنت عليّ حرام " على الطلاق، وعلى الظهار، وعلى اليمين، وأنهم قاسوا العهد على العقد، وقاسوا الأخوة الأشقاء على الإخوة لأم في المشركة، وقاسوا المفوضة على الزوجة المدخول بها في استحقاق المهر ونحو ذلك، فثبت حكمه ولا نص في الفرع أصلاً لا جملة ولا تفصيلاً. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ لما سبق.

стр. 1891

المبحث الثالث في العِلَّة وشروطها وما يتعلق بها ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في تعريف العِلَّة لغة وأسمائها. المطلب الثاني: في تعريف العِلَّة اصطلاحا. المطلب الثالث: في تقسيمات لمعِلَّة. المطلب الرابع: في طرق ثبوت العلَّة " مسالك العِلَّة ". المطلب الخامس: هل يشثرط: أَن تكون العلَّة مناسبة مشتملة على حكمة قصدها الشارع من تَشريعه؟ المطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية، أو يجوز التعليل بالوصف الخفي؟ المطلب السابع: حكم التعليل بالحكم الشرعي. المطلب الثامن: بيان أنه يشترط في العِلَّة: أن لا تخالف نصا ولا إجماعا. المطلب التاسع: حكم التعليل بالحكمة. المطلب العاشر: هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي وتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي؟

стр. 1892

المطلب الحادي عشر: حكم التعليل بالوصف المركب. المطلب الثاني عشر: حكم التعليل بأكثر من علة " تعدد العلل ". المطلب الثالث عشر: حكم تعليل حكمين أو أحكام بعلة واحدة. المطلب الرابع عشر: هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟ المطلب الخامس عشر: في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به: أن لا يرجع على الأصل بإبطاله. المطلب السادس عشر: حكم التعليل بالاسم الجرد. المطلب السابع عشر: حكم التعليل بالوصف العرفي. المطلب الثامن عشر: هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة؟ المطلب التاسع عشر: بيان أنه يشترط في العِلَّة أن لا تكون معارضة بعلة أخرى. المطلب العشرون: تخصيص العِلَّة.

стр. 1893

المطلب الأول في تعريف العِلَّة لغة، وأسمائها العَلة - بفتح العين - هي: الضرة، وهي الزوجة الثانية، وسميت هذه بالضرة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها من العلل الذي يعنى بها الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل. أما العِلَّة - بكسر العين - فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتل العليل علة صعبة. ولهذا سميت العلَّة في القياس بهذا الاسم؛ لأنها معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل بلا اختيار، ومنه سمي المرض عِلَّة - كما قلنا -؛ لأن المرض إذا حل بشخص تغيرت حاله من النشاط إلى الضعف، ومن الصحة إلى السقم، ومن الفتوة إلى الوهن. وتسمى العِلَّة بالمناط، أي: مناظ الحكم، وهو متعلق الحكم من ناط، ينوط، نوطاً، أي علَّق، يُعلِّق، تعليقا. فمناط الحكم: إذا أضاف الشرع الحكم إليه، وناطه به، ونصبه علامة عليه، فحكم الفرع متعلق بتلك العلَّة: إن وجدت عِلَّة حكم الأصل في الفرع: وجد مثل حكم الأصل للفرع، وإن انتفَت العِلَّة انتفى الحكم. وتسمى العِلَّة: بالوصف المناسب الجامع بين الأصل والفرع. وتسمى العِلَّة بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم. وتأتي بمعنى السبب، ولعل هذا هو المناسب للمعنى الاصطلاحي؛ لأن العلة سبب في ثبوت الحكم في الفرع المطلوب إثبات الحكم له.

стр. 1894

المطلب الثاني في تعريف العِلَّة اصطلاحا لقد عرفت العلَّة بتعريفات كثيرة، وأقربها إلى الصحة هو: الوصف المعرِّف للحَكم. الوصف معنى قائم بالموصوف. وينبغي أن يكون هذا الوصف: وصفا ظاهراً منضبطا مجاوزاً فشتملاً على معنى مناسب للحكم. والمراد بالظاهر: ما كان من أفعال الجوارح كشرب الخمر علة للحلد، والسرقة علة للقطع، والقتل العمد العدوان علة للقصاص، وهكذا. وقيدنا الوصف بكونه ظاهراً لتخرج الصفات غير الظاهرة كالصفات الخفية كالرضى والسخط، كأن يعلل ثبوت البيع برضى العاقدين، فهذا لا يجوز؛ لأنه وصف خفي غير ظاهر: حيث إن الوصف المعلل به يكون معرفا للحكم الشرعي، والخفي لا يصلح أن يكون معرفاً؛ نظراً لخفائه، فهو محتاج إلى التعريف. اعتراض: قال قائل - معترضا -: إن الوصف الخفي يجوز التعليل به، فالوصف وإن كان خفيا، لكنه بدلالة الصيغ الظاهرة عليه كدلالة الإيجاب والقبول على الرضى: يكون من الأوصاف الظاهرة.

стр. 1895

جوابه: التعليل بالوصف الخفي وإن صح في بعض الأحكام؛ لقرينة، لكنه لا يصح في جميع الأحكام؛ لذلك يحصل اختلاف بين حكم وحكم، بخلاف الوصف الظاهر فلا يحصل فيه ذلك. وقيدنا الوصف بكونه منضبطا لبيان أن الوصف المعلل به ينبغي أن يكون مستقراً على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص، ولا الأزمان، ولا الأحوال: فالسفر ثلاثة فراسخ علة إباحة الفطر في رمضان مطلقاً، أي: لجميع الأشخاص المكلَّفين كبيراً أو صغيراً، يتحمل المشاق أو لا يتحمل في صيف أو شتاء، في حالة مرض أو حالة صحة وفتوة. فيخرج بذلك الوصف غير المنضبط كالمشقة، فإنها غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان، والأشخاص، والأحوال، فلو عللنا إباحة الإفطار في رمضان بالمشقة لوقع اضطراب واختلاف بين الأشخاص والأزمان، فتجد بعض الناس يباح له الإفطار؛ لأنه يجد مشقة، وتجد آخر لا يفطر؛ لأنه لا يجد تلك المشقة التي وجدها الآخر، ولأبيح الإفطار في الشتاء دون الصيف أو العكس، وتجد من ركب الراحلة لا يباح له الإفطار؛ حيث إن السفر عليه أيسر، بينما الذي لا يملك الراحلة يباح له ذلك. إذن لا بد من اشتراط الانضباط في الوصف حتى يتحد الناس في الحكم وتسود العدالة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. وقيدنا الوصف بكونه مجاوزاً؛ لبيان أن هذا الوصف ينبغي أن يكون موجوداً في غير محل الحكمْ كالطعم: فإنه موجود في البر الذي هو محل الحكم، وموجود في غيره كالأرز والذرة، ومثل
следующие страницы →