← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المبحث الثالث في العِلَّة وشروطها وما يتعلق بها ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في تعريف العِلَّة لغة وأسمائها. المطلب الثاني: في تعريف العِلَّة اصطلاحا. المطلب الثالث: في تقسيمات لمعِلَّة. المطلب الرابع: في طرق ثبوت العلَّة " مسالك العِلَّة ". المطلب الخامس: هل يشثرط: أَن تكون العلَّة مناسبة مشتملة على حكمة قصدها الشارع من تَشريعه؟ المطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية، أو يجوز التعليل بالوصف الخفي؟ المطلب السابع: حكم التعليل بالحكم الشرعي. المطلب الثامن: بيان أنه يشترط في العِلَّة: أن لا تخالف نصا ولا إجماعا. المطلب التاسع: حكم التعليل بالحكمة. المطلب العاشر: هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي وتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي؟

стр. 1892

المطلب الحادي عشر: حكم التعليل بالوصف المركب. المطلب الثاني عشر: حكم التعليل بأكثر من علة " تعدد العلل ". المطلب الثالث عشر: حكم تعليل حكمين أو أحكام بعلة واحدة. المطلب الرابع عشر: هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟ المطلب الخامس عشر: في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به: أن لا يرجع على الأصل بإبطاله. المطلب السادس عشر: حكم التعليل بالاسم الجرد. المطلب السابع عشر: حكم التعليل بالوصف العرفي. المطلب الثامن عشر: هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة؟ المطلب التاسع عشر: بيان أنه يشترط في العِلَّة أن لا تكون معارضة بعلة أخرى. المطلب العشرون: تخصيص العِلَّة.

стр. 1893

المطلب الأول في تعريف العِلَّة لغة، وأسمائها العَلة - بفتح العين - هي: الضرة، وهي الزوجة الثانية، وسميت هذه بالضرة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها من العلل الذي يعنى بها الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل. أما العِلَّة - بكسر العين - فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتل العليل علة صعبة. ولهذا سميت العلَّة في القياس بهذا الاسم؛ لأنها معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل بلا اختيار، ومنه سمي المرض عِلَّة - كما قلنا -؛ لأن المرض إذا حل بشخص تغيرت حاله من النشاط إلى الضعف، ومن الصحة إلى السقم، ومن الفتوة إلى الوهن. وتسمى العِلَّة بالمناط، أي: مناظ الحكم، وهو متعلق الحكم من ناط، ينوط، نوطاً، أي علَّق، يُعلِّق، تعليقا. فمناط الحكم: إذا أضاف الشرع الحكم إليه، وناطه به، ونصبه علامة عليه، فحكم الفرع متعلق بتلك العلَّة: إن وجدت عِلَّة حكم الأصل في الفرع: وجد مثل حكم الأصل للفرع، وإن انتفَت العِلَّة انتفى الحكم. وتسمى العِلَّة: بالوصف المناسب الجامع بين الأصل والفرع. وتسمى العِلَّة بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم. وتأتي بمعنى السبب، ولعل هذا هو المناسب للمعنى الاصطلاحي؛ لأن العلة سبب في ثبوت الحكم في الفرع المطلوب إثبات الحكم له.

стр. 1894

المطلب الثاني في تعريف العِلَّة اصطلاحا لقد عرفت العلَّة بتعريفات كثيرة، وأقربها إلى الصحة هو: الوصف المعرِّف للحَكم. الوصف معنى قائم بالموصوف. وينبغي أن يكون هذا الوصف: وصفا ظاهراً منضبطا مجاوزاً فشتملاً على معنى مناسب للحكم. والمراد بالظاهر: ما كان من أفعال الجوارح كشرب الخمر علة للحلد، والسرقة علة للقطع، والقتل العمد العدوان علة للقصاص، وهكذا. وقيدنا الوصف بكونه ظاهراً لتخرج الصفات غير الظاهرة كالصفات الخفية كالرضى والسخط، كأن يعلل ثبوت البيع برضى العاقدين، فهذا لا يجوز؛ لأنه وصف خفي غير ظاهر: حيث إن الوصف المعلل به يكون معرفا للحكم الشرعي، والخفي لا يصلح أن يكون معرفاً؛ نظراً لخفائه، فهو محتاج إلى التعريف. اعتراض: قال قائل - معترضا -: إن الوصف الخفي يجوز التعليل به، فالوصف وإن كان خفيا، لكنه بدلالة الصيغ الظاهرة عليه كدلالة الإيجاب والقبول على الرضى: يكون من الأوصاف الظاهرة.

стр. 1895

جوابه: التعليل بالوصف الخفي وإن صح في بعض الأحكام؛ لقرينة، لكنه لا يصح في جميع الأحكام؛ لذلك يحصل اختلاف بين حكم وحكم، بخلاف الوصف الظاهر فلا يحصل فيه ذلك. وقيدنا الوصف بكونه منضبطا لبيان أن الوصف المعلل به ينبغي أن يكون مستقراً على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص، ولا الأزمان، ولا الأحوال: فالسفر ثلاثة فراسخ علة إباحة الفطر في رمضان مطلقاً، أي: لجميع الأشخاص المكلَّفين كبيراً أو صغيراً، يتحمل المشاق أو لا يتحمل في صيف أو شتاء، في حالة مرض أو حالة صحة وفتوة. فيخرج بذلك الوصف غير المنضبط كالمشقة، فإنها غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان، والأشخاص، والأحوال، فلو عللنا إباحة الإفطار في رمضان بالمشقة لوقع اضطراب واختلاف بين الأشخاص والأزمان، فتجد بعض الناس يباح له الإفطار؛ لأنه يجد مشقة، وتجد آخر لا يفطر؛ لأنه لا يجد تلك المشقة التي وجدها الآخر، ولأبيح الإفطار في الشتاء دون الصيف أو العكس، وتجد من ركب الراحلة لا يباح له الإفطار؛ حيث إن السفر عليه أيسر، بينما الذي لا يملك الراحلة يباح له ذلك. إذن لا بد من اشتراط الانضباط في الوصف حتى يتحد الناس في الحكم وتسود العدالة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. وقيدنا الوصف بكونه مجاوزاً؛ لبيان أن هذا الوصف ينبغي أن يكون موجوداً في غير محل الحكمْ كالطعم: فإنه موجود في البر الذي هو محل الحكم، وموجود في غيره كالأرز والذرة، ومثل

стр. 1896

القتل العمد العدوان: فإنه موجود في القتل بالحدد، وموجود في غيره كالقتل بالمثقل، ويُسمَّى ذلك الوصف " علة متعدية ". وخرج بذلك العلَّة القاصرة - وهي التي توجد في محل الحكم ولا توجد في غيره - كالسفر الذي هو علَّة إباحة الفطر في رمضان، والنقدية في الذهب والفضة؛ حيث إنهمَا وصفان لا يوجدان في غير السفر، وغير الذهب والفضة. وقيدنا الوصف بكونه مشتملاً على معنى مناسب للحكم لبيان أن هذا الوصف ينبغي أن يكون مشتملاً على الحكمة التي من أجلها شرع الحكم، فلا يجوز تعليل حكم بعِلَّة لا تناسب الحكم. وقولنا: " المعرِّف " معناه: أن يكون هذا الوصف دالًّا على وجود الحكم في محله، وأنه شُرع لهذا المعين. وخرج بذلك الشرط؛ لأنه ليس معرِّفا للمشروط؛ حيث إنه يصح وجود الشرط بدون وجود المشروط كالطهارة، فإنها شرط للصلاة، لكن قد توجد الطهارة، ولا توجد الصلاة، بخلاف العلَّة فإنها لا يمكن أن توجد بدون المعلول، فإنه كلما وجدت السرقة وجد القطع، وكلما وجد الزنى وجد الجلد أو الرجم، وكلما وجد القتل العمد العدوان وجد القصاص، وهكذا. والمراد بلفظ " الحكم ": الحكم الشرعي، أي: أن هذا الوصف قد عرفنا بالحكم الشرعي. وهذا احتراز عن الوصف المعرف لنقيض الحكم وهو: المانع. اعتراض على هذا التعريف: لقد قال قائل - معترضا -: إنه يلزم من هذا التعريف:

стр. 1897

أنه لا فرق بين العلَّة والعلامة؛ حيث إنه يصدق على العلامة: أنها معرفة للحكم، وَهي ليست عِلَّة، مما يجعلنا أن نقول: إن التعريف غير مانع من دخول العلامة فيه. جوابه: إن الأحكام تضاف إلى عللها، لا إلى علاماتها، فالقصاص مضاف إلى علَّته وهي: القتل العمد العدوان، والرجم مضاف إلى علَّته وهي: الزنى، ولا يضاف الحكم إلى العلامة، فالرجم لا يضَاف إلى الإحصان، لأنه علامته، بل يضاف إلى الزنى. تنبيه: لقد سبق في المسألة الرابعة من المطلب الأول من المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الثاني ذكر تعريفات العلماء للعلَّة، وبيان أن الخلاف بينهم في تعريفها لفظي أثناء بحثنا للسبب من الحكم الوضعي، فلا داعي لإعادته فراجعه من هناك. وقد بينت ذلك بالتفصيل في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " فراجعه فهو مطبوع متداول.

стр. 1898

المطلب الثالث في تقسيمات العِلَّة تنقسم العِلَّة إلى عدة تقسيمات باعتبارت وحيثيات مختلفة هي كما يلي: التقسيم الأول: العلَّة تنقسم من حيث هي إلى قسمين: القسم الأول: العلًّة الشرعية وهي: التي تصير علة بجعل جاعل مثل: المكيل في البر، فإن المكيل موجود في البر قبل مجيء الشرع، لكن الشارع عده عِلَّة لتحريم ربا الفضل، والإسكار في الخمر، حيث إن الإسكار موجود في الخمر قبل مجيء الشرع، ولكن الشارع عده عِلَّة لتحريم الخمر، وهكذا. القسم الثاني: العِلَّة العقلية وهي: التي لا تصير عِلَّة بجعل جاعل، بل بنفسها مثل: الحركة من المتحرك، فإن الحركة علة على كون المتحرك متحركاً من جهة العقل. التقسيم الثاني: العِلَّة تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين: القسم الأول: العِلَّة المنصوصة وهي: ما ثبتت بالنص. أي: ما نص الشارع عليها نصا صريحاً كقوله تعالى: (لئلا يكون للناس على اللَّه حجة) ، وقوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر "، أو ما نص الشارع عليها نصا غير صريح كقوله ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ".

стр. 1899

القسم الثاني: العِلَّة المستنبطة، وهي ما ثبتت باجتهاد المجتهدين كتعليل تحريم الخمر بالإسكار، وتعليل وجوب القصاص على القاتل بالمحدد بالقتل العمد العدوان، وهكذا. وهذان القسمان سيأتي التفصيل فيهما في مسالك العِلَّة إن شاء الله تعالى. التقسيم الثالث: العِلَّة تنقسم من حيث تعديها وعدم ذلك إلى قسمين: القسم الأول: العِلَّة المتعدية وهي: العلة التي توجد في محال وفروع غير المحل المنصوص عليه كالإسكار يوجد في الأصل وهو الخمر، ويوجد في غيره كالنبيذ وأي مسكر، والمكيل يوجد في الأصل وهو البر، ويوجد في غيره كالأرز والذرة. القسم الثاني: العِلَّة القاصرة وهي: العِلَّة التي لا توجد إلا في المحل المنصوص عليه، فلا تتجاوزه إلى غيره مثل: السفر؛ حيث إنه عِلَّة لقصر الصلاة، ولا يوجد في غيره، وكذلك الثمنية أو جوهرية الثمن؛ حيث إنه عِلَّة لتحريم الربا في النقدين، فإن هذا الوصف قاصر على النقدين فقط. التقسيم الرابع: العِلَّة تنقسم من حيث لزوم الوصف أو عدم ذلك إلى قسمين: القسم الأول: الوصف اللازم، وهو: الوصف المعلل به الذي يكون لازما للموصوف لا ينفك عنه مثل: كون البر مطعوما، فإنه يُعلل به تحريم ربا الفضل في البر، والطعم لازم للموصوف لا ينفك عنه.

стр. 1900

القسم الثاني: الوصف غير اللازم، وهو: الوصف غير اللازم للموصوف، أي: ينفك عنه، وهو نوعان: الأول: الوصف الأصلي وهو: ما ثبت بمقتضى الخلقة والطبيعة كالتعليل بوصف البكارة في جواز إجبار البكر على الزواج. الثاني: الوصف الطارئ: كانقلاب العصير خمراً، وإمكان زوال ذلك. التقسيم الخامس: العِلَّة تنقسم من حيث توقف معلولها على شرط وعدم ذلك إلى قسمين: القسم الأول: العلَّة المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا علَّة للرجم، لكن هذا الرجم لا يمكن إلا إذا توفر شرط وهو: كون الزاني محصنا، فالإحصان شرط لرجم الزاني. القسم الثاني: العلَّة غير المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا عِلَّة للجلد، فإن هَذا الجلد يحصل من غير أن يتوقف على شرط الإحصان. التقسيم السادس: العلَّة تنقسم من حيث الدفع والرفع بها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الوصف اِلدافع للحكم والرافع له مثل: الرضاع، فإنه يدفع حل النكَاح، ويرفع النكاح إذا طرأ عليه. القسم الثاني: الوصف الرافع للحكم، وغير الدافع له، مثل: الطلاق، فإنه يرفع حل الاستمتاع.، ولكنه لا يدفعه؛ نظراً لجواز النكاح بعده؛ حيث لا يكون الطلاق مانعا من وقوع نكاح جديد. القسم الثالث: الوصف الدافع للحكم، وغير الرافع له مثل:

стр. 1901

العدة، فإنها تدفع النكاح اللاحق؛ حيث إن العدة تمنع النكاح من غير الزوج، ولكنها لا ترفع النكاح السابق فهو موجود. القسم الرابع: الوصف غير الدافع للحكم، وغير الرافع له، وهذا لا دخل له هنا؛ لأنَّ الدفع والرفع خاصان بالوصف المانع. التقسيم السابع: العِلَّة تنقسم من حيث كونها مع الحكم ثبوتية، أو عدمية تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: العلة الثبوتية والحكم الثبوتي كإثبات الطعم علَّة لثبوت تحريم الربا في البر. القسم الثاني: العِلَّة العدمية، والحكم العدمي كقولنا: عدم الرضا عِلَّة لعدم صحة اَلبيع. القسم الثالث: العلَّة العدمية، والحكم الثبوتي كقولنا: عدم الفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار الملك. القسم الرابع: العلَّة الثبوتية، والحكم العدمي كقولنا: ثبوت الدين عِلَّة لعدم وجوبَ الزكاة. التقسيم الثامن: العِلَّة من حيث نسبتها إلى المكلف وعدم ذلك تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: عِلَّة من فعل المعَلف كقولنا: شرب الخمر عِلَّة لوجوب الحد، فإن الشرب فعل المكلف. القسم الثاني: عِلَّة ليست من فعل المكلف كقولنا: البكارة عِلَّة في ثبوت ولاية الإجبَار في النكاح. التقسيم التاسع: العِلَّة من حيث تعدد أوصافها، وعدم ذلك تنقسم إلى قسمين:

стр. 1902

القسم الأول: العِلَّة ذات الوصف الواحد كقولنا: الإسكار عِلَّة لتحريم الخمر. القسم الثاني: العِلَّة ذات الأوصاف المتعددة، كقولنا: القتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص.

стр. 1903

المطلب الرابع في طرق ثبوت العِلَّة " مسالك العِلَّة " علة حكم الأصل تثبت بطرق ومسالك كثيرة، وهي تنقسم إلى قسمين:. القسم الأول: إثبات العِلَّة عن طريق النقل. القسم الثاني: إثبات العِلَّة عن طريق الاجتهاد. وإليك بيان كل قشم مع الأمثلة فأقول:

стр. 1904

القسم الأول إثبات العلَّة عن طريق النقل " مسالَك العِلَّة النقلية " ويشتمل على ما يلي: الطريق الأول: النص الصريح. الطريق الثاني: النص الظاهر. الطريق الثالث: الإجماع. وفيما يلي بيان كل طريق فأقول:

стр. 1905

الطريق الأول: النص الصريح المثبت للعلية: وهو: ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعا في تأثيره. أي: ما صرح فيه الشارع بكون الوصف علَّة أو سببا للحكم، فيقول - مثلاً -: " اقطعوا يد السارق؛ لعلةَ كذا "، أو " لسبب كذا "، أو " لموجب كذا "، أو " لأجل كذا "، أو " من أجل كذا"، أو " لمؤثر كذا ". ومن أمثلته: قولك: " اقطعوا يد السارق؛ لعلة سرقته، أو لسبب سرقته ". ومنه قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) ، وقوله ﵊: " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وقوله: " إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ". والخلاصة: أن أي صيغة موضوعة للتعليل، ولا تحتمل غيره تعد من قبيل النص الصريح في التعليل. شرط التعليل بالنص الصريح: يشترط في صيغ النص الصريح في العلية: أن لا يقوم دليل يدل على أنه لم يقصد بها التعليل. فإن قام دليل على أن المتكلم لم يقصد التعليل الحقيقي فلا تكون صيغة للتعليل كما لو قلنا لشخص: لِمَ فعلت كذا؛ فقال: لأجل إني أردت، فإن هذه الصيغة وإن كانت صريحة في التعليل إلا أنها ملغاة، حيث إن قرينة الحال هنا تنبي إلى أنه لم يقصد التعليل، ولهذا يقال: إنه استعمل اللفظ في غير محله، فيكون مجازاً.

стр. 1906

الطريق الثاني: النص الظاهر المثبت للعلية: والمراد به: ما لا يكون فاطعا في تأثيره، فيكون يحتمل التعليل ويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح. وألفاظ النص الظاهر في العلية هي كما يلي: ١ - لفظ " كي "، سواء كانت مجردة عن " لا "، كقوله تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) أو كانت مقرونة بها كقوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) . ويشترط فيها: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملاً. وبعضهم جعلها من النص الصريح. ٢ - لفظ " اللام "، كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ، وقوله: (ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) . ٣ - لفظ " أنْ " بفتح الهمزة، وتخفيف النون، ومنه قوله تعالى: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا) ، ومنه قولك: "جئت أن أعطى " أي: للإعطاء. ٤ - لفظ " إنْ " بكسر الهمزة، وتخفيف النون، وهي الشرطية، والشروط اللغوية أسباب كقولك: " إن تقم أقم معك " يعني: علة قيامي هي: قيامك. ٥ - لفظ " أنَّ " بفتح الهمزة وتشديد النون كقوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) ، ودخلها التعليل بسبب تقدير لام العِلَّة، والمراد: لئلا يرجعون. ٦ - لفظ " إن" بكسر الهمزة، وتشديد النون، ومنه قوله

стр. 1907

تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) ، وقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) ، وقوله ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته فمات: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه، فإن اللَّه يبعثه يوم القيامة ملبياً ". و" أنَّ "، و " إنَّ " تكونان من ألفاظ النص الظاهر في العلية، سواء دخلت عليهما الفاء أو لا، فيقال: " فأنَّ " أو " فإنَّ ". ٧ - لفظ " الباء " كقوله تعالى: (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) ، وقوله: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) ، وقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم) . والباء تأتي للتعليل إذا كانت سببية، وهي التي تصلح في الغالب أن تحل اللام محلها. ٨ - لفظ " إذ " بكسر الهمزة، وسكون الذال، كقوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) أي: لأجل ظلمكم في الدنيا، وهي بمنزلة اللام، ومنهم من قال: إنها للتعليل، ولكن هذا التعليل لم يستفد من لفظها، ولكنه مستفاد من المعنى. وقال بعض العلماء: إنها لا تكون - للتعليل، ومعنى الآية هنا: إذ ثبت ظلمكم. ٩ - لفظ " الفاء " التي بمعنى السببية، ومثالها في النفي المحض قوله تعالى: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) ، ومثالها في الطلب المحض قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) .

стр. 1908

وبعضهم منع أن تكون الفاء للتعليل. ١٠ - لفظ " لعل "، ومنه قوله تعالى: (اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، وهو مذهب الكوفيين. وبعضهم منع أن تكون " لعل " تفيد التعليل. ١١ - لفظ " حتى " المرادفة للفظ " كي " كقوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم) ، ومنه قولك: " راجع دروسك حتى تنجح "، ومنه قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم) ، وقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) . ولفظ " حتى " تحتمل أن تكون للاستثناء، ومنه قوله تعالى: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) . ١٢ - ذكر المفعول له كقوله تعالى: (لأمسكتم خشية الإنفاق) ، وقوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) . ١٣ - لفظ " إذن "، ومنه قوله تعالى: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) . والخلاصة: أن أي لفظ يحتمل التعليل، ويحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً، أو أخذ التعليل من معنى النص لا من لفظه: فهو من قبيل النص الظاهر المثبت للعلية. *** الطريق الثالث: الإجماع المثبت للعلية: والمراد به: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علَّة للحكم المعين.

стр. 1909

ومن أمثلة العِلَّة المجمع عليها: أن البكر الصغيرة يولى عليها، والعِلَّة هي: الصغر اتفاقا، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب التولية عليها بجامع: الصغر. مثال آخر.: أن الأخ الشقيق مقدم في الإرث على الأخ لأب، والعلَّة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأب واختلاطهما إجماعا. ويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية النكاح، وتحمل العاقلة بجامع: امتزاج النسبين. مثال ثالث: أن الغاصب يضمن ما أتلف من مال، والعلَّة: كون التالف مالاً قد تلف تحت اليد العادية إجماعا. فيقاس على ذلك: السارق، فإنه يضمن ما أتلف - وإن قطعت يده - والعِلَّة: أنه مال تلف تحت اليد العادية.

стр. 1910

القسم الثاني من أقسام طرق ثبوت العلَّة: ثبوت العلَّة عن طريق الاجتهاد " مسالكَ العِلَّة الاجتهادية " ويشتمل على ما يلي: الطريق الأول: الإيماء إلى العِلَّة. الطريق الثاني: المناسبة والإخالة. الطريق الثالث: السبر والتقسيم. الطريق الرابع: تنقيح المناط. الطريق الخا مس: الدوران. الطريق السادس: الوصف الشبهي " الشبه ".

стр. 1911

الطريق الأول في الإيماء إلى العِلَّة ويشتمل على بيان الإيماء وهو التمهيد، وبيان أنواعه: أما التمهيد فهو في تعريف الإيماء، والفرق بينه وبين النص والظاهر على العلة. أما الأنواع فهي: النوع الأول: أن يذكر الوصف، ثم يذكر الحكم بعده، وهو مقترن بالفاء. النوع الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط. النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة. النوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم لو لم يكن الحكم معللاً به لما كان لذكره فائدة. النوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين بذكر صفة تشعر بأنها هي علة التفرقة في الحكم. النوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر في أثنائه شيئاً آخر لو لم يقدر كونه علة لم يكن له تعلق بأول الكلام ولا بآخره. النوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن يكون علة لذلك الحكم.

стр. 1912

التمهيد في تعريف الإيماء والفرق بينه وبين النص والظاهر على العِلَّة أولاً: الإيماء لغة هو: بمعنى الإشارة، مأخوذ من " وما إليه " "يمأ"، و " - مئا "، ويأتي الإيماء بمعنى الإشارة بالرأس، أو باليد. وبعضهم يطلق على ذلك: " الإيماء والتنبيه "، وهما لفظان متقاربان في المعنى لغة. ثانيا: الإيماء اصطلاحا هو: اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيداً، فيحمل على التعليل؛ دفعا للاستبعاد. ويراد به: أن يكون التعليل مفهوما من لازم مدلول اللفظ وضعا. والفرق بينه وبين النص الصريح والظاهر على العلية: أن النص الصريح على العلية يشترط فيه: أن يكون اللفظ موضوعا للتعليل، ولا يحتمل غيره. والنص الظاهر على العلية يشترط فيه: أن يترجح أن اللفظ موضوعا للتعليل مع احتمال غيره. أما الإيماء إلى العِلَّة فهو: أن اللفظ فيه لا يكون موضوعا للتعليل، وإنما يفهم التعليل منه من السياق، أو القرائن اللفظية الأخرى.

стр. 1913

النوع الأول - من أنواع الإيماء -: أن يذكر الوصف ثم يذكر الحكم بعده وهو مقترن بالفاء: أولاً: بيان ذلك با لأمثلة والدليل: ومن الأمثلة: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) ، وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وقوله؛ (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: " من بدل دينه فاقتلوه "، وقوله: " من أحيا أرضا ميتة فهي له ". فإن في هذه الأمثلة دلالة على أن الوصف المتقدم - وهو السرقة، والزنى، والأذى، وتبديل الدين، وإحياء الأرض - علَّة للحكم وهو: وجوب القطع، والجلد، والاعتزال، والقتل، وتمليك الأرض. ودليل ذلك: أن الفاء ظاهرة في أنها للتعقيب، ولهذا فإنه لو قيل: " جاء زيد فعمرو "، فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب زيد من غير مهلة، فكذلك هنا فإن ذكر الحكم وهو مقترن بالفاء بعد وصف مباشرة يلزم منه أمران: أولهما: ثبوت الحكم عقيب ذلك الوصف من غير مهلة. ثانيهما: السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سببا إلا ما ثبت الحكم عقيبه وبعده مباشرة. وليس ذلك قطعا، بل ثبت ذلك بالاجتهاد؛ لأن الفاء في اللغة ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى " ثم " في إرادة التأخير مع المهلة، غير أنها ظاهرة في التعقيب.

стр. 1914

ثانيا: هل تشترط المناسبة للوصف المومأ إليه؟ لقد اختلف العلماء في الحكم المترتب على الوصف هل يشترط لإشعاره بكون الوصف عِلَّة: أن يكون الوصف مناسباً لذلك الحكم، أو لا يشترط ذلك؛ على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا تشترط المناسبة للحكم. أي: أن ذكر الوصف أولا، ثم ذكر الحكم بعده، وهو مقرون بالفاء يدل على أن ذلك الوصف سبب وعلَّة لذلك الحكم مطلقا، أي: سواء كان ذلك الوصف مناسباً للحكم، كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، وما ذكر معه من الأمثلة، أو لم يكن مناسباً للحكم كقوله ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ "، فإن عِلَّة وجوب الوضوء هي: مس الذكر، وإن لم نعلم مناسبة هذا الوصف لذلك الحكم. وهذا هو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، وابن الحاجب، وصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأنا لو قلنا: إن الوصف المومأ إليه الخالي عن المناسبة لا يصلح أن يكون عِلَّة للحكم، فإنه يلزم على هذا القول أحد أمرين هما: الأمر الأول: إما أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلاً. الأمر الثاني: إما أن تكون له عِلَّة أخرى غير ذلك الوصف. أط الأمر الأول - وهو: أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلاً - فهو باطل لوجهين: الأول: أن الحكم بدون العِلَّة والحكمة عبث، والعبث محال على الله سبحانه.

стр. 1915

الوجه الثاني: أن الحكم مع عِلَّته أكثر فائدة مما إذا لم يكن كذلك، ومما لا شك فيه أن حمل تصرفات الشارع على ما هو أكثر فائدة أوْلى وأليق، لا سيما إذا علمنا أن الغالب في تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء والعرف. أما الأمر الثاني - وهو: أن تكون له علَّة أخرى غير ذلك الوصف فهو باطل - أيضا -؛ لأن ذلك الغيرَ معدوم، والأصل بقاء ما كان على ما كان. وعلى هذا: فإنه يتعين ذلك الوصف الخالي عن المناسبة علَّة للحكم. المذهب الثاني: أنه تشترط المناسبة للحكم. أي: أن الوصف المذكور قبل الحكم المقرون بالفاء لا يدل على العلية إلا إذا كان مناسبا لذلك الحكم، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه قد استقبح عرفا أن يقال: " أكرموا الجهال "، وهذا الاستقباح إنما جاء من أن الجهل مانع من الإكرام، فالأمر بإكرام الجاهل إثبات للحكم مع قيام المانع وهو: الجهل، إذن لا بد أن يكون الوصف الدال على العلية مناسبا للحكم. جوابه: إن الجاهل قد يستحق الإكرام بسبب جهة أخرى غير جهله، كان يكون ذلك لكرمه، أو لشجاعته، أو لنسبه، فيتضح أن الجهل لا يكون مانعا من الإكرام.

стр. 1916

ثالثاً: بيان أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في ذلك: قول الراوي: " سهى رسول اللَّه ﷺ فسجد"، وقوله: "رض يهودي رأس جارية فأمر به رسول اللَّه ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين "، وقوله: " زنا ماعز فرجم "، فإن هذا القول مثل كلام الشارع - السابق الذكر -. أي: أن الراوي إذا ذكر وصفاً ثم ذكر بعده حكما مقروناً بالفاء، فإنه يُفهم أن ذلك الوصف سبب وعِلَّة لذلك الحكم. ففي الأمثلة السابقة: يكون السهو هو علَّة وسبب السجود، ويكون رض اليهودي رأس الجارية هو سببَ وعلَّة رض رأسه بين حجرين، ويكون الزنا هو سبب رجم ماعز، وهكذا في جميع الأمثلة المماثلة لذلك، كما قلنا فيما صدر من الشارع من غير فرق، إلا أن كلام الشارع - سواء كان من اللَّه أو من رسوله - أقوى في الدلالة على العلية والسببية من كلام الراوي؛ لأن كلام الشارع لا يتطرق إليه من الخلل والزلل والخطأ الذي يمكن أن يتطرق لكلام الراوي. أدلة ذلك: لقد دلَّ على أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في فهم السببية والعلية أدلة من أهمها: الدليل الأول: أن الراوي وهو الصحابي الذي شهد له اللَّه تعالى ورسوله بالعدالة، وبذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه لا يمكن أن يُعبر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة، ذلك لأنه يعلم - تمام العلم - أنه لو عبر بهذا اللفظ الذي يفهم السببية وهو ليس كذلك، فإنه يكون ملبساً ومدلسا في دين اللَّه، ويعم

стр. 1917

فساده؛ لأن هذه الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلفين إلى قيام الساعة، وهذا كله يتنزه عنه الصحابى الذي اختاره اللَّه لصحبة نبيه، ولنقل الشريعة كما هي إلى من بعده. الدليل الثاني: أن الصحابي لا يمكن أن يعبر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان كذلك بحكم كونه من فصحاء العرب، وكونه عارفاً: لمواقع الكلام، ومجاري اللغة، وعالما بدلالات الألفاظ واشتقاقاتها، وأساليبها. رابعا: هل يشترط الفقه في الراوي الذي فهمنا من كلامه السببية أو لا؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يشترط في الراوي: أن يكون فقيهاً. أي: أن الراوي الفقيه إذا ذكر وصفا ثم ذكر بعده حكما مقرونا بالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب وعلة لذلك الحكم. وهو مذهب أكثر العلماء. وهو الحق؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه أقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه. المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فالراوي إذا ذكر وصفا، ثم ذكر بعده حكما مقرونا بالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب وعلة لذلك الحكم مطلقا، أي: سواء كان الراوي فقيها، أو غير فقيه. وهو مذهب بعض العلماء.

стр. 1918

دليل هذا المذهب: أن التعبير بلفظ يفهم منه السببية والعلية لا يقتبس من الفقه، ولكنه يستفاد من اللغة ودلالات الألفاظ، لذلك اشتراط الفقه من الراوي لامعنى له. جوابه: أن الراوي لو نقل إلينا نص اللَّه تعالى، أو نص رسوله ﷺ فنحن نوافقكم على هذا. أما إذا رأى عملأ عمله رسول اللَّه ﷺ ، وأراد أن يعبر عنه بلفظه وأسلوبه الخاص، فلا بد أن يكون عالما ومدققا بدلالات الألفاظ - كما قلتم - وعالماً بفقه الأحكام ومقاصد الأفعال، ومراد الشارع من كلامه وفعله. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ فبناء على المذهب الأول: فإن كلام الراوي الفقيه في ذلك يفيد السببية والعلية بدون قرائن أخرى، أما كلام الراوي غير الفقيه فإنه لا يفهم السببية والعلية إلا بواسطة قرائن أخرى، وبناء على المذهب الثاني: فإن كلام الراوي يفيد السببية مطلقا وبدون قرائن. *** النوع الثاني - من أنواع الإيماء -: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط: فإذا وردت أداة من أدوات الشرط، فإن فعل الشرط يكون وصفا وعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.

стр. 1919

ومن أمثلته: قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) . فورود الوصف وهو تقوى اللَّه - فعلاً للشرط " من " يدل على أنه عِلَّة وسبب للحكم وهو: إخراجه من الضيق الذي هو فيه. وأيضاً قوله ﷺ : "من اتخذ كلباً - إلا كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان ". فيكون هنا: سبب وعِلَّة نقصان أجره هو اتخاذه للكلب. ووجه جعل ذلك من الإيماء إلى العِلَّة: أن الجزاء والجواب يتعقب فعل الشرط ويلازمه، ولا ينفك عنه، ومعروف: أن السبب يثبت الحكم عقيبه، ويوجد بوجوده. وهذا يعني: أن الشرط في مثل هذا المقام سبب للجزاء والجواب. تنبيه: بعض العلماء جعلوا هذا النوع من النص الظاهر على العلَّة. والحق أنه من ثبوت العِلَّة عن طريق الاجتهاد، من نوع الإيماء؛ حيث يحتاج إلى بعض النظر والاستدلال. النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة فإن ذلك يغلِّب على الظن: كون ذلك السؤال عِلَّة لذلك الحكم: مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: " ماذا صنعت؟ " قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: " اعتق رقبة.. ". أي: أسألك عن حكم ذلك، فلما قال له النبي ﷺ :

стр. 1920

"اعتق رقبة " غلب على الظن: أن الوقاع - وهو الجماع في نهار رمضان - عامداً عِلَّة لوجوب الكفارة. ووجه كون الوقاع سببا وعِلَّة للحكم: أنه لما كان الحكم الذي ذكره رسول اللَّه ﷺ جوابا عن سؤال الأعرابي، فإنه يتضمن أن يكون السؤال معاداً في الجواب تقديراً، فكأنه قال له: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان فكفِّر بكذا. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا -: إن ما ذكره الرسول ﷺ يحتمل أن يكون جواباً عن سؤال الأعرابي، ويحتمل أن يكونه جوابا عن سؤال آخر، أو هو ابتداء كلام مستأنف، أو هو زجر للأعرابي عن الكلام، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. جوابه: إن هذه الاحتمالات قد تتصور عقلاً، لكنها ممتنعة هنا؛ لأن قول الرسول ﷺ : "اعتق رقبة " لو لم يكن جوابا عن سؤال الأعرابي: للزم خلو سؤال الأعرابي عن الجواب مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا. اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه يحتمل أن النبي ﷺ علم أنه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت.

стр. 1921

جوابه: أن الغالب في السؤال: أن يكون في وقت الحاجة، ونحن نعمل على الغالب الأعم، أما ما قلتموه - وإن كان محتملاً - لكنه مرجوح؛ لأنه نادر الوقوع، ولا يعمل على النادر. *** النوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو لم يكن الحكم معللاً به لما كلان لذكره فائدة: - ولذلك نقول: إن هذا يفيد العلية ظنا؛ لأمرين: أولهما: أنه لو لم يكن كذلك لكان ذكره لغواً وعبثاً لا فائدة فيه. ثانيهما: أنه إذا كان ذكر عديم الفائدة في كلام العقلاء لا يجوز، فعدم وروده في كلام الشارع أوْلى. فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، وذلك صيانة لكلام الشارع عن اللغو والعبث وعدم الفائدة. حالات هذا النوع: الحالة الأولى: أن يُسأل النبي ﷺ عن حكم شيء ما، فيسأل النبي ﷺ عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف يقول حكمه فيه، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علَّة لذلك الحكم الذي نطق به بعده. مثاله: أن النبي ﷺ سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال ﵊: " أينقص الرطب إذا جف؟ "، فقالوا: نعم، فقال: " فلا إذن ".

стр. 1922

فقد دلَّ سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن هذا النقصان عِلَّة لعدم جواز بيعه رطبا. ولو لم يفهم منه ذلك: لا كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة. الحالة الثانية: أن يتوجه سؤال إلى النبي ﷺ عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول ﷺ حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبها على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فيفيد أن ذلك الوصف عِلَّة لذلك الحكم. مثاله: أن امرأة من جهينة جاءت إلى الرسول ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؛ فقال: " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يجزئ عنها؟ " قالت: نعم، قال: " فدين اللَّه أحق أن يقضى ". فهنا: قد ذكر النبي ﷺ نظير دين اللَّه، وهو دين الآدمي، ونبه على التعليل به؛ لكونه عِلَّة الانتفاع، ولو لم يكن قد ساقه لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثا، ففهم من هذا: أن نظيره في المسؤول عنه - وهو دين اللَّه وهو: الحج - كذلك عِلَّة لمثل ذلك الحكم، وهو النفع. الحالة الثالثة " أن يذكر الشارع وصفا ظاهراً في محل الحكم ابتداء من غير سؤال، لو لم يكن هذا الوصف مؤثرأ في الحكم لكان ذكره عبثاً. مثاله: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نُبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: " تمرة طيبة وماء طهور "، فقد نبَّه ﷺ على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.

стр. 1923

الحالة الرابعة: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل آخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن: أن ذلك الوصف عِلَّة لذلك الحكم. مثاله: أنه روي عن النبي ﷺ أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة، فقال ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ". بيان ذلك: أنه حصل عند الناس إشكال وهو: أن النبي ﷺ لما رآه الناس قد امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب استشكلوا دخوله عند قوم آخرين وعندهم هرة، اعتقاداً منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم ﷺ : أن الحكم مختلف، فإن الهرة طاهرة، وليست بنجسة، وعلَّة طهارتها: كثرة تطوافها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في الطهارة لما كان لذكره فائدة. تنبيه: ويمكن أن يعرف أن كثرة التطواف عِلَّة الطهارة سؤر الهرة بطريق النص الظاهر على العلية - كما سبق بيانه -. *** النوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم: بأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علَّة التفرقة في الحكم ما دام قد خصها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علَّة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وذلك فيه إلباس لا يمكن أن يرد من الشارع: وهذا يكون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون حكمهما مذكوراً في خطاب واحد، وتقع التفرقة فيما يلي:

стр. 1924

١ - أن تقع التفرقة بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) ، فقد فرق بينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذة. ٢ - أن تقع التفرقة بلفظ الاستثناء كقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) ، فقد فرق بين لزوم النصف وعدمه في ضمن الاستثناء. ٣ - أن تقع التفرقة بلفظ الغاية كقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) ، فقد فرق في الحكم بين الطهر والحيض في جواز القربان من عدمه. ٤ - أن تقع التفرقة فيه باستئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر كقوله ﷺ : " للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم " فهنا: فرق بين الراجل والفارس، ووجه الفرق بين الموصوفين في الحكم: هو ذكر وصفين هما الراجلية والفارسية. ٥ - أن تقع التفرقة بلفظ الشرط والجزاء كقوله ﷺ : " لا تبيعوا البر بالبر ... " إلى قوله: " فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد "، فهنا: قد حصل التفريق بين منع بيع الجنس بجنسه متفاضلاً، وبين جواز بيعه بغير جنسه، ولو لم يكن ذلك لعلية الاختلاف بين الأمرين، لكان بعيداً عن المراد. الحالة الثانية: أن يكون حكم أحد الأمرين مذكوراً في هذا الخطاب كقوله ﷺ : "القاتل لا يرث "، فإن هذا مشعر بأن عِلَّة حرمانه من الإرث هو: القتل.

стр. 1925

النوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئاً آخر: لو لم يقدر لمحونه عِلَّة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام لا بأوله، ولا بآخره مما قد يعتبر خبطا واضطراباً في الكلام يتنزه الشارع عنه. مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) . فيفهم من هذا: أن عِلَّة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من السعي إلى الجمعة؛ لأنناً لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقا، فإنه متناقض مع قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع) ، ويكون خبطا في كلام الشارع واضطرابا فيه. فلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو وقت: كونه شاغلاً عن السعي للجمعة. *** النوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن يكون عِلّة لذلك الحكم: كقوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) فعِلَّة جعل الأبرار في الجنة هي: البر، وعِلَّة جعل الفجار في النار هي: فجورهم. وهذا الحكم عام في كلام الشارع، وكلام المكلَّفين، ولا فرق بينهما: فغالب كلام وألفاظ الشارع قد اعتبرت فيه المناسبة. وكذلك كلام المكلَّفين العقلاء قد اعتبرت فيه المناسبة، ومن ذلك

стр. 1926

قولهم: " أكرم العلماء وأهن الفساق "، فهنا يفهم: أن علَّة إكرام العلماء هي: العلم، وعِلَّة إهانة الفساق هي: الفسق. حالات هذا النوع: الحالة الأولى: الوصف الذي اعتبر وكان عِلَّة في نفسه وذاته كما مثلنا فيما سبق: فإن العلم هو بنفسه الوصف الذي اعتبر عِلَّة لإكرام العلماء. الحالة الثانية: الوصف الذي اعتبر وكان اعتباره؛ لكونه يحتمل: أن العِلَّة ما تضمنه ذلك الوصف واشتمل عليه. ومثاله: قوله ﷺ : " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ". فهنا: نرى أن الشارع قد نهى عن القضاء مع الغضب، والعلَّة ليست هي نفس الوصف المناسب - وهو الغضب - ولكن العلَّة هي: " الدهشة المانعة من تركيز الفكر "، التي تضمنها وصف الغضب. وسبب قولنا ذلك: أنا لما علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم المبرح ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه: علمنا أن عِلَّة المنع ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر. وهذا ما ذهب إليه الغزالي، وفخر الدين الرازي، وكثير من العلماء. أما كثير من العلماء فقد ذهبوا إلى أن علَّة النهي عن القضاء هي: نفس الغضب، فالغضب - عند هؤلاء - هي: العِلَّة المانعة من القضاء؛ لأن فيه تشويشاً للفكر، واضطراب الحال يؤدي إلى عدم

стр. 1927

العدل والإنصاف والدقة التي ينبغي للقاضي أن يكون حكمه على وفْقها، ولهذا تجدهم قد جعلوا الوصف - وهو الغضب - من أمثلة الحالة الأولى. وذكروا: أن الحديث وإن دلَّ بظاهره على أن مطلق الغضب علَّة إلا أن جواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضَب ليس بعلَّة، بل المقصود بالغضب المانع من القضاء إنما هو الغضب الشديد الذي يشوش الفكر، ويمنع القاضي من استيفاء النظر والفكر. جوابه: أنا نمنع كون نفس الغضب هو العلَّة؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجوداً وعدماً، وانقطع عن الغضب وجوباً وعدما، وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلاً؛ لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش، فعلمنا بذلك أنه ليس بينهما ملازمة، وحينئذٍ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون الغضب عِلَّة، بل العِلَّة إنما هو التشويش - فقط -. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز قياس كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، وحصر البول، والألم، ونحو ذلك؛ حيث إن العِلَّة متعدية. أما بناء على المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العِلَّة هي نفس الغضب - فلا يجوز القياس على الغضب غيره - حيث إن العلَّة عندهم قاصرة، فلا يجوز قياس الجوع والألم عليه. تنبيه: لا مانع من أن يكون مثال واحد ينطبق على أكثر من نوع من أنواع الإيماء إلى العِلَّة، وحيمئذ يكون الإيماء فيه من عدة جهات بحسب جهة النظر فيه.

стр. 1928

الطريق الثاني من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالمناسَبة والإخالة ويشتمل على ما يلي: أولاً: تعريف المناسبة، وسبب تسميتها بالإخالة. ثانيا: الدليل على أن المناسبة قفيد العلية. ثالثاً: أقسام المناسب. رابعا: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟

стр. 1929

أولاً: تعريف المناسبة وسبب تسميتها بالإخالة: ١ - المناسب لغة يأتي بمعنى المشاكل للشيء، يقال:، ليس بينهما مناسبة " أي: مشاكلة. ويأتي لفظ " ناسب " بمعنى: أشرك في النسب، يقال: " ناسبه " أي: أشركه في نسبه. ويطلق على الملائمة، ومنه قولهم: " تلائم القوم والتأموا " إذا اجتمعوا، واتفقوا، وتناسبوا. ٢ - والمناسب في الاصطلاح هو: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. والمراد بالمصلحة: اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة: الألم ووسيلته. وكل من المصلحة والمفسدة يكون على البدن، والنفس، ويكون في الدنيا والآخرة. وإنما أتي بعبارة: " يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء "؛ لأن العاقل متى ما خير، فإنه مما لا شك فيه يختار المصلحة ودفع المفسدة. وأتي بلفظ: " الظاهر المنضبط "؛ لأن الخفي منه وغير المنضبط غير معتبر؛ لأنه غير معلوم، فلا يمكن أن يعرف الحكم به. وما خفي من الأوصاف يلجأ فيها إلى مظنتها الظاهرة المنضبطة. فمثلاً وجوب القصاص لم يُعلل بالعمد؛ لأن العمدية فيه خفية؛ حيث إن القصد وعدمه من الأمور النفسية التي لا يدرك شيء منها،

стр. 1930

وإنما علل القصاص وأنيط بما يلازم العمدية من الأعمال المخصوصة التي يتحقق فيها العمدية، وهو القتل بأحد الآلات الجارحة، فصارت العِلَّة: " القتل العمد العدوان ". كذلك: المشقة قد تظهر أنها مناسبة لترتب الحكم - وهو الإفطار في السفر - عليها تحصيلاً للمصلحة المقصودة وهي التخفيف، لكن المشقة لما كانت غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان والأشخاص: تعذر جعلها عِلَّة الحكم، وجعل نفس السفر هو العِلَّة؛ لأنه مظنتها. وتسمى المناسبة بالإخالة؛ لأن بها يخال ويظن أن الوصف هو العلَّة. *** ثانياً: الدليل على أن المناسبة تفيد العلية: الدليل يتكون من مقدمتين، ونتيجة، وإليك بيان ذلك: المقدمة الأولى: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد. المقدمة الثانية: أن هذا الحكم مشتمل على هذه الجهة من المصلحة. النتيجة: أنه يغلب على الظن أنه إنما شرع الحكم الفلاني لأجل تلك المصلحة. وإليك الاستدلال على المقدمة الأولى، والثانية، والنتيجة فأقول: أما المقدمة الأولى - وهي: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد - فإنه قد دلَّ عليها ما يلي: الدليل الأول: أن اللَّه تعالى حيم بإجماع المسلمين، ولا معنى لحكمته إلا أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه مصلحة؛ لأن هذا شأن الحكيم.
следующие страницы →