← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

قولهم: " أكرم العلماء وأهن الفساق "، فهنا يفهم: أن علَّة إكرام العلماء هي: العلم، وعِلَّة إهانة الفساق هي: الفسق. حالات هذا النوع: الحالة الأولى: الوصف الذي اعتبر وكان عِلَّة في نفسه وذاته كما مثلنا فيما سبق: فإن العلم هو بنفسه الوصف الذي اعتبر عِلَّة لإكرام العلماء. الحالة الثانية: الوصف الذي اعتبر وكان اعتباره؛ لكونه يحتمل: أن العِلَّة ما تضمنه ذلك الوصف واشتمل عليه. ومثاله: قوله ﷺ : " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ". فهنا: نرى أن الشارع قد نهى عن القضاء مع الغضب، والعلَّة ليست هي نفس الوصف المناسب - وهو الغضب - ولكن العلَّة هي: " الدهشة المانعة من تركيز الفكر "، التي تضمنها وصف الغضب. وسبب قولنا ذلك: أنا لما علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم المبرح ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه: علمنا أن عِلَّة المنع ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر. وهذا ما ذهب إليه الغزالي، وفخر الدين الرازي، وكثير من العلماء. أما كثير من العلماء فقد ذهبوا إلى أن علَّة النهي عن القضاء هي: نفس الغضب، فالغضب - عند هؤلاء - هي: العِلَّة المانعة من القضاء؛ لأن فيه تشويشاً للفكر، واضطراب الحال يؤدي إلى عدم

стр. 1927

العدل والإنصاف والدقة التي ينبغي للقاضي أن يكون حكمه على وفْقها، ولهذا تجدهم قد جعلوا الوصف - وهو الغضب - من أمثلة الحالة الأولى. وذكروا: أن الحديث وإن دلَّ بظاهره على أن مطلق الغضب علَّة إلا أن جواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضَب ليس بعلَّة، بل المقصود بالغضب المانع من القضاء إنما هو الغضب الشديد الذي يشوش الفكر، ويمنع القاضي من استيفاء النظر والفكر. جوابه: أنا نمنع كون نفس الغضب هو العلَّة؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجوداً وعدماً، وانقطع عن الغضب وجوباً وعدما، وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلاً؛ لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش، فعلمنا بذلك أنه ليس بينهما ملازمة، وحينئذٍ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون الغضب عِلَّة، بل العِلَّة إنما هو التشويش - فقط -. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز قياس كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، وحصر البول، والألم، ونحو ذلك؛ حيث إن العِلَّة متعدية. أما بناء على المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العِلَّة هي نفس الغضب - فلا يجوز القياس على الغضب غيره - حيث إن العلَّة عندهم قاصرة، فلا يجوز قياس الجوع والألم عليه. تنبيه: لا مانع من أن يكون مثال واحد ينطبق على أكثر من نوع من أنواع الإيماء إلى العِلَّة، وحيمئذ يكون الإيماء فيه من عدة جهات بحسب جهة النظر فيه.

стр. 1928

الطريق الثاني من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالمناسَبة والإخالة ويشتمل على ما يلي: أولاً: تعريف المناسبة، وسبب تسميتها بالإخالة. ثانيا: الدليل على أن المناسبة قفيد العلية. ثالثاً: أقسام المناسب. رابعا: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟

стр. 1929

أولاً: تعريف المناسبة وسبب تسميتها بالإخالة: ١ - المناسب لغة يأتي بمعنى المشاكل للشيء، يقال:، ليس بينهما مناسبة " أي: مشاكلة. ويأتي لفظ " ناسب " بمعنى: أشرك في النسب، يقال: " ناسبه " أي: أشركه في نسبه. ويطلق على الملائمة، ومنه قولهم: " تلائم القوم والتأموا " إذا اجتمعوا، واتفقوا، وتناسبوا. ٢ - والمناسب في الاصطلاح هو: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. والمراد بالمصلحة: اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة: الألم ووسيلته. وكل من المصلحة والمفسدة يكون على البدن، والنفس، ويكون في الدنيا والآخرة. وإنما أتي بعبارة: " يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء "؛ لأن العاقل متى ما خير، فإنه مما لا شك فيه يختار المصلحة ودفع المفسدة. وأتي بلفظ: " الظاهر المنضبط "؛ لأن الخفي منه وغير المنضبط غير معتبر؛ لأنه غير معلوم، فلا يمكن أن يعرف الحكم به. وما خفي من الأوصاف يلجأ فيها إلى مظنتها الظاهرة المنضبطة. فمثلاً وجوب القصاص لم يُعلل بالعمد؛ لأن العمدية فيه خفية؛ حيث إن القصد وعدمه من الأمور النفسية التي لا يدرك شيء منها،

стр. 1930

وإنما علل القصاص وأنيط بما يلازم العمدية من الأعمال المخصوصة التي يتحقق فيها العمدية، وهو القتل بأحد الآلات الجارحة، فصارت العِلَّة: " القتل العمد العدوان ". كذلك: المشقة قد تظهر أنها مناسبة لترتب الحكم - وهو الإفطار في السفر - عليها تحصيلاً للمصلحة المقصودة وهي التخفيف، لكن المشقة لما كانت غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان والأشخاص: تعذر جعلها عِلَّة الحكم، وجعل نفس السفر هو العِلَّة؛ لأنه مظنتها. وتسمى المناسبة بالإخالة؛ لأن بها يخال ويظن أن الوصف هو العلَّة. *** ثانياً: الدليل على أن المناسبة تفيد العلية: الدليل يتكون من مقدمتين، ونتيجة، وإليك بيان ذلك: المقدمة الأولى: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد. المقدمة الثانية: أن هذا الحكم مشتمل على هذه الجهة من المصلحة. النتيجة: أنه يغلب على الظن أنه إنما شرع الحكم الفلاني لأجل تلك المصلحة. وإليك الاستدلال على المقدمة الأولى، والثانية، والنتيجة فأقول: أما المقدمة الأولى - وهي: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد - فإنه قد دلَّ عليها ما يلي: الدليل الأول: أن اللَّه تعالى حيم بإجماع المسلمين، ولا معنى لحكمته إلا أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه مصلحة؛ لأن هذا شأن الحكيم.

стр. 1931

الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) ، ومن مقتضى التكريم والتشريف الذي خلق اللَّه الإنسان عليه أن لا يكلف بما لا فائدة له فيه؛ لأن ذلك ينافي تكريمه وتشريفه، ومفهوم هذا: أنه لو كلف فإنه لا يكلف إلا بما فيه مصلحة. الدليل الثالث: أنه ثبت من استقراء النصوص الشرعية أن الله رحيم بعباده، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه أرسل الرُّسُل رحمة بالناس أجمعين، مما لا يقبل معه شك في أنه سبحانه أراد مصلحتهم، ولم يشرع ما فيه ضرر عليهم، وأنه تعالى لم يرد بعباده العسر، وإنما أراد لهم اليسر، وكل هذا يدل بوضوح على أن التكاليف بأسرها للمصالح؛ لأن تكليف الناس بما لا فائدة معه في غاية العسر والمشقة والحرج، وليس فيه رحمة، ولا رأفة، بل يتحقق معه من الضرر ما ينافي كونه رحيما رؤوفا بالعباد. الدليل الرابع: أن أحكام اللَّه: إما أن تكون مشروعة للإضرار بالعباد، أو مشروعة لا لمصلحة لهم، ولا له، أو مشروعة لمصلحة عباده. أما الأول - وهو كونها مشروعة للإضرار بالعباد - فهو باطل؛ لأنه يكون بذلك ظالماً، والظلم عليه سبحانه محال؛ لقوله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعالمين) ، وقوله: (وما ربك بظلام للعبيد) ، ولإجماع المسلمين على أن الظلم منتف عليه تعالى. وأما الثاني - وهو: كون الأحكام ليست مشروعة لمصلحة عباده ولا له - فهو باطل - أيضاً -؛ لأنه يؤدي إلى القول بأنه شرعها عبثا، والعبث على اللَّه محال؛ لقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) ، وقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً) ، ولإجماع المسلمين على أنه تعالى محال أن يوصف بالعبث.

стр. 1932

فلم يبق إلا الثالث - وهو: أن اللَّه تعالى إنما شرع الأحكام لمصلحة العباد ونفعهم -. أما المقدمة الثانية - وهي: أن هذا الحكم مشتكل على هذه الجهة من المصلحة - فالدليل عليها: أن القول بأن الحكم الفلاني مشروع للمصلحة الفلانية مبني على أننا وجدناه كذلك من اشتماله على تلك المصلحة. وأما النتيجة - وهي: أنه غلب على الظن أنه إنما شرع الحكم الفلاني لأجل تلك المصلحة - فالدليل عليها أن يقال: إن الحكم لم يشرع إلا لمصلحة - كما سبق -، وهذه المصلحة إما أن تكون هي نفس المصلحة الظاهرة لنا، أو غيرها. أما الثاني - وهو: أن تكون غير المصلحة الظاهرة لنا - فهو باطل؛ لأن الأصل عدم مصلحة أخرى يضاف إليها الحكم. وإذا ثبت أن غير هذا الوصف ليس عِلَّة لهذا الحكم ثبت ظن غالب أن هذا الوصف هو العِلَّة لهذا الحكم. *** ثالثاً: أقسام المناسب من حيث تأثيره وعدم تأثيره: المناسب بهذا الاعتبار ينقسم إلى خمسة أقسام هي كما يلي مرتبة على حسب القوة: القسم الأول: المناسب المؤثر وهو: ما ظهر تأثير عين الوصف في عين الحكم المتنازع فيه بالإجماع أو النص، أو ما ظهر تأثير عينه في جنس الحكم. مثال ما ظهر تأثير عين الوصف في عين الحكم: أن الحرة الحائض

стр. 1933

تسقط عنها الصلاة بالنص والإجماع لوصف مناسب وهو: مشقة التكرار؛ حيث إن الصلاة تتكرر، فلو وجب قضاؤها لشق عليها ذلك، فهنا قد ظهر تأثير عين الوصف - وهو المشقة - في عين الحكم وهو: سقوط الصلاة. فنقيس الأُمَّة على الحرة في ذلك؛ لأنهما يشتركان في مشقة التكر ار. مثال آخر: أن الثيب الصغيرة تزوج لصغرها، ثم يبين أن عين الصغر ظهر تأثيره بالإجماع في الولاية في حق الابن، وفي ولاية المال، فهنا قد ظهر عين هذا المعنى في عين هذا الحكم في محل آخر، فعدي ذلك الحكم بعينه - وهو الولاية - بتلك العِلَّة بعينها - وهو: الصغر - إلى محل النزاع، وهو الثيب الصغيرة. ومثال ما ظهر تأثير عين الوصف في جنس الحكم: أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب في الميراث، فيقاس على ذلك تقديمه في ولاية النكاح، فهنا: قد أثر امتزاج النسبين - وهو عين الوصف - في جنس الحكم وهو مطلق الولاية. القسم الثاني: المناسب الملائم وهو: ما ظهر تأثير جنس الوصف في جنس ذلك الحكم مثل: سقوط قضاء الصلاة إذا علل بالحرج والمشقة، فإن هذا من جنس معاني الشرع وملائم له إذا نظرنا إلى إسقاط الشرع كثيراً من التكاليف بأنواع من الكلفة، كما هو الشأن في السفر والمرض. القسم الثالث: المناسب الغريب وهو: الذي لم يظهر تأثيره ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع مثل: أن المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث، لأن الزوج قصد الإضرار بها، والفرار من ميراثها، فيعامل

стр. 1934

بنقيض قصده على ما هو متبع في القواعد الشرعية، قياسا على القاتل في عدم توريثه؛ لأنه استعجل الإرث بجامع وهو: أن كلاً منهما قد استعجل أمراً قبل أوانه، ومن استعجل أمراً قبل أوانه عوقب بحرمانه. فتعليل حرمان القاتل بهذا الوصف لم يناسب جنسا من تصرفات الشرع، مع أنه يبدو مناسبا. تنبيه: لقد اختلف العلماء في المراد بالمناسب المؤثر، والملائم والغريب اختلافا عظيما حتى أن بعض العلماء قد عرف المؤثر بما عرف به الآخرون الملائم، وعرف بعضهم الغريب بما عرف به الآخرون الملائم، وعرف بعضهم المؤثر تعريفا شاملاً لأنواع أربعة، وبعضهم حصره في نوعين وهكذا، وقد ذكرت بعضا من ذلك في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فراجعه فهو مطبوع متداول. القسم الرابع: المناسب المرسل، وهو الذي لم يشهد له أصل معين بالاعتبار، ولا بالإلغاء، وهو موضوع المصلحة المرسلة التي سبق الكلام عنها في الأدلة المختلف فيها. ومثاله: قياس شارب الخمر على القاذف؛ حيث إن الناس لما استحقروا الحد المشروع في الخمر جمع عمر بن الخطاب كثيراً من الصحابة وشاورهم في الأمر، فقال علي ﵁: " من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن عليه حد المفتري " فأخذوا بقوله؛ أخذاً بالمصلحة. القسم الخامس: المناسب الملغى، وهو: الوصف الذي لم يشهد

стр. 1935

له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، وقد ظهر إلغاؤه، وإعراض الشارع عنه في جميع صوره. مثاله: أن بعض فقهاء الأندلس قد أفتى بأن على المجامع في نهار رمضان: كفارة وهي: صيام شهرين متتابعين، فهذا فيه مصلحة وهي: منع هذا المكثر من الجماع في نهار رمضان من فعله، ولكن هذه المصلحة قد خالف نصا وهو حديث الأعرابي الذي رتب الكفارة على ما يلي: عتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكين. لذلك اتفق العلماء على عدم الأخذ بهذا القسم. *** رابعاً: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة. وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي، وبعض العلماء، ونسبه بعضهم إلى أكثر العلماء، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن المصلحة متى ما عورضت بمفسدة مساوية، أو راجحة، فإن العمل بالمصلحة حينئذِ لا يُعدُّ من المصلحة عند العقلاء، بل يكون عبثا يخرجه العقل عن كونه مناسبا إلى كونه غير مناسب. الدليل الثاني: أن المفسدة إذا كانت مساوية للمصلحة أو راجحة عليها، فإن هذا يقتضي عقلاً أن لا مصلحة حينئذِ.

стр. 1936

فلو أن رجلاً - مثلاً - اشترى ثوباً بعشرة ريالات، ثم قال لوكيله: " بع هذا الثوب بعشرة ريالات، أو بثمانية "، فإن هذا القول لا يقبل منه؛ لأنه يؤدي أن لا يربح، ولو فعل رجل ذلك لعد منه خروج عن تصرفات العقلاء. الدليل الثالث: استقراء أحكام الشريعة والعقل قد دلا على أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، بيان ذلك: أنه بعد استقراء وتتبع الأحكام الشرعية وجدنا أنه عند تعارض المفسدة مع المصلحة، فإنه يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة في كثير من الأمور. والعقل حاكم في ذلك أيضاً؛ لأن في دفع المفسدة مصلحة أيضاً، وعلى هذا لا يجوز العمل بمصلحة معارضة بمفسدة مساوية لها أو راجحة عليها. المذهب الثاني: أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة مطلقا. وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه قد ورد من الشارع ما يدل على إعمال المناسبتين المتعارضتين، وعدم بطلانهما بذلك التعارض. كالصلاة في الدار المغصوبة، فقد رتب عليها الثواب من حيث كونها صلاة، والعقاب من حيث كونها مغصوبة، وكذلك البيع وقت النداء الثاني للجمعة قد رتب عليه الملك؛ لأنه بيع صحيح الأركان، والعقاب؛ لأنه وقع في وقت النداء المنهي عنه.

стр. 1937

ففي هذين المثالين نرى الشارع قد رتب على جهة المصلحة والمفسدة مقتضاهما. جوابه: إن الكلام في مصلحة تعارضها مفسدة في شيء واحد، أما ما ذكرتموه في المثالين فإنه ليس كذلك؛ حيث إن مفسدة الغصب لم تكن قد نشأت من الصلاة، بدليل: أنه يأثم إذا أشغل المغصوب واستعمله ولو لم يصل، وكذلك فإن مصلحة الصلاة لم تنشأ من الغصب بدليل: أن صلاته صحيحة إذا أداها في غير الأرض المغصوبة، فلم يحصل التعارض بين مصلحة الصلاة، ومفسدة الغصب؛ حيث لا تعارض بين المقتضى الذاتي، والمقتضى الخارجي. الدليل الثاني: أن السلطان لو ظفر بجاسوس من أعدائه، فإنه يحسن منه أمران: " عقابه "، و " العفو عنه ": فقد يعاقبه زجراً لأمثاله وتأديبا لهم، وقد يحسن إليه ويعفو عنه إما لكشف أسرار عدوه عن طريق هذا الجاسوس، وإما أنه عفى عنه للاستهانة بعدوه، وفعل السلطان هذا لا يعد خارجاً به عن مقتضى المناسبة والحكمة، وسواء في ذلك ما إذا كانت المناسبتان متساويتين، أو إحداهما أرجح من الأخرى. جوابه: لا نسلم أن هذا التصرف من السلطان حسن على الإطلاق، بل لا بد أن يفعل الأرجح منهما، ولو فعل المرجوح منهما لا يكون تصرفه وفعله موافقاً لتصرفات العقلاء، ولا يكون مناسبا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: بعدم بطلان المناسبة بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية -

стр. 1938

أرادوا من العلَّة الوصف المؤثر المعرف للحكم، ولم يريدوا جملة ما يتوقف عليه المعلول، ولا دخل لوجود الشرط، وعدم المانع في التأثير اتفاقا، بل المؤثر نفس الوصف، وقد تخلف الحكم عنه، وهو موجود قطعا. أما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية - فإنهم أرادوا من العِلَّة أنها جملة ما يتوقف عليه المعلول من وصف مؤثر معرف للحكم، ووجود شرط وعدم مانع، ولا شك أن هذه الجملة تزول إذا تخلف الحكم لفقد شرط، أو وجود مانع. وهذا لا يمنع اتفاق أصحاب المذهبين على أن العِلَّة في غير موضع التخلف تامة صحيحة يترتب عليها المعلول، وفي موضع التخلف غير تامة، والحكم معدوم، وهو لم يترتب على العِلَّة إلا أن العدم عند أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة - مضاف إلى عدم وجود العلَّة، أي: أن المناسبة لما بطلت بمعارضة مفسدة راجحة أو مساوية كأنها لم توجد. والعدم عند أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون بعدم بطلانها - مضاف إلى وجود المانع، أو تخلف شرط. أي: أن المناسبة موجودة لم تبطل بمعارضة تلك المفسدة الراجحة، أو المساوية، ولكن لم يعمل بها؛ نظراً لوجود مانع، أو تخلف شرط. إذن اتفق الفريقان على المعنى وهو: أنه لا يُعمل بالمناسبة المعارضة بمفسدة راجحة أو مساوية، ولكن اختلفوا في سبب عدم العمل. فأصحاب المذهب الأول قالوا: إن السبب هو: كون المناسبة معارضة بالمفسدة فأسقطتها. وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إن السبب هو: وجود المانع.

стр. 1939

الطريق الثالث من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ئبوت العِلَّة بالسبر والتقسيم ويشتمل على ما يلي: أولاً: تعريف السبر والتقسيم. ثانيا: أسماء هذا الطريق. ثالثا: أقسام التقسيم، وتعريف كل قسم، وشروطه، وبيان إفادة كل قسم للعلية. رابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها وإبطالها.

стр. 1940

أولأ: تعريف السبر والتقسيم: ١ - السبر والتقسيم لغة: السبر لغة: الأصل، واللون، والهيئة، والمنظر، ومنه قولهم: " حسن السيرة " أي: حسن الهيئة. وهو يطلق على الاختبار، ومنه قولهم: " سبرت الجرح " أي: نظرت ما غوره. والتقسيم لغة هو: مأخوذ من قسم الشيء إذا جزأه وفرقه. ٢ - السبر والتقسيم اصطلاحا: السبر اصطلاحا هو: اختبار الوصف في صلاحيته وعدمها للتعليل والتقسيم اصطلاحا هو: حصر الأوصاف المحتملة للتعليل بان يقال: العِلَّة إما كذا أو كذا. ٣ - المراد بهذا الطريق هنا: المراد بالسبر والتقسيم: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلل بها حكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال ما لا يصح بدليل، فيتعين أن يكون الباقي عِلَّة. فمثلاً: أن يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البر ثبت لعلة، والعلة هذه يحتمل أن تكون: كونه مكيلاً، أو كونه مطعوما، أو كونه مقتاتا، أو كونه مدخراً، أو كونه موزونا، أو كونه مالاً، وعجز عن استنباط عِلَّة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى بالتقسيم.

стр. 1941

ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها، ويسقط ما لم يجده مناسبا، وما لا يصلح لتعليل الحكم به بحيث يبقى ما يمكن التعليل به وعجز عن إبطاله، وهو كونه مكيلاً - مثلاً - فهذا يُسمى بالسبر. مثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة. أما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت العلَّة الضغر لثبتت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظراً لوجود نفسَ العلَّة فيها، وهذا مخالف لنص وهو قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها"، وهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل بالثاني وهو: البكارة. *** ثانيا: أسماء هذا الطريق: بعض العلماء يطلق عليه: " السبر " فقط، وبعضهم يطلق عليه "التقسيم " فقط، وبعض ثالث يطلق عليه " السبر والتقسيم " معا، وهذا هو المنتشر، وهو الصحيح؛ لأن هذا الطريق لثبوت العِلَّة يتكون منهما معا، فلا يغني السبر عن التقسيم، ولا يغني التقسيم عن السبر. اعتراض على عبارة: " السبر والتقسيم ": قال قائل - معترضا -: إنه من خلال معرفتنا لتعريف السبر والتقسيم، فإنه من الأنسب تقديم التقسيم على السبر في الذكر ما دام أنه متقدم عليه في الواقع ونفس الأمر، فيقال: " التقسيم والسبر؛ حيث إن التقسيم متقدم في الوجوب على السبر كما سبق في التعريف، والأمثلة.

стр. 1942

جوابه: إن التسمية الصحيحة هي: " السبر والتقسيم " كما صححنا ذلك؛ لأمرين: أولهما: أن الأصل هو السبر؛ لأنه هو الذي يؤثر في معرفة العلية، وأما التقسيم فقد وجد بسبب: أن السبر يحتاج إلى شيء يسبر. ثانيهما: أن محل السبر هو التقديم على التقسيم في العمل، وذلك لأن المجتهد أولاً يسبر ويختبر المحل هل فيه أوصاف، أو هو تعبدي؛ ثم إذا أثبت أن فيه أوصافاً فإنه يحصر تلك الأوصاف، ويقسمها، ثم يسبر ثانياً، فقدم السبر في اللفظ باعتبار السبر الأول. *** ثالثاً: أقسام التقسيم: ينقسم التقسيم إلى قسمين: القسم الأول: التقسيم الحاصر، وهو ما يكون دائراً بين النفي والإثبات. وطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقوم المجتهد بحصر الأوصاف التي تنقدح في الذهن مما يمكن تعليل حكم الأصل فيه، ثم يختبرها بالأدلة والأمارات التي سلكت في اعتبار الوصف المنايسب للعلية، ثم يبطل ما لا يصلح منها بواحد من طرق الإبطال والحذف التي ستأتي - إن شاء اللَّه - فما يتبقى بعد هذا الحذف والإبطال يعتبر هو الوصف الذي يتعين للتعليل به عند المجتهد.

стр. 1943

فمثلاً: يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا الحكم إما أن لا يكون معللاً بعلَّة أصلاً، أو يُعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة، أو يعلل بغيرهما. أما الأول - وهو: أن يكون الحكم غير معلل - فهو باطل بالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تعليل هذا الحكم. وأما الثاني - وهو أنه معلل بالصغر - فهو باطل أيضا؛ لأن الحكم لو كان معللاً بالصغر للزم عليه ثبوت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة، وهذا مخالف للنص، وهو قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها". وأما الرابع - وهو أن الحكم معلل بغير الصغر والبكارة - فهو باطل بالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على عدم وجود غير هذين الأمرين لتعليل الحكم بهما. فلم يبق إلا الثالث وهو: أن الحكم معلل بالبكارة. مثال آخر: أنه اختلف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه، فقال بعض الغلماء: بالرجوع إلى قول القائف، وقال آخرون: نقبل القرعة فيه، وقال فريق ثالث: بالتوقف، فلا ينسب الولد إلى واحد منهما، وقال فريق رابع: يثبت النسب منهما جميعاً. فإذا أفسدنا وأبطلنا الأقوال الثلاثة الأولى بأي طريق من طرق الإبطال، فإنه يصح القول الرابع، وهكذا في جميع الأمثلة. بيان أن هذا القسم يفيد العلية بالاتفاق: التقسيم الحاصر يفيد العلية إما قطعاً، وإما ظنا. فيفيد العلية قطعا في حالة كون الحصر للأقسام وإبطال الأوصاف

стр. 1944

غير الصالحة بطريق قطعي، وهذا قليل في الشرعيات، لكنه يكثر في العقليات. ويفيد العلية ظنا إذا كان الحصر وإبطال الأوصاف غير الصالحة، ورد بطريق ظني، وهو كثير في الشرعيات، ومن أمثلته ما سبق. شروط هذا القسم: هذا القسم - وهو الحاصر - لا يصح ولا يُثبت العِلَّة إلا بشروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل معللاً بالاتفاق؛ لأن الحكم إذا لم يجمع على تعليله وحصر المجتهد جميع علل هذا الحكم، فإنه لا يلزم من إبطال جميع تلك العلل صحة العِلَّة التي عجز عن إبطالها. الشرط الثاني: أن لا تكون العلَّة مركبة، أما إن كان هناك احتمال لتركيب العِلَّة: فإن إبطال بعض الأوصاف المحتملة غير كاف في الاستدلال لعلية المتبقي؛ لأن الساقط وإن صح أن لا يكون عِلَّة مستقلة، إلا أنه لا يزال الاحتمال قائما في أنه جزء من أجزاء العَلَّة بحيث إذا انضم إلى غيره يكون عِلَّة مستقلة، فلا بد - إذن - في مثل هذه الحالة من إبطال كون المجمَوع عِلَّة أو جزءا من العِلَّة. الشرط الثالث: أن يكون سبره حاصراً بجميع الأوصاف التي يمكن أن تكون علَّة، واشترطنا ذلك لأنه إذا كان سبره لم يكن حاصراً بجميع عللَ الحكم لجاز وجود عِلَّة لم يذكرها قد تكون هي العِلَّة الحقيقية لمشروعية الحكم، فيكون القياس خطأ. كيف يثبت المجتهد حصر العلل؟ لقد ذكرنا في الشرط الثالث: أنه لا بد أن يكون سبره حاصراً لجميع علل الحكم، ويثبت حصر العلل بأمرين:

стр. 1945

الأمر الأول: أن يسلم الخصم - ويوافق على أن ما ذكره المستدل من الأوصاف هي الممكنة لأن تكون علَّة، ولا يوجد غيرها كانحصار عِلَّة تحريم الربا في البر بكونه مكيلاً، أو موزونا، أو مطعوما، أو مدخراً، أو مقتاتا، وكانحصار عِلَّة وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان في: " جماع مكلَّف في نهار رمضان "، أو في " إفساد الصوم المحترم "، وكانحصار عِلَّة الإجبار في النكاح في " الصغر " أو " البكارة ". الأمر الثاني: أن لا يسلم الخصم ولا يوافق على هذا الحصر الذي ذكره المستدل، فهنا ننظر إلى المستدل: فإن كان المستدل مجتهداً فعليه السبر للأوصاف بقدر إمكانه، بحيث يعجز عن إيراد غير ذلك من الأوصاف والعلل. وإن كان المستدل مناظراً - أي: أمامه خصم يناظره في مسألة ما - فإنه يكفيه أن يقول: هذا ما استطعت التوصل إليه من أوصاف وعلل، وقد بحثت فلم أجد غير ذلك، وعليك أيها الخصم أن يلزمك ما يلزمني إذا كنت تشاركني في الجهل بغير ذلك من الأوصاف. أما إن كنت مطلعا على وصف آخر غير ما ذكرت، فعليك التنبيه عليه وإظهاره لأنظر في صحته وفساده، فإن كتمان ذلك الوصف أو العلَّة محرم، حيث إن من كتم ذلك إما أن يكون كاذبا وهو حرام، وإما أن يكون كاتما لدليل مست الحاجة إلى إظهاره وهو محرم أيضا، وكلاهما يتسببان في جعل هذا الخصم لا يعول على قوله، ولا يُعتد بما صدر عنه. القسم الثاني - من أقسام التقسيم -: التقسيم المنتشر، وهو: ما

стр. 1946

لا يكون دائراً بين النفي والإثبات، أو كان دائراً بينهما، ولكن الدليل على نفي عِلته فيما عدا الوصف المبين فيه ظني. وطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقال: الحكم إما أن يكون معللاً، أو لا يكون كذلك. أما كونه غير معلل فبعيد؛ لأن الغالب المألوف من الشارع - على حسب ما دلَّ عليه الاستقراء - أن أحكام اللَّه - كلها - معللة - كما سبق بيان ذلك -. وإذا ثبت أن الحكم معلل، فإن العِلَّة إما أن تكون غير ظاهرة لنا، أو تكون ظاهرة. أما كون العِلَّة غير ظاهرة لنا: فهو بعيد؛ لأمور هي كما يلي: الأمر الأول: أن الغالب في علل الأحكام إنما هو الظهور، وإذا وجد فرد منها غير ظاهر، فإنه يندرج تحت الأعم والأغلب على الظن، فيكون ظهورها أغلب على الظن. الأمر الثاني: أن الحكم إذا كان معقول المعنى كان على وفق المعتاد من تصرفات العقلاء وأهل العرف، والأصل مطابقة الشرع للعقل والعرف. الأمر الثالث: أن عدم ظهور العِلَّة يبطل فائدة التعليل؛ لأن فائدته التوسع في معرفة الأحكام، وانقياد المكلف لها، وتلقيها بالقبول ما دامت نفسه مطمئنة أن الحكم ملائم لطبيعته. وإذا ثبت أن عدم ظهور العلة بعيد: فإنه يكون الغالب ظهورها. وإذا كان الغالب ظهور العلة، فإنه يقال:

стр. 1947

العلة إما هذا الوصف أو ذاك الوصف، أو الوصف الثالث إلى آخر الأوصاف التي تكون محتملة للتعليل في نظر المعلل. ولما كان المعلل سليم الحس والعقل عدلا ثقة: فإنه يحصل غلبة الظن بانحصار صفات محل الحكم فيما ذكره من الأوصاف، ولم يجد سواها. ثم بعد أن يُثبت حصر الأوصاف بالطريقة السابقة يسقط بعد ذلك بعضها عن درجة الاعتبار بدليل صالح يغلب على الظن منه عدم صلاحية ما أسقط للتعليل به، فيلزم من ذلك انحصار التعليل فيما استبقاه؛ بناء على قولنا: يمتنع خلو محل الحكم عن عِلَّة ظاهرة. بيان أن هذا القسم يفيد العلية: هذا القسم يفيد العلية؛ وهو حُجَّة للمستدل وهو المجتهد الناظر - وهو: من بحث لنفسه، فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به، ولا يكون حُجَّة على الغير، وهو اختيار الآمدي، وبعض العلماء. وهو الحق؛ لأن هذا التقسيم - وهو: المنتشر - يثير غلبة الظن عند المجتهد، فيجب أن يتبع ما غلب على ظنه؛ لأن المجتهد مهما غلب على ظنه شيء: فإنه يجب أن ياخذ به. وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة مطلقا للناظر، وهو المجتهد المستدل، وللمناظر، وهو الخصم. وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة في الأحكام العملية دون العلمية. وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه ليس بحجة مطلقا. وقد ذكرت هذه المذاهب مع أدلتها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه.

стр. 1948

رابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها وإبطالها: قلنا في تعربف السبر والتقسيم: إن المجتهد والمستدل يقوم باختيار علَّة واحدة، ويعلل الحكم الشرعي بها، ويحذف العلل والأوصاف غير الصالحة للعلية، ويسلك في حذف تلك الأوصاف وإبطالها المسالك الآتية: المسلك الأول: الإلغاء، وهو: بيان أن الحكم في الصورة الفلانية ثابت بالوصف الذي استبقاه - فقط - دون غيره، ويتبين بهذا أن المحذوف من الأوصاف لا أثر له في الحكم؛ لأنه لو كان المحذوف من الأوصاف له أثر في الحكم لما جاز إثبات الحكم بدونه. وكيفية ذلك: أن يقوم المجتهد ببيان أن الوصف الذي أبقاه للتعليل به قد ثبت الحكم به في صورة من الصور من غير أن يقترن بالأوصاف التي تم إلغاؤها وحذفها، وهذا يوضح أن الوصف الذي أبقاه مستقل بالتعليل، وعند ظهور ذلك يمتنع إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف الذي تم حذفه، لأن في هذا إثباتا للحكم بوصف لم يثبت استقلاله، وإلغاء للوصف الذي ثبت استقلاله وهو ممتنع. المسلك الثاني: أن يكون الوصف المحذوف قد ألف من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، وحيحئذ يكون إلغاؤه واجباً وإن كان مناسبا. فمثلاً قوله ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه الباقي من نصيب شريكه "، فهنا حذف العلماء وصف الذكورة وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من

стр. 1949

الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة في السراية، بخلاف ما عداه من الأحكام، حيث اعتبر الشارع وصف الذكورة في الشهادة والقضاء، والإمامة، وولاية عقد النكاح. المسلك الثالث: الحذف وهو: أن يبين المجتهد - وهو: المستدل - أن ما يحذفه من الأوصاف من جنس الأوصاف التي عهدنا وألفنا وعرفنا من الشارع عدم الالتفات إليها في إثبات الأحكام كالأوصاف الطردية كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، ونحو ذلك. المسلك الرابع: عدم وجدان مناسبة بين الوصف والحكم. وبيانه: أن لا يجد المجتهد - وهو العدل الثقة المؤهل للنظر والبحث - مناسبة بين الوصف والحكم أو ما يوهم المناسبة، وحينئذ لو قال: لم أجد فيه ذلك لصدق في كلامه، فيكون الوصف غير مناسب، فيلزم حذفه.

стр. 1950

الطريق الرابع من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهافى ثبوت العِلَّة عن طريق تنقيح المناط ويشتمل على ما يلي: أولاً: تعريفه. ثانيا: بيان أن تنقيح المناط يُعتبر من طرق ثبوت العِلَّة. ثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم. رابعاً: الفرق بين تنقيح المناط وتخريج المناط، وتحقيقه.

стр. 1951

أولاً: تعريف تنقيح المناط: ١ - التنقيح لغة: التشذيب، والتهذيب، ومنه: " تنقيح الجذع من النخلة " أي: تشذيبه حتى يُخلص من السعف والأغصان التي لا فائدة منها، ولا تؤثر على ثمرة النخلة، ويقال: " نقح الشاعر قصيدته " إذا هذبها وخلصها من الأبيات التي لا دخل لها في الموضوع. والمناط مأخوذ من ناط الشيء ينوطه نوطا، أي: علقه، فالمناط ما يتعلق به الشيء، يقال: نطت الحبل بالوتد أنوطه نوطاً: إذا علقته به، ومنه: ذات أنواط وهي: الشجرة التي يعلق عليها المشركون أسلحتهم، والمناط من أسماء العِلَّة، وقد سبق بيان ذلك. ٢ - تنقيح المناط اصطلاحا هو: أن ينص الشارع على الحكم، ويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح عِلَّة ليتسع الحكم. أو تقول هو: أن ينص الشارع على الحكم عقيب أوصاف يعرف فيها ما يصلح للتعليل، وما لايصلح للتعليل، فينقح المجتهد الصالح ويلغي ما سواه. فلا بد في تنقيح المناط من توفر شرطين: أولهما: أن يكون النص دالًّا عليه وصف خاص بالأصل، ويكون دور المجتهد حذف خصوص الأصل، وحينئذ يشترك الأصل والفرع في الحكم معاً. ثانيهما: أن يدل النص على علية أوصاف أخرى، ويقوم المجتهد بحذف ما لا دخل له في العلية ليصبح الباقي عِلَّة للحكم.

стр. 1952

مثاله: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: " ما لك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال النبي ﷺ : "اعتق رقبة ". فهنا: قد أشار النص إلى أوصاف وهي: " كون المواقع أعرابيا " و" كون الموطوءة زوجته "، و " كون الوقاع حصل في رمضان معين "، و " كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف "، و " كونه أفسد صوما محترماً ". فحذف بعض العلماء جميع هذه الصفات إلا وصفا واحداً هو: "كونه واقع في نهار رمضان "، فخصص الحكم بهذا الوصف، فأوجب الكفارة - على من واقع في نهار رمضان فقط، دون غيره، فتكون هذه العِلَّة قاصرة. وبعض العلماء الآخرين حذفوا جميع تلك الأوصاف إلا وصفا واحداً هو؛ " كونه أفسد صوماً محترما "، لذلك أوجبوا الكفارة على كل من أفسد الصوم المحترم، سواء أفسده بالجماع، أو بالأكل والشرب عمداً بلا عذر، فتكون العِلَّة هنا متعدية. ولا يجوز لأي عالم مهما كان أن يحذف أي وصف إلا بدليل شرعي مقبول، وقد بيَّنت الأدلة على حذف تلك الأوصاف بإسهاب في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فارجع إليه. *** ثانيا: بيان أن تنقيح المناط يعتبر طريقا من طرق ثبوت العِلَّة: من دقق في تعريف تنقيح المناط، فإنه يجزم بأنه طريق من طرق إثبات العِلَّة، حيث إن حاصله: هو حصر العلل التي وردت في

стр. 1953

النص الخاص بذلك الحكم، ثم اختبار وسبر تلك العلل من قبل المجتهد فيحذف ويبطل ما لا يصلح أن يعلل به الحكم، فإذا أبطلها كلها إلا واحدة جعلها هي العِلَّة مثل ما قلناه في حديث الأعرابي السابق الذكر، وهذا قريب من السبر والتقسيم. وبعض العلماء سماه بالاستدلال كالحنفية، وهم قد وافقوا الجمهور في طريقة حذف الأوصاف إلا وصفا واحداً، فيكون الخلاف بيننا وبين الحنفية لفظياً. *** ثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم: قد يقول قائل: إن حقيقة تنقيح المناط قريبة من حقيقة السبر والتقسيم الذي هو الطريق الثالث من طرق ثبوت العلية، فهل هما واحد، أم بينهما فرق؟ أقول: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يوجد فرق بينهما. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لذلك جعلناه طريقا لإثبات العِلَّة غير طريق السبر والتقسيم. واختلف هؤلاء في وجه الفرق على أقوال: القول الأول: أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، أما السبر والتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية، ثم إلغاؤها إلا ما ادعي أنه عِلَّة، وهذا هو الحق عندي.

стр. 1954

القول الثاني: إن تنقيح المناط اجتهاد في الحذف والتعيين معا، أما السبر والتقسيم فهو اجتهاد في الحذف، فيتعين الباقي. جوابه: لا نسلم ذلك، بل إن السبر والتقسيم لا بد فيه من الاجتهاد في الحذف، والتعيين؛ حيث لا يمكننا أن نعين هذه العِلَّة ونقول: إنها هي العِلَّة الحقيقية إلا بعد عدة اجتهادات فيها. القول الثالث - في وجه الفرق بينهما -: إن السبر والتقسيم لابد فيه من تعيين الجامع والاستدلال على عليته، أما تنقيح المناط فإنه لا يجب فيه تعيين العِلَّة. جوابه: لا نسلم ذلك، بل يجب تعيين العِلَّة في تنقيح المناط والاستدلال عليها، وإلا لما جاز العمل بها؛ لأنه لا يمكن ثبوت شيء بدون دليل فالمجتهد لا يمكنه أن يحذف أي عِلَّة، أو يعينها إلا بدليل. هذه أقوال جمهور العلماء القائلين بوجود الفرق بين تنقيح المناط، والسبر والتقسيم. المذهب الثاني: أنه لا فرق بين تنقيح المناط، وبين السبر والتقسيم؛ لأن تنقيح المناط في الحقيقة:. استخراج للعِلَّة بالسبر. وهو مذهب إعام الحرمين. جوابه: لا نسلم ذلك، بل يوجد فرق بينهما كما سبق بيانه. ثم لا نُسَلِّمُ أن تنقيح المناط هو: استخراج للعِلة بالسبر، بل هو

стр. 1955

تعيين وصف من الأوصاف التي ذكرت في النص، وبيان أنه هو العِلَّة دون غيره من الأوصاف، فهو تعيين لا تخريج. أما السبر والتقسيم فهو خاص في العِلَّة المستنبطة المستخرجة فقط. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث اتفق أصحاب المذهبين على العمل بتنقيح المناط على أنه طريق من طرق إثبات العِلَّة بالاجتهاد إلا أن أصحاب المذهب الثاني أدخلوا تنقيح المناط ضمنَ السبر والتقسيم؛ حيث إن السبر والتقسيم عندهم عام وشامل للمنصوصة والمستنبطة لذلك جعلوهما طريقاً واحداً. أما أصحاب المذهب الأول، فإنهم فرَّقوا بين المنصوصة والمستنبطة، وجعلوا تنقيح المناط خاصا بالعلَّة المنصوص عليها ظاهراً وجعلوا السبر والتقسيم خاصاً بالعلَّة المستنبطة، وجعلوا ذلك طريقين لإثبات العلَّة: طريق السبر والتقسيم وهو خاص بالمستنبطة. طريق تنقيح المناط وهو خاص بالمنصوصة. رابعاً: الفرق بين تنقيح المناط وتخريجه، وتحقيقه: الاجتهاد في العِلَّة ينحصر في ثلاثة أنواع: النوع الأول: تحقيق المناط. النوع الثاني: تنقيح المناط. النوع الثالث: تخريج المناط.

стр. 1956

وهذه الأنواع تختلف باختلاف ظهور العِلَّة وعدم ذلك، وإليك بيان كل نوع: أما النوع الأول - وهو: تحقيق المناط - فهو: أن المجتهد قد تحقق من وجود العِلَّة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقيق وجودها في الفرع، وآحاد الصور. أي: أنه اتفق على أن هذا الوصف هو عِلَّة حكم الأصل بنص، أو إجماع، فيقوم المجتهد بالتحقق والتأكد من وجود هذا الوصف في الفرع - الذي يراد إلحاقه بالأصل -. إذن وظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن عِلَّة الأصل موجودة، ولكنه يتأكد من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد. مثاله: الاجتهاد في القِبْلة؛ حيث إن استقبال القِبْلة معلوم بالنص، أما أن تكون جهة القبْلة هذه أو تلك عند الاختلاف فهو معلوم بنوع اجتهاد، حيث إنه لا يجتهد المجتهد - هنا - في وجوب القبْلة، ولكنه يجتهد في هذه هل هي قِبْلة أم لا؟ وكذلك: علل الشارع وجوب نفقة القريب بالكفاية، وهو ثابت بالنص، وهذا لا يجتهد فيه المجتهد، بل يجتهد في بعض الصور الفرعية، فيقول: الكفاية واجبة في النفقة، وهذا معلوم بالنص، والرطل من الأكل يكفي هذا الشخص بعينه، إذن: يكون هو الواجب في نفقة القريب، وهذا معلوم بالاجتهاد. وكذلك: فإن الشارع قد علل قبول الشهادة بالعدالة، وهو معلوم بالإجماع، والنص، أما تحقق العدالة في زيد أو عمرو، فإنه معلوم بالاجتهاد.

стр. 1957

وهذا لم يختلف العلماء فيه؛ لأن العِلة معلومة بنص أو إجماع. أما النوع الثاني - وهو: تنقيح المناط فهو: أن ينص الشارع على العلة نصاً غير صريح، فيقوم المجتهد بالاجتهاد في تعيين عِلَّة حكم الأَصل وإبرازها، وحذف ما علق بها من أوصاف بأنواع من الاجتهادات، ثم يجتهد في تحقق هذه العِلَّة في الفرع - كما سبق بيانه. ووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في النوع الأول؛ حيث إنه يبذل جهداً في إبراز عِلَّة الأصل وتعيينها في هذا النوع، ثم يجتهد مرة أخرى في تحققها في الفرع. أما النوع الأول: فلا يجتهد المجتهد في عِلَّة الأصل؛ لأنها منصوص عليها أو مجمعا عليها، ولكنه يجتهد فقطَ في تحققها في الفرع. أما النوع الثالث: وهو تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء، فيقوم المجتهد باستنباط واستخراج عِلَّة حكم الأصل أولاً، ثم يتحقق من وجود هذه العِلَّة في الفرع. ووظيفة المجتهد في هذا النوع أصعب من وظيفته في النوعين السابقين، بيان ذلك: أن العلَّة في النوع الأول منصوص عليها أو مجمع عليها، فهي واضحة هنا جلية، فيتحقق من وجودها في الفرع فقط لذلك سمي بتحقيق المناط، حيث يتحقق من وجود المناط والعِلَّة في الفرع فقط. أما العلَّة في النوع الثاني فهي منصوص عليها نصاً غير صريح، حيث أضيفَ الحكم إليها وإلى عدد من الأوصاف الأخرى، فيقوم المجتهد بإبرازها عن غيرها وتعيينها وتهذيبها وحذف ما سواها، ثم يقوم بالتحقق من وجودها في الفرع لذلك سمي بـ " تنقيح المناط ".

стр. 1958

أما العِلَّة في النوع الثالث، فلم ينص عليها لا نصاً صريحاً ولا غير صريح، فيقوم المجتهد باستنباط عِلَّة حكم الأصل بأي طريق من طرق إثبات العلَّة كالمناسبة، أو الدورَان، أو السبر والتقسيم، أو الوصف الشبهي، ثم يقوم بالتأكد والتحقق من وجودها في الفرع، لذلك سمي هذا بتخريج المناط؛ لأن المجتهد أخرج العِلَّة من خفاء إلى وضوح. مثاله من الكتاب: قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر ... ) فهنا قد نص الشارع على تحريم الخمر، ولم يتعرض هذا النص للعلة لا صراحة ولا إيماء، فقام المجتهد باستنباط العِلَّة بطريق المناسبة وقَال: إن عِلَّة تحريم الخمر: الإسكار بعد تدبر واخَتبار واستقصاء واستقراء وتتبع، ثم تأكد من وجودها في الفرع وهو النبيذ، قألحق النبيذ بالخمر بواسطة هذه العِلَّة. ومثاله من السُّنَّة: قوله ﷺ -: " لا تبيعوا البر بالبر إلا مثل بمثل ... " فهنا لم يتضمن هذا النص لا صراحة ولا إيماء ما يدل على علَّة تحريم الربا، لكن المجتهد استنبط العلَّة بالنظر والاجتهاد واستعمال طرق استنباط العلل، فقال: إن الربا في البر قد حرم، لكونه مكيلاً، أو مطعوماً، وهذه العِلَّة موجودة في الأرز، فيلحق الأرز بالبر في تحريم الربا فيهما بجامع الكيل أو الوزن. ونظراً لقلة اجتهاد المجتهد في النوعين الأول والثاني وهما: تخريج المناط وتنقيحه، فإنه قد اتفق على الاحتجاج بهما، وأقرَّ بهما أكثر منكري القياس. أما النوع الثالث - وهو: تخريج المناط فقد اختلف العلماء فيه، نظراً إلى كثرة وظائف المجتهد، واعتماده على كثير من الظنون فيه، وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.

стр. 1959

الطريق الخامس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالدَوران ويشتمل على ما يلي: أولاً: في تعريفه. ثانيا: هل الدوران يفيد العلية؟

стр. 1960

أولأ: في تعريف الدوران: ١ - الدوران لغة: مأخوذ من دار الشيء يدور دوراً، ودورانا، أي: طاف، ومنه قولهم: " يدور حول البيت " إذا طاف به، وليس عنده طرف يقف عنده. ٢ - الدوران اصطلاحاً هو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف وينعدم عند عدمه. مثاله: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدم وجوده، فإن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالاً، فلما حدث الإسكار: حرم، فلما زال الإسكار وصار خلا صار حلالاً. فهنا تلاحظ: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار وجوداً وعدماً، فلما وجد وصف كونه مسكراً وجد الحكم وهو التحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم وهو: التحريم. فقد دلنا هذا الدوران على أن العِلَّة في تحريم العصير إنما هي السكر. ويُسمَّى هذا ب " الدوران الوجودي والعدمي "، أو " الدوران المطلق ". أما إذا وجد الحكم عند وجود الوصف، ولا ينعدم الحكم عند عدم الوصف، فهذا يسمى: " الدوران الوجودي ". أما إذا انعدم الحكم عند عدم الوصف، ولا يوجد الحكم عند وجود الوصف، فهذا يسمى: " الدوران العدمي ".

стр. 1961

ثانياً: هل الدوران يفيد العلية؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن الدوران يفيد العلية ظنا بشرط: عدم المزاحم، وعدم المانع. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: العادة والعقل، بيانه: أنا نجد العقلاء من الناس يفزعون في أمور الأدوية والأغذية إلى التجربة، فهم - على اختلاف عقائدهم ومللهم ومعادنهم ولغاتهم - يرون أن التجارل أثبتت أن الأثر الفلاني مما يعد صحة ونشاطا قد حصل عند استعمال هذا الدواء، أو ذاك الغذاء الفلاني وتكراره، ولم يحصل ذلك حالة انعدامه، فيستمسكون به عندما يريدون الحصول على ذلك الأثر، ولولا غلبة ظنهم أن استعماله سبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند إرادتهم له، ولم يفزعوا لغيره، فإذا كان الدوران دليل على صحة العِلَّة العقلية هنا، فإنه يكون دليلاً على صحة العِلَّة الشرعية ولا فرق. الدليل الثاني: أدط الدوران يفيد العلية فى الأمور العادية والمألوفة، فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فمانه يفيد ظن العلية في غيرها؛ لعدم الفارق. فمثلاً: لو أن زيداً قد دخل فرأينا عمراً قد قام، فلما خرج زيد جلس عمرو، وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلَّة في قيام عمرو هي: دخول زيد. كذلك لو أن جماعة من الناس قد رأوا زيداً يغضب عند مناداته بلقب مخصوص، ولا يغضب إذا دعي بغيره، وقد تكرر منه ذلك:

стр. 1962

فإنه يحصل لهم الظن أنه إنما يغضب لكونه يُدعى بذلك اللقب المخصوص. ولهذا فإنهم لو سئلوا عن سبب غضبه، فمما لا شك فيه أنهم سيعللون ذلك بتلك المناداة، بل إن الصبيان لو علموا أمره فإنهم متى ما أرادوا إغضابه، فإنهم لا يترددون في دعائه بذلك اللقب الذي يكون مدعاة لإثارة ذلك الغضب فيه، ولو سئلوا عن السبب لأجابوا بنفس الجواب أيضاً. ولولا أن الدوران مفيد لظن العلية لما حصل لهم ذلك الظن، وإذا ثبت أن الدوران يفيد ظن العلية في مثل هذه الصورة، فإنه يثبت ذلك الظن في غيرهما؛ لأن الأصل أن يترتب الحكم على المقتضى، والمقتضى لذلك الظن إنما هو الدوران، وهذا يعني: أن يثبت الظن حيث ثبت الدوران. المذهب الثاني: أن الدوران يفيد العلية قطعا. وهذا مذهب قد حكي عن بعض المعتزلة، وقيل: إنهم إنما قالوا: إن الدوران يفيد القطع بالعلية عندما وجدوا أن الوصف مناسب كما هو الشأن في الإسكار الذي دارت معه حرمة عصير العنب. جوابه: لا يسلم أن ذلك يفيد العلية قطعاً؛ لأن مناسبة الوصف لا تمنع الاحتمال، ولا يستلزم العلية، نظراً لجواز أن يكون وصف مناسب ولا يكون هو العِلَّة بأن لا يعتبره الشارع في تعلق الحكم، ومع الاحتمال كيف يثبَت الفطع؟! المذهب الثالث: أن الدوران لا يفيد العلية بمجرده لا قطعا ولا ظناً.

стр. 1963

وهو مذهب بعض الشافعية كابن السمعاني، والآمدي، وبعض المالكية كابن الحاجب، وهو اختيار أكثر الحنفية. دليل هذا المذهب: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية كدوران أحد المتلازمين المتعاكسين، ومن ذلك المتضايفان كالأبوة والبنوة، فإنه كلما تحقق أحدهما تحقق الآخر، وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر، وليس أحدهما علَّة للآخر، فإذا كان الدوران قد يوجد من غير أن يكون عِلَّة دلَّ ذلك على عدم دلالته على العلية. جوابه: نحن لم نقل: إن الدوران يفيد ظن العلية مطلقا. بل اشترطنا لذلك شرطين هما: " عدم المزاحم "، و " عدم المانع ". أي: أننا نقول: إن الدوران الذي يفيد ظن العلية هو الذي لم يقم دليل على عدم علية المدار فيه، أي: الخالي عن المزاحم. وما ذكرتم من الصور التي تخلفت عنه العلية فيها ليس من الدوران الذي هو حُجَّة عندنا، لأنه ليس خاليا عن المزاحم ما دام الدليل قائما على عدم العلية فيه بين المدار والمدار، فلا يقدح هذا في الدوران الذي هو دليل على العلية عندنا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهبين الأول والثاني قالوا بإفادة الدوران للعلية بشرط: وجود الدوران مع عدم المزاحم وانتفاء الموانع، وصلاحية الوصف للعلية، وظهور المناسبة.

стр. 1964

وأصحاب المذهب الثالث قالوا بعدم إفادة الدوران للعلية إذا لم تظهر معه مناسبة الوصف للعلية. وعلى هذا فقد اتفق أصحاب المذاهب على أن الدوران بمجرده ليس مسلكاً مستقلاً لإثبات العِلَّة، بل لا بد أن يكون معه من المناسبة وغيرها مما يدل على العلية، فكان الخلاف لفظيا.

стр. 1965

الطريق السادس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالوصف الشبَهي - وهو الشبه - ويشتمل على ما يلي: أولاً: تعريفه. ثانيا: هل الوصف الشبهي مثبت للعلية - وحجة؟ ثالثاً: غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه.
следующие страницы →