Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
ثانياً: هل الدوران يفيد العلية؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الدوران يفيد العلية ظنا بشرط: عدم المزاحم،
وعدم المانع.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: العادة والعقل، بيانه: أنا نجد العقلاء من الناس
يفزعون في أمور الأدوية والأغذية إلى التجربة، فهم - على اختلاف
عقائدهم ومللهم ومعادنهم ولغاتهم - يرون أن التجارل أثبتت أن
الأثر الفلاني مما يعد صحة ونشاطا قد حصل عند استعمال هذا
الدواء، أو ذاك الغذاء الفلاني وتكراره، ولم يحصل ذلك حالة
انعدامه، فيستمسكون به عندما يريدون الحصول على ذلك الأثر،
ولولا غلبة ظنهم أن استعماله سبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند
إرادتهم له، ولم يفزعوا لغيره، فإذا كان الدوران دليل على صحة
العِلَّة العقلية هنا، فإنه يكون دليلاً على صحة العِلَّة الشرعية ولا فرق.
الدليل الثاني: أدط الدوران يفيد العلية فى الأمور العادية والمألوفة،
فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فمانه يفيد ظن العلية في
غيرها؛ لعدم الفارق.
فمثلاً: لو أن زيداً قد دخل فرأينا عمراً قد قام، فلما خرج زيد
جلس عمرو، وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلَّة في قيام
عمرو هي: دخول زيد.
كذلك لو أن جماعة من الناس قد رأوا زيداً يغضب عند مناداته
بلقب مخصوص، ولا يغضب إذا دعي بغيره، وقد تكرر منه ذلك:
стр. 1962
فإنه يحصل لهم الظن أنه إنما يغضب لكونه يُدعى بذلك اللقب
المخصوص.
ولهذا فإنهم لو سئلوا عن سبب غضبه، فمما لا شك فيه أنهم
سيعللون ذلك بتلك المناداة، بل إن الصبيان لو علموا أمره فإنهم متى
ما أرادوا إغضابه، فإنهم لا يترددون في دعائه بذلك اللقب الذي
يكون مدعاة لإثارة ذلك الغضب فيه، ولو سئلوا عن السبب لأجابوا
بنفس الجواب أيضاً.
ولولا أن الدوران مفيد لظن العلية لما حصل لهم ذلك الظن، وإذا
ثبت أن الدوران يفيد ظن العلية في مثل هذه الصورة، فإنه يثبت
ذلك الظن في غيرهما؛ لأن الأصل أن يترتب الحكم على المقتضى،
والمقتضى لذلك الظن إنما هو الدوران، وهذا يعني: أن يثبت الظن
حيث ثبت الدوران.
المذهب الثاني: أن الدوران يفيد العلية قطعا.
وهذا مذهب قد حكي عن بعض المعتزلة، وقيل: إنهم إنما قالوا:
إن الدوران يفيد القطع بالعلية عندما وجدوا أن الوصف مناسب كما
هو الشأن في الإسكار الذي دارت معه حرمة عصير العنب.
جوابه:
لا يسلم أن ذلك يفيد العلية قطعاً؛ لأن مناسبة الوصف لا تمنع
الاحتمال، ولا يستلزم العلية، نظراً لجواز أن يكون وصف مناسب
ولا يكون هو العِلَّة بأن لا يعتبره الشارع في تعلق الحكم، ومع
الاحتمال كيف يثبَت الفطع؟!
المذهب الثالث: أن الدوران لا يفيد العلية بمجرده لا قطعا ولا
ظناً.
стр. 1963
وهو مذهب بعض الشافعية كابن السمعاني، والآمدي، وبعض
المالكية كابن الحاجب، وهو اختيار أكثر الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية كدوران أحد
المتلازمين المتعاكسين، ومن ذلك المتضايفان كالأبوة والبنوة، فإنه
كلما تحقق أحدهما تحقق الآخر، وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر،
وليس أحدهما علَّة للآخر، فإذا كان الدوران قد يوجد من غير أن
يكون عِلَّة دلَّ ذلك على عدم دلالته على العلية.
جوابه:
نحن لم نقل: إن الدوران يفيد ظن العلية مطلقا.
بل اشترطنا لذلك شرطين هما: " عدم المزاحم "، و " عدم
المانع ".
أي: أننا نقول: إن الدوران الذي يفيد ظن العلية هو الذي لم
يقم دليل على عدم علية المدار فيه، أي: الخالي عن المزاحم.
وما ذكرتم من الصور التي تخلفت عنه العلية فيها ليس من
الدوران الذي هو حُجَّة عندنا، لأنه ليس خاليا عن المزاحم ما دام
الدليل قائما على عدم العلية فيه بين المدار والمدار، فلا يقدح هذا في
الدوران الذي هو دليل على العلية عندنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهبين الأول والثاني
قالوا بإفادة الدوران للعلية بشرط: وجود الدوران مع عدم المزاحم
وانتفاء الموانع، وصلاحية الوصف للعلية، وظهور المناسبة.
стр. 1964
وأصحاب المذهب الثالث قالوا بعدم إفادة الدوران للعلية إذا لم
تظهر معه مناسبة الوصف للعلية.
وعلى هذا فقد اتفق أصحاب المذاهب على أن الدوران بمجرده
ليس مسلكاً مستقلاً لإثبات العِلَّة، بل لا بد أن يكون معه من المناسبة
وغيرها مما يدل على العلية، فكان الخلاف لفظيا.
стр. 1965
الطريق السادس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالوصف الشبَهي - وهو الشبه -
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: تعريفه.
ثانيا: هل الوصف الشبهي مثبت للعلية - وحجة؟
ثالثاً: غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه.
стр. 1966
أولاً: تعريف الوصف الشبهي:
١ - الشبه لغة: هو المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيء
الشيء إذا ماثله.
٢ - واصطلاحا هو: " الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد
البحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات
إليه في بعض الأحكام ".
بيان هذا التعريف:
لبيان هذا التعريف لا بد أن نقسم الوصف إلى قسمين:
القسم الأول: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد البحث التام.
القسم الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه الناسبة بعد البحث التام.
أما القسم الأول - وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد
البحث التام - فهو الوصف المناسب، وقد سبق الكلام عنه في
الطريق الثاني من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهاد، وهو: " المناسبة
والإخالة ".
أما القسم الثاني - وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد
البحث التام - فهو نوعان:
النوع الأول: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤلف
من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، ويُسمى بالوصف
الطر دي، وذلك كا لطول، والقصر، والسواد، والبياض، ويطلق
عليه بـ: " قياس الطرد " كأن يقول قائل في طهارة الكلب: حيوان
مألوف له شعر كالصوف، فكان طاهراً كالخروف.
стр. 1967
أو يقول قائل: حرمت الخمرة لكون لونها أحمراً، أو لكونها
معبأة في زجاجات، أو يقول قائل: إن الأعرابي قد وجبت عليه
الكفارة؛ لكونه طويلاً أو أسمراً، أو نحو ذلك.
أو يقول قائل: الخل مائع لا يصح أن تزال به النجاسة، وعلل
ذلك بقوله: إنه لا تبنى عليه القناطر، ولا يصطاد فيه السمك، ولا
تجري فيه السفينة، فكان في ذلك كالدهن، فإنه لا تصح إزالة
النجاسة به بالاتفاق، بخلاف الماء فنظراً لكونه تبنى عليه القناطر،
ويصطاد فيه السمك، وتجري فيه السفينة فإنه يصح أن تزال به
النجاسة.
فإن تلك الأوصاف التي ذكرت في تلك الأمثلة السابقة أوصاف
طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم
يعتبرها، ولم يلتفت إليها، فهذا باطل عند جمهور العلماء.
النوع الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام
لكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.
وهذا ما يسمى بـ " الوصف الشبهي ".
وسمي بالوصف الشبهي - أو الشبه -؛ لأنه أشبه الوصف
الطردي من جهة، وأشبه الوصف المناسب من جهة أخرى.
فهو قد أشبه الوصف الطردي من جهة أن المجتهد لم يقف على
مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن
المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.
وهو قد أشبه الوصف المناسب من جهة أن المجتهد قد وقف على
اعتبار الشرع له في بعض الأحكام، فإن هذا يوجب على المجتهد أن
يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فهنا يظن المجتهد أنه معتبر.
стр. 1968
فنجد الوصف الشبهي تردد بين أن يكون معتبراً من وجه، وغير
معتبر من وجه آخر: فمن حيث إن المجتهد لم يقف على مناسبته بعد
البحث التام: ربما يجزم بعدم مناسبته.
ومن حيث إنه عهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام:
فإن هذا ربما يوجب عليه التوقف عن هذا الجزم بعدم المناسبة.
فهو في مرتبة تعتبر دون مرتبة المناسب، وفوق مرتبة الطردي،
وفيه شبه منهما.
مثاله.: قول بعضهم في الاستدلال على مسألة إزالة النجاسة
المتقدمة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة
الحدث، فالجامع بينهما: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة.
أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة بعد البحث، لكن
عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام مثل: مس
المصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
***
ثانياً: هل الوصف الشبهي - أو الشبه - مثبت للعلية، وحجة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الوصف الشبهي يعتبر طريقاً من طرق ثبوت
العلة، فهو حُجَّة.
وهو مذهب الإمام الشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في
رواية صحيحة عنه، وهو اختيار جمهور الشافعية، والحنابلة، وأكثر
الفقهاء.
وهو الحق؛ قياسا على الوصف المناسب، بيان ذلك:
стр. 1969
أن الوصف المناسب أثبت العلة؛ لأنه يفيد غلبة الظن، فكذلك
الوصف الشبهي يفيد الظن الغالب، فكان مفيداً للعلة مثل الوصف
المناسب، فيكون حجة بجامع: إفادة كل واحد منهما للظن.
وإنما قلنا: إن الوصف الشبهي يفيد ظن العِلَّة؛ لأن الحكم متى ما
ثبت في محل، ولم يعلم وجود وصف مناسب فيه، بل علم وجود
وصف شبهي مع أوصاف طردية أخرى، فإن هذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون الحكم غير معلل بمصلحة أصلاً، وهذا
بعيد؛ لأن الأحكام معللة بالمصالح؛ حيث إن أحكام الشرع لا
تخلو من حكمة، فاحتمال كون الحكم لمصلحة وعلة ظاهرة أرجح
من احتمال كونه تعبدياً.
الأمر الثاني: إذا ثبت أن الحكم معلل بمصلحة، فإن تلك
المصلحة لما لم تكن وصفا مناسبا مستقلاً، فإنها لا بد أن تكون
موجودة ضمن الوصف الشبهي، أو ضمن الوصف الطردي - أي:
لمصلحة ضمن أوصاف أخرى غير معتبرة عند الشارع -.
أما وجود المصلحة ضمن الوصف الطردي فهو باطل؛ لأن
الوصف الشبهي دائر بين أن يكون مستلزما للمناسبة، وبين أن يكون
موهما للمناسبة بخلاف الوصف الطردي، فإنه لم يكن دائراً بينهما،
بل هو خال من المناسبة قطعا، ولا يوهم وجودها فيه.
فاتضح بذلك أن احتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة
أغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها.
فبان - من ذلك - أن ظن كون الوصف الشبهي متضمنا لتلك
المصلحة أكثر، فلا يجوز إسناد الحكم إلى الوصف الطردي؛ لأن
стр. 1970
العمل المرجوح مع وجود الظن الراجح غير جائز، فثبت أن الحكم
يثبت بالوصف الشبهي.
إذن الوصف الشبهي يفيد ظن العلية؛ فيجب العمل به؛ لقيام
الأدلة على أن العمل بالظن واجب.
المذهب الثاني: أن الوصف الشبهي لا يعتبر طريقا لثبوت العِلَّة
فليس بحُجَّة.
وهو مذهب المحققين من الحنفية، وبعض المالكية كالقاضي أبي
بكر، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، وأبي إسحاق
الشيرازي، وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الوصف الشبهي إما أن يكون مناسبا، وإما أن
يكون غير مناسب.
فإن كان مناسباً فهو مقبول باتفاق القائسين؛ لأنه قياس عِلَّة.
وإن كان غير مناسب فهو مردود باتفاق القائسين؛ لأنه وصف
طردي، والوصف الطردي مردود.
جوابه:
لا نسلم هذا الحصر، بل إن الوصف قسمان: "وصف مناسب "،
و" وصف غير مناسب ".
وغير المناسب نوعان: " وصف شبهي "، و " وصف طردي "،
والمردود هو الوصف الطردي فقط؛ لعدم التفات الشارع إليه في
стр. 1971
جميع الأحكام، أما الوصف الشبهي فهو مقبول، نظراً لالتفات
الشارع إليه في بعض الأحكام.
الدليل الثاني: أن إجماع الصحابة ﵃ هو
الدليل المعتمد في إثبات القياس، ولم يثبت أن الصحابة قد علَّلوا
بالوصف الشبهي في قياساتهم، وما دام أن الصحابة لم يعملوا به،
فلا يثبت.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنكم لم تثبتوا بالأدلة على أن الصحابة لم يعملوا
بالوصف الشبهي، وما لا دليل عليه لا يعتد به.
الجواب الثاني: على فرض أن الصحابة لم يعملوا بذلك، فإنه لا
يلزم من عدم عمل الصحابة بهذا النوع من الأوصاف والأقيسة عدم
جواز العمل به، لجواز أن يدل عليه دليل آخر غير عملهم به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي راجع إلى التسمية فقط؛ حيث
إن أصحاب المذهب الثاني يعملون بالوصف الذي يلتفت إليه الشارع
في بعض الأحكام ويعتبره، ولكنهم يدخلونه ضمن الوصف المناسب.
أما إذا لم يلتفت إليه الشارع مطلقا فهو الطردي الذي لا يعتبر.
وهذا موافق لما قاله أصحاب المذهب الأول، لكنهم جعلوا درجة
متوسطة بين الوصف المناسب، والوصف الطردي سموها بالوصف
الشبهي؛ حيث إنه يشبه الوصف المناسب من جهة، ويشبه الوصف
الطردي من جهة أخرى، وقد سبق بيان ذلك.
стр. 1972
ثالثاً: كلبة الأشباه، أو " قياس الأشباه ":
وهو: أن يتردد فرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما أكثر
فيلحق باكثرهما شبها به.
ومعناه: أن يكون الفرع - المطلوب بيان حكمه - قد ترد بين
أصلين؛ لأنه يشبه كل واحد منهما ببعض الجوانب.
فالمناط الموجود في الفرع قد وجد في كل واحد من الأصلين، إلا
أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته
للأصل الآخر، فيلحق الفرع بالأصل الذي شبهه به أكثر، فلو أن
الفرع قد أشبه المبيح في ثلاثة أوصاف، وأشبه الحاضر في أربعة
أوصاف، فإنا نلحق الفرع بالحاضر؛ لأنه أكثر شبها به.
مثاله: العبد إذا قتل خطأ وزادت قيمته على دية الحر، فإنه
يلاحظ فيه أمران:
أولهما: كونه نفسا، وصورته صورة آدمي، فهو في ذلك يشبه
الحر، وهذا يقتضي أن يدفع القاتل الدية، ولا يزاد على الدية
المفروضة في الحر.
ثانيهما: كونه مالأ متقوما، فهو في ذلك يشبه الحيوان كالفرس
وغيره، وما إلى ذلك من الأموال المتقومة، وهذا يقتضي أنه يمكن أن
يزاد في تعويضه على دية الحر.
فالملاحظ في العبد المقتول خطأ أنه اجتمع مناطان متعارضان،
وبالموازنة: نجد أن مشابهته للحر في كونه آدميا مكلفا يثاب على الخير
ويعاقب على الشر، ومشابهته للحيوان لأتعدو كونه مملوكا متقؤَما
في الأسواق، فهو بالحر أكثر شبها، فكان إلحاقه به أوْلى من إلحاقه
стр. 1973
بالحيوان، أو غيره من الأموال المتقومة، وعلى ذلك فلا يزاد في
قيمته على دية الحر، هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد.
أما الشافعي فإنه ألحقه بالحيوان؛ حيث إنه أكثر شبها به من شبهه
بالحر، لذلك تجب على القاتل قيمة العبد حتى ولو زادت على دية
الحر.
مثال آخر: " المذي " متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه
نجس قال: هو خارج من الفرج، ولا يخلق منه الولد، ولا يجب
به الغسل، فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمنى، فيلحق
به فيكون نجساً مثله.
ومن قال: إنه ظاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة،
ويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.
والخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه
يشبهه أكثر، لذلك سمي بـ " غلبة الأشباه "، أو " قياس الأشباه ".
تنبيه: بعض العلماء قد غرف قياس الأشباه، أو غلبة الأشباه
بأنه: تردد فرع بين أصلين قد أشبه أحدهما في الحكم، وأشبه الآخر
في الصورة، وهو قريب من تعريفنا، ومثاله نفس المثال الأول الذي
ذكرناه.
تنبيه آخر: كثير من العلماء يذهبون إلى أن قياس الأشباه أو غلبة
الأشباه داخل في قياس الشبه، لذلك تجدهم عرفوا قياس الشبه
بنفس تعريفنا لقياس الأشباه، أو غلبة الأشباه، وهذا ليس بصحيح.
بل الحق: أن قياس الشبه هو الذي سميناه بـ " الوصف الشبهى"
وهو يعتبر طريقاً من طرق إثبات العلة غير الوصف المناسب.
стр. 1974
أما غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه، فإنه يختلف عنه، فقد يوجد
فيه الوصف المناسب، لكن تنازع الفرع فيه أصلان - كما ذكرت -
فتدبر ذلك.
ولقد ذكرت هذا في هذا المكان، لبيان الفرق بينهما.
ونظراً لاختلاف العلماء فيه، وخلطهم بين الأمرين، وأن الفرق
بينهما دقيق جداً، فإن ذلك قد غمض على بعض العلماء حتى قال
بعضهم: " لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض من هذه ".
стр. 1975
المطلب الخامس هل يشترط أن تكون العلَّة مناسبة أي: مشتملة على
حكمة قصدها الشارع من تشريعه للحكم ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يشترط أن تكون العِلَّة مشتملة على حكمة قصدها
الشارع.
والمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو
تقليلها مثل: تعليل الترخص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله
على الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي المشقة، ومثل: جعل الزنا
علَّة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة،
وهي: اختلاط الأنساب.
فلا بد أن تكون العلَّة وصفا مناسبا يغلب على ظن المجتهد فيه
وجود المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم.
فالإسكار - مثلاً - مناسب لتحريم الخمر، وإيجاب العقوبة على
السكران.
والمصلحة في ذلك حفظ عقول الناس.
وقتل الوارث مورثه مناسب لحرمانه من الميراث؛ لأن ترتب
الحرمان على ذلك القتل يحقق مصلحة هي: دفع العدوان عن من
هو أوْلى الناس بالرعاية، والاحترام، والمحافظة عليه، وهو قريبه،
стр. 1976
ولولا حرمان الوارث القاتل لمورثه الذي استعجل الشيء قبل أوانه؛
لأدى إلى أن يقوم كثير من الناس بقتل مورثيهم استعجالاً لذلك
المال، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.
وعلى ذلك فلا يجوز التعليل بالأمارة المجردة، وهي العلامة
المحضة أو الوصف الطردي.
والوصف الطردي هو: ما ليس من شأنه تعليق الحكم عليه،
كأن يُعلل وجوب الحد في الزنى باسم الشخص الزاني، أو هيئته،
أو نحو ذلك، أو يعلل تحريم الربا في البر بكونه من المزروعات أو
نحو ذلك، أو يعلل حرمة الخمر بكونه شرابا أحمر، أو أنه عصير
عنب، أو أنه يحفظ في أوزان خاصة.
أو يعلل وجوب قطع يد السارق بكون السارق غنيا، أو نحو ذلك
من الأوصاف التي لا مناسبة بينها وبين الحكم.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الحكم حينما
أثبتناه في الفرع، فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم
الأصل قد ثبت من أجله، وهذا غير متصوَّر في الأوصاف الطردية
المحضة، والأمارات غير المؤثرة.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فيجوز أن يكون الوصف
مناسبا، وغير مناسب، متضمنا لمصلحة مناسبة وغير متضمن لذلك،
أي: يستوي المناسب وغيره.
وهو مذهب الغزالي، وتبعه على ذلك كثير من الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
أن الوصف أمارة على الحكم ومعرفا له، فيُعلل به، سواء كان
стр. 1977
مناسباً أو غير مناسب؛ لأنه معرف للحكم، فيصدق عليه تعريف
العلَّة.
جوابه:
إنه لو جاز تعليل الحكم بمجرد الأمارة لم تكن لها فائدة سوى
تعريف الحكم، وذلك يفضي إلى لزوم الدور، بيانه: أن العلَّة
مستنبطة من حكم الأصل فهي - إذن - فرع منه، وإذا صح القول
بأنها لمجرد تعريف الحكم - فقط - كان الحكم متفرعا عنها، وذلك
هو الدور، وهو ممنوع.
ونحن لما قلنا: إن العِلَّة هي: الوصف المعرِّف للحكم: قلنا:
إن الوصف يُشترط فيه: أن يكون ظاهراً، منضبطاً، مجاوزاً،
مشتملاً على معنى مناسب للحكم، فلم يطلق ذلك الوصف فتدبر
التعريف الذي سبق للعِلَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف فيما يظهر لي لفظي؛ لأنا نريد في المذهب الأول: العِلَّة
التي نلحق الفرع بالأصل بسببها، فلا يمكن هذا الإلحاق إلا إذا كان
الوصف مناسبا: غلب على ظننا وجود المصلحة المقصودة للشارع من
تشريع الحكم، وهذا لا يخالفه أصحاب المذهب الثاني.
وأصحاب المذهب الثاني يريدون العِلَّة المطلقة الشاملة للعِلَّة
المتعدية، أو العِلَّة القاصرة التي لا يمكن أنَ نلحق بواسطتها أي فرع
فلم يتوارد كلام الفريقين على محل واحد.
стр. 1978
المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلَّة ظاهرة جلية أو يجوز
التعليل بالوصف الجلي والخفي ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية.
وهو مذهب المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة، وهو الحق؛ لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات
الحكم في الفرع، ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جليا ظاهراً
في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل، أما إذا كان هذا
الوصف خفياً في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع
فمثلاً لو قلنا: إن عِلَّة الملك في البيع هو: التراضي بين المتبايعين،
فإن هذه العلَّة لا تصح؛ لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر
الوقوف عليَها بنفسها، لذلك لا بد أن نعلل الملك في البيع بأمر
ظاهر يكون مظنة تحقيق الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من
الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة والحقيرة.
فإن الإيجاب والقبول من الطرفين في الأشياء النفيسة والمعاطاة في
الأشياء الحقيرة دليل على رضا المتعاقدين.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز التعليل بالوصف
الجلي والخفي، ولا فرق.
وهو مذهب أكثر الحنفية.
стр. 1979
تفسير الجلي والخفي من الأوصاف عند الحنفية:
المراد بالوصف الجلي عندهم: ما لا يحتاج إلى النظر الكثير
كتعليل طهارة سؤر الهرة بكثرة التطواف وصعوبة التحرز منها المنبه
عليه في قوله ﷺ :
"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات ".
والمراد بالوصف الخفي عندهم: ما يحتاج إلى نظر كثير ودقة تأمل
كالعلل التي يتطرق إليها الاحتمال كتعليل تحريم ربا الفضل في البر
بالطعم، أو الاقتيات، وتعليل عررم الربا في الذهب والفضة
بالثمنية، ونحو ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول إنما اشترطوا
أن يكون الوصف ظاهراً بنفسه أو بغيره، وهذا موافق لما أراده أكثر
الحنفية؛ حيث بيَّنوا: إن الوصف الخفي يكتسب الظهور مما يقوم
مقامه، فمثلاً الرضا بين المتعاقدين وإن كان خفيا، إلا أن دلالة صيغة
العقد الظاهرة عليه جعلته من الأوصاف الظاهرة التي يجوز التعليل
بها، وعليه: فإن كل وصف يمكن الوقوف عليه بدليل يزيل خفاءه
يصح نصبه أمارة وعِلَّة ما دام المقصود حاصلاً به، وهو التعريف
بالحكم.
فهذا الكلام منهم يدل على أن الوصف الظاهر هو الذي يعلل به،
أما ما خفي فلا يعلم إلا بواسطة الوصف الظاهر، وهو موافق لما
قلناه.
стр. 1980
المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعي
هل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا ؟
مثاله: قول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه
كالمسلم.
مثال آخر: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأنهما
طهران عن حدث.
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أننا قلنا: إن العِلَّة هي المعرف للحكم، ولا
يستبعد أن يجعل حكما ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع:
"مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني
أثبت الحكم الفلاني فيها أيضا ".
الدليل الثاني: أن الحكم قد يدور مع الحكم الآخر وجوداً وعدما،
فتثبت عليته بذلك، كما ثبتت علة غيره؛ لأن الدوران طريق من
طرق إثبات العِلَّة مطلقاً، أي: من غير فرق بين عِلَّة وعِلَّة - كما
سبق بيانه -.
فمثلاً: صحة ظهار الذمي توجد مع صحة طلاقه، فمن صح
стр. 1981
طلاقه صح ظهاره، ومن لم يصح طلاقه لا يصح ظهاره، فتكون
صحة طلاقه عِلَّة لصحة ظهاره.
وكذلك: جواز رهن المشاع يوجد مع جواز بيعه وجوداً وعدما،
فما صح بيعه صح رهنه، وما لم يصح بيعه لا يصح رهنه، فيكون
جواز بيع المشاع عِلَّة لجواز رهنه.
الدليل الثالث: أنه وقع في الشريعة تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي، والوقوع دليل الجواز، من ذلك أن امرأة من جهينة جاءت
إلى النبي ﷺ
فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟
قال: " نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك
دين أكنت قاضيته؟ اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء ".
فهنا نبه الرسول ﷺ على أن العلَّة لصحة القضاء: كون الشيء صار ديناً في الذمة، فقد قاس ﷺ إجزاء الحج عن الغير بإجزاء قضاء الدين عنه بعلَّة كون المقضي ديناً، والدين حكم شرعي؛ لأنه لزوم أمر في الذمة، وهذا اللزوم معتبر شرعاً، مترتب على خطاب الله تعالى المتعلق بأداء الحق.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي.
وهو لبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحكم الذي جعل عِلَّة يحتمل فيه ثلاثة
احتمالات فقط هي:
الاحتمال الأول: إما أن يكون مقارناً للحكم.
стр. 1982
الاحتمال الثاني: إما أن يكون متأخراً عنه.
الاحتمال الثالث: إما أن يكون متقدما عليه.
أما الأول - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة مقارنا للحكم
الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأَن جعل أحدهما
علَّة والآخر معلولاً تحكما؛ حيث إنه يحتمل أن يكون الحكم الذي
جعله عِلَّة معلولاً، ويحتمل العكس، فلا مزية لأحدهما على
الآخر، فالقطع بكون أحدهما عِلَّة والآخر معلولاً تحكم.
أما الثاني - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة متأخراً عن
الحكم الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأن المتأخر لا
يكون عِلَّة للمتقدم؛ نظراً لوجود العلول بدون العِلَّة.
أما الثالث - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل علَّة متقدما على
الحكم الذي جعل معلولاً - فلا يصح التعليل به - أَيضا -؛ لأن
القول بجوازه يلزم عليه وجود العِلَّة مع تخلف معلولها عنها - وهو
الحكم - وهذا نقض، والنقض من قوادح ومبطلات العِلَّة، وسيأتي
إن شاء اللَّه، وبذلك اتضح أن التعليل بالحكم الشرعي غير جائز.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ قولكم في الأول والثاني، بيان ذلك:
أن قولكم: " إن الحكم المقارن لا يكون علَّة " لا نسلمه، بل لا
مانع من جعل الحكم علَّة للحكم المقارن له، ولا يكون في ذلك
تحكم؛ لجواز أن يكون أَحد الحكمين مناسباً، والآخر غير مناسب،
فتكون المناسبة مرجحة لكون ذلك الحكم المناسب عِلَّة.
وقولكم: " إن الحكم المتأخر لا يكون عِلَّة للمتقدم " لا نسلمه،
стр. 1983
بل يكون الحكم المتأخر علَّة للحكم المتقدم؛ لأنا نقصد بالعلَّة
المعرف؛ لأن المعرف يجوز أَن يكون متأخراً عن المعرف.
الدليل الثاني: أن الشارع إذا أثبت حكمين في صورة واحدة معا،
فليس أحدهما يتميز عن الآخر في الوجود والافتقار، والمعلومية،
وعلى ذلك فليس جعل أحدهما عِلَّة للآخر أوْلى من العكس،
وحينئذ:
١ - إما أن لا يكون أحدهما عِلَّة للآخر، وهذا مطلوبنا.
٢ - أو أن يجعل كل واحد منهما عِلَّة للآخر، فيلزم الدور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إنه لا مزية لأحدهما على
الآخر "، بل قد توجد مزية من حيث إنه يجوز أن يكون أحد
الحكمين مناسبا للآخر من غير عكس، أو يجوز أن يكون أحدهما
أكثر مناسبة من الآخر، فيكون المناسب، أو الأكثر مناسبة هو
العلة.
اَلجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم الدور إذا جعلنا كل واحد منهما
علَّة، وذلك لأن العلَّة هي المعرف، ولا مانع من أن يكون كل واحد
مَن الشيئين معرفا للآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني لا يجيزون
التعليل بالحكم الشرعي في الأمثلة السابقة، وكذلك مثل: قياس
زكاة مال اليتيم بزكاة غيره في أنه مالك تام الملك، وقياس الرقبة
الواجبة في الظهار على الرقبة الواجبة في القتل، وجعل الإيمان
شرطاً فيهما باعتبار أن كل واحدة منهما كفارة.
стр. 1984
المطلب الثامن بيان أن العلَّة يشترط فيها أن لا تخالف نصا أو إجماعاً
هذا قد اتفق العلماء عليه؛ لأن العلَّة مستنبطة من حكم الأصل
الثابت بالنص أو الإجماع، فالعلَّة هي الوصف الذي دلَّنا عليه النص
أو الإجماع، وإذا كان الأمرَ كذلك فلا يعقل أن يخالف العلَّة
أصولها، وهو النص، أو الإجماع، وتكون علَّة صالحة لثبوت
الحكم، فإذا علل أحدهم بعِلَّة تخالف نصا أو إجماعاً، فإنها
مردودة.
مثل: ما ورد عن بعض فقهاء الأندلس، حيث أفتى للملك الذي
أكثر من الجماع في نهار رمضان بأنه يصوم شهرين متتابعين، وعلل
ذلك بسهولة العتق على مثل هذا الملك لما لديه من الأموال والجواري
حيث لا يجد في ذلك أي نوع من المشقة، ولا يحقق الزجر الذي
شرعت الكفارة من أجله، فألزمه بالصوم الذي هو يشق عليه،
وأجدر بتحقق الزجر والردع لأمثاله.
لكن هذه العِلَّة مردودة؛ لأنها مخالفة للنص، وهو حديث
الأعرابي الذي رتب كفارة الجماع في نهار رمضان على ثلاث مراتب:
أولها: عتق الرقبة، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.
стр. 1985
المطلب التاسع حكم التعليل بالحكمة
الحكمة لغة: ما تعلقت بها عاقبة حميدة، وهي: بخلاف السفه.
وهي في الاصطلاح تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب
مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها.
فيكون الفرق بينها وبين العلَّة: أن العِلَّة هي الوصف الظاهر
المنضبط الذي جعله الشارع مناطَا لثبوت الحكم؛ حيث ربط الشارع
به الحكم وجوداً وعدماً بناء على أنه مظنة لتحقيق المصلحة المقصودة
للشارع من شرع الحكم.
أما الحكمة فهي: المصلحة نفسها، ولذلك فإنها تتفاوت درجاتها
في الوضوح والانضباط.
فمثلاً: أباح الشارع للمسافر قصر الصلاة، وعلل ذلك:
بالسفر؛ حيث لا يختلف باختلاف الأفراد، ولا الأحوال فهو ظاهر
منضبط وهو مظنة للمشقة.
والحكمة هي: المصلحة التي قصدها الشارع.
كذلك: أجاز الشارع - مثلاً - للشريك أن يتشفع في مال شريكه
والوصف المنضبط في ذلك: الشركة فتكون هي العِلّة.
أما الوصف غير النضبط والذي يختلف باختلاف الأفراد والأحوال،
والذي قصده الشارع في التشريع، فإنه دفع الضرر عن الشريك
القديم من الشريك الجديد، وهذا هو حكمة التشريع.
стр. 1986
ونظراً لكون تلك الحكمة تختلف باختلاف الأفراد والأحوال،
وقد تكون خفية، فإن العلماء قد اختلفوا هل يجوز تعليل الحكم بها
أو لا يجوز؟ على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز التعليل بالحكمة.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم
الانضباط: فهي مختلفة باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان،
فمثلاً: المشقة التي هي حكمة مشروعية قصر الصلاة في السفر،
وإباحة الإفطار في السفر تختلف باختلاف الأشخاص، فبعضهم
يشعر بالمشقة عند أدنى تعب، وبعضهم لا يشعر بشيء مهما صعب
السفر، وبعضهم قد توسط، كذلك المسافر في الشتاء قد لا يشعر
بالعطش، كمن سافر في الصيف، كذلك الراكب دابة أو سيارة،
أو طائرة يختلف عن غير الراكب، فلو قلنا: إن المشقة هي العلَّة في
الإفطار لترتب على ذلك: اختلاف الحكم باختلاف الأفراد وقوة
تحملهم وعدم ذلك، وترتب عليه أيضا اختلاف الحكم باختلاف
الأزمان، وترتب عليه - أيضاً - اختلاف الحكم باختلاف المركوب
ونحو ذلك، وهذا يجعل أحكام الشرع تختلف باختلاف الأفراد،
والأحوال، حتى أنك لتجد اثنين مسافرين: هذا يجوز له الإفطار،
وهذا لا يجوز؛ نظراً لاختلاف ظروفهما.
ويترتب عليه: لزوم البحث الشديد والنظر الدقيق لمعرفة مناط
الحكم لهذا الشخص أو ذاك، وهذا فيه من التكليف ما اللَّه به عليم،
والكلفة خلاف حكمة التخفيف الذي جاءت به الأحكام الشرعية،
وقد وجدنا الشارع رد الناس في مثل هذه الأمور - التي يختلف فيها
الناس - إلى مظانها الظاهرة الجلية؛ دفعا للتخبط في الأحكام،
стр. 1987
ونفياً للحرج والمشقة والعسر، فرخص في القصر والفطر لعلَّة ظاهرة
جلية لا تختلف باختلاف الأفراد والظروف وهي: مجرد السفر
ثمانين كيلو متراً، ولم يعلق الترخص بالمشقة؛ لأنها مما يضطرب بها
الناس ويختلفون فيها - كما قلنا -.
ويؤيد ذلك: أن الشارع لم يرخص للعمال في التحميل، أو
البناء في الفطر في الحضر مع أنهم يجدون من المشقة ما لا يجده
المسافرون.
كذلك قلنا: إن حد الزنى وجب لعلة وهي: نفس الزنا، ولم
نعلل بالحكمة وهي: اختلاط الأنساب؛ لأنا لو عللنا بوجوب الزنا
باختلاط الأنساب لقال قائل: أنا أضمن أنه لا تختلط الأنساب بأن
أزنى بامرأة لا زوج لها وهى موقوفة لا ترى الرجال ولا يرونها،
وإذا كان الحكم يدور مع العِلة: إذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت
عدم الحكم كما قلنا في الدوران: فإنه على هذا إذا وجد اختلاط
الأنساب وجد الحكم، وهو تحريم الزنا والحد عليه، وإن لم يوجد
اختلاط الأنساب فلا يوجد الحكم، فلا حد على الزاني.
ولكن العلماء قد اتفقوا على بطلان ذلك، وعللوا وجوب حد
الزنا بعلة ظاهرة جلية وهي: نفس الزنا.
كذلك: أوجب الشارع العدة لبراءة الرحم بالوطء الذي هو مظنة
لشغل الرحم حتى لو كان صغيرة أو يائسة مما لا يتصور معها اختلاط
الأنساب، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى.
وهذا قياسا على ما ذكرناه في أن الصبي المميز غير مكلف؛ حيث
إن الصبي وإن كان مفرقاً بين الخير والشر، والجيد والرديء،
والطيب والخبيث إلا أنا لا نقول بأنه مكلف؛ لأنا لا نعلم بالدقة متى
стр. 1988
عرف ذلك، ولأن الصبيان يختلفون في ذلك باختلاف بيئاتهم،
ونوع التربية التي ربوا عليها مما يلزم منه: أن يقال: إن هذا الصبي
مكلف، وذاك غير مكلف فيختلف الحكم باختلاف الصبيان.
لكن الشارع قد وضع لنا حداً إذا بلغه الصبي يكون مكلفاً لا
يختلف فيه الصبيان وهو: حد البلوغ - وهو: خمسة عشر عاما،
أو الاحتلام، أو الإنبات من قبل، وتزيد الصبية الحيض.
كذلك هنا: فإن حكمة الحكم وهي المشقة مثلاً في السفر تختلف
باختلاف الأشخاص والأقوال، فوضع لنا الشارع علامة ظاهرة جلية
لا تختلف باختلاف الأشخاص والأقوال، وهي: السفر، فيكون
الحكم واحداً لجميع المكلفين.
الدليل الثاني: أنه لو جاز التعليل بالحكمة: للزم تخلف الحكم
عن علته، وهذا خلاف الأصل.
فمثلاً لما قلنا بوجوب الحد على الزاني، فإما أن يعلل ذلك
بالوصف المنضبط الظاهر وهو: الزنا، وإما أن يعلل ذلك بحكمته
وهي: اختلاط الأنساب.
لا يمكن أن نعلل بالثاني - وهو اختلاط الأنساب -؛ لأنه يلزم
منه التخلف في بعض الصور؛ حيث يتحقق اختلاط الأنساب بدون
الزنا؛ كأن يأخذ إنسان أطفالأ صغاراً جداً على حين غفلة من آبائهم
وفرقهم حتى صاروا رجالاً، فلن يستطيع آباؤهم التعرف عليهم،
فهنا قد تحققت الحكمة، وهي: اختلاط الأنساب، فينبغي على هذا:
القول بوجوب الحد على من أخذهم؛ لأنه حقق الحكمة، وهي:
اختلاط الأنساب، وهذا لم يقل به أحد، فبان من هذا: أنه، قد
стр. 1989
تخلف الحكم عن علَّته، وهو نقض مبطل للتعليل كما سيأتي إن شاء
الله، فثبت أنه يعلل بالأول وهو الوصف الظاهر، وهو: الزنا.
الدليل الثالث: أن الشارع قد علل الترخص في قصر الصلاة
بالسفر نفسه حتى لو انتفت فيه المشقة كالسفر المريح بأي وسيلة، ولم
يعلل ذلك بالحضر وإن اشتمل على المشقة، كما هو الشأن فيمن
يلاقي المشاق في الأعمال الشاقة كعمال المصانع.
فهنا وجدنا الشارع اعتبر المظان عند خلوها عن الحكمة.
ولو جاز التعليل بالحكمة لما وجدنا الشارع اعتبر تلك المظان؛ لأنه
لا عبرة بها مع تحقق خلوها عن الحكمة، لكنه اعتبرها فدلنا ذلك
على أن المعتبر المظنة دون الحكمة.
المذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالحكمة مطلقا.
وهو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، والبيضاوي، وبعض
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الحكمة - وهي: مقصود الشارع من شرع الحكم - هي أصل
لذلك الوصف، فإذا جاز التعليل بالوصف المشتمل عليها، فإنه من
باب أوْلى أن يجوز التعليل بالحكمة؛ لأنها أصل لذلك الوصف،
ولا يعقل أن يكون الأصل أقل درجة من فرعه.
أي: إذا جاز التعليل بالفرع - وهو الوصف - فإنه من باب أوْلى
إلى جواز التعليل بالأصل - وهي الحكمة.
جوابه:
إن قياس الحكمة على الوصف بالقياس الأولى لا نسلمه، بل هو
قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
стр. 1990
أن الوصف المشتمل على الحكمة يجوز التعليل به؛ لأمرين:
أولهما: اشتماله على الحكمة، ثانيهما: كونه ظاهراً منضبطا.
بخلاف الحكمة، فإنه لا يتوفر فيها الأمر الثاني؛ لعدم انضباطها
غالبا - كما قلنا سابقا - حيث تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة،
والأشخاص كالمشقة.
المذهب الثالث: التفصيل، بيانه:
إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، فإنه يجوز التعليل بها.
وإن كانت الحكمة خفية مضطربة، فإنه لا يجوز التعليل بها.
وهو ما ذهب إليه الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي،
وكثير من الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
أنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت خفية غير منضبطة
لأمرين هما:
أولهما: أن الحكمة الخفية المضطربة تختلف باختلاف الأشخاص
والأماكن، والأزمان والأحوال، ويعسر معرفة حكمة الحكم والحال
هذه.
ثانيهما: أن التعليل بالحكمة الخفية المضطربة يفضي إلى العسر
والحرج في حق المكلََّف؛ حيث إنه سيكلف بالبحث عنها والاطلاع
عليها، والنصوص تنفي العسر عن المكلفين.
وقد سبق بيان هذين الأمرين في الدليل الأول من أدلة المذهب
الأول، وهو أنه لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقاً.
стр. 1991
وقلنا: إنه يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة؛ لأن
الوصف الظاهر المنضبط يصح التعليل به؛ لاشتماله على حكمة
مقصودة للشارع، وهذا الوصف يعتبر فرعا لحكمته أقيم مقامها؛
لأنه ظاهر منضبط، ومن الواضح أن العلماء لم يقولوا بصلاحية
الوصف للعلية، إلا لأنه مظنة لتلك الحكمة المقصودة أصلاً في
التشريع، فإذا وجدنا الحكمة بهذه الصفة من الظهور والانضباط،
فإنها تكون مساوية لذلك ألوصف بالظهور والانضباط، وعلى هذا
فإن التعليل بها جائز.
جوابه:
إن الحكمة لو كانت ظاهرة منضبطة لجاز التعليل بها؛ لكنها غير
ظاهرة ولا يمكن أن تنضبط؛ لأنها - كما قلت مراراً - تختلف
باختلاف الأشخاص، والأماكن، والأحوال، والأزمان، فهي
راجعة إلى دفع مفسدة، أو جلب مصلحة، وهذه الأمور تختلف
باختلاف الناس وحاجاتهم ومصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وكل
ذلك مما يخفى ويزيد وينقص بحسب الأحوال والأشخاص، فإذا كان
الأمر كذلك فلا تكون ظاهرة، ولا يمكن أن تنضبط إلا نادراً، ولا
يمكننا العلم بهذا النادر إلا بعد عسر وحرج، والعسر والحرج
مرفوعان في الشريعة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، فيما يظهر؛ لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا
على الترخص للمسافر في قصر الصلاة وإباحة الفطر، ولم نجد
واحداً منهم قد نظر إلى تحقق المشقة وعدم تحققها، وهذا يجعل
الخلاف لا أثر له.
стр. 1992
المطلب العاشر هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي
وتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل
الحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم
الوجودي بالوصف العدمي ؟
هذا فيه تفصيل إليك بيانه:
أما الأول - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي -
فهو جائز مثل: وجود تحريم الربا في البر، والعِلَّة وجود الطعم
فيه، أو الكيل، أو الوزن.
أما الثاني - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي -
فهو - أيضا - جائز مثل: وجود الدين عِلَّة لعدم وجوب الزكاة.
أما الثالث - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي - فهو
أيضاً جائز مثل: عدم الرضا علَّة لعدم صحة البيع، مثال آخر:
عدم نفاذ التصرف بالنسبة للمجنون والعِلَّة: عدم العقل.
أما الرابع - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي -
فهو مثل: قولنا: عدم الفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار
اللك: فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز ذلك.
стр. 1993
وهو مذهب فخر الدين الرازي، وصفي الدين الهندي، وكثير
من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الدوران يدل على ذلك؛ حيث إن الحكم يدور
مع بعض العدميات، فيقال: ثبت واستقر الملك لما عدم الفسخ في
زمن الخيار، ولو وجد الفسخ في زمن الخيار لما ثبت الملك، كذلك
تقول: عدم السبب الشرعي الناقل للملك موجب لحرمة الانتفاع بما
وضعت اليد عليه، ووجود السبب الشرعي الناقل للملك مبيح
للانتفاع به، وهذا هو الدور، والدور يفيد ظن العلية - كما قلنا
فيما سبق - والعمل بالظن واجب.
الدليل الثاني: أن العِلَّة هي: المعرف للحكم - كما قلنا في
تعريف العلَّة - وهذا المعنى لا ينافي العدم؛ لأن العدم قد يكون
معرفا على وجود حكم ثبوتي، كما يكون معرفا لحكم عدمي.
فمثلاً: عدم الشرط يعرفنا عدم المشروط، وعدم العِلَّة يعرفنا
عدم المعلول، فكذلك العدم يعرفنا بوجود حكم ثبوتي، فعدم
امتثال العبد لأوامر سيده يعرفنا غضبه عليه والغضب أمر وجودي.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف
العدمي.
وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية، وهو
مذهب أكثر الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل م لأول: أنه اتفق على أنه يجب على المجتهد البحث عن
عِلَّة الحكم بالسبر والتقسيم للأوصاف التي تصلح للعلية - كما سبق
стр. 1994
بيانه - وهذا شيء يستطيعه المجتهد في الأوصاف الثبوتية، أما
الأوصاف العدمية فإنها غير متناهية لذلك لا يجب عليه سبرها؛
لعدم استطاعته على حصرها -، وهذا يدلنا على أن الأوصاف العدمية
لا تصلح للعلية؛ إذ لو كانت واجبة لوجب على المجتهد سبرها
شأنها في ذلك شأن الأوصاف الثبوتية؛ لأنه لا يجوز إهمال شيء مما
يصح التعليل به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ما ذكرتموه، بل يجب على المجتهد سبر
جميع العلل التي يمكن أن يعلل به الحكم، سواء كانت ثبوتية، أو
عدمية، وإن لم يفعل المجتهد ذلك فلا يصلح للاجتهاد.
الجواب الثاني: سلمنا عدم وجوب سبر الأوصاف العدمية على
المجتهد، فليس ذلك الحكم؛ نظراً لعدم صلاحيتها للتعلل بها، بل
إن ذلك سقط عن المجتهد لتعذره؛ حيث إن العدميات غير متناهية.
الدليل الثاني: أنه يصح في الاستعمال اللغوي والعرفي أن يقول
قائل - سائلاً -: " أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟ "،
وهذا يفهم أنه لو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء: لكان
لغواً شأنه في ذلك شأن قول القائل: " أي رجل مات حتى حدث
لفلان هذا المال؟ "، فإن حدوث المال غير متوقف على موت أحد،
فكان سؤالاً فاسداً.
وهذا كله يفيد: أنه لا بد للحكم الثبوتي من عِلَّة وجودية
وثبوتية، وهو يتضمن عدم جواز التعليل بالعدم.
стр. 1995
جوابه:
أنه لو سلم توقف حدوث ذلك الأمر على الأمر الوجودي، فإنه
معارض بما يدل على صحة تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي،
فيصح أن يقال: عاقب الوالد ولده؛ لأنه لم يمتثل أمره، وطرد زيد
من الكلية؛ لأنه لم ينجح، وهذا كله تعليل للأمر الوجودي بالأمر
العدمي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي فيما يظهر لي؛ لأن أصحاب المذهب الثاني
موافقون على تعليل الحكم الثبوتي والوجودي بالوصف العدمي، إلا
أنهم لا يعبرون بالوصف العدمي، بل يعبرون بمفهومه، فمثلاً: لما
قلنا: إن عدم الفسخ في زمن الخيار علَّة لثبوت الملك، قال أصحاب
المذهب الثاني: إن انتهاء زمن الخيارَ علَّة لثبوت الملك، وهكذا فلا
خلاف في الحكم في اللفظ.
стр. 1996
المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب
المراد بالوصف المركب: الوصف المتكون والمركب من عدة أجزاء
كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، أو تعليل وجوب
الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان، وهكذا.
فهل يجوز التعليل بذلك؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على
مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء كما
جاز التعليل بالوصف الواحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قياس العِلَّة المركبة من عدة أوصاف على العِلَّة
المتكونة من وصف واحد، بيان ذلك:
أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علَّة بأحد طرق إثبات
العلَّة السابقة كدلالة طريق النص الصريح، أَو طريق الإيماء، أو
طريق الإجماع، أو طريق المناسبة، أو السبر والتقسيم، أو تنقيح
المناط، أو الدوران، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يظن
عليته بتلك الطرق؛ لأن ما يثبت به علية الوصف الواحد يصلح أن
يثبت به علية الأوصاف المتعددة من غير فرق؛ لأن القول بالفرق لا
دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه.
الدليل الثاني: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بعلة مركبة من
стр. 1997
أوصاف؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن كثيراً من الأحكام
الشرعية يتوقف القول فيها على حصول أوصاف عديدة ليكمل
التناسب بين الوصف والحكم، فمثلاً لو اقتصرنا على وصف واحد
لكان الحكم واسعاً لا يمكن حصره، فمثلاً لو قلنا: إن علَّة كفارة
الوقاع هي: الوقاع فقط لدخل المكلف وغيره، ولو قلنا:إن العِلَّة
هي: وقاع مكلَّف في نهار رمضان لحصر ذلك في هذا الشخص
الموصوف بتلك الصفات.
كذلك لو قلنا: إن عِلَّة وجوب القصاص هي: " القتل " فقط،
لدخل قتل الخطأ، وقتل شبه العمد، ولما ناسب وجوب القصاص،
ولكن لما أضيف إليه كونه عمداً عدواناً حُصر الشخص الذي يجب
عليه القصاص، وناسب الحكم.
الدليل الثالث: وقوع التعليل بالوصف المركب في السنة، ومن
ما جاء في بعض الروايات: تعليل أحكام المستحاضة بأنه دم عرق
انفجر، فعلل الدم بالانفجار، وهذا هو التركيب، والوقوع دليل
الجواز.
المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء.
وهو مذهب بعض المعتزلة، وحكي عن أبي الحسن الأشعري.
دليل هذا المذهب:
أنه لو صح التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فعندنا احتمالات:
الاحتمال الأول: إما أن تكون العلية قائمة بجزء غير معين.
الاحتمال الثاني: إما أن تكون العلية قائمة بجزء معين.
الاحتمال الثالث: إما أن تكون العلية قائمة بكل واحد منها.
стр. 1998
الاحتمال الرابع: إما أن تكون العلية قائمة بمجموع الأجزاء.
وكلها باطلة، بيان ذلك:
أن الأول - وهو: كون العلية قائمة بجزء غير معين - باطل؛
لأن العلية وصف موجود، والواحد لا بعينه لا وجود له، وغير
الموجود لا يصح أن يقوم به الموجود.
وأما الثاني - وهو: كون العلية قائمة بجزء معين - فهو باطل
- أيضاً -؛ لأن قيام العلية بجزء معين يجعل الجزء المعين هو العِلَّة،
فتكون العِلَّة مفردة، لا مركبة، وهو خلاف ما نحن بصدده.
وأما الثالث - وهو: كون العلية قائمة بكل جزء من هذه
الأجزاء - فهو باطل - أيضا -؛ لأنه يؤدي إلى جعل كل جزء عِلَّة
مستقلة، فيكون كل واحد منها عِلَّة، ولا يكون المجموع هو العَلة
كما هو المفروض في هذه المسألة.
وأما الرابع - وهو: كون العلية قائمة بمجموع الأجزاء - فهو
باطل؛ لأن ذلك يوجب قيام المتحد بالمتعدد أو اتحاد المتعدد، وهو
قلب للحقائق.
وإذا بطلت تلك الاحتمالات فإنه يمتنع قيام العلية بالوصف المركب.
جوابه:
إن هذا الدليل منتقض بالحكم على المتعدد من الألفاظ والحروف
بأنه خبر أو استخبار، أو وعد أو وعيد، وما إلى ذلك من أقسام
الكلام؛ لأن كونه خبراً. زائد عليه، فإما أن يقوم كونه خبراً بكل
حرف، أو بمجموع الحروف.
ومنتقض بما يتجدد من الأعداد والهيئة الاجتماعية، فمثلاً: كل
стр. 1999
واحد من العشرة ليس بعشرة، وعند اجتماعها يكون المجموع
عشرة.
فكذلك: كل واحد من أجزاء الوصف ليس هو العِلَّة، وعند
اجتماعها يكون المجموع عشرة.
المذهب الثالث: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء بشرط:
أن لا يزيد على سبعة أجزاء.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن أجزاء الوصف هي سبعة،
ولذلك لا يزاد على ذلك، فإن زاد فلا يجوز التعليل به.
جوابه:
لا داعي لهذا التقييد بهذا العدد من الأجزاء؛ لعدم وجود الدليل
المقيد أو المخصص، وإن وجد في حالة واحدة، فالحالة الواحدة لا
يقيد بها قاعدة عامة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: أن الخلاف لفظي، وهو الحق؛ لأن أصحاب
المذاهب قد اتفقوا على أن الأجزاء لا بد منها في العلية، ولكن
الخلاف وقع بينهم - بعد ذلك - في أنها هل هي أجزاء للعلة، أو
أن واحداً منها علة والباقي شروط فيها.
فمن أجاز التعليل بالعلة المركبة - وهم أصحاب المذهب الأول
والثالث - جعل جميع الأجزاء علة.
стр. 2000
ومن منع التعليل بالعلة المركبة من أوصاف تعلق بوصف واحد،
وجعل الباقي شروطا لذلك الوصف.
ولا يترتب على الخلاف شيء بالنسبة لوجود باقي الأجزاء؛ حيث
إنه لا بد منها، سواء كانت أجزاء أو شروطا.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا القول:
أن لهذا الخلاف أثراً وهو: أنه من أجاز التعليل بالوصف المركب
من أجزاء قالوا بعلية كل جزء، وبناء على ذلك فإنهم يشترطون
المناسبة في كل الأجزاء.
أما من منع التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فإنهم لا
يشترطون المناسبة إلا في هذا الجزء الذي جعلوه عِلَّة، دون الباقي.
جوابه:
أن المناسبة تشترط في العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت وصفاً
مفرداً، أو متعدداً مركبا، وليس هذا أثراً للخلاف.
следующие страницы →