← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب المراد بالوصف المركب: الوصف المتكون والمركب من عدة أجزاء كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، أو تعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان، وهكذا. فهل يجوز التعليل بذلك؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء كما جاز التعليل بالوصف الواحد. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قياس العِلَّة المركبة من عدة أوصاف على العِلَّة المتكونة من وصف واحد، بيان ذلك: أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علَّة بأحد طرق إثبات العلَّة السابقة كدلالة طريق النص الصريح، أَو طريق الإيماء، أو طريق الإجماع، أو طريق المناسبة، أو السبر والتقسيم، أو تنقيح المناط، أو الدوران، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يظن عليته بتلك الطرق؛ لأن ما يثبت به علية الوصف الواحد يصلح أن يثبت به علية الأوصاف المتعددة من غير فرق؛ لأن القول بالفرق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه. الدليل الثاني: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بعلة مركبة من

стр. 1997

أوصاف؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن كثيراً من الأحكام الشرعية يتوقف القول فيها على حصول أوصاف عديدة ليكمل التناسب بين الوصف والحكم، فمثلاً لو اقتصرنا على وصف واحد لكان الحكم واسعاً لا يمكن حصره، فمثلاً لو قلنا: إن علَّة كفارة الوقاع هي: الوقاع فقط لدخل المكلف وغيره، ولو قلنا:إن العِلَّة هي: وقاع مكلَّف في نهار رمضان لحصر ذلك في هذا الشخص الموصوف بتلك الصفات. كذلك لو قلنا: إن عِلَّة وجوب القصاص هي: " القتل " فقط، لدخل قتل الخطأ، وقتل شبه العمد، ولما ناسب وجوب القصاص، ولكن لما أضيف إليه كونه عمداً عدواناً حُصر الشخص الذي يجب عليه القصاص، وناسب الحكم. الدليل الثالث: وقوع التعليل بالوصف المركب في السنة، ومن ما جاء في بعض الروايات: تعليل أحكام المستحاضة بأنه دم عرق انفجر، فعلل الدم بالانفجار، وهذا هو التركيب، والوقوع دليل الجواز. المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء. وهو مذهب بعض المعتزلة، وحكي عن أبي الحسن الأشعري. دليل هذا المذهب: أنه لو صح التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فعندنا احتمالات: الاحتمال الأول: إما أن تكون العلية قائمة بجزء غير معين. الاحتمال الثاني: إما أن تكون العلية قائمة بجزء معين. الاحتمال الثالث: إما أن تكون العلية قائمة بكل واحد منها.

стр. 1998

الاحتمال الرابع: إما أن تكون العلية قائمة بمجموع الأجزاء. وكلها باطلة، بيان ذلك: أن الأول - وهو: كون العلية قائمة بجزء غير معين - باطل؛ لأن العلية وصف موجود، والواحد لا بعينه لا وجود له، وغير الموجود لا يصح أن يقوم به الموجود. وأما الثاني - وهو: كون العلية قائمة بجزء معين - فهو باطل - أيضاً -؛ لأن قيام العلية بجزء معين يجعل الجزء المعين هو العِلَّة، فتكون العِلَّة مفردة، لا مركبة، وهو خلاف ما نحن بصدده. وأما الثالث - وهو: كون العلية قائمة بكل جزء من هذه الأجزاء - فهو باطل - أيضا -؛ لأنه يؤدي إلى جعل كل جزء عِلَّة مستقلة، فيكون كل واحد منها عِلَّة، ولا يكون المجموع هو العَلة كما هو المفروض في هذه المسألة. وأما الرابع - وهو: كون العلية قائمة بمجموع الأجزاء - فهو باطل؛ لأن ذلك يوجب قيام المتحد بالمتعدد أو اتحاد المتعدد، وهو قلب للحقائق. وإذا بطلت تلك الاحتمالات فإنه يمتنع قيام العلية بالوصف المركب. جوابه: إن هذا الدليل منتقض بالحكم على المتعدد من الألفاظ والحروف بأنه خبر أو استخبار، أو وعد أو وعيد، وما إلى ذلك من أقسام الكلام؛ لأن كونه خبراً. زائد عليه، فإما أن يقوم كونه خبراً بكل حرف، أو بمجموع الحروف. ومنتقض بما يتجدد من الأعداد والهيئة الاجتماعية، فمثلاً: كل

стр. 1999

واحد من العشرة ليس بعشرة، وعند اجتماعها يكون المجموع عشرة. فكذلك: كل واحد من أجزاء الوصف ليس هو العِلَّة، وعند اجتماعها يكون المجموع عشرة. المذهب الثالث: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء بشرط: أن لا يزيد على سبعة أجزاء. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن أجزاء الوصف هي سبعة، ولذلك لا يزاد على ذلك، فإن زاد فلا يجوز التعليل به. جوابه: لا داعي لهذا التقييد بهذا العدد من الأجزاء؛ لعدم وجود الدليل المقيد أو المخصص، وإن وجد في حالة واحدة، فالحالة الواحدة لا يقيد بها قاعدة عامة. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا قد اختلف فيه على قولين: القول الأول: أن الخلاف لفظي، وهو الحق؛ لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا على أن الأجزاء لا بد منها في العلية، ولكن الخلاف وقع بينهم - بعد ذلك - في أنها هل هي أجزاء للعلة، أو أن واحداً منها علة والباقي شروط فيها. فمن أجاز التعليل بالعلة المركبة - وهم أصحاب المذهب الأول والثالث - جعل جميع الأجزاء علة.

стр. 2000

ومن منع التعليل بالعلة المركبة من أوصاف تعلق بوصف واحد، وجعل الباقي شروطا لذلك الوصف. ولا يترتب على الخلاف شيء بالنسبة لوجود باقي الأجزاء؛ حيث إنه لا بد منها، سواء كانت أجزاء أو شروطا. القول الثاني: إن الخلاف معنوي، وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا القول: أن لهذا الخلاف أثراً وهو: أنه من أجاز التعليل بالوصف المركب من أجزاء قالوا بعلية كل جزء، وبناء على ذلك فإنهم يشترطون المناسبة في كل الأجزاء. أما من منع التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فإنهم لا يشترطون المناسبة إلا في هذا الجزء الذي جعلوه عِلَّة، دون الباقي. جوابه: أن المناسبة تشترط في العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت وصفاً مفرداً، أو متعدداً مركبا، وليس هذا أثراً للخلاف.

стр. 2001

المطلب الثاني عشر حكم تعليل الحكم بأكثر من عِلَّة " تعدد العِلَل " اتفق العلماء على جواز تعليل الحكم الواحد نوعاً المختلف شخصا بعلل مختلفة، كان تعلل إباحة قتل شخص بكونه مرتداً، وتعلل إباحة قتل شخص آخر بكونه قاتلاً، وتعلل إباحة قتل شخص ثالث بكونه زانيا محصنا. واختلف العلماء في تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين مختلفتين، أو أكثر من ذلك مثل: تعليل حرمة وطء امرأة؛ بكونها معتدة، وكونها حائضا، وتعليل وجوب القتل على مكلف بكونه زانيا وهو محصن، وبكونه قاتلاً، وبكونه مرتداً، فهل يجوز ذلك؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقا. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن العلَّة هي: الوصف المعرف للحكم - كما قلنا في تعريف العِلَّة - ولَا مانع من اجتماع المعرفات والأمارات على شيء واحد، ولذلك قالوا: إن من لمس وبال، فإنه ينتقض وضوؤه بهما. الدليل الثاني: الاستقراء والتتبع دلَّ على جواز ذلك؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع للأحكام وأسبابها وجدنا إنه يمكن جدا أن يصدر من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجدان معا يوجبان قتله.

стр. 2002

كالزنا والردة، ومن الممكن أن تحرم المرأة بسببين يوجدان معا كالحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو تجتمع الثلاثة وهي: العدة والحيض والإحرام معا. كذلك لو جمع شخص بين لبق أخته ولبن زوجة أخيه، ثم سقاه لصبية دون السنتين، فإن تلك الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معا وهما: " أنه يعد عمها "، و " أنه خالها ". فكان عمها من جهة أنها رضعت من لبن زوجة أخيه الذي أصبح أباً لها. وكان خالها من جهة أنها رضعت من لبن أخته التي أصبحت أمًّا لها. فاجتمع للتحريم سببان وعلتان معا، فهذا يدل على وقوع اجتماع الأسباب دفعة واحدة في حكم واحد، وهذا يدل على جوازه. المذهب الثاني: أنه لا يجوز مطلقا. وهو مذهب الآمدي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن من شروط العلَّة: أن تكون مناسبة للحكم، والقول بمناسبة الحكم الواحد لعلتين مختلفتين يقتضي أن الحكم مساو لهما، والقول بمساواته لهما يقتضي اختلافه مع نفسه؛ لأن مساوي المختلفين مختلف، ولما استحال اختلافه مع نفسه نتج: عدم جواز تعليله بعلتين فأكثر مختلفة حتى لا يؤدي إلى المحال.

стр. 2003

جوابه: نحن قلنا بجواز تعليل الحكم بعلتين أو أكثر بشرط مناسبتهما للحكم، فيجوز أن تكون العلتان قد اشتركتا في جهة واحدة، وحينئذٍ تتحقق المناسبة بينهما وبين الحكم في تلك الجهة، ويزول ما ذكرتموه من الامتناع، إذن: لا مانع من القول بجواز تعليل الحكم بأكثر من عِلَّة. الدليل الثاني: أن تعليل الحكم بأكثر من علَّة يلزم منه أمور ثلاثة: " إما تحصيل الحاصل "، أو " اجتماع المثلين "، أو " نقض العِلَّة " وهذه الأمور الثلاثة كلها باطلة، فيكون التعليل بأكثر من علَّة لحكم واحد باطل.، بيانه: أن الحكم يحصل بأي علَّة من تلك العلَل المختلفة، وهذا لا بد منه؛ لأنا لو لم نقل بذلك فإنه يلزم النقض من غير مانع، وهو باطل، وعلى هذا تكون العِلَّة الثانية إذا وجدت فلا يخلو: إما أن تقتضي أيضاً حصول نفس الحكم، وهذا هو تحصيل الحاصل. وإما أن تقتضي حكما آخر مماثلاً للحكم الأول، ويلزم على هذا اجتماع المثلين. وإما أن تقتضي حكما آخر غيرهما، أو لم تقتضي شيئاً، فيلزم - على هذا - النقض بدون مانع، وهو باطل. جوابه: أنا فسرنا العلَّة بأنها: المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع معرفين للحكم الواحد - كما سبق بيانه - وعليه فلا يمتنع تحصيل

стр. 2004

الحكم بعلتين فأكثر، أى: تحصيل الحكم بالعلَّة الأولى، والثانية، وغيرهما. وما ذكرتموه من امتناع تحصيل الحكم السابق تحصيله بالعلَّة الأولى متصور إذا فسرت العِلَّة بالمؤثر؛ لأنه قد حصل الحكم بالمؤثر السابق - وهي العِلَّة الأولى - فلا معنى للمؤثر اللاحق - وهي العِلَّة الثانية -. المذهب الثالث: التفصيل بين المنصوصة والمستنبطة، حيث يجوز تعدد العلل إذا كان منصوصا عليها، ولا يجوز تعدد العلل إذا كانت مستنبطة. وهو اختيار ابن فورك، وفخر الدين الرازي. دليل هذا المذهب: أنه لو أعطى إنسان فقيرا قريبا له، فإنه: يحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر فقط. ويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي القرابة فقط. ويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر والقرابة معا. ويحتمل أن يكون قد أعطاه لا لفقره ولا لقرابته. وهذه الاحتمالات متنافية بدليل: أن كون الفقر مثلاً داعيا ينافي كون غير الفقر داعيا، أو جزءاً من الداعي. ولما كانت متنافية، وكانت متساوية من حيث التعليل بها، فعندنا احتمالان هما: الاحتمال الأول: إما أن تبقى على جهل التعليل بواحدة منها

стр. 2005

المؤدي إليه التساوي، فلا يحصل الظن بواحد منها على التعيين، فلا يجوز أن يحكم بأنه عِلَّة. الاحتمال الثاني: وإما أن يترجح بعضها، وهذا الترجيح يحصل بأمرين هما: " المناسبة "، و " الاقتران "؛ لأن ذلك مشترك بين هذه الاحتمالات، وحينئذ تكون العلَّة هي الراجح منها دون المرجوح، وهذا يعني أنا نعلل الحكم بالراجح فقط، إذن لا يجوز تعدد الأوصاف في العلَّة المستنبطة، أما العلَّة المنصوصة فيجوز فيها ذلك؛ للنص. جوابه: لا نسلِّم التفريق بين العلَّة المنصوصة والمستنبطة، بل كلاهما واحد في جواز تعدد العلل، فإذا جاز في العلَّة المنصوصة محإنمه يحوز في المستنبطة ولا فرق. ثم المثال الذي ذكرتموه لا نسلمه؛ لأنا لا نُسَلِّمُ أن احتمال كون إعطائه لفقره مثلاً ينافي احتمال كونه أعطاه لفقهه فقط. المذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز تعدد العلل في المستنبطة، ولا يجوز في المنصوصة. وهو لبعض المذاهب. دليل هذا المذهب: قياس العلَّة المنصوصة على العِلَّة العقلية، فكما أنه لا يجوز اجتماع العلَل العقلية على معلول واحد، فكذلك العِلَّة الشرعية المنصوصة بجامع: أن كلأ منهما قطعية؛ فالعقلية معروف أنها قطعية، والمنصوصة فإنها كانت قطعية؛ لأنه لم يعتبر غيرها.

стр. 2006

وهذا بخلاف العِلَّة المستنبطة، فإنها لما كانت ظنية فإنه يصح أن يكون كل واحد منَ الوصفين - أو الأوصاف - عِلَّة كما أن سبب ظن العلية حاصل في كل واحد من الوصفين. جوابه: لا نسلم ما ذكرتموه، فلا نسلم أن العلل المنصوص عليها كلها قطعية، بل أكثر العلل المنصوصة ظنية، حيث إن هناك من النصوص الدالة على علية الوصف آحاد، أو دلالة هذا النص على العِلَّة دلالة ظنية وإن كان ثابتا عن طريق التواتر، وهذا أكثر العلل المنصوصة، وما وجد من العلل المنصوصة القطعية فهو قليل جداً، ولا يمكن أن تثبت قاعدة أصولية والمستند صور قليلة، ويترك صوراً كثيرة لا يلتفت إليها. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على المعنى، واختلافهم في العبارة؛ لأنه لا يوجد أحد من أصحاب المذاهب يمنع قيام وصفين، كل واحدي منهما لو انفرد لاستقل بالحكم، لكن يقال: هل الحكم مضاف إليهما أم هو مضاف إلى كل واحد منهما؛ ولقد رجحت في كتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " أن الخلاف معنوي، وفصَّلت في ذلك، ولكن الآن أعدل عما قلته هناك إلى ما قلته هنا؛ لما سبق من التعليل.

стр. 2007

المطلب الثالث عشر حكم تعليل حكمين أو أحكام بعِلَّة واحدة لتحرير محل النزاع لا بد أن أقول: إن الأحكام لا تخلو من أمور: الأمر الأول: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما متماثلة، وهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن تكون في ذات واحدة، وهذا غير جائز؛ لاجتماع المثلين. الصورة الثانية: أن تكون في ذاتين، وهذا جائز كأن يحصل قتل بفعل زيد وعمرو، فيجب القصاص على كل واحد منهما، فهو حكم في ذاتين. الأمر الثاني: أن تكون العلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة، ولكنها غير متضادة، فإن هذا جائز، مثل: تحريم الصلاة والصوم ومس المصحف، والعِلَّة واحدة وهي: الحيض. الأمر الثالث: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة متضادة مثل: القتل العمد العدوَان عِلَّة لوجوب القصاص، ولحرمان القاتل من الميراث، وهذا الذي اختلفَ العلماء فيه على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز تعليل حكمين فكثر بعِلَّة واحدة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العِلَّة - كما قلنا فيما سبق - هي: المعرف للحكم، ولا مانع من أن يكون الوصف

стр. 2008

الواحد معرفاً بحكمين أو أكثر، فيكون مناسبا لهما: فالقذف مثلاً عِلَّة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضاً عِلَّة لعدم قبول شهادته. والقتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص، وعِلَّة أيضاً لحرمان القاتل من الميراث. والغروب علَّة لجواز الفطر في رمضان، وعلَّة أيضا لوجوب صلاة المغرب، وعِلَّة أيضا لصحة الحج. المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل حكمين فأكثر بعِلَّة واحدة. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وعليه فلا يصح أن يكون الوصف الواحد عِلَّة لحكمين. جوابه: هذا الكلام ليس على إطلاقه، بل ذلك يصح في الواحد الحقيقي من جهاته، أما كلامنا هنا فيخص الجهات المختلفة، فالغروب - مثلاً - علامة وعِلَّة لجواز الفطر من جهة، وعلامة وعِلَّة لوجوب المغرب من جهة أخرى. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي؛ ذلك لأن أصحاب المذهب الثاني لا يخالفون في أن القتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص، وعلَّة - أيضا - لحرمان القاتل من الميراثَ؛ حيث لا يوجد ما يعلل به هذان الحكمان إلا هذه العِلَّة، فيكون الخلاف في اللفظ دون المعنى.

стр. 2009

المطلب الرابع عشر هل الطرد دليل على صحة العِلَّة ؟ المراد من الطرد هو: الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا، ولا مستلزماً للمناسب إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع. بيان محترزات التعريف: فقولنا: " الوصف الذيْ لم يعلم كونه مناسبا " أخرج الوصف المناسب للحكم، وقد سبق بيانه. وقولنا: " ولا مستلزما للمناسب " أخرج الوصف الشبهي؛ لأن الوصف الشبهي قد التفت إليه الشارع في بعض الأحكام، فيكون فيه شبه من المناسب، وقد سبق بيان ذلك. وقولنا: " إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع " أخرج الدوران؛ لأن الدوران هو: اقتران الحكم مع الوصف وجوداً وعدما، فإذا وجد الوصف وجد الحكم، وإذا عدم الوصف عدم الحكم - وقد سبق بيان الدوران -. أي: أن هذه العبارة تميز الطرد عن الدوران، فلو اقترن الحكم مع الوصف في صورة النزاع لكان دوراناً. فالفرق بين الطرد والدوران: أن الدوران: مقارنة الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً، والطرد: مقارنة الوصف في الوجود دون العدم.

стр. 2010

فاتضح من ذلك: الفرق بين الوصف الطردي، والوصف المناسب، والوصف الشبهي، والدوران. وقد سبقت أمثلة الوصف الطردي أثناء كلامنا عن الوصف الشبهي، ومنها: قول بعضهم في نية الوضوء: عبادة يبطلها الحدث، وتشطر بعذر السفر فيشترط فيها النية كالصلاة. ومنها: قول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف، فكان طاهراً كالخروف. فهل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟ وللجواب عن ذلك أقول: في ذلك تفصيل: فالقائلون بأن الدوران لا يكون دليلاً على صحة العلَّة، ولا يعتبر طريقاً لثبوت العلَّة كابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب،. وأكثر الحنفية - كما سبق بيانه - يقولون بعدم اعتبار الطرد طريقا لصحة العِلَّة من باب أوْلى؛ لأن الطرد يتعلق بجانب الوجود فقط، لذلك سُمِّي بـ " الدوران الوجودي ". أما الدوران فهو يتعلق بجانب الوجود والعدم معا - وقد تقدم الإشارة إلى ذلك أثناء تعريفنا للدوران، فمن نفى أن يكون الدوران طريقاً لثبوت العِلَّة: نفى أن يكودط الطرد دليلاً على ثبوتها وصحتها. أما القائلون بأن الدوران حُجَّة، وأنه دليل على صحة العلَّة - وهو قول أكثر العلماء، وهو الذي رجحناه - فإنهم اختلفوا في الطرد هل يصلح أن يكون دليلاً لصحة العِلَّة أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أن الطرد لا يصلح دليلاً على صحة العِلَّة مطلقا. وهو قول جمهور القائلين بحجية الدوران، وهو الحق؛ لدليلين:

стр. 2011

الدليل الأول: أن أقل أحوال الدليل الشرعي: أن يوجب الظن، لأن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون، وما لا يفيد العلم ولا الظن، فمعلق الحكم به متحكم - وهو الدعوى بلا دليل -، والتحكم ممنوع شرعا، وقد رأينا الطرد في علل لا يغلب على الظن تعلق الحكم بها واتباعه لها، فإذا ادعى الطارد الظن في أحدها تبين خطأوه، لأن للظن في العرف أسبابا كما أن للعلوم النظرية طرقا مفضية إليها، فمن ادعى أن وراء هذا الجدار شخصا من غير أن يبني ظنه على سبب يقتضي ذلك: كان مخطئا، فكذلك الحال في الوصف الطردي لا يصلح سببا لظن الأحكام. الدليل الثاني: أن طرد العِلَّة لا يرجع في التحقيق إلا إلى تعليق المعتل للحكم بها أينما وجدت، وذلك فعله وهو مخالف فيه، وإنما يجب تعليق الحكم بها إذا ثبت كونها عِلَّة بالدليل، ومتى لم يثبت ذلك لم يجب تعليق الحكم بها في أي موضع، وإذا ثبت ذلك وجب تقدم العلم بكونها عِلَّة على طردها. المذهب الثاني: أن الطرد يصلح دليلاً على صحة العِلَّة. وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، والصيرفي، وابن القصار. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن عدم الطرد يدل على فساد العلَّة، وهو النقض، فيجب أن يكون وجود الطرد يدل على صحتها. جوابه: إن القائلين بتخصيص العِلَّة يمنعون ذلك - كما سيأتي بيانه -.

стр. 2012

أما من لم يقل بتخصيص العلَّة فإنهم يقولون: إن الطرد شرط في صحة العِلَّة، ولذلك تفسد العلة بعدم الطرد، ولكن هذا لا يدل على أن وجوده دليل على صحتها، فلا يلزم من كون عدم الشرط يمنع الصحة: أن يكون وجوده موجباً لها، يؤيد ذلك أمران: الأمر الأول: أن عدم الإحصان يمنع وجوب الرجم، ووجود الإحصان لا يوجب الرجم، كذلك: عدم الطهارة يمنع صحة الصلاة، ووجودها لا يوجب صحة الصلاة. الأمر الثاني: أن الشيء يجوز أن يثبت بمعنى ولا يثبت ضده بعدم ذلك المعنى: فالحكم ثبتت صحته بالإجماع، ولا يثبت فساده بعدمه، فكذلك هنا: يجوز أن يثبت فساد العِلَّة لعدم الطرد، ولا تثبت صحتها لوجوده. الدليل الثاني: من الواقع؛ حيث إننا إذا رأينا مركوب القاضي عند باب الأمير، فإنه يغلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير، وسبب ذلك: أن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في هذه الصورة المعينة. جوابه: أن هذا ليس من قبيل قياس الطرد، بل من قبيل العمل بقرائن الأحوال، وترجيح احتمال على احتمال: فغلب على الظن وجود القاضي في منزل الأمير عند النظر إليها واعتبارها. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين اتفقوا على أنه لا يمكن أن يُنكر الطرد إذا غلب على الظن، وأنه لا يمكن لأحد أن يتبع كل وصف لا يغلب على الظن، وإن أحالوا أطراداً لا ينفك عن غلبة الظن.

стр. 2013

المطلب الخامس عشر في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله ودليل هذا الشرط: أن العِلَّة لما كانت فرعا لهذا الحكم من حيث إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال؛ لأنه يلزم منه: أن يرجع إلى نفسه بالإبطال - أيضا - باعتبار أن إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف المعلل به مبطلاً لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشىء نفسه محال. ومن أمثلة العلَّة التي تعود على أصلها بالإبطال: ما ذكره بعض المالكية من أن اتبَاع رمضان بصوم ستة أيام من غير شوال كاف في المطلوب، ما دام أن المعنى موجود فيه وهو: أنه تكميل للسنة، ولا يخفى. وهذا التعليل مبطل لخصوص شوال الذي دلَّ عليه النص. ومنها: أنه لما ورد قوله ﷺ : "في كل أربعين شاة شاة " علل كثير من الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك - جوزوا إخراج قيمتها. وهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة - أيضاً - فتعليل هذا بهذه العِلَّة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها، وبين قيمتها، وهذا التعليل قد محاد على أصله بالإبطال.

стр. 2014

المطلب السادس عشر حكم التعليل بالاسم المجرد لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه لا يجوز مطلقا التعليل بالاسم المجرد مثل: تعليل تحريم الخمر بكون العرب سمته خمراً، وتعليل تحريم الربا في المذهب بكونه ذهباً. حيث إنا نعلم بالضرورة أن مجرد هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد به تعليله بمسمى هذا الاسم، وهو: كونه مخامراً للعقل مانعا عن إدراك حقائق الأمور، فإنه يكون تعليلاً بالوصف لا بالاسم، وإن أريد به غير ذلك فممنوع؛ لعدم أثره. وهو مذهب كثير من الشافعية، والمالكية، وهو الحق؛ لما ذكرناه ولأن الاسم ليس وصفا ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة العلَّة. المذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالاسم مطلقا. وهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من الشافعية مثل قولهم: لا يجوز بيع الكلب المعلَّم؛ لأنه كلب فهو وغير المعلم في ذلك سواء، ومثل قول آخرين في النبيذ: إنه يسمى خمراً فيحرم كالمعتصر من العنب، ومثل قول فريق ثالث في بول ما يؤكل لحمه: إنه بول كبول الآدمي.

стр. 2015

جوابه: يجاب عنه: أننا عرفنا العلة بأنها الوصف المعرف للحكم والاسم ليس وصفا، ولا فيه معنى الوصف. ثم لو دققنا في تلك الأمثلة التي ذكرتموها وزعمتم أنها تعليل بمجرد الاسم، فإنا لا نجدها كذلك، بل فيها شبه بالوصف، حيث شبه الأسماء بالأوصاف. المذهب الثالث: التفصيل بين الاسم المشتق، فيجوز التعليل به، وبين الاسم العلم واسم الجنس، فلا يجوز على خلاف بينهم. وهو مذهب كثير من المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من المعتزلة. بيان هذا المذهب ودليله: أن الاسم إذا كان مشتقا من فعل كالضارب، فإنه يجوز أن يكون عِلَّة، لأن الأفعال يجوز أن تجعل عللاً في الأحكام. أما إذا كان الاسم غير مشتق فهو نوعان: النوع الأول: الاسم العَلَم كزيد وبكر: قد اتفق أصحاب المذهب الثالث على أنه لا يجوز التعليل به؛ لأن الأعلام غير لازمة؛ لجواز انتقالها. ولأن العَلَم إنما جعل في موضع الإشارة على الشيء، والإشارة ليس بعلَّة في أي حال من الأحوال، فينبغي أن يكون القائم مقامها - وهو العَلَم - كذلك. النوع الثاني: اسم الجنس كالرجل، والمرأة، والفرس: قد اختلف فيه أصحاب المذهب الثالث على قولين:

стр. 2016

القول الأول: إنه يجوز التعليل به، وهو مذهب المعتزلة، وعللوا ذلك: بأن هذا الاسم لازم غير منتقل. القول الثاني: إنه لا يجوز التعليل به، وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية. وعللوا ذلك: بأن التعليل بالأسامي يشبه التعليل بالطرد، والتعليل بالطرد فاسد - كما سبق بيانه. وإنما جوزوا التعليل بالأسامي المشتقة مع أنها أسامي؛ للاشتقاق الذي فيها لا بنفس الاسم. جوابه: إن كلامنا في الاسم المجرد، حيث إنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل به، أما الاسم الذي تضمن صفة كالاسم المشتق كالضارب، أو هو مستلزم للصفة، فإنه يجوز التعليل به؛ لأنه يؤدي إلى كونه تعليلاً بالوصف لا بالاسم. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي فيما يبدو لي؛ وذلك لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا على أن الاسم إذا كان وصفا، أو هو بمعنى الوصف، أو يفهم منه الوصف بأي شكل، فإنه يجوز التعليل به؛ لأن هذا تعليل بالوصف لا بالاسم. أما إذا كان الاسم لا يفهم منه الوصف، فإنه لا يجوز التعليل به؛ لأن مجرد الاسم لا أثر له ولا يدل على معناه. ويدلنا على ذلك: قول أصحاب المذهب الثالث: إنا جوزنا التعليل بالأسامي المشتقة؛ للاشتقاق الذي فيها، لا بنفس الاسم. ويؤيد ذلك - أيضاً -: الأمثلة التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني فإنه يفهم من الاسم الذي عللوا به فيها الصفة ولو كان فهما بعيداً.

стр. 2017

المطلب السابع عشر حكم التعليل بالوصف العرفي الوصف العرفي هو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان كالشرف والخسة والدناءة، والكمال، والنقصان. فهذه الأوصاف يجوز التعليل بها؛ لأن المناسبة التي هي الشرط الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلاً: الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة، والخسة تناسب إباحة الإهانة. ولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطرداً: لا يختلف باختلاف الأوقات والأزمان، واشترط ذلك؛ لأمرين: أولهما: أن الحكم إذا لم يوجد في جميع صور ذلك الوصف وقد وجد الحكم معه وبدونه، فإن هذا يسمى بـ " عدم التأثير "، وهو من مبطلات العِلَّة؛ كما سيأتي إن شاء اللَّه. ثانيهما: أن العرف لو لم يكن مطرداً لجاز أن يكون ذلك العرف حاصلاً في عصر غير حاصل في غيره، وهذا لا يجعله صالحا للتعليل به. الشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي مضبوطا متميزا عن غيره. واشترطنا ذلك؛ لأن القعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم ذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به.

стр. 2018

المطلب الثامن عشر هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة ؟ تحرير محل النزاع: لقد سبق في المطلب الثالث الذي هو في تقسيمات العِلَّة: أن قلنا: إن العِلَّة من حيث تعديها وعدم ذلك تنقسم إلى قسمين: " عِلة متعدية "، و " علة قاصرة ". أما العِلَّة المتعدية فهي: ما يئبت وجودها في الأصل والفرع، أي: تتعدى من محل النص إلى غيره كالقتل العمد العدوان، والزنا، والإسكار، والكيل " وغير ذلك. أما العِلَّة القاصرة أو الواقعة، فهي التي يثبت وجودها في الأصل فقط، ولا تتعدى إلى الفرع، أي: لا تتعدى محل النص كالسفر المبيح للفطر والقصر، والاستبراء للأُمَّة في أول حدوث ملكها للتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف؛ لإظهار الجلد والنشاط للمشركين. واتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة المتعدية، سواء كانت منصوصة أو مستنبطة، ولا يمكن أن يختلفوَا فيها؛ لأن القياس لا يتم إلا بعِلَّة تتعدى إلى الفرع لتكون سببا في إلحاقه بالأصل. واتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة القاصرة المنصوص عليها، أو المجمع عليها؛ لأن المنصوصة ليستَ محل اجتهاد واختلاف. أما العِلَّة القاصرة المستنبطة فقد اختلف العلماء في جواز التعليل بها على مذهبين:

стр. 2019

المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة المستنبطة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن العِلَّة القاصرة المستنبطة كالعلَّة القاصرة المنصوص عليها أو المجمع عليها ولا فرق، فإذا جاز التعليل بالعلَّة القاصرة المنصوص عليها أو المجمع عليها، فكذلك إذا استنبطت، فيجب أن تكون صحيحة، كما أننا لم نفرق بين العِلَّة المتعدية المنصوص عليها أو المجمع عليها وبين العِلَّة المتعدية المستنبطةَ. الدليل الثاني: أنه إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم، والحكم ثابت على وفقه، فإنه يغلب علىِ الظن كونه عِلَّة للحكم، أي: كونه معرفا للحكم، ولا معنى لصحة العِلَّة إلا ذلكَ. المذهب الثاني: أنه لا يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة. وهو مذهب أكثر الحنفية، وهو اختيار بعض الشافعية، ومال إليه أبو عبد اللَّه البصري من المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لا فائدة للتعليل إلا التعدية إلى الفرع، والعلة القاصرة - كما سبق - لا تتعدى إلى الفرع، وما دام أنه يخلو التعليل بالعلَّة القاصرة من التعدي فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فلا يرد به الشرع، وبناء على ذلك فإنه يبطل التعليل بالعلَّة القاصرة. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن فائدة العِلَّة منحصرة بما ذكرتم من التعدي إلى الفرع، بل إن للعِلة فوائد هي كما يلي: الفائدة الأولى: أنه بسبب العِلة القاصرة يمكننا التعرف على أن

стр. 2020

ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس - بطبيعتها - إلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك الحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع الحكم، وهذه فائدة عظيمة لمن تدبرها. الفائدة الثانية: لو ظهرت علَّة قاصرة، وعلَّة متعدية في حكم واحد، ولم يوجد دليل يرجح العلَّة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز تعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلَّة القاصرة منع من ذلك؛ فلولا وجود العِلَّة القاصرة لتعدى الحكم بتلك العِلَّة من غير توقف على دليل مرجح. الفائدة الثالثة: أن ثبوت العلَّة القاصرة دليل يستدل به المجتهد على اختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذ لا يشتغل المجتهد بالتعليل لأجل أن يعدي الحكم إلى الفرع، وذلك حينما عرف اختصاص الأصل به. الفائدة الرابعة: أن العلَّة القاصرة تفيد بمفهومها، فإذا ثبتت النقدية عِلَّة في النقدين، فإن عدَم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا. الفائدة الخامسة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا امتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل لأجل العِلَّة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة. الفائدة السادسة: أن العلَّة قد تكون في زمان قاصرة، لا فرع لها، ولكن قد يحدث هناكَ فرع في المعنى علق على العِلَّة نفسها، فحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه. وهذه الفوائد قد اعترض على بعضها، ولكن هذه الاعتراضات ضعيفة؛ لذلك لم أذكرها.

стр. 2021

ثم لو سلمنا أن تلك الاعتراضات على بعضها صحيحة، فإنه لا يمكن أن يعترض عليها جميعها، ومن اعترض عليها جميعا، فإنه معاند ومكابر، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله. الدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة، وإذا كانت أمارة فلا بد أن تكون كاشفة عن شيء ما، وهذا لا يتوفر في العِلَّة القاصرة، لأنها لا تكشف عن الأحكام، فلا يصح أن تكون أمارَة، وعليه فلا يصح أن تكون عِلَّة. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن العِلَّة لا تكشف عن شيء ما، بل تكشف عن المنع من استعمال القياس، وعن الفوائد التي ذكرناها سابقا. الدليل الثالث: أن العلَّة القاصرة غير معلومة من طريقة الصحابة ﵃ فلاً تثبت؛ لأن القياس وتفاريعه إنما يتلقى من الصحابة، ويلزم من عدم المدرك عدم الحكم. جوابه: أن من استقرأ وتتبع ما نقل عن الصحابة، فإنه يجد أنهم - رضي الله عنهم - اجتهدوا في التوصل إلى أحكام الشريعة وأحكامها، وأسرارها بحسب الإمكان، والاطلاع على حكمة الحكم في الأصل وقاسوا بسبب بعض العلل، وتوقفوا في الأخرى. ثم إن كون الصحابة لم يعتبروا العلل القاصرة، ولم يكن ذلك من طريقتهم لا دليل عليه، وما لا دليل لا يعتد به. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا أثر له في الفروع الفقهية، حيث

стр. 2022

إن أصحاب المذهبن قد اتفقوا على المعنى: فأصحاب المذهب الأول أرادوا - بالتعليل استخراج المناسب، فحكموا بصحة التعليل، وأصحاب المذهب الثاني أرادوا بالتعليل: القياس - هذا اصطلاح أكثر الحنفية -، والقاصرة - على هذا - ليست قياسا، بل هي إبداء حكمة، فلم تكن تعليلاً. أي: لا خلاف في المعنى؛ لأن مراد من أجاز التعليل بها: استخراج المناسبة وإبداء الحكمة، وهذا لا يمنعه من لم يجز التعليل بها - وهم أصحاب المذهب الثاني -. ومراد من منع التعليل بها: منع القياس والتعدية، وهذا لا يخالف فيه من أجاز التعليل بالعلَّة القاصرة. تنبيه: قلت هنا: إن الخلاف لفظي، إذ لا أثر له في الفروع، وقلت في كتابي " الخلاف اللفظي ": إن الخلاف معنوي؛ حيث أثر في أصول الفقه.

стр. 2023

المطلب التاسع عشر بيان أنه يشترط في العلَّة التي عللنا بها: أن لا تكون معارضة بعلة أخرى تقتضي إبطالها العِلَّة قسمان: عِلَّة منصوصة، وعلة مستنبطة. أما العلة المنصوصة، فلا يمكن أن تتعارض مع غيرها من العلل؛ لأن العِلَّة المنصوصة يجب الأخذ بها واتباعها، فلا يصح الانتقال منها إلى مجموع العلل المستنبطة التي يمكن أن يعلل بها الحكم؛ لأن المنصوصة ثبتت بالنص، والمستنبطة ثبتت بالاجتهاد، فكانت المنصوصة أَوْلى من المستنبطة بالاعتبار، وكذلك الأمر في العلَّة المجمع عليها لا يجوز الانتقال منها إلى غيرها. أما العِلَّة المستنبطة فإنه يمكن أن يقع بينها وبين غيرها تعارض: فإن عارضتها عِلَّة أخرى مستنبطة فإنا ننظر: إما أن تكون غير صالحة لتعليل الحكم بها، وهذا نعرفه عن طريق السبر والتقسيم - الذي سبق بيانه -: فالعلة غير الصالحة للتعليل لا يتصور أن تعارض العِلَّة الصالحة. وإما أن تكون العلة المعارضة - بكسر الراء - صالحة لتعليل الحكم بها: فهذه العِلَّة المعَارضة - بكسر الراء - لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون العلتان متساويتين، أي: لا تتميز إحداهما عن الأخرى، فإن المجتهد في هذه الحالة يختار أي العلتين شاء.

стр. 2024

الحالة الثانية: أن تكون إحدى العلتين أرجح من الأخرى، ففي هذه الحالة تقدم الراجحة على المرجوحة. وهذا ما قاله كثير من العلماء. والأوْلى: أن لا يذكر هذا الشرط؛ لأمرين: أولهما: أن العلل وتعارضها وتقديم الأرجح منها، وإبطال بعضها يُعلم عن طريق السبر والتقسيم، كما بينا فيما سبق. ثانيهما: أن هذا مما يخص التعارض بين المعاني الذي سيأتي بيانه إن شاء اللَّه في باب التعارض والترجيح.

стр. 2025

المطلب العشرون تخصيص العِلَّة قلنا: إن العِلَّة مطردة، ومعنى ذلك: أنه كلما ثبتت العِلَّة في محل: ثبت بها الحكم، وهذا الاطراد هو بمثابة العموم؛ قياسا على اللفظ: فكما أن اللفظ الذي يشمل عدداً غير محصور يُسمى عاما، فكذا العِلَّة التي تكون في محال كثيرة تسمى عِلَّة عامة من حيث وجودها في كل هذه المواضع والمحال. وإذا كان اللفظ العام يرد عليه ما يخصصه - كما سبق بيانه -: فهل العلَّة التي ثبت وجودها في مواضعها، وتخلف حكمها في مواضع منها يصح أن يحمل هذا التخلف على التخصيص، وتبقى العِلَّة ويبقى حكمها فيما عداه من المواضع والمحال، أو أن وجودها في موضع دون حكمها يؤثر عليها، ويكون هذا دليلاً على أنها ليست بعِلَّة؛ لأنها لو كانت عِلَّة صحيحة لثبت بها الحكم في جميع المحال. لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب. المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت منصوصة أو مستنبطة. وهو مذهب كثير من الحنفية كالكرخي، وصدر الشريعة، والدبوسي، وبعض الشافعية، كصفي الدين الهندي، وبعض

стр. 2026

الحنابلة كأبي الخطاب، وحكي عن الأئمة الثلاثة: أْبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو رواية للإمام أحمد. وهو مذهب المعتزلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: القياس على الأدلة اللفظية: فكما أن التخصيص لا يقدح في كون العام حُجَّة، فكذلك تخلف الحكم عن الوصف في بعض المواضع لا يقدح في كون الوصف عِلَّة؛ لأنه يكون تخصيصا للعلَّة، والجامع: أن كلًّا من اللفظ اَلعام والعِلَّة دليل شرعي: فالعَام لفظ الشارع، والعِلَّة معنى لفظ الشارع. الدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع، ووجودها في موضع معَ تخلف الحكم عنها لا يخرجها عن كونها أمارة؛ لأنه ليس من حقيقة الأمارة ملازمة حكمها في كل موضع وحال، بدليل: أن الغيم الرطب أمارة على نزول المطر، وإن لم يكن المطر ملازما له في بعض الأحوال. المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت منصوصة، أو مستنبطة. وهو مذهب بعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، وبعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والأستاذ أبي إسحاق، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن العِلَّة لو صحت مغ تخلف الحكم عنها للزم من ذلك ثبوت الحكم في المحل الذي وجدت فيه العلة؛ لأن من لازم كون العِلَّة صحيحة أن يثبت بها الحكم.

стр. 2027

جوابه: لا نسلم أنه قولكم: إنه من لازم العِلَّة ثبوت الحكم بها؛ لأنه ليس المراد بالعلَّة: ما يلزم الحكم لها مطلقا، وإنما المراد بالعلَّة: ما اشتمل على معنى مقصود للشارع من شرع الحكم ببعث المكلف على الامتثال، وهي بذلك المعنى يتوقف ثبوت الحكم بها على عدم المانع ووجود الشرط، وحينئذٍ: لا يلزم من صحة العِلَّة ثبوت الحكم بها. الدليل الثاني: قياس العِلَّة الشرعية على العِلَّة العقلية، فكما أن العِلَّة العقلية لا يجوز تخصَيصها، بل يلزم من ثبوتها في محل ثبوت حكمها، فكذلك العِلَّة الشرعية لا يجوز تخصيصها: فيلزم من ثبوتها ثبوت حكمها، وإلا لم تكن عِلَّة. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا القياس لا يصح؛ لانه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن العلَل العقلية علَل مقتضية للحكم بذاتها، أما العلَل الشرعية فهي عَلَل بوضع الشرع لها، وقد يتخلف عنها حكمها. الجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهي: العِلَل العقلية، حيث إن العِلَل العقلية يتخلف عنها حكمها إذا وجد مانع مثل: تخلف الإحراق عن النار حيثما يكون الحطب رطبا لكون الرطوبة مانعة من الإحراق. المذهب الثالث: أنه يجوز تخصيص العِلَّة إذا كانت منصوصة، أما إذا كانت العِلَّة مستنبطة فلا يجوز.

стр. 2028

وهو مذهب أكثر الحنفية كالبزدوي، والسرخسي، وكثير من المالكية كالباجي، وأكثر الشافعية، ومنهم: أبو إسحاق الشيرازي. دليل هذا المذهب: أن العِلَّة المنصوصة لفظ الشارع، واتباع مقتضى لفظه واجب، قإذا خص بعض ما تناولته العِلَّة، فإن ما عدا الصورة المخصوصة يبقى على حاله وهو الوجوب، بخلاف العِلَّة المستنبطة، فهي تكتسب اعتبارها بوجود حكمها معها في جميع المحال، فإذا تخلف عنها في محل تبين أنها ليست بعِلَّة كاملة، وإنما هي بعض العِلَّة. جوابه: إن هذا الدليل مبني على قصر اعتبار العِلَّة على وجودها في جميع المحال مع حكمها، وهذا غير مسلم؛ لأحد أمرين: أحدهما: كون مسلك الاطراد غير معتبر لإثبات العِلَّة. ثانيهما: أو أنه لا بد مع الاطراد من توفر كون الوصف مناسبا. المذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز التخصيص إذا كانت العِلَّة مستنبطة، ولا يجوز إذا كانت العِلَّة منصوصة. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن العِلَّة التي ثبتت بالنص تتناول محل النقض بعمومها النصي، فتثبت فيه العِلَّة صريحا، فلا يقبل التخصيص؛ لأننا لو قلنا بجواز تخصيصه للزم من ذلك إبطال دلالة النص، بخلاف العِلَّة المستنبطة فإنها ثبتت بالاستنباط من قبل المجتهد؛ ودليلها اقتران الحكم بها مع

стр. 2029

عدم المانع، ولا يصح تخلف الحكم عنها مع عدم وجود مانع، أو تخلف شرط. جوابه: أن العموم النصي إن كان قطعيا، فإنا نسلم أنه لا يقبل التخصيص كغيره من العمومات التي تدل على أفرادها دلالة قطعية، وهذا لا يختص بتخصيص العِلَّة، فيكون هذا خارجا عن محل النزاع. أما إن كان العموم ظاهراً في الدلالة، فيجوز تخصيصه، ويقدر وجود مانع في محل التخلف. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي راجع إلى تفسير العِلَّة أهي موجبة أو مقتضية؛ فمن فسرها على أنها مقتضية: فإنه أجاز تخصيصها؛ لأن كونها مقتضية يتوقف على اشتراط شروط، وانتفاء موانع، فربما تخلف عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه لا يرى تخصيصها في العِلَّة الموجبة التي لا يتخلف عنها الحكم. ومن فسر العِلَّة على أنها موجبة: فإنه لم يجز تخصيصها؛ لأن الموجبة هي التيَ لا يتخلف عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه يرى جواز تخصيصها في العِلَّة المقتضية التي ربما تخلف عنها الحكم. تنبيه: موضوع تخصيص العلَّة يُسمى عند بعض العلماء بالنقض - وهو وجود العِلَّة دون وجود حكمها - وقد اختلف العلماء في كون " النقض قادحا للعِلَّة أو لا؛ وعندي أنه لا يصلح أن يكون قادحا للعِلَّة مطلقا كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، لذلك جعلته هنا وسميته لاتخصيص العِلَّة " كما فعل كثير من العلماء.

стр. 2030

الفصل الرابع في قوادح القياس ومبطلاته والاعتراضات عليه ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في قادح سؤال الاستفسار. المبحث الثاني: في قادح منع الحكم في الأصل. المبحث الثالث: في قادح منع وجود الوصف في الأصل. المبحث الرابع: في قادح منع وجود الوصف في الفرع. المبحث الخامس: في قادح منع وجود الوصف في الأصل والفرع. المبحث السادس: في قادح منع كون الوصف عِلَّة. المبحث السابع: في قادح التقسيم. المبحث الثامن: في قادح النقض. المبحث التاسع: في قادح التركيب. المبحث العاشر: في قادح فساد الوضع. المبحث الحادي عشر: في قادح فساد الاعتبار.

стр. 2031

المبحث الثاني عشر: في قادح المعارضة في الأصل. المبحث الثالث عشر: في قادح المعارضة في الفرع. المبحث الرابع عشر: في قادح عدم التأثير. المبحث الخامس عشر: في قادح الكسر. المبحث السادس عشر: في قادح القلب. المبحث السابع عشر: في قادح القول بالموجب.

стр. 2032

المبحث الأول في سؤال الاستفسار ويشتمل على مطلبين هما: المطلب الأول: في بيان المراد منه. المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه: أولاً: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ مجملاً. ثانيا: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ غريبا.

стр. 2033

المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار وهو: طلب معنى اللفظ؛ لإجمال فيه أو غرابة. ومعنى ذلك: أن يطلب المعترض من المستدل بيان معنى اللفظ الذي أورده في قياسه. فيقول المعترض للمستدل: إنه ورد لفظ في قياسك يحتمل معنيين في نظره، أو فيه غرابة فاطلب منك تفسيره وبيان المراد منه. وسؤال الاستفسار يقدم على جميع القوادح؛ لأن ما بعده من القوادح فرع على فهم معنى اللفظ الوارد في القياس. والصيغ التي يستعملها المعترض في هذا السؤال هي: صيغ الاستفهام كالهمزة، وأي، وهل، وأين، وكم، وكيف، ومن، ومتى، وأشهر الصيغ في هذا الموضع هي: الهمزة، وما، وأي.

стр. 2034

المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار أولاً: الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ مجملاً: إذا طلب المعترض من القائمس بيان المعنى الذي يريده من اللفظ الذي أورده في قياسه، فإن القائس يجيب عن ذلك بطرق هي: الطريق الأول: أن يمنع القائس كون اللفظ مجملاً: فيقول: إن اللفظ الذي أوردته لا يحتمل إلا معنى واحداً، ويستشهد على ذلك بكلام أهل اللغة. مثاله: قال المستدل - وهو القائس - مستدلاً على أن الحيض مانعاً من صحة الطواف -: قرء تحرم معه الصلاة، فيحرم معه الطواف؛ قياسا عليها. فيقول المعترض: إن قياسك الطواف على الصلاة قد اشتمل على لفظ مجمل، وهو لفظ قرء -؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيض، ويحتمل أن يراد به الطهر، فما الذي تريده منهما بهذا اللفظ؟. فيجيب المستدل - وهو القائس - بقوله: أنا أمنع كون لفظ: "القرء " يحتمل أكثر من معنى؛ لأنه لا يطلق إلا على معنى واحد هو: الحيض، ويورد من كلام أئمة اللغة ما يدل على ذلك. الطريق الثاني: أن يقر المستدل - وهو القائس - على أن اللفظ

стр. 2035

يحتمل معنيين، ولكنه يُبين أن لفظه ظاهر في الدلالة على مقصوده ومراده، ويبين أن ذلك ظاهر من جهة الشرع، أو من جهة العرف، أو من جهة اللغة، وإليك مثالاً لكل واحد: مثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر الدلالة على مراده شرعا: قوله: الوضوء قربة فوجبت له النية؛ قياسا على غيره من القرب كالصلاة. فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ مجمل - وهو: لفظ " الوضوء "؛ لأنه يحتمل أن يقصد به الوضوء اللغوي، أو الأفعال المخصوصة، وهو معنى شرعي، فأي المعنيين تريد بهذا اللفظ؟ فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " الوضوء " الوارد في قياسي ظاهر الدلالة على أن المراد به الأفعال المخصوصة شرعاً؛ لأن لفظ "الوضوء" لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه إلا المعنى الشرعي. ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة العرف: قوله: خروج الدم اليسير من المصلي لا ينقض وضوءه؛ لأن الدم اليسير معفو عنه؛ قياسا على ما لو كان خارج الصلاة. فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل على لفظ مجمل، وهو لفظ " يسير "؛ حيث يتفاوت المكلَّفون في تقدير هذا اليسير. فيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته في قياسي من لفظ " اليسير " ظاهر الدلالة على أن المراد به اليسير في عرف أوساط المكلَّفين لا الغالين، ولا الجافين. ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة اللغة: قوله: إذا حال عن الماء أسد جاز التيمم قياسا على فاقد الماء حقيقة.
следующие страницы →