Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
المبحث الثاني عشر: في قادح المعارضة في الأصل.
المبحث الثالث عشر: في قادح المعارضة في الفرع.
المبحث الرابع عشر: في قادح عدم التأثير.
المبحث الخامس عشر: في قادح الكسر.
المبحث السادس عشر: في قادح القلب.
المبحث السابع عشر: في قادح القول بالموجب.
стр. 2032
المبحث الأول في سؤال الاستفسار
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه:
أولاً: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما
يكون اللفظ مجملاً.
ثانيا: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما
يكون اللفظ غريبا.
стр. 2033
المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار
وهو: طلب معنى اللفظ؛ لإجمال فيه أو غرابة.
ومعنى ذلك: أن يطلب المعترض من المستدل بيان معنى اللفظ
الذي أورده في قياسه.
فيقول المعترض للمستدل: إنه ورد لفظ في قياسك يحتمل معنيين
في نظره، أو فيه غرابة فاطلب منك تفسيره وبيان المراد منه.
وسؤال الاستفسار يقدم على جميع القوادح؛ لأن ما بعده من
القوادح فرع على فهم معنى اللفظ الوارد في القياس.
والصيغ التي يستعملها المعترض في هذا السؤال هي: صيغ
الاستفهام كالهمزة، وأي، وهل، وأين، وكم، وكيف، ومن،
ومتى، وأشهر الصيغ في هذا الموضع هي: الهمزة، وما، وأي.
стр. 2034
المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار
أولاً: الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ
مجملاً:
إذا طلب المعترض من القائمس بيان المعنى الذي يريده من اللفظ
الذي أورده في قياسه، فإن القائس يجيب عن ذلك بطرق هي:
الطريق الأول: أن يمنع القائس كون اللفظ مجملاً: فيقول: إن
اللفظ الذي أوردته لا يحتمل إلا معنى واحداً، ويستشهد على ذلك
بكلام أهل اللغة.
مثاله: قال المستدل - وهو القائس - مستدلاً على أن الحيض مانعاً
من صحة الطواف -: قرء تحرم معه الصلاة، فيحرم معه الطواف؛
قياسا عليها.
فيقول المعترض: إن قياسك الطواف على الصلاة قد اشتمل على
لفظ مجمل، وهو لفظ قرء -؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيض،
ويحتمل أن يراد به الطهر، فما الذي تريده منهما بهذا اللفظ؟.
فيجيب المستدل - وهو القائس - بقوله: أنا أمنع كون لفظ:
"القرء " يحتمل أكثر من معنى؛ لأنه لا يطلق إلا على معنى واحد
هو: الحيض، ويورد من كلام أئمة اللغة ما يدل على ذلك.
الطريق الثاني: أن يقر المستدل - وهو القائس - على أن اللفظ
стр. 2035
يحتمل معنيين، ولكنه يُبين أن لفظه ظاهر في الدلالة على مقصوده
ومراده، ويبين أن ذلك ظاهر من جهة الشرع، أو من جهة العرف،
أو من جهة اللغة، وإليك مثالاً لكل واحد:
مثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر الدلالة على مراده
شرعا: قوله: الوضوء قربة فوجبت له النية؛ قياسا على غيره من
القرب كالصلاة.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ مجمل - وهو:
لفظ " الوضوء "؛ لأنه يحتمل أن يقصد به الوضوء اللغوي، أو
الأفعال المخصوصة، وهو معنى شرعي، فأي المعنيين تريد بهذا
اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " الوضوء " الوارد في قياسي
ظاهر الدلالة على أن المراد به الأفعال المخصوصة شرعاً؛ لأن لفظ
"الوضوء" لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه إلا المعنى الشرعي.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة العرف:
قوله: خروج الدم اليسير من المصلي لا ينقض وضوءه؛ لأن الدم
اليسير معفو عنه؛ قياسا على ما لو كان خارج الصلاة.
فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل على لفظ مجمل، وهو
لفظ " يسير "؛ حيث يتفاوت المكلَّفون في تقدير هذا اليسير.
فيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته في قياسي من لفظ " اليسير "
ظاهر الدلالة على أن المراد به اليسير في عرف أوساط المكلَّفين لا
الغالين، ولا الجافين.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة اللغة:
قوله: إذا حال عن الماء أسد جاز التيمم قياسا على فاقد الماء حقيقة.
стр. 2036
فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل علر، لفظ مجمل وهو:
" أسد "؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيوان المفترس، أو يراد به الرجل
الشجاع، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " الأسد " ظاهر من حيث الوضع
اللغوي على الحيوان المفترس وهي: دلالة حقيقية، ودلالته على
الرجل الشجاع دلالة مجازية، لهذا قد اتضح أن المراد به الحقيقة
وهو: الحيوان المفترس.
الطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ؛ بأن يسلم المستدل
بالإجمال، ولا يدعي الظهور، وإنما يختار أحد المعنيين أو المعاني
المحتملة.
مثاله: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل فيقتص منه
كغير المكره.
فيقول المعترض: قد اشتمل هذا القياس على لفظ مجمل، وهو
لفظ " مختار "؛ حيث إنه يحتمل أن يكون اسم فاعل، وهو القادر
على القتل، أو أن يراد به الفاعل الراغب للقتل، فما المعنى الذي
تريده منهما بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إني أريد بهذا اللفظ الأول وهو: الفاعل
القادر على الإتيان بالفعل؛ حيث لا مانع له في بدنه وإن كان
محمولاً على هذا الفعل من خارج.
стр. 2037
ْثانيا: كيفية الجواب عن الاستفسار حينما يكون اللفظ غريبا:
يجيب المستدل عن استفسار المعترض في هذا بطرق هي كما يلي:
الطريق الأول: أن يمنع المستدل كون اللفظ غريبا.
مثاله: قال المستدل: لا تحل فريسة الكلب غير المعلم؛ لأنه
وحش لم يروض فلا تحل فريسته؛ قياسا على الذئب.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ غريب وهو
لفظ " فريسته "، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إني أمنع أن يكون لفظ " الفريسة " غريبا،
بل هو معروف المعنى.
الطريق الثاني: أن يُبَيِّن المستدل كون هذا اللفظ ظاهر المعنى،
ويبين أن ذلك ظاهر من جهة القرينة، أو جهة اللغة، أو جهة
العرف، وإليك مثالاً لكل واحد:
مثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر من جهة القرينة: قول
المستدل: طلَّة زوجت نفسها فلا يصح نكاحها كما لو لم يأذن وليها.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك على لفظ غريب، وهو لفظ
" طلَّة "، فما المراد بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن هذا اللفظ - وهو: " طلَّة " - الوارد
في قياس ظاهر المعنى؛ حيث إن المراد به المرأة؛ لقرينة إسناد التزويج
لها.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة اللغة: قوله:
لا يحل الأكل من الصيد الذي أكل منه الكلب المعلم؛ لأنه صيد
جارحه لم ترض فلم يحل كغير المعلم.
стр. 2038
فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك لفظ غريب وهو: " لم
يرض "، فما المراد من هذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " لم يرض " ظاهر المعنى، على
حسب الوضع اللغوي؛ حيث إنه من الرياضة.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة العرف:
قوله: القُبْلة من الصائم مبدأ مجرد عن الغاية، فلا تفسد الصوم
كالمضمضة.
فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا لفظان غريبان هما:
"مبدأ "، و " غاية "، فما المراد بهما عندك؟
فيجيب المستدل بقوله: إق لفظ " مبدأ "، و " غاية " ليسا بغريبين
بل هما ظاهران عرفا عند المجتهدين المتخصصين بعلم المناظرة ومسائل
الخلاف؛ حيث إن المراد بلفظ " المبدأ ": السبب، والمراد بلفظ
" غاية ": المقصود.
الطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ، فيسلم كون اللفظ
غريباً، ويكتفي ببيان المعنى الذي يتضح به اللفظ.
مثاله: قول المستدل: لا يحل صيد الكلب غير المعلم؛ لأنه
خراش لم يُبْلَ، فلا تحل فريسته كالسيد.
فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا ألفاظ غريبة وهي لفظ:
" خراش "، ولفظ: " لم يُبْلَ "، ولفظ " السيد "، فما مرادك
بهذه الألفاظ؟
فيجيب المستدل بقوله: أريد بلفظ: " خراش ": الكلب، وأريد
بلفظ " لم يُبْلَ ": أنه لم يجرب ويمتحن حتى يتعلم، وأريد بلفظ
" السيد ": الذئب.
стр. 2039
المبحث الثاني في قادح منع الحكم في الأصل
ويشتمل على مطلبين هما:
" المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
стр. 2040
المطلب الأول في بيان قادح منع الحكم في الأصل
المراد منه: أن يمنع المعترض الحكم الذي يدير المستدل ثبوته في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الخل مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل
النجاسة قياساً على الدهن، فهنا جعل المستدل - وهو القائس -
الدهن أصلاً، والفرع: الخل، وحكم الأصل أن الدهن غير مزيل
للنجاسة، والعِلَّة: أن كلًّا منهما مائع لا يرفع الحدث.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فإن الدهن عندي
مزيل للنجاسة.
مثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فيوجب
غسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا
يغسل الإناء من ولوغه سبعا.
* * *
стр. 2041
المطلب الثاني كيفية الجواب عن منع الحكم في الأصل
إذا منع المعترض ثبوت الحكم في الأصل، وأراد المستدل الجواب
عن هذا المنع، فإن الجواب يختلف باختلاف أحوال مذهب المعترض
وهي:
الحالة الأولى: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو متحد مع
مذهب المستدل.
الحالة الثانية: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو مختلف مع
مذهب المستدل.
الحالة الثالثة: أن يكون مذهب المعترض غير معلوم.
وإليك بيان تلك الحالات مع أمثلتها:
أما الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض معلوما متحداً -
فإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بثلاث طرق:
الطريق الأول: أن يقوم المستدل بتفسير حكم الأصل بما يسلم به
المعترض:
مثاله: قول المستدل: الإجارة عقد على منفعة، فبطل هذا العقد
بموت المعقود له؛ قياساً على النكاح.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، حيث إن النكاح لا
يبطل بالموت، وإنما ينقضي وينتهي بالموت كالإجارة إذا انتهت مدتها،
فإنه لا يقال: بطلت، وإنما يقال: انتهت وانقضت.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت ببطلان العقد بالموت: أن يرتفع
стр. 2042
بالموت: وحينئذ يسلم حكم المستدل من ورود المنع؛ لأنه لا خلاف
بين المعترض والمسًتدل في أن العقد يرتفع بالموت.
فهنا فسر المستدل حكم الأصل بتفسير يسلِّم به المعترض، وسبب
ذلك: أن مذهب المعترض معلوم متحد مع مذهب المستدل.
الطريق الثاني: أن يُبيِّن المستدل محلا من المسألة متفقا عليه بينهما.
مثاله: قول المستدل: لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم؛ لأنه
مأموم، فوجب أن يسقط عنه فرض القراءة؛ قياسا على ما إذا أدرك
المأموم الإمام، وهو راكع.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن المأموم إذا
أدرك الإمام وهو راكع وأمكنه قراءة الفاتحة وإتمامها قبل فوات الركعة
وجبت عليه قراءتها.
فيجيب المستدل بقوله: لا خلاف بيننا وبينكم أنه إذا خاف فوات
الركعة لم تجب عليه قراءة الفاتحة، وهذا يكفي أن تسلم به.
الطريق الثالث: أن يورد المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فيكون
الترتيب فيها واجباً قياساً على الصلاة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو وجوب
الترتيب في الصلاة.
فيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل وهو وجوب الترتيب
стр. 2043
في الصلاة ثبت بقوله لمجفه: "صلوا كما رأيتموني أصلي "،
ولم ينقل عنه ﷺ : أنه صلى إلا مرتبا،
فدل على وجوب الترتيب.
مثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فوجب
غسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا
يغسل من ولوغه سبعاً.
فيجيب المستدل بقوله: لقد ثبت الحكم في الأصل بقوله ﷺ :
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسنله سبع مرات ".
وهذا على رأي جمهور العلماء، أي: أن المعترض إذا منع الحكم
في الأصل، فإن المستدل يثبت حكم الأصل بأي نوع من أنواع
الأدلة، فإذا أثبت ذلك فإن قياسه صحيح.
لكن هل ينقطع المعترض إذا أقام المستدل دليلاً على حكم الأصل
- كما سبق -؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن المعترض لا ينقطع إذا أثبت
المستدل الحكم في الأصل؛ بل للمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل
المستدل؛ لأن المستدل إذا علم أن المعترض لن يعترض عليه إذا أورد
الدليل لإثبات الحكم في الأصل، فإنه يحتمل أن يورد المستدل دليلاً
لا يصلح أن يكون مثبتا للحكم، وهذا يجعل المعترض لا يورد
الاعتراض ابتداء؛ لأنه يعلم أنه سيقبل من المستدل أيمما دليل يثبت به
الحكم في الأصل، وعلى هذا: لا يكون لمنع الحكم ابتداء معنى،
ومنعا لهذا الاحتمال، فللمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل المستدل
الذي أورده لإثبات الحكم في الأصل حتى يعجز، وهو رأي
الآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وغيرهم.
стр. 2044
وهناك رأي آخر في المسألة وهو: أن المعترض ينقطع إذا أقام
المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في الأصل، ولا يجوز المعترض أن
يعترض على ذلك، وهذا الرأي ضعيف لما قلناه.
هذا الكلام عن الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض
معلوماً متحداً -.
أما الحالة الثانية - وهي: كون مذهب المعترض معلوماً وهو
مختلف - فإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بالطرق
الثلاث التي ذكرناها في الحالة الأولى، وهي: " تفسير حكم
الأصل بما يسلم به المعترض "، و " بيان محلاً من الحكم يسلم به
المعترض "، و " إقامة الدليل على حكم الأصل "، والأمثلة نفس
الأمثلة السابقة، لكن يراعى فيها أن الحكم مختلف فيه في المذهب.
وتزيد هذه الحالة طريق رابع وهو: أن يبين المستدل أن الصحيح
من مذهب المعترض هو التسليم بحكم الأصل.
مثاله: قول المستدل الشافعي: من أحرم بالحج نفلاً وعليه فرض،
فإن إحرامه ينعقد فرضا؛ لأنه إحرام بالحج ممن عليه فرضه،
فانصرف إحرامه إلى ما عليه من الفرض؛ قياسا على ما لو أحرم
إحراما مطلقا.
فيقول المعترض الحنفي: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن
الإحرام الذي أطلق فيه النية أنه يكون تطوعا، وهذا قد نقله الحسن
ابن زياد عن أبي حنيفة.
فيجيب المستدل بقوله: إن أبا الحسن الكرخي - وهو الذي ينقل
الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة - قد نقل عن أبي حنيفة التسليم
بحكم الأصل، فإذا ثبت أنها الرواية الصحيحة، فإن المنع يبطل.
стр. 2045
أما الحالة الثالثة - وهي: كون مذهب المعترض غير معلوم - فإن
المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بطريقين:
الطريق الأول: أن يبين المستدل رأي إمام المعترض.
هذا خاص فيما إذا كان رأي إمام مذهب المعترض موافقا لما يراه
المستدل.
مثاله: قول المستدل: العيوب في النكاح تثبت الخيار، لأنها تمنع
معظم المقصود بالنكاح، فيثبت بها الخيار؛ قياسا على الجُب.
فيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا.
فينقل المستدل عن إمام مذهب المعترض ما يدل على أن تلك
العيوب تثبت الخيار.
الطريق الثاني: أن يورد المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: من قتل بآلة غير السيف لم يقتص منه إلا
بالسيف؛ لأنها آلة لا يقتص بها لو كان القتل بالسيف، فلم يجز
القصاص بها إذا كان القتل بها؛ قياسا على ما إذا سقى القاتل
المقتول خمراً، فإنه لا يجوز أن يسقى القاتل خمراً حتى يموت،
وإنما يقتص منه بالسيف.
فيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا، فلا يلزمني
التسليم به.
فيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل قد ثبت بقوله ﷺ : -
" لا قود إلا بالسيف ".
стр. 2046
المبحث الثالث في قادح منع وجود الوصف في الأصل
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
стр. 2047
المطلب الأول في بيان منع وجود الوصف في الأصل
المراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الأصل.
وهذا له حالتان:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء
على أصله هو.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا
فلا يطهر جلده بالدباغ قياسا على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع، الوصف في الأصل؛ حيث إن الخنزير
عندي لا يغسل الإناء من ولوغه سبعا.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء على
أصل المستدل.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: إن الوصف الذي تدعيه في الأصل غير موجود
بناء على مذهبك؛ حيث يصح البيع بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
стр. 2048
المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الأصل
المعترض إذا منع وجود الوصف في الأصل، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين.
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل
بناء على أصله هو - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يفسر لفظ الوصف على نحو يسلم به
المعترض.
مثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فيشترط فيها
الترتيب قياسا على الصلاة.
فيقول المعترض: أنا أمنع وجود الوصف في الأصل، فالصلاة لا
يبطلها الحدث الذي لم يتعمد عندي.
فيجيب المستدل بقوله: أردت بقولي: " يبطلها الحدث ": أن
الحدث يمنع من إتمامها، وهذا مسلم به.
الطريق الثاني: أن يأتي المستدل بدليل يثبت فيه وجود الوصف في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا
فلم يطهر جلده بالدباغ، قياسا على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل، وهو غسل الإناء
سبعاً من ولوغ الخنزير.
стр. 2049
فيستدل المستدل - وهو القائس - على وجود الوصف في الأصل
بقوله ﷺ :
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا "،
فإذا وجب الغسل سبعا في الكلب وهو أدنى من الخنزير، فأولى أن
يجب الغسل من ولوغ الخنزير.
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل
بناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا: بأن يفسر
المستدل لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الأصل غير موجود فيه؛
بناء على مذهبك؛ لأن البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين القول.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أردت بقولي: " تتعلق صحته بالقول "
أي: أنه يصح بالقول، لا أني أريد أنه لا يصح إلا بالقول،
فصحته بالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.
стр. 2050
المبحث الرابع في قادح منع وجود الوصف في الفرع
وهو يشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.
стр. 2051
المطلب الأول بيان قادح منع وجود الوصف في الفرع
المراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الفرع.
ولهْ حالتان - أيضا - هما:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على
أصله هو.
مثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج
فعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛
قياساً على الخياطة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله
النيابة عندي.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على
أصل المستدل.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه في الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه؛
بناء على مذهبك؛ لأن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.
стр. 2052
المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع
المعترض إذا منع وجود الوصف في الفرع، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين، وإليك بيان ذلك:
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع
بناء على أصله - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يُفسر المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه
المعترض.
مثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج
فعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛
قياساً على الخياطة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله
النيابة عندي.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " يجوز أن يؤديه
الإنسان عن غيره " أنه يجوز أن يأمر شخص آخر أن ينوي الإحرام
عنه، ويضيف التلبية بالحج إليه.
الطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلاً يدل على وجود الوصف في
الفرع.
مثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل قتل عمد عدوان، فوجب فيه
القصاص؛ قياسا على القتل بالمحدد.
стр. 2053
فيقول المعترض: أنا أمنع وجود وصف العدوان في الفرع.
فيجيب المستدل بقوله: إن وجود الوصف في الفرع ثبت بدليل
وهو: تحريم الشارع للعدوان، كما قال تعالى: (ولا تعتدوا إن الله
لا يحب المعتدين) .
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع
بناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا بتفسير لفظ
الوصف في الفرع بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه
بناء على مذهبك؛ حيث إن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " تتعلق صحته
بالقول " أي: يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته
بالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.
стр. 2054
المبحث الخامس في قادح منع الوصف في الأصل والفرع معا
وهو يشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد به.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
стр. 2055
المطلب الأول في بيان المراد من منع الوصف في الأصل والفرع
المراد: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع.
وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع
بناء على أصله.
مثاله: قول المستدل: التيمم لليدين يكون إلى المرفقين؛ لأنه
طهارة بالصعيد، فوجب أن يستوعب فيها المحل كتطهير الوجه.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فإن التيمم
ليس بطهارة في الأصل - الذي هو الوجه - وليس بطهارة في الفرع
- الذي هو اليدان -؛ وذلك لأن الطهارة: ما طهر المحل ورفع
الحدث، ونحن قد اتفقنا على أن التيمم لا يرفع الحدث، فوصفه
بأنه طهارة غير حقيقي.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع
بناء على أصل المستدل.
مثال ذلك: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول،
فلم يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته لا يوجد في الأصل ولا في
الفرع؛ بناء على مذهبك:
فالأصل الذي هو البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
والفرع الذي هو الطلاق يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
стр. 2056
المطلب الثاني في كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع والأصل
المعترض إذا منع وجود الوصف فيهما، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين، بيان ذلك:
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء
على أصله هو - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا أحد طريقين:
الطريق الأول: أن يفسرْ المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه
المعترض.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه عدداً
فلم يطهر جلده بالدباغ؛ قياساً على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فالغسل
عدداً لا يجب في ولوغ الخنزير، ولا في ولوغ الكلب.
فيجيب المستدل بقوله: عندكم أنه إذا غلب على الظن عدم طهارة
الإناء بغسلة واحدة، فإن الغسل يكرر حتى تحصل غلبة الظن
بالطهارة، وعندنا العدد معتبر في حالة غلبة الظن وعدمها، فيصح
- على هذا - اعتبار العدد في الغسل من ولوغ الكلب في الجملة.
الطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلاً على وجود الوصف في
الأصل والفرع.
стр. 2057
مثاله: المثال السابق؛ فإذا قال المعترض: أمنع الوصف في
الأصل والفرع، فالكلب والخنزير لا يجب غسل الإناء من ولوغهما
سبعا.
فيستدل المستدل على وجود الوصف في الأصل والفرع بقوله ﷺ :
" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ".
فإذا نص على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، وهو
أدنى من الخنزير، فالخنزير أوْلى أن يجب فيه هذا الحكم.
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء
على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا طريقا واحداً
وهو: أن يفسر لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في
الأصل على مذهبك: فالبيع الذي هو الأصل يصح عندك بالكتابة
ولا يتعين بالقول.
كذلك: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في الفرع
على مذهبك: فالطلاق - الذي هو الفرع - يصح عندك بالكتابة مع
النية، ولا يتعين بالقول.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " تتعلق صحته
بالقول ": أنه يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته
بالقول لا تنفي صحته بغيره وهي الكتابة، وبهذا لا ينتفي الوصف
عن الأصل والفرع.
стр. 2058
المبحث السادس في قادح منع كون الوصف عِلَّة
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في حجيته.
المطلب الثالث: في كيفية الجواب عنه.
стр. 2059
المطلب الأول في بيان المراد منه
والمراد منه: أن يمنع المعترض كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة
للحكم.
أي: أن المستدل إذا قاس الفرع على الأصل بجامع عِلَّة سماها
وذكرها، فإن المعترض يقول: أنا أمنع كون هذا الوصف عِلَّة لهذا
الحكم.
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة للحكم؟
ولهذا يطلق بعض العلماء عليه مصطلح: المطالبة، أي:
المطالبة بتصحيح العِلَّة، أو إثبات كونها تصلح للعلية.
وهو أهم قادح من قوادح العِلَّة؛ لأمرين:
أولهما: عموم وروده على جميع ما يدعي أنه عِلَّة.
ثانيهما: كثرة الأدلة التي يثبت بها المستدل أن هذا الوصف عِلَّة.
مثاله: قول المستدل: تقاس الفارة على الهرة، فيكون سؤر
الفأرة طاهراً كسؤر الهرة بجامع: كثرة التطواف في المنزل.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون كثرة التطواف علَّة لطهارة سؤر
الهرة، أو يقول: ما الدليل على أن التطواف عِلَّة لطهاَرة سؤر الهرة.
стр. 2060
المطلب الثاني حجيته
وهو حُجَّة، أي: أن للمعترض منع كون الوصف عِلَّة، وهو
قول بعض الحنفية كالدبوسي، والسرخسي، وابن الهمام، وبعض
المالكية كابن الحاجب، والباجي، وبعض الشافعية كأبي إسحاق
الشيرازي، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وتاج الدين ابن
السبكي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذيه: أبي الخطاب وابن
عقيل، وهو الحق عندي؛ لأن إثبات الحكم في الفرع لا يمكن
الاستناد في إثباته إلى مجرد وجود الحكم في الأصل؛ حيث إنه لا
بد من عِلَّة جامعة بينهما، وهذه العِلَّة تكون مشتملة على معنى
مقصود للشارع من شرع الحكم، حيثَ إننا قلنا: إن الأحكام مبنية
على المصالح، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يُطالب المستدل بان
يُبين تأثير هذا الوصف في الحكم الذي ذكره، ولا بد أن يشعر
المستدل بأنه سيطالب بذلك؛ لأن عدم شعوره بذلك سيؤدي إلى أن
بعضهم سيتمسك بالأوصاف الطردية التي لا تشتمل على معنى
مقصود للشارع - كما سبق بيانه - وهذا يفضي إلى التلاعب
بالأحكام، فيضيع القياس، لأنه لم يفد الظن الذي من أجله صح
الاعتماد عليه.
وبعضهم قال: ليس للمعترض منع كون الوصف علَّة، وعللوا
ذلك بأن قبول منع كون الوصف عِلَّة يؤدى إلى التسلسل، وانتشار
الكلام.
стр. 2061
وهذا غير صحيح؛ لأن المستدل إذا أورد دليلاً يفيد الظن بكون
هذا الوصف يصلح أن يكون عِلَّة، فلا مجال للتسلسل وانتشار
الكلام، ويكون منع المعترض لهذَا الدليل بعد ذلك من العناد؛ لأنه
مطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه عِلَّة.
стр. 2062
المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة
لما قلنا: إن للمعترض منع كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة
للحكم، أي: للمعترض مطالبة المستدل بإقامة الدليل على كون
الوصف عِلَّة، فإنه يجب على المستدك حينئذ أن يجيب عن هذا المنع
بإثبات كون الوصف عِلَّة للحكم.
ويثبت كون الوصف يصلح لأن يكون عِلَّة بالطرق المثبتة للعلية،
وهي مسألة العِلَّة التي ذكرناها فيما سبق، وهي: النص الصريح،
والنص الظاهر، والإجماع، والإيماء، والمناسبة، والإخالة،
والسبر والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران، والوصف الشبهي.
مثال ذلك: قول المستدل: النباش يُقاس على السارق في وجوب
قطع يده، والعِلَّة: أخذ المال بخفية.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون " أخذ المال بخفية " علة للقطع.
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف - " وهو أخذ المال
بخفية"عِلَّة؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون هذا الوصف علة
للقطع قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
والسرقة: الأخذ بخفية، فقد ورد الحكم وهو مقرون بالفاء بعد
الوصف مباشرة، وهذا من أنواع الإيماء إلى العِلَّة المعتبرة - كما سبق
بيانه.
стр. 2063
مثال آخر: قول المستدل: لا يباع العنب بالزبيب؛ لأن العنب إذا
جف نقص، فلم يصح البيع قياسا على بيع الرطب بالتمر.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون النقصان بالجفاف علة لمنع البيع،
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف علة للحكم؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون وصف الجفاف علَّة
لمنع البيع هو: أن الرسول ﷺ
حينما سئل عن بيع الرطَب بالتمر - قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ "
قالوا: نعم، قال: "فلا إذن "
أي: فلا تبيعوا الرطب بالتمر.
فهنا: قد رتب الرسول ﷺ الوصف -
وهو النقصان بالجفاف - على الحكم - وهو عدم جواز البيع -
بما يدل بالإيماء على التعليل، وقد سبق بيان ذلك.
مثال ثالث: قول المستدل: تجري على الصغير الولاية في
النكاح؛ لأنه صغير، فجرت عليه الولاية فيه؛ قياسا على الولاية في
المال.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون الصغر عِلَّة في ولاية المال، أو
يقول: بين الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة لهذا الحكم.
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على ذلك هو: الإجماع.
مثال رابع: قول المستدل: المطلقة طلاقا ثلاثا بائنا في مرض
الموت ترث من زوجها معاملة له بنقيض قصده؛ قياسا على القاتل.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون المعاملة بنقيض المقصود علَّة في منع
القاتل من الإرث، أو يقول: ما الدليل على أن هذا الوَصف عِلَّة
لهذا الحكم؟
стр. 2064
فيجيب المستدل: الدليل على كون المعاملة بنقيض المقصود عِلَّة في
منع القاتل من الإرث هو: مناسبة هذا الوصف لهذا الحكم؛ َ حيث
إن القاتل قتل مورثه لتعجيل حصوله على مال مورثه، فعاملناه جزاء
تصرفه الممنوع بأن منعنا عنه هذا المال.
وهكذا يثبت المستدل علية الوصف بأحد طرق ثبوت العِلَّة.
موقف المعترض من ذلك:
إن اقتنع المعترض بهذا الطريق أو المسلك، والدليل المثبت لعلية
الوصف: صح قياس المستدل، وانقطع المعترض.
وإن لم يقتنع المعترض فإن له أن ينظر في هذا الدليل أو المسلك
الذي أقامه المستدل، ويعترض عليه إذا أمكنه ذلك بأن يورد
الاعتراضات المناسبة لكل دليل أو مسلك من المسالك التي اعتمد
عليها المستدل، وكأن المستدل قد أورد هذا الدليل ابتداء.
فمثلاً: إذا استدل المستدل على كون الوصف يصلح أن يكون علَّة
لهذا الحكم عن طريق الكتاب، فإن المعترض يورد عليه الاعتراضات
التي تورد على الاستدلال بالكتاب ابتداء، وإذا استدل عليها عن
طريق السُّنَّة، فإن المعترض يورد عليها الاعتراضات التي تورد على
الاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا.
ففي المثال الأول السابق - وهو: قياس النباش على السارق -
حيث إن المستدل استدل على كون الوصف - وهو أخذ المال بخفية -
عِلَّة بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فقد
يعترض المعترض بأحد الأمور التالية:
فقد يقول - أي: المعترض -: إن هذه الآية منسوخة، والمنسوخ
لا يستدل به.
стр. 2065
وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد استدللت بالمفهوم
المخالف من الآية، وأنا لا أحتج بالمفهوم.
وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد أوردت هذه الآية على
قراءة لإثبات كون الوصف علَّة، وأنا عندي قراءة أخرى لا يمكن
معها إثبات كون الوصف عِلَّةَ.
وهكذا في بقية الاعتراضات على الكتاب، ويقول ذلك أيضا في
السُّنَة، ويزيد: اعتراض المعترض على سند الحديث.
موقف المستدل من ذلك:
إن اقتنع المستدل بأحد هذه الاعتراضات: فإنه يبطل قياسه،
ولنقطع.
وإن لم يقتنع، فإن عليه أن ينظر في هذه الاعتراضات، ويجيب
عنها كل اعتراض بحسبه:
فإن كان الاعتراض بالنسخ، فإن المستدل ينظر فيه من حيث تعيين
الناسغ، وتاريخ النسخ، وإمكان الجمع.
وإن كان الاعتراض بالمفهوم، فإن المستدل يبين حجية المفهوم
بالأدلة، وهكذا.
стр. 2066
المبحث السابع في قادح التقسيم
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في حجيته.
المطلب الثالث: في شروطه.
المطلب الرابع: في بيان الفرق بينه وبين الاستفسار.
المطلب الخامس: في كيفية الجواب عنه.
стр. 2067
المطلب الأول في بيان المراد منه
والمراد منه: ترديد المعترض لفظ المستدل بين احتمالين - أو أكثر -
مع منع أحدهما وتسليم الآخر، أو مع تسليمهما مع اختلاف ما
يترتب عليهما.
ومعناه: إذا اشتمل قياس المستدل على لفظ محتمل لمعنيين أو
أكثر، فإن للمعترض - إن استطاع -: أن يُردِّد بينهما بأن يقول:
اللفظ الذي أوردته أيها المستدل في قياسك مُحتمل لمعنيين: أحدهما
ممنوع، والآخر: مسلَّم.
أو يقول: إنه محتمل لمعنيين أسلم بهما، لكن يرد على أحدهما
ما لا يمكن الاحتجاج بهذا المعنى.
مثاله: قول المستدل: لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنها عبادة
فلم تجب عليه كسائر العبادات.
فيقول المعترض: اشتمل قياسك هذا على لفظ " عبادة "، وهو
متردد بين معنيين:
أحدهما: أنها عبادة محضة، وهذا ممنوع؛ لأن فيها جانب المؤنة.
ثانيهما: أنها عبادة غير محضة، وهذا مسلم، لكنه لا يفيدك في
عدم وجوب الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من
جهة أخرى: فهي - إذن - واجبة في ماله باعتبارها مؤنة كنفقة
الزوجة والأقارب، والولي هو الذي يخرجها.
стр. 2068
المطلب الثاني حجيته
هذا القادح حُجَّة، أي: أن للمعترض أن يورد التقسيم على قياس
المستدل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تحديد
مراد المستدل من لفظ قياسه مطلوب منه، وبواسطة التقسيم يتوصل
إلى بيان المراد، فكان مقبولاً.
وبعض العلماء قالوا بعدم حجية هذا القادح؛ حيث إنه يغني عنه
قادح الاستفسار.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن يين قادح التقسيم، وقادح الاستفسار
فروقا سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه.
стр. 2069
المطلب الثالث شروط التقسيم
ليس كل ما يقوله المعترض من التقسيم مقبولاً، بل اشترط في
المقبول منه شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون لفظ المستدل في قياسه مما يصح تردده بين
احتمالين أو أكثر؛ إذ لو لم يكن لفظه متردداً لما كان للتقسيم فائدة؛
لأنه سيحمل حينئذ على معناه الذي لا يحتمل غيره، ولو لم يكن ما
يقول المعترض من الوجهين صحيحا: لكان عبثا.
مثال ذلك: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل،
فيقتص منه كالمكرِه - بكسر الراء -.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مختار " وهو
يحتمل معنيين:
الأول: مختار بمعنى الفاعل الراغب في القتل، وهذا ممنوع.
الثاني: مختار بمعنى الفاعل القادر على القتل، وهذا مسلم.
هذا مثال ما توفر فيه هذا الشرط.
أما مثال ما لم يتوفر فيه هذا الشرط فهو قول المستدل: النبيذ
شراب مسكر، فكان حراماً كالخمر.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مسكر "،
وهو محتمل لثلاثة معان: " مسكر بالمعنى الشرعي "، و " مسكر
بالمعنى اللغوي "، و " مسكر بالمعنى العقلي ".
стр. 2070
فهذا التقسيم لا يصح؛ حيث إنه لا يحتمله اللفظ.
الشرط الثاني: أن يكون التقسيم حاصراً لجميع المعاني التي
يحتملها لفظ المستدل ما لم يحترز في إيراده.
ويمثل له بما سبق من قياس المكره - بفتح الراء - على المكرِه -
بكسر الراء - السابق.
أما إذا لم يكن التقسيم حاصراً، فإنه لا يتم إيراده؛ لاحتمال أن
يكون ذلك المعنى الذي لم يذكره المعترض هو مراد المستدل.
فمثلاً لو قال المستدل: المرأة الحرة العاقلة يجوز لها ولاية عقد
النكاح؛ لأنها عاقلة، فصحت منها الولاية كالرجل.
فيقول المعترض: لفظ " عاقلة " متردد بين معنيين:
الأول: أنها عاقلة بمعنى أنها مجربة، وهذا ممنوع.
الثاني: أنها عاقلة بمعنى أن لها حسن رأي وتدبير، وهذا مسلم.
فهذا التقسيم غير حاصر؛ لاحتمال أن يورد المستدل المعنى الثالث
لكونها عاقلة وهو: أن لها عقلاً غريزيا يمكن أن تدرك به المصالح
والمفاسد، ويكون هذا هو مراد المستدل فيبطل تقسيم المعترض.
الشرط الثالث: أن يكون التقسيم مطابقا لما ذكره المستدل، فلا
يورد المعترض زيادة على لفظ المستدل.
ويمثل له بما سبق من قياس الزكاة على سائر العبادات في أنها لا
تجب على الصبي بجامع: أن كلًّا منهما عبادة.
وكذلك: قياس المكره على المكره، ونحوهما.
أما إذا كان التقسيم غير مطابق بأن زاد المعترض على ما ذكره
следующие страницы →