← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

المبحث السابع في قادح التقسيم ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في بيان المراد منه. المطلب الثاني: في حجيته. المطلب الثالث: في شروطه. المطلب الرابع: في بيان الفرق بينه وبين الاستفسار. المطلب الخامس: في كيفية الجواب عنه.

стр. 2067

المطلب الأول في بيان المراد منه والمراد منه: ترديد المعترض لفظ المستدل بين احتمالين - أو أكثر - مع منع أحدهما وتسليم الآخر، أو مع تسليمهما مع اختلاف ما يترتب عليهما. ومعناه: إذا اشتمل قياس المستدل على لفظ محتمل لمعنيين أو أكثر، فإن للمعترض - إن استطاع -: أن يُردِّد بينهما بأن يقول: اللفظ الذي أوردته أيها المستدل في قياسك مُحتمل لمعنيين: أحدهما ممنوع، والآخر: مسلَّم. أو يقول: إنه محتمل لمعنيين أسلم بهما، لكن يرد على أحدهما ما لا يمكن الاحتجاج بهذا المعنى. مثاله: قول المستدل: لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنها عبادة فلم تجب عليه كسائر العبادات. فيقول المعترض: اشتمل قياسك هذا على لفظ " عبادة "، وهو متردد بين معنيين: أحدهما: أنها عبادة محضة، وهذا ممنوع؛ لأن فيها جانب المؤنة. ثانيهما: أنها عبادة غير محضة، وهذا مسلم، لكنه لا يفيدك في عدم وجوب الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من جهة أخرى: فهي - إذن - واجبة في ماله باعتبارها مؤنة كنفقة الزوجة والأقارب، والولي هو الذي يخرجها.

стр. 2068

المطلب الثاني حجيته هذا القادح حُجَّة، أي: أن للمعترض أن يورد التقسيم على قياس المستدل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تحديد مراد المستدل من لفظ قياسه مطلوب منه، وبواسطة التقسيم يتوصل إلى بيان المراد، فكان مقبولاً. وبعض العلماء قالوا بعدم حجية هذا القادح؛ حيث إنه يغني عنه قادح الاستفسار. وهذا ليس بصحيح؛ لأن يين قادح التقسيم، وقادح الاستفسار فروقا سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه.

стр. 2069

المطلب الثالث شروط التقسيم ليس كل ما يقوله المعترض من التقسيم مقبولاً، بل اشترط في المقبول منه شروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون لفظ المستدل في قياسه مما يصح تردده بين احتمالين أو أكثر؛ إذ لو لم يكن لفظه متردداً لما كان للتقسيم فائدة؛ لأنه سيحمل حينئذ على معناه الذي لا يحتمل غيره، ولو لم يكن ما يقول المعترض من الوجهين صحيحا: لكان عبثا. مثال ذلك: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل، فيقتص منه كالمكرِه - بكسر الراء -. فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مختار " وهو يحتمل معنيين: الأول: مختار بمعنى الفاعل الراغب في القتل، وهذا ممنوع. الثاني: مختار بمعنى الفاعل القادر على القتل، وهذا مسلم. هذا مثال ما توفر فيه هذا الشرط. أما مثال ما لم يتوفر فيه هذا الشرط فهو قول المستدل: النبيذ شراب مسكر، فكان حراماً كالخمر. فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مسكر "، وهو محتمل لثلاثة معان: " مسكر بالمعنى الشرعي "، و " مسكر بالمعنى اللغوي "، و " مسكر بالمعنى العقلي ".

стр. 2070

فهذا التقسيم لا يصح؛ حيث إنه لا يحتمله اللفظ. الشرط الثاني: أن يكون التقسيم حاصراً لجميع المعاني التي يحتملها لفظ المستدل ما لم يحترز في إيراده. ويمثل له بما سبق من قياس المكره - بفتح الراء - على المكرِه - بكسر الراء - السابق. أما إذا لم يكن التقسيم حاصراً، فإنه لا يتم إيراده؛ لاحتمال أن يكون ذلك المعنى الذي لم يذكره المعترض هو مراد المستدل. فمثلاً لو قال المستدل: المرأة الحرة العاقلة يجوز لها ولاية عقد النكاح؛ لأنها عاقلة، فصحت منها الولاية كالرجل. فيقول المعترض: لفظ " عاقلة " متردد بين معنيين: الأول: أنها عاقلة بمعنى أنها مجربة، وهذا ممنوع. الثاني: أنها عاقلة بمعنى أن لها حسن رأي وتدبير، وهذا مسلم. فهذا التقسيم غير حاصر؛ لاحتمال أن يورد المستدل المعنى الثالث لكونها عاقلة وهو: أن لها عقلاً غريزيا يمكن أن تدرك به المصالح والمفاسد، ويكون هذا هو مراد المستدل فيبطل تقسيم المعترض. الشرط الثالث: أن يكون التقسيم مطابقا لما ذكره المستدل، فلا يورد المعترض زيادة على لفظ المستدل. ويمثل له بما سبق من قياس الزكاة على سائر العبادات في أنها لا تجب على الصبي بجامع: أن كلًّا منهما عبادة. وكذلك: قياس المكره على المكره، ونحوهما. أما إذا كان التقسيم غير مطابق بأن زاد المعترض على ما ذكره

стр. 2071

المستدل لم يصح ذلك منه، فيكون ذلك سببا في رد تقسيم المعترض؛ حيث إن المستدل لم يذكر هذه الزيادة. مثال ذلك: قول المستدل: البكر البالغة لا تجبر على النكاح؛ لأنها بالغة عاقلة؛ قياساً على الثيب. فيقول المعترض: قولك: " بالغة عاقلة " مع كونها بكراً، أو مع كونها ليست بكراً: الأول: ممنوع، والثاني: مسلم. فإن هذا التقسيم فيه زيادة على ما ذكره المستدل من لفظه، حيث إن المستدل لم يتعرض في لفظه إلى ما ذكره المعترض، فإيراده لهذه الزيادة لا يلزم المستدل قبولها، فالمستدل له أن يقول: هذه زيادة على ما ذكرته فلا يلزمني.

стр. 2072

المطلب الرابع في بيان الفرق بين التقسيم والاستفسار لقد ذكر بعض العلماء: أن التقسيم لا يختلف عن قادح الاستفسار وهذا ليس بصحيح كما سبق. وشبين الفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن التقسيم يرد من المعترض حينما يكون اللفظ متردداً بين احتمالين أو أكثر، أي: يرد حينما يكون اللفظ مجملاً فقط. أما الاستفسار فإنه يرد حينما يكون اللفظ مجملاً، وحينما يكون اللفظ غريبا. الوجه الثاني: أن المعترض في التقسيم يحكم على ما يحتمله لفظ المستدل بأن هذا ممنوع، أو هو مسلم. أما المعترض في الاستفسار فلا يحكم على ما يحتمله لفظ المستدل.

стр. 2073

المطلب الخامس في كيفية الجواب عن هذا القادح المستدل له: أن يجيب عن تقسيم المعترض بطرق هي كما يلي: الطريق الأول: أن يُبين المستدل أن لفظه الذي أورده في قياسه ظاهر الدلالة على مراده، شرعا، أو عرفا. مثال بيان المستدل لمراده شرعا: قول المستدل: الوضوء طهارة قربة اشترطت لها النية كغيرها من القرب. فيقول المعترض: إن لفظ " طهارة " تحتمل معنيين: أحدهما: أنها طهارة قربة بمعنى النظافة من الخبث، وهذا ممنوع كونه من القرب التي هي عِلَّة في وجوب النية. ثانيهما: أنها طهارة قربة بمعنى الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء الشرعي، وهذا مسلم. فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ انطهارة ظاهر الدلالة شرعا في أن المراد به الوضوء الشرعي؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق. ومثال بيان المستدل لمراده عرفا: قول المستدل: لا ينقض الوضوء الدم اليسير الخارج من المصلي؛ لأنه معفو عنه؛ قياسا على ما لو كان خارج الصلاة. فيقول المعترض: إن لفظ " اليسير " احتمل ثلاث معان:

стр. 2074

أحدها: اليسير في نظر الجافين. ثانيهما: اليسير في نظر المغالين. ثالثهما: اليسير في نظر المعتدلين. والأول والثاني: ممنوعان. والثالث: مسلم؛ لجريانه على منهج الشريعة. فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " اليسير " ظاهر الدلالة في أن المراد به اليسير في نظر المعتدلين؛ لأن العرف يقتضي صرف مثل هذا التقدير إليهم. الطريق الثاني: أن يختار المستدل المعنى الذي سلم به المعترض، فيقول به، فيندفع عنه مقتضئ التقسيم. مثاله: قول المستدل: المكرَه على القتل مختار للقتل فيقتص منه كالمكرِه. فيقول المعترض: لفظ " مختار " يحتمل معنيين: أولهما: أن المراد به الفاعل الراغب في القتل. ثانيهما: أن المراد به الفاعل القادر على القتل. والأول ممنوع، والثاني مسلم. فيجيب المستدل بقوله: أنا أختار المعنى الثاني وهو: الفاعل القادر على القتل.

стр. 2075

المبحث الثامن في قادح النقض ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في بيان المراد به، وأهميته. المطلب الثاني: في حجيته. المطلب الثالث: الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة. المطلب الرابع: هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه؟ المطلب الخامس: كيفية الجواب عن هذا القادح، وبيان موقف المعترض من ذلك الجواب.

стр. 2076

المطلب الأول في بيان المراد بالنقض، وأهميته المراد به: وجود العلة في موضع دون حكمها. ويُسمى عند الحنفية: المناقضة. والنقض يعتبر من أهم المباحث عند الأصوليين وأهل النظر والجدل؛ نظراً لكثرة حاجتهم إليه، وكثرة وجوده في المناظرات بين العلماء. مثاله: قول المستدل - في حق من لم يبيت النية -: تعرى أول صومه عنها، - فلا يصح، فجعل عراء أول الصوم عن النية علة لبطلانه. فيقول المعترض: هذا منتقض بصوم التطوع، فإنه يصح بدون تبييت النية. فهنا قد وجدت العلة وهي: عراء أول الصوم عن النية قد وجدت في صوم التطوع، وتخلف الحكم - وهو عدم صحة الصوم عنه -؛ لأن الصوم في هذه الحالة صحيح.

стр. 2077

المطلب الثاني حجيته لقد اختلف العلماء في النقض هل يقدح في العلية أو لا؟ على مذاهب: المذهب الأول: أن النقض لا يقدح في العلية مطلقا فيما وراء محل النقض، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، وسواء كان التخلف لمانع، أو لغير مانع. وهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من المالكية، وبعض الحنابلة، وهو الحق؛ لأن تخلف الحكم عن الوصف في بعض الصور إما أن يكون عن دليل، أو لغير دليل. فإن كان التخلف لدليل يدل عليه: لم يقدح؛ لأن هذا الدليل يكون مخصِّصاً للدليل الذي دلَّ على العلية، والتخصيص جائز باتفاق؛ لأنه يرد على العام مطلقا، سواء كان العموم مستفاداً من اللفظ، أو من المعنى. وإن كان التخلف لغير دليل: فإن هذا التخلف لا يُعتبر، ولا يُعتدُّ به لعدم وجود الدليل، والمعتبر هو الدليل الذي دلَّ على العلية، وبذلك لا يكون النقض قادحاً. المذهب الثاني: أن النقض يعتبر قادحا للعلية مطلقاً. المذهب الثالث: التفصيل بين العلَّة المنصوصة، فإن النقض لا يقدح فيها، وبين العلة المستنبطة، فإن النقض يقدح فيها.

стр. 2078

المذهب الرابع: عكس الثالث. وهذه المذاهب قد سبق الكلام عنها بالتفصيل في " تخصيص العِلَّة"، وهو المطلب العشرون من الفصل الثالث السابق. فنظراً إلى أني لا أعتبر النقض قادحاً للعلية، فإنه يعتبر تخصيصا للعلة، وليس قادحا من قوادحها، لذلك قدمت الكلام عنه هناك.

стр. 2079

المطلب الرابع الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة الحالة الأولى: أن يورد المعترض النقض بما يسلِّم به المستدل. وإيراد النقض بناء على ذلك صحيح؛ لأن على المستدل أن يفي بمقتضى علته، وهو: وجودها في جميع المحال، والمعترض يخبره بعدم وجودها في بعض المحال، وإذا بين له ذلك كانت العِلَّة منتقضة باعتراف المستدل، فلزمه النقض. مثاله: قول المستدل: الخل مائع مزيل للعين والأثر، فجاز أن يكون مطهراً للمحل النجس؛ قياساً على الماء. فيقول المعترض: هذا منتقض بالدهن، فهو مائع مزيل للعين والأثر، ومع ذلك فإنه لا يطهر المحل النجس عندكم. الحالة الثانية: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو الذي يسلم به، لا على ما يراه المستدل. وإيراد النقض بناء على ذلك قد اختلف فيه على مذهبين: أصحهما: عدم جواز إيراد المعترض النقض بناء على أصله؛ لأن العلة التي أوردها المعلل حُجَّة على المعترض، والنقض الذي يورده المعترض دعوى، ولا تنقض الحُجَّة بالدعوى. مثال ذلك: قول المستدل: لا يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه كافر، فلا يقتل به المسلم؛ قياساً على الحربي.

стр. 2080

فيقول المعترض الحنفي: هذا منتقض على أصلي بالمعاهد، فهو كافر ويقتل به المسلم عندي. مثال آخر: قول المستدل: المتوفى عنها زوجها لا يجب لها السكنى؛ لأنه لا نفقة لها؛ قياسا على الموطوءة بشبهة. فيقول المعترض الشافعي: هذا منتقض على أصلي بالمطلقة الحائل؛ فإنه لا نفقة لها، ويجب لها السكنى. فلا يقبل هذا؛ لأن عِلَّة المستدل لا ترد بمجرد الدعوى. الحالة الثالثة: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو، وبناء على أصل المستدل، أي: أنهما يُسَلِّمان بذلك معا. وإيراد النقض بناء على هذه الحالة صحيح؛ لأنه يلزم على أصل المعترض والمستدل، فكل منهما يُسلم بهما. مثاله: قول المستدل: الأرز مكيل يحرم فيه التفاضل؛ قياسا على البر. فيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الجنسين فهما مكيلان، ويجوز التفاضل بينهما. فيسلم كل من المعترض والمستدل، حيث يريان التعليل بالكيل والجنس.

стр. 2081

المطلب الرابع هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه ؟ إذا أثبت المستدل حكما عن طريق القياس فهل عليه أن يورد في قياسه هذا ما يدفع عنه النقض من قِبَل أي معترض؟ فمثلاً لو قال المستدل: الخل مائع، فجازت إزالة النجاسة به كالماء، فهل يورد المستدل في علته قيداً يحترز به على النقض، فيقول - أي: المستدل -: الخل مائع طاهر - فيزيد لفظ " طاهر " في العِلَّة؛ لئلا تنقض عِلَّته بأن يقول المعترض: إن هذا منتقض بالمائع النجس؛ حيث إنه مائع، ولا تجوز إزالة النجاسة به، أو لا؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: أصحهما: أنه على المستدل أن يحترز عن النقض بذكر قيد يدفع عنه ورود النقض؛ لأن الاحتراز عن النقض فيه ضبط لمجرى الكلام، وبعد عن انتشار الكلام وتوسعه، وكثرة احتمالاته وحصر لمقصود المستدل، فكان الالتزام به متعينا. وعلى هذا: فإنه لا بد أن يقول المستدل في العِلَّة - في المثال السابق -: " مائع طاهر "؛ لئلا يكثر الكلام وهو يستطيع منع ذلك.

стр. 2082

المطلب الخامس بيان كيفية جواب المستدل عن هذا القادح وبيان موقف المعترض من هذا الجواب إذا أورد المعترض صورة زعم فيها وجود عِلَّة المستدل مع تخلف الحكم عنها تنقض عِلة المستدل: فإن للمستدل أن يجيب عن ذلك بأحد الطرق التالية: الطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود علته في تلك الصورة التي أوردها المعترض. مثال ذلك: قول المستدل: المضمضة في الغسل واجبة؛ لأن الفم عضو يجب غسله من النجاسة، فوجب غسله من الجنابة؛ قياسا على سائر الأعضاء. فيقول المعترض:. هذا منقوض بالعين فهي عضو يجب غسله من النجاسة، ولا يجب غسله في الجنابة. فيجيب المستدل بقوله: العين عندي لا يجب غسلها من النجاسة، فلا يلزم النقض. مثال آخر: الوقف عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول؛ قياسا على البيع. فيقول المعترض: هذا منتقض بالعتق فهو عقد ينتقل فيه الملك، ولا يفتقر إلى القبول.

стр. 2083

فيجيب المستدل بقوله: العتق عندي ليس بنقل، وإنما هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يفتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك. موقف المعترض من الجواب بهذا الطريق: حينما يمنع المستدل وجود العلَّة في صورة النقض، فإنه يجوز للمعترض إقامة الدليل على وجَود العلَّة إذا تعين طريقا للمعترض لنقض العِلَّة؛ لأن فيه تحقيقا لفائدة المناظَرة. أما إذا لم يتعين طريقا للمعترض، بل وجد ما يحقق المقصود بطريق آخر، فلا يجوز له - أي: للمعترض - إقامة الدليل على وجود العلَّة في الصورة المنقوض بها علة المستدل؛ لأن الفائدة تتحقق بذلك الطريق الآخر. مثال ذلك: قول المستدل: الوضوء طهارة فتحتاج إلى النية كالتيمم. فيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة فهي طهارة، ولا تجب فيها النية. فججيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون إزالة النجاسة طهارة. فيقيم المعترض الدليل على وجود الدليل على أن إزالة النجاسة طهارة، وهو قوله تعالى " (وثيابك فطهر) . الطريق الثاني: أن يفسر المستدل لفظ علته، وهذا فيه التفصيل الآتي: ١ - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنى واحد. مثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة من حدث، فتفتقر إلى النية؛ قياسا على التيمم.

стр. 2084

فيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة، فهي طهارة ولا تحتاج إلى النية. فيجيب المستدل بقوله: إني قد ذكرتُ قيداً في العِلَّة، وهو كونه حدثا، وإزالة النجاسة ليست عن حدث. ٢ - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنيان. مثاله: قول المستدل: جمع الطلاق في القرء الواحد لا يكون مبتدعا؛ قياساً على ما لو طلقفا ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين. فيقول المعترض: إن هذا منتقض بما لو طلقها ثلاثا في الحيض، فهو جمع للطلاق في قرء واحد وهو بدعي. فيجيب المستدل بقوله: أنا أريد بالقرء: الطهر، لا الحيض. ٣ - هل يفسر المستدل لفظ علته العام بالخاص؟ قد اختلف العلماء فيه على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز للمستدل أن يفسَّر اللفظ العام بالخاص. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن لفظ المستدل عام، ومقتضاه شمول جميع المحال؛ حيث إنه لازم له، فإذا أورد - عليه النقض فهو مورد على ما يلزمه، وإرادته الخاص بعد النقض زيادة في الوصف؛ ليدفع بها النقض، وهذا لا يصح. المذهب الثاني: يجوز ذلك. وهو مذهب بعض العلماء.

стр. 2085

دليل هذا المذهب: القياس على الشارع، بيان ذلك: كما أن للشارع أن يطلق لفظا عاما ثم يخصه، فكذا المستدل ولا فرق. جوابه: هذا قياس باطل؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن للشارع النسخ، وله أن يذكر بعض العلَّة، ويترك الباقي إلى اجتهاد المجتهد، وهذا لا يجوز في حق المسَتدل الذي يريد إثبات الحكم بعلته. الطريق الثالث: أن يزيد المستدل وصفا في علته. وهذا ليس بصحيح، فلا يجوز للمستدل أن يزيد وصفا في علته؛ لأمرين: الأمر الأول: أن ما ذكره المستدل هو جميع العِلَّة، والنقض قد ورد على جميع العلَّة، فإذا ذكر وصفا آخر للعِلَّة بعد ورود النقض: كان هذا انتقالاً إلى علَّة أخرى متكونة من العلَّة السابقة، ومن الوصف الذي زاده. الأمر الثاني: أن القول بجواز هذه الزيادة للمستدل إخلال بقواعد الجدل والمناظرات، وعدم الالتزام بضوابطها التي تقتضي إيراد المستدل دليله كاملاً أمام المعترض. مثاله: قول المستدل: باع رجل مطعوما بمطعوم متفاضلاً، فهذا لا يجوز؛ قياسا على البر.

стр. 2086

فيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الأرز بالبر متفاضلاً. فيجيب المستدل بقوله: أنا أزيد وصفاً في العِلَّة، فأقول: "مطعوم من جنس واحد " حتى لا يرد هذا النقض. فهنا: لا يجوز للمستدل أن يزيد ذلك لما قلناه. الطريق الرابع: أن يمنع المستدل تخلف الحكم عن صورة النقض. إذا قال المعترض: إن قياسك هذا علته منقوضة؛ حيث إن العِلَّة قد وجدت ولم يوجد حكمها، فإن للمستدل أن يجيب بمنع كون الحكم متخلفا عن صورة النقض التي أوردها المعترض. مثاله: قول المستدل: الأرز ربوي، لأنه مطعوم قياسا على البر. فيقول المعترض: هذا منقوض بالتفاح فهو مطعوم، ولا يجري فيه الربا. فيجيب المستدل بقوله: أنا - أمنع تخلف الحكم عن الصورة التي أوردتها - أيها المعترض - وهي: التفاح -، لأن التفاح عندي ربوي. الطريق الخامس: أن يُبين المستدل في صورة النقض التي أوردها المعترض فوات شرط، أو وجود مانع. مثاله: قول المستدل: الحلي تجب فيه الزكاة، لأنه نصاب كامل حال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة قياسا على المضروب. فيقول المعترض: هذا منتقض بحلي غير البالغ، فهو نصاب كامل، وحال عليه الحول، ومع ذلك لا تجب فيه الزكاة. فيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته من صورة النقض قد تخلف عنها ما هو شرط، وهو: التكليف تغليباً لمعنى العبادة.

стр. 2087

المبحث التاسع في قادح التركيب ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: المراد منه. المطلب الثاني: أقسامه. المطلب الثالث: حجيته. المطلب الرابع: كيفية الجواب عنه.

стр. 2088

المطلب الأول بيان المراد منه المراد من قادح التركيب: أن يكون الحكم في الأصل ثابتا بطريق اتفق المستدل والمعترض عليه، مع منع المعترض كون الحكم ثابتا بعلة المستدل: إما بمنع كونها عِلَّة، أو بمنع وجودها في الأصل. أي: أن حكم الأصل قد اتفق عليه المستدل والمعترض، وهذا الحكم معلل بعلَّة عند المستدل، ومعلل بعلَّة أخرى عند المعترض، فيمنع المعترض أن الحكم معلل بعلة المستدلَ إما بمنع كونها علَّة، أو بمنع وجودها في الأصل.

стр. 2089

المطلب الثاني أقسام قادح التركيب لقد اتضح من التعريف: أن المعترض يعترض على عِلَّة المستدل إما بمنع كون وصف المستدل عِلَّة للحكم، وإما بمنع وجود علَّة المستدل في الأصل. ولهذا ينقسم هذا القادح إلى قسمين: القسم الأول: قادح التركيب في الأصل. القسم الثاني: قادح التركيب في الوصف. أما القسم الأول - وهو قادح التركيب في الأصل - فهو: أن يتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل، ويعين كل واحد منهما علَّة تخصه، فيمنع المعترض كون وصف المستدل علَّة لحكم الأصل. مثاله: قول المستدل: المرتدة إنسان بدل دينه فتقتل كالمرتد. فيقول المعترض: الحكم عندي في الأصل هو قتل المرتد، لكن العِلَّة لقتله هي: الجناية على المسلمين بتنقيص عددهم، وإعانة عدوهم عليهم، لا أنها تبديل الدين، وهذه العلَّة التي ذكرتها أنا لا توجد في الفرع، فإن سلَّمت بها لم يتعد الحكَم إلى الفرع؛ لعدم وجودها فيه. أما القسم الثاني - وهو قادح التركيب في الوصف - فهو: أن

стр. 2090

يتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل مع تعيين المستدل عِلَّة لحكم الأصل، وتعيين المعترض عِلَّة أخرى مع منعه كون عِلَّة المستدل موجودة في الأصل. مثال ذلك: قول المستدل: إن الرجل لو قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق: لم يقع طلاقه بعد العقد عليها؛ لأنه تعليق للطلاق قبل النكاح فلا يقع؛ قياسا على ما لو قال: فلانة التي سأتزوجها طالق. فيقول المعترض: أنا أوافقك على حكم الأصل، وهو عدم وقوع الطلاق، ولكن العلَّة فيه هي كونه تنجيزاً لا تعليقا؛ حيث إنه نظراً لكون هذه الصيغة تقتضي وقوع الطلاق في الحال، وهو لا يملك الطلاق في الحال، فإنها تكون لغواً لا أثر له بعد العقد. أما ما ذكرته - أيها المستدل - من العِلَّة - وهي: كونه تعليقا - فغير موجود في الأصل. وسواء سلمت بما ذكرته من عِلَّة، أو أخذت بعلتك التي لا توجد في الأصل، فإن الحكم لن يتعدى إلى الفرع؛ لأن علتي لا توجد في الفرع، وعلتك لا توجد في الأصل.

стр. 2091

المطلب الثالث حجية التركيب لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: أصحهما: أن للمعترض إيراد القدح بالتركيب بأن يمنع علَّة المستدل في الأصل الذي يتفق مع المستدل على حكمه، أو يمنع وجود عِلَّة المستدل في الأصل؛ وذلك لأن قادح التركيب ينبني على الخلاف في قياس التركيب، والخلاف في قياس التركيب متعلق بالأصل، والأصل يشتمل على العِلَّة والحكم، وإذا منع المعترض كلاً من العِلَّة والجكم، فإن للمستدل إقامة الدليل الدال على كون وصفه عِلَّة، وإقامة الدليل الدال على وجود وصفه في الأصل. اعتراض على هذا: قال قائل - معترضا -: إن المستدل إذا أقام الدليل على كون الوصف عِلَّة، أو أقام الدليل على وجود العلَّة في الأصل، فإن هذا انتقال عنَ المقصود. جوابه: إن فعل المستدل هذا ليس انتقالاً إلى المقصود، بل هو في صميم المقصود وإثباته؛ حيث - إنه إثبات لما هو من مقدمات القياس، ودفاع عن دليله.

стр. 2092

المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح التركيب هذا فيه التفصيل الآتي: أولاً: الجواب عن قادح التركيب في الأصل: إن المعترض هنا يمنع كون وصف المستدل عِلَّة لحكم الأصل. وإذا كان الأمر كذلك فإن المستدل يجيب بنفس الجواب عن منع كون الوصف علَّة الذي سبق في المبحث السادس من هذا الفصل، وذلك بذكر المسالك والأدلة الدالة على كون الوصف عِلَّة. ثانياً: الجواب عن قادح التركيب في الوصف: المعترض هنا يمنع وجود العِلَّة في الأصل، وإذا كان الأمر كذلك: فإن المستدل يجيب بنفس الجَواب عن منع وجود العلَّة في الأصل الذي سبق في المبحث الثالث من هذا الفصل، وذلكَ بذكر الأدلة من الشرع أو العقل أو الحس على وجود العِلَّة في الأصل.

стр. 2093

المبحث العاشر في قادح فساد الوضع ويشتمل على مطلبين هما: المطلب الأول: بيان المراد منه وأقسامه. المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.

стр. 2094

المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الوضع وأقسامه المراد منه: أن يبين المعترض أن قياس المستدل لم يكن على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم، وأن يكون ما جعله المستدل عِلَّة للحكم مشعراً بنقيض الحكم المرتب عليه. ويبين هدا التعريف من ذكر أقسامه والأمثلة لكل قسم، فأقول: ينقسم قادح فساد الوضع إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الجامع في قياس المستدل قد ثبت اعتباره في نقيض الحكم الذي رتبه عليه المستدل بنص أو إجماع. مثال الأول - وهو ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره بنص في نقيض الحكم -: قول المستدل: يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لأن النقص يحصل بجفاف الرطب، فلا يمنع هذا صحة البيع؛ قياسا على بيع التمر الحديث بالتمر القديم. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الشارع قد رتب على العلَّة التي ذكرتها حكماً هو نقيض ما رتبته عليها في قياسك، وذلك بالنص، وهو: أنه سئل النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال: " فلا إذن ".

стр. 2095

فهنا جعل النقص بالجفاف عِلَّة لمنع البيع، وعدم جوازه، وما جعله الشارع عِلَّة للمنع لا يجوز أن يجعل عِلَّة للجواز. ومثال الثاني - وهو: ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره بإجماع في نقيض الحكم - قول المستدل: مسح الرأس مسح، فاستحب تكراره؛ قياسا على الاستجمار بالحجر. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد رتب على هذه العِلَّة التي ذكرتها حكما هو نقيض ما رتبته عليها من حكم، وذلك في مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار إجماعا مع أنه مسح. القسم الثاني: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما هو ضد لما يقتضيه ذلك المعنى، وهذا يفهم من مقتضى أصول الشريعة، ومعرفة مقاصدها كأن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما خفيفا مع أن هذا المعنى يقتضي التثقيل والتغليظ، أو يرتب عليه حكما واسعاً وهو يقتضي التضيق. فمثال الأول - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما خفيفا مع أنه يقتضي التغليظ - قول المستدل: من أفطر في نهار رمضان عامداً، فلا كفارة عليه؛ لأنه أفطر بما يصح وقوعه من الواحد، فلا تجب عليه الكفارة، قياسا على ما لو أفطر في السفر. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك علَّقت على المعنى الجامع الذي يقتضي التشديد والتغليظ حكما خفيفا؛ وذلك لأن الإفطار في نهار رمضان عمداً إثمه عظيم وشديد، فيناسب أن توجب عليه الكفارة تشديداً وتغليظا حتى لا يعود لمثلها، ولا يكون مقتضياً للتخفيف بسقوط الكفارة.

стр. 2096

ومثال الثاني - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما واسعا مع أنه يقتضي التضييق - قول المستدل: الزكاة وجبت على وجه الارتفاق لدفع حاجة الفقير، فكان أداؤها على التراخي؛ قياسا على وجوب الدية على العاقلة. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على المعنى الذي يقتضي التضييق حكما بالتوسيع؛ حيث إن دفع الحاجة يناسب المبادرة، لا التراخي.

стр. 2097

المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح فساد الوضع لقد ذكرنا قسمين لقادح فساد الوضع، والجواب عن هذا القادح يختلف باختلاف القسمين السابقين، فأقول: أولاً: الجواب عن القسم الأول: أن يورد المستدل من الأجوبة على النص والإجماع كما لو كان الاستدلال بهما ابتداء، فيقول مثلاً: إن النص هذا منسوخا. ويقول - أي: المستدل -: إني لا أرى الاستدلال بهذه الآية أو ذاك الحديث من الوجه الذي أوردته أيها المعترض، كأن يستدل المعترض بالمفهوم المخالف من الآية أو الحديث، وهو لا يرى الاحتجاج به، أو يقول المستدل: إن الآية التي أتيت بها أيها المعترض لها قراءة أخرى غير ما قرأت بها، أو يعترض بأن هذا الحديث مرسل، والحديث المرسل غير حجَّة، أو أن في السند رجلا غير ثقة، أو نحو ذلك. ويقول في الإجماع: إن الإجماع الذي استندت إليه إجماع سكوتي، وهو ليس بحُجَّة عندي، أو نحو ذلك. مثال ذلك: قول المستدل: سؤر السبع نجس؛ لأنه سؤر سبع ذي ناب، فكان نجسا كسؤر الكلب والخنزير. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على العلة ضد ما علقه الشارع عليها في قول الرسول ﷺ : "الهر سبع " فجَعل الرسول ﷺ كونه سبعا عِلَّة للطهارة.

стр. 2098

فيجيب المستدل بقوله: هذه الرواية التي ذكر فيها التعليل بالسبعية رواية ضعيفة هذا من جهة السند. وهي غير صحيحة من جهة المتن؛ لأن التعليل بكونه سبعا منقوض بالحكم بنجاسة سؤر الكلب فهو سبع، وقد حكم الشارع بنجاسة سؤره بقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إتاء أحدكم فليغسله سبعا ". مثال جواب المستدل على اعتراض المعترض بالإجماع: ما سبق من أنه يستحب تكرار مسح الرأس؛ قياسا على الاستجمار بالحجر، فيقول المعترض: قياسك فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد رتب على هذه العِلَّة التي ذكرتها حكما نقيض ما رتبته عليها من حكم، وذلك في مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار إجماعا مع أنه مسح. فيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على هذه العِلَّة إلا ما تقتضيه، وما رتبته من حكم هو مقتضى الوصف فيما ذكرت أيها المعترض، فيستحب التكرار في مسح الخف، إلا أنه وجد مانع من التكرار؛ حيث إن تكرار مسح الخف يؤدي إلى تلفه. ثانيا: الجواب عن القسم الثاني - وهو: أن يبين المستدل أنه ما رتب على العِلَّة إلا ما تقتضيه -. مثاله: قول المستدل: القتل عمداً معنى يوجب القتل، فلا يوجب الكفارة؛ قياسا على الردة. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك قد رتبت على العلَّة التي تقتضي التشديد حكما بالتخفيف؛ حيث إن عظم الجناية، وهي: القتل يقتضي تشديد الحكم، لا تخفيفه بعدم إيجاب الكفارة. فيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على العِلَّة إلا ما اقتضته، لا ضد ذلك؛ لأن تشديد وتغليظ عقوبة الجناية بإيجاب القصاص قد بلغ الغاية في العقوبة، فلا يغلظ فيه بوجه آخر بإيجاب الكفارة.

стр. 2099

المبحث الحادي عشر في قادح فساد الاعتبار ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في بيان المراد منه. المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه. المطلب الثالث: الفرق بينه وبين فساد الوضع.

стр. 2100

المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الاعتبار المراد منه: أن يبين المعترض: أن الحكم الذي دلَّ عليه قياس المستدل مخالفا لدليل من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع. فالقياس إذا خالف نصا من كتاب أو سُنَّة، أو خالف إجماعا، فإن القياس لا يعتبر؛ لأمرين: أولهما: إجماع الصحابة ﵃ فقد كانوا يقولون بالقياس ويستدلون ويقرون به، ويستخرجون أحكام بعض الحوادث المتجددة عن طريقه، ولكن بشرط: أن لا يكون الحكم الثابت عن طريق القياس مخالفا لكتاب، أو سُنَّة، أو إجماع. ثانيهما: حديث معاذ السابق الذكر في حجية القياس؛ حيث جعل القياس في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسُّنَّة، فصوبه النبي ﷺ . وقد سمي هذا بفساد الاعتبار؛ لأن اعتبار القياس مع النص والإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد للأمرين السابقين.

стр. 2101

المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح إذا استدل المستدل على حكم حادثة بالقياس، ثم اعترض عليه المعترض بقوله: إن قياسك هذا فاسد الاعتبار - أي: لا يعتبر - حيث إنه مخالف لنص، أو إجماع، فإن المستدل يجيب عن ذلك بإيراد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع ابتداء، وذلك بالتفصيل التالي: أولاً: إذا قال المعترض: إن قياسك أيها المستدل قد خالف نصا من الكتاب، وهي: قوله تعالى كذا، فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب كما لو كان الاستدلال بالكتاب مبتدأ، فيقول: مثلاً: إن الآية التي زعمت بانها تعارض قياسي منسوخة. أو يقول: إن الآية التي أوردتها أيها المعترض لها قراءة أخرى توافق قياسي. أو يقوم المستدل بتأويل الآية بأن يحملها على معنى غير ظاهر بدليل يقتضي هذا الحمل، أو يقول: إن الآية دلَّت بعموم قد خصص، وهو لا يرى الاستدلال بالعموم الذي خصص، أو يبين - أي المستدل - أن هذه الآية معارضة بآية أخرى هي كذا، فتعارضت الآيتان، فلم يتم الاستدلال بهما، وسلم القياس، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالكتاب.

стр. 2102

مثال ذلك: قول المستدل: صوم رمضان مفروض، فاشترط له تبييت النية، قياسا ضلى صوم القضاء. فيقول المعترض اقياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف نصا من القرآن، وهو قوله تعالى: (والصائمين والصائمات) إلى آخر الآية، فهنا قد - أطلق الصيام، فيكون صحيحا دون تبييت النية. فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون الآية ظاهرة الدلالة على صحة الصوم دون تبييت النية، حيث إن الصيام فيها مطلق، ونحن قيدناه بقوله ﷺ : " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ". ثانياً: إذا قال المعترض: إن قياسك هذا - أيها المستدل - قد خالف نصا من السُّنَّة، وهو قوله ﷺ كذا: فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالسُّنَّة، كما لو كان الاستدلال بالسُّنَّة ابتداء، فيورد عليه نفس المناقشات التي ذكرناها في الاستدلال بالكتاب، ويزيد على ذلك المناقشات والاعتراضات على السند بأن يقدح في عدالة أو حفظ راوي الحديث، أو أن يثبت أن راوي الحديث قد خالف ما رواه، أو أن الرواية قد اختلفت، أو يثبت أن هذا الحديث الذي ذكره المعترض معارض بحديث آخر فيتساقطان، ويسلم قياسه، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالسُّنَّة. مثال ذلك: قول المستدل: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنه غير منضبط، قياساً على السلم في المختلطات. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف حديثا ثابتا عن ﷺ وهو: " أنه رخص في السلم "، فلفظ "السلم " عام في جميع ما يمكن أن يكون فيه، وذلك لوجود " أل "

стр. 2103

الاستغراقية المفيدة للعموم، فيكون السلم فردا من أفراد هذا العموم، فيجوز السلم فيه. فيجيب المستدل بقوله: إن هذا الحديث يحمل على ما سوى الحيوان مما يمكن ضبطه من المكيل والموزون، دلَّ على هذا الحمل قوله ﷺ : "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ". ثالثا: إذا قال المعترض: إن قياسك - أيها المستدل - قد خالف إجماعا: فإن المستدل يورد المناقشات والاعتراضات التي ترد على الاستدلال بالإجماع كما لو كان الاستدلال بالإجماع ابتداء، فيورد عليه بأن لا يسلم أن هذا مجمع عليه، أو أن الطريق الذي ثبت به هذا الإجماع مشكوك فيه، أو أن هذا الإجماع إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي ليس بحُجَّة عنده، أو غير ذلك. مثال ذلك: قول المستدل: أن الرجل لا يجوز له أن يُغسِّل زوجته المتوفاة؛ لأن الصلة التي بينه وبينها قد انقطعت، فلا يجوز نظره إليها؛ قياسا على الأجنبية. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف الإجماع، وهو: أن عليا ﵁ قد غَسَّل فاطمة الزهراء بعد وفاتها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً على جواز ذلك. فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع صحة سند هذا الإجماع، فلم يصح هذا عن علي ﵁. أو يقول: لو سلمت أن هذا وقع من علي، فإني لا أسلم كونه قد اشتهر وسمع به كل الصحابة حتى يكون سكوتهم عن الإنكار إجماعا. أوِ يقول: إن هذا ثبت عن طريق الإجماع السكوتي، وهو ليس بحُجَّة عندي.

стр. 2104

المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع بعض العلماء كالشيرازي وغيره - يجعل فساد الوضع وفساد الاعتبار من باب ترادف الألفاظ، فيجعل أحدهما مغنيا عن الآخر. وهذا ليس بصحيح، بل بينهما فرق؛ لذلك جعلت لكل واحد له منهما مبحثا خاصا به، ووجه الفرق واضح من خلال حقيقة كل واحد منهما. وبيانه: أنه إذا كان القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه لم يخالف نصا من كتاب أو سُنَّة، ولم يخالف إجماعا: فإن هذا يرد عليه قادح فساد الوضع. وإذا كان القياس على هيئة صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه مخالف لنص من كتاب أو سُنَّة، أو لإجماع: فإن هذا يرد عليه قادح فساد الاعتبار. وقد يجتمعان بأن يكون القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه قد خالف نصا أو إجماعا، فإن هذا يرد عليه القادحان معا.

стр. 2105

المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل ويشتمل على مطالب هي: المطلب الأول: بيان المراد منه. المطلب الثاني: بيان أنواعه. المطلب الثالث: بيان حجيته. المطلب الرابع: بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه الذي اعترض به. المطلب الخامس: بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي اعترض به عن الفرع. المطلب السادس: بيان كيفية الجواب عن هذا القادح.
следующие страницы →