← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح إذا استدل المستدل على حكم حادثة بالقياس، ثم اعترض عليه المعترض بقوله: إن قياسك هذا فاسد الاعتبار - أي: لا يعتبر - حيث إنه مخالف لنص، أو إجماع، فإن المستدل يجيب عن ذلك بإيراد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع ابتداء، وذلك بالتفصيل التالي: أولاً: إذا قال المعترض: إن قياسك أيها المستدل قد خالف نصا من الكتاب، وهي: قوله تعالى كذا، فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب كما لو كان الاستدلال بالكتاب مبتدأ، فيقول: مثلاً: إن الآية التي زعمت بانها تعارض قياسي منسوخة. أو يقول: إن الآية التي أوردتها أيها المعترض لها قراءة أخرى توافق قياسي. أو يقوم المستدل بتأويل الآية بأن يحملها على معنى غير ظاهر بدليل يقتضي هذا الحمل، أو يقول: إن الآية دلَّت بعموم قد خصص، وهو لا يرى الاستدلال بالعموم الذي خصص، أو يبين - أي المستدل - أن هذه الآية معارضة بآية أخرى هي كذا، فتعارضت الآيتان، فلم يتم الاستدلال بهما، وسلم القياس، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالكتاب.

стр. 2102

مثال ذلك: قول المستدل: صوم رمضان مفروض، فاشترط له تبييت النية، قياسا ضلى صوم القضاء. فيقول المعترض اقياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف نصا من القرآن، وهو قوله تعالى: (والصائمين والصائمات) إلى آخر الآية، فهنا قد - أطلق الصيام، فيكون صحيحا دون تبييت النية. فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون الآية ظاهرة الدلالة على صحة الصوم دون تبييت النية، حيث إن الصيام فيها مطلق، ونحن قيدناه بقوله ﷺ : " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ". ثانياً: إذا قال المعترض: إن قياسك هذا - أيها المستدل - قد خالف نصا من السُّنَّة، وهو قوله ﷺ كذا: فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالسُّنَّة، كما لو كان الاستدلال بالسُّنَّة ابتداء، فيورد عليه نفس المناقشات التي ذكرناها في الاستدلال بالكتاب، ويزيد على ذلك المناقشات والاعتراضات على السند بأن يقدح في عدالة أو حفظ راوي الحديث، أو أن يثبت أن راوي الحديث قد خالف ما رواه، أو أن الرواية قد اختلفت، أو يثبت أن هذا الحديث الذي ذكره المعترض معارض بحديث آخر فيتساقطان، ويسلم قياسه، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالسُّنَّة. مثال ذلك: قول المستدل: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنه غير منضبط، قياساً على السلم في المختلطات. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف حديثا ثابتا عن ﷺ وهو: " أنه رخص في السلم "، فلفظ "السلم " عام في جميع ما يمكن أن يكون فيه، وذلك لوجود " أل "

стр. 2103

الاستغراقية المفيدة للعموم، فيكون السلم فردا من أفراد هذا العموم، فيجوز السلم فيه. فيجيب المستدل بقوله: إن هذا الحديث يحمل على ما سوى الحيوان مما يمكن ضبطه من المكيل والموزون، دلَّ على هذا الحمل قوله ﷺ : "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ". ثالثا: إذا قال المعترض: إن قياسك - أيها المستدل - قد خالف إجماعا: فإن المستدل يورد المناقشات والاعتراضات التي ترد على الاستدلال بالإجماع كما لو كان الاستدلال بالإجماع ابتداء، فيورد عليه بأن لا يسلم أن هذا مجمع عليه، أو أن الطريق الذي ثبت به هذا الإجماع مشكوك فيه، أو أن هذا الإجماع إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي ليس بحُجَّة عنده، أو غير ذلك. مثال ذلك: قول المستدل: أن الرجل لا يجوز له أن يُغسِّل زوجته المتوفاة؛ لأن الصلة التي بينه وبينها قد انقطعت، فلا يجوز نظره إليها؛ قياسا على الأجنبية. فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف الإجماع، وهو: أن عليا ﵁ قد غَسَّل فاطمة الزهراء بعد وفاتها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً على جواز ذلك. فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع صحة سند هذا الإجماع، فلم يصح هذا عن علي ﵁. أو يقول: لو سلمت أن هذا وقع من علي، فإني لا أسلم كونه قد اشتهر وسمع به كل الصحابة حتى يكون سكوتهم عن الإنكار إجماعا. أوِ يقول: إن هذا ثبت عن طريق الإجماع السكوتي، وهو ليس بحُجَّة عندي.

стр. 2104

المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع بعض العلماء كالشيرازي وغيره - يجعل فساد الوضع وفساد الاعتبار من باب ترادف الألفاظ، فيجعل أحدهما مغنيا عن الآخر. وهذا ليس بصحيح، بل بينهما فرق؛ لذلك جعلت لكل واحد له منهما مبحثا خاصا به، ووجه الفرق واضح من خلال حقيقة كل واحد منهما. وبيانه: أنه إذا كان القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه لم يخالف نصا من كتاب أو سُنَّة، ولم يخالف إجماعا: فإن هذا يرد عليه قادح فساد الوضع. وإذا كان القياس على هيئة صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه مخالف لنص من كتاب أو سُنَّة، أو لإجماع: فإن هذا يرد عليه قادح فساد الاعتبار. وقد يجتمعان بأن يكون القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه قد خالف نصا أو إجماعا، فإن هذا يرد عليه القادحان معا.

стр. 2105

المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل ويشتمل على مطالب هي: المطلب الأول: بيان المراد منه. المطلب الثاني: بيان أنواعه. المطلب الثالث: بيان حجيته. المطلب الرابع: بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه الذي اعترض به. المطلب الخامس: بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي اعترض به عن الفرع. المطلب السادس: بيان كيفية الجواب عن هذا القادح.

стр. 2106

المطلب الأول بيان المراد من قادح المعارضة في الأصل المراد به: أن يبين المعترض معنى في الأصل الذي ذكره المستدل يرى أنه العِلَّة غير ما ذكره المستدل، أو أنه جزء العِلَّة. أي: أن المعارضة في الأصل هي: أن يذكر المعترض عِلَّة أخرى في الأصل المقيس عليه غير العِلَّة التي علل بها المستدل، ويدعي المعترض أن الحكم في الأصل نشأ بالعلَّة التي ذكرها لا بالعلَّة التي ذكرها المستدل، وهذه العِلَّة التي ذكرهاً المعترض معدومة في الفرع. مثاله: قول المستدل الحنفي - في عدم وجوب تبييت النية في صوم الفرض -: إن صوم الفرض صوم عين فيؤدى بالنية قبل الزوال؛ قياسا على صوم النفل. فيقول المعترض: ليس المعنى في الأصل - وهو صوم النفل - هو ما ذكرت، بل المعنى فيه: أن النفل مبني على السهولة والتخفيف، ولهذا جاز أداؤه بنية متاخرة من الشروع، وهذه العِلَّة لا توجد في الفرع، وهو - صوم الفرض - وعليه فلا يجوز قياسه على صوم النفل.

стр. 2107

المطلب الثاني بيان أنواع المعارضة في الأصل قادح المعارضة في الأصل يتنوع من حيث استقلال العِلَّة التي يبديها المعترض وعدم استقلالها إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول: أن يكون ما أبداه المعترض مستقلاً بالتعليل. مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الفواكه متفاضلاً؛ قياساً على البر بجامع كونهما طعاما. فيقول المعترض: ليست العِلَّة فى الأصل كونه مطعوما، وإنما العلَّة هي: كونه مدخراً، وهذه العلة لا توجد في الفرع الذي هو الفَواكه؛ حيث إنها لا تدخر، وعليه: فلا يجوز قياس الفواكه على البر. النوع الثاني: أن يكون ما أبداه المعترض جزءا من العِلَّة. مثاله: قول المستدل: يجب القصاص على من قتل بالمثقل؛ قياسا على من قتل بالمحدد، والعِلَّة الجامعة بينهما: القتل العمد العدوان. فيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل هي ما ذكرت، فقط، بل لا بد أن تزاد جزءاً وهو لفظ: " بجارح "، فتكون العِلَّة كاملة هي: القتل العمد العدوان بجارح، وهذه لا توجد فيَ الفرع، وهو القتل بالمثقل، وعليه: فلا يقاس على القتل بالمحدد.

стр. 2108

النوع الثالث: أن يكون ما أبداه المعترض تقييداً لعِلة المستدل المطلقة. مثاله: قول المستدل: الذي يتحول من اليهودية إلى النصرانية، أو العكس فإنه يُقتل؛ لأنه بدَّل دينه، قياسا على المرتد. فيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل على إطلاقها، بل إنا قلنا: إن المرتد يُقتل استدلالاً بقوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه "؛ حيث إنه خاص بتبديل الإسلام بالكفر فقط، وليست العِلَّة هي مطلق التبديل.

стр. 2109

المطلب الثالث في حجية قادح المعارضة في الأصل هذا القادح حُجَّة، فللمعترض إيراد المعارضة في الأصل على التعريف السابق، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أنه يحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره المستدل علة لحكم الأصل استقلالأ، ويحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره المعترض هو علَّة حكم الأصل استقلالاً، أو جزءا من العِلَّة، والاحتمالان متسَاويان؛ حيث إن الوصفين متساوس في اقتضاء الحكم فترجيح أحدهما دون الآخر تحكم، وينتج من ذلك: أنه يجوز للمعترض إيراد المعارضة في الأصل، فإن استطاع المسمتذل الجواب عنه، وإلا يقدح هذا القادح القياس ويبطله. اعتراض: قال قائل - معترضا -: لا أسلم المساواة بين وصف المستدل والوصف الذي أبداه المعترض، بل إن وصف المستدل يرجح على وصف المعترض؛ لأن اعتبار وصف المستدل يؤدي إلى توسيع دائرة الأحكام؛ لأنه يعدي الحكم إلى الفرع، وبخلاف وصف المعترض - الذي لا يوجد في الفرع - فإنه لا يعدي الحكم إلى الفرع. جوابه: يجاب عنه بجوابين:

стр. 2110

الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا الوجه الذي ذكرته لترجيح وصف المستدل أن يكون عِلَّة - وهو توسيع دائرة الأحكام - لأمرين: أولهما: أن هذا ليس مسلكا لإثبات كون الوصف عِلَّة. ثانيهما: أن هذا الاستدلال يؤدي إلى الدور؛ حيث يتوقف كونه عِلة على توسيع الأحكام، وتوسيع الأحكام يتوقف على كونه عِلَّة. الجواب الثاني: على فرض صحة هذا الوجه الذي ذكرته من وجه الترجيح، إلا أنه معارض بما يدل على ترجيح وصف المعترض، فالمعترض أيضا مجتهد قد أبدى لنا وصفا اعتبره هو عِلَّة الحكم، فإذا اعتبرنا وصف المستدل، ولم نقبل وصف المعترض، فقد تحكمنا وأثبتنا الحكم في الفرع، وإثبات حكم الفرع خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم الحكم في الفرع. الدليل الثاني: أن المستدل قد التزم بإيراد وصف يصح التعليل به، ومن ضرورة صحة التعليل بأي وصف سلامته مما يعارضه، أي: من شروط الوصف الذي يصلح للتعليل به أن لا يعارضه شيء من الأوصاف الأخرى كما سبق بيانه في المطلب التاسع عشر من المبحث الثالث من الفصل الثالث.

стр. 2111

المطلب الرابع بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه الذي اعترض به وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن حاصل المعارضة هو نفي ثبوت الحكم في الفرع بالعِلَّة التي ذكرها المستدل، ويكفي المعترض في تحقيق هذا النفي أن يثبت أن جملَّة المستدل غير مستقلة، ولا يحتاج المعترض في إثبات أن ما أبداه من الوصف مستقل بالتعليل؛ لأن إثبات كون ما أبداه جزء العِلَّة يحقق المطلوب، فما أبداه المعترض قد لا يكون عِلَّة بل جزء منَ العلَّة - وحينئذ فهو لا يؤثر - من حيث هو - في أصَل، حتى يقال يحتاج إلى أصل ودليل يشهد له.

стр. 2112

المطلب الخامس بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي اعترض به عن الفرع وهو مذهب الباجي، وبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن مقصود المعترض بإيراده للوصف الذي اعترض به على وصف المستدل هو: بيان الفرق بين الأصل والفرع، ولا يتم هذا المقصود إلا بنفي ما أبداه من الوصف عن الفرع؛ لأنه لا يتم مقصوده إلا بذلك، فوجب عليه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به. وقد ذكرت عدداً من الأمثلة على ذلك فيما سبق.

стр. 2113

المطلب السادس بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الأصل إذا أراد المستدل أن يجيب عن اعتراض المعترض بهذا القادح، فإنه يجيب بأحد الطرق التالية: الطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود الوصف الذي أورده المعترض في الأصل. مثاله: قول المستدل في وجوب القصاص من القاتل بالمثقل قياسا على القاتل بالمحدد بجامع: القتل العمد العدوان. فيقول المعترض: ليست العِلَّة كما ذكرت، بل هي: القتل العمد العدوان بجارح. فيجيب المستدل: أنا أمنع كون وصف " جارح " يضاف إلى العِلَّة وهي: القتل العمد العدوان؛ حيث إن العبرة بإزهاق الروح عن طريق العمد العدوان. الطريق الثاني: أن يبين المستدل أن الوصف الذي أبداه المعترض ملغى. مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الأرز بالأرز متفاضلاً؛ قياسا على البر بجامع الطعم. فيقول المعترض: ليست العلَّة كما ذكرت، ولكن العلَّة في الأصل هي: كونه مطعوما، وكون لونه يميل للحمرة.

стр. 2114

فيجيب المستدل بقوله: إن وصف الحمرة ملغى شرعا؛ لأنه وصف طردي لا يؤثر في الأحكام. الطريق الثالث: أن يبين المستدل أن ما ذكره قد استقل بالتعليل بظاهر نص أو إجماع، دون ما أبداه المعترض. مثال ذلك: قول المستدل: الأرز مطعوم، فيجري فيه الربا؛ قياسا على البر. فيقول المعترض: العِلَّة عندي هي: كونه مكيلاً. فيجيب المستدل بقوله: إن هناك نصا قد دزَ على اعتبار التعليل بالطعم، وهو قوله ﷺ : "الطعام بالطعام مثلاً بمثل ". الطريق الرابع: أن يبين المستدل استقلال وصفه بالتعليل، وذلك بإثبات الحكم في صورة دون وصف المعترض. مثاله: قول المستدل: إذا أمَّن العبد الحربي فإنه يجوز؛ لأنه أمان من مسلم عاقل، فجاز قياسا على الحر. فيقول المعترض: العلَّة في الاصل عندي هي: الإسلام، والعقل، والحرية؛ لأن الحرية تمكنه من إظهار مصالح الأمان أكمل. فيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من الإسلام والعقل مستقل بالتعليل، وذلك في صورة العبد الذي أذن له العبد في أن يقاتل، فيكون - على هذا - وصف الحرية ملغى.

стр. 2115

المبحث الثالث عشر في قادح المعارضة في الفرع ويشتمل على مطالب هي كما يلي: المطلب الأول: في بيان المراد منه وأقسامه. المطلب الثاني: في بيان حجيته. المطلب الثالث: في بيان كيفية الجواب عنه.

стр. 2116

المطلب الأول في بيان المراد منه، وبيان أقسامه المراد من قادح المعارضة في الفرع: أن يُبين المعترض في الفرع ما يقتضي نقيض حكم المستدل في الفرع إما بنص، أو إجماع، أو بوجود وصف مانع للحكم، أو بفوات شرط للحكم. أقسام هذا القادح: لقد تبين من التعريف أن هذا القادح ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: معارضة قياس المستدل بالنص أو الإجماع. فيذكر المعترض دليلاً آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل على خلاف ما دلَّ عليه قياسه، فيتبين بذلك أن ما ذكره المستدل فاسد الاعتبار؛ نظراً لمخالفة قياسه للنص أو الإجماع، وهذا مذكور في قادح فساد الاعتبار، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في المبحث الحادي عشر من هذا الفصل. القسم الثاني: معارضة قياس المستدل بالوصف. ومعناه: أن يقول المعترض: ما ذكرته أيها المستدل من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع إلا أن عندي وصفا آخر يقتضي نقيض الحكم الذي تريد إثباته. وهذا هو المراد من قادح المعارضة في الفرع.

стр. 2117

وينبغي أن تتنبه إلى أن هذا الوصف الذي أبداه المعترض يحتاج إلى أصل يرد إليه، ويحتاج إلى أن يكون ثابتا، ولا بد أن يكون ثبوته بمسلك من المسالك المثبتة لعلية الوصف، ولا يشترط أن يكون بالمسلك الذي أثبت به المستدل علية وصفه. فالمعترض - في هذا - كالمستدل في كيفية إثباته لعلية الوصف، فكما أن المستدل يحتاج لإثبات علية وصفه، فكذلك المعترض. مثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة عن حدث، فافتقرت إلى النية؛ قياساً على التيمم. فيقول المعترض: الوضوء طهارة بالماء، فلم تفتقر إلى النية؛ قياساً على إزالة النجاسة. فهنا المستدل قد استند إلى " أصل "، و " عِلَّة ": فالأصل هو: التيمم، والعِلَّة هي: الطهارة من الحدث. وهو يرى: أن هذه العلَّة يشترك فيها الفرع - الذي هو الوضوء - والأصل - الذي هو التيمم -، فيثبت في الفرع الحكم الثابت في الأصل وهو: وجوب النية. أما المعترض هنا فهو لم يسلم بهذا القياس، فأبدى في الفرع وصفاً آخر قد استند فيه إلى أصل آخر، وهذا الوصف هو: كونه طهارة بالماء، والأصل هو: إزالة النجاسة. وهذا الوصف الذي أبداه المعترض قد عارض به ثبوت حكم المستدل في الفرع: فيقتضي وصف المعترض في الفرع عدم وجوب النية، ويقتضي وصف المستدل وجوب النية، إذن اقتضى وصف المعترض في الفرع ضد ما اقتضاه وصف المستدل. "

стр. 2118

المطلب الثاني بيان حجيته قادح المعارضة في الفرع حُجَّة كقادح المعارضة في الأصل. أي: أن للمعترض إيراد المعارضة في الفرع - هو رأي جمهور العلماء - وهو الحق؛ لأن مقصود المستدل إثبات حكم الأصل في الفرع بواسطة العلَّة المشتركة بينهما، وهذا المقصود لا يمكن أن يتم إلا إذا غلب على الظن عدم وجود المعارض لتلك العلَّة؛ حيث إنا قد بينا في المطلب التاسع عشر من المبحث الثالث من الفصل الثالث: أنه يشترط في العِلَّة عدم وجود ما يعارضها.

стр. 2119

المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الفرع المستدل يجيب عما أورده المعترض في المعارضة في الفرع بما يرد على المستدل من اعتراضات ابتداء. فيقول المستدل - مثلاً -: إن قياسك الذي عارضتني به فاسد الوضع، أو فاسد الاعتبار، أو علتك التي استندت إليها منقوضة، أو غير مؤثرة، أو الحكم في الأصل ممنوع، أو إلى آخر تلك الأجوبة التي ترد على المستدل ابتداء قدحا في قياسه. تنبيه: بعض العلماء ذكر بعد ذلك قادح الفرق وتكلم عنه على أنه قادح منفرد. والحق: أنه لا يخرج عن قادح المعارضة في الأصل أو في الفرع لذلك ترك ذكره كثير من العلماء. والجواب عنه لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل والفرع.

стр. 2120

المبحث الرابع عشر في قادح عدم التأثير ويشتمل على ما يلي من المطالب: المطلب الأول: بيان المراد منه. المطلب الثاني: بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى إذا كانت علته مستنبطة. المطلب الثالث: أقسامه. المطلب الرابع: كيفية الجواب عنه. المطلب الخامس: بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث.

стр. 2121

المطلب الأول بيان المراد من قادح عدم التأثير المراد منه: أن يبين المعترض أن الوصف الذي ذكره المستدل لا مناسبة فيه للحكم، ولا أثر له فيه فيبقى الحكم بدون ذلك الوصف. أي: أن تأثير العلَّة في الحكم معناه: انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف في نفس المحل الذي ثبتت علية الوصف فيه، فيكون على هذا معنى عدم التأثير: وجود الحكم بدون الوصف في المحل الذي ثبتت عليته فيه. مثاله: قول المستدل: الغائب مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه كالطير في الهواء. فهنا: جعل المستدل العِلَّة في عدم صحة بيع الطير في الهواء: كونه غير مرئي ليلحق الغائب به في هذه العِلَّة. فيقول المعترض: هذه العلَّة لا تأثير لها في الأصل المقاس عليه، - وهو الطير -؛ لأن عدمَ الصحة يوجد في الطير ولو كان مرئيا؛ حيث إنه معلوم أن الطير في الهواء لا يجوز بيعه، سواء كان مرئيا أو غير مرئي؛ لعدم القدرة على تسليمه، إذن يكون الوصف الذي ذكره المستدل غير مؤثر في الحكم؛ لوجود الحكم بدونه.

стр. 2122

المطلب الثاني بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى إذا كانت علته مستنبطة لقد اتضح من تعريف قادح عدم التأثير: أن معناه: أن الوصف لا مناسبة فيه للحكم، وهذا يجعل هذا القادح مختصا بقياس المعنى وهو: ما ثبتت فيه علية الوصف المشترك بين الأصل والفرع بالمناسبة؛ حيث إنه هو الذي يشتمل على المناسب. أما غيره كقياس الشبه، فلا يتصور معه قادح عدم التأثير؛ لأن المستدل بقياس الشبه لم يقيم قياسه فيه على المناسبة، فلا يمكن أن يرد عليه هذا القادح. كذلك هذا القادح خاص بالعلَّة المستنبطة الاجتهادية المختلف فيها، فلا يتصوَّر في العلَّة المنصوصة، ولا المستنبطة المجمع عليها، وذلك لأن كلًّا من المنصوصة والمجمع عليها لا بدَّ فيهما من المناسبة؛ صونا للنص والإجماع عن الخطأ، ومن هنا لا يصح أن يرد عليهما هذا القادح، وهو عدم التأثير. أما المستنبطة فنظراً لكونها واردة من المجتهد، ومن فعله واستنباطه فإنه يرد عليها هذا القادح، وهو عدم تأثيرها.

стр. 2123

المطلب الثالث أقسام عدم التأثير ينقسم هذا القادح إلى أربعة أقسام: القسم الأول: عدم التأثير في الوصف. القسم الثاني: عدم التأثير في الأصل. القسم الثالث: عدم التأثير في الحكم. القسم الرابع: عدم التأثير في الفرع. أما القسم الأول - وهو: عدم التأثير في الوصف - فهو: أن يبين المعترض أن الوصف الذي أورده المستدل في قياسه طرديا، لا مناسبة فيه، ولا شبه. مثاله: قول المستدل: صلاة الصبح صلاة لا تقصر، فلا يقدم آذانها قبل وقتها، قياسا على صلاة المغرب. فيقول المعترض: إن الوصف الذي عللت به - وهو عدم القصر - إنما هو تعليل بوصف طردي لا مناسبة فيه لعدم التقديم بدليل: أن عدم التقديم للآذان موجود حتى في الصلاة التي تقصر. أما القسم الثاني - وهو: عدم التأثير في الأصل - فهو: أن يُبين المعترض أن الوصف الذي علل به المستدل في الأصل الذي قاس عليه مستغنى "عنه، ويذكر - أي: المعترض - وصفا آخر فيه مستقلاً بإثبات الحكم.

стр. 2124

مثاله: قول المستدل: المبيع الغائب مبيع لم يره العاقد، فلا يجوز بيعه؛ قياسا على الطير في الهواء. فيقول المعترض: إن ما ذكرته من الوصف - وهو: عدم الرؤية - وإن كان مناسباً لنفي الصحة، إلا أنه يغني عنه وصف عدم القدرة على التسليم، فيكون ما ذكرته وصفا غير مؤثر في حكم هذا الأصل؛ نظراً لوجود وصف آخر يغني عنه؛ حيث إن المؤثر في الحكم هو وصف القدرة على التسليم، وعلى هذا: فإنه لو حصلت الرؤية ولم تتحقق القدرة على التسليم، فإن البيع لا يصح. أما القسم الثالث - وهو: عدم التأثير في الحكم - فهو: أن يُبين المعترض أن المستدل قد ذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل، أو تقول: معناه: أن تكون العِلَّة مشتملة على وصف مستغنى عنه في إثبات الحكم؛ حيث إن الحكم يثبت بدونه. مثاله: قول المستدل: صلاة الجمعة صلاة مفروضة، فلا تفتقر إلى إذن الإمام لإقامتها؛ قياسا على غيرها من الصلوات المفروضة. فيقول المعترض: إن وصف " مفروضة " الوارد في قياسك لا تأثير له في حكم الأصل، فلا حاجة إليه؛ حيث إنه لو حذف، فإن العِلَّة لا تنتقض؛ لأن الفرض والنفل في هذا سواء في أن كلاً منهما لا يحتاج إلى إذن الإمام. مثال آخر: قول المستدل: المرتد ترك الصلاة بمعصية فقضاؤها يجب عليه؛ قياسا على السكران. فيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته - وهو: المعصية - لا تأثير له في إثبات حكم الأصل؛ حيث إن السكران يجب عليه قضاء

стр. 2125

الصلاة، وإن لم يكن عاصيا بسكره؛ كما لو شرب الخمر مكرها، أو شربه لإزالة لقمة قد غص بها. أما القسم الرابع - وهو: عدم التأثير في الفرع - فهو: أن يُبين المعترض أن المستدل قد ذكر وصفا وإن كان مناسبا، إلا أنه لا يوجد في جميع صور الفرع. مثاله: قول المستدل: المرأة التي تولت عقد نكاحها زوجت نفسها بغير إذن وليها وبغير كفء، فلم يصح نكاحها؛ قياساً على ما لو زوجها وليها بغير كفء. فيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته وهو: وصف الزواج بغير كفء وإن كان مناسبا لعدم صحة النكاح، إلا أنه لا يوجد في جميع صور الفرع وهو: تزويج المرأة انفسها مطلقا بكفء وبغير كفء. أي: أن كون الزواج من غير كفء لا أثر له؛ لأن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها مطلقا: من الكفء أو من غير الكفء، وحكمهما سواء فلا أثر له.

стр. 2126

المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح عدم التأثير لقد قلنا: إن قادح عدم التأثير ينقسم إلى أربعة أقسام وهي: عدم التأثير في الوصف. عدم التأثير في الأصل. عدم التأثير في الحكم. عدم التأثير في الفرع. ولكل قسم جواب، ولبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي: أولاً: قد تبين أن عدم التأثير في الوصف - وهو القسم الأول - معناه: كون الوصف لا مناسبة فيه، ولا شبه، فيكون طرديا، وهو بهذا التفسير راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة الذي فصلنا الكلام عنه في المبحث السادس من هذا الفصل، فيكون - على هذا - الجواب عنه مثل الجواب عن قادح منع كون الوصف علَّة، فارجع إليه. ثانياً: قد تبين أن عدم التأثير في الأصل - وهو القسم الثاني - معناه: كون الوصف الذي ذكره المستدل في الأصل مستغنى عنه بالوصف الذي أظهره المعترض، وهو بهذا التفسير راجع إلى قادح المعارضة في الأصل بمعنى آخر؛ وذلك لأن المستدل يذكر وصفا، والمعترض يذكر وصفا آخر، وقد فصلنا الكلام عن ذلك في المبحث

стр. 2127

الثاني عشر من هذا الفصل، وعلى هذا يكون الجواب عن هذا القسم هو نفس الجواب عن قادح المعارضة في الأصل. ثالثاً: قد تبين أن عدم التأثير في الحكم - وهو القسم الثالث - معناه: أن يذكر المستدل وصفة لا تأثير له في الحكم، وهو بهذا التفسير راجع إلى القسم الأول - وهو: كون الوصف لا تأثير له وهو الطردي، وإذا كان راجعا إلى القسم الأول، والقسم الأول - كما قلنا - راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة، فيكون - على هذا - جوابه نفس جواب قادح منع كون الوصف عِلَّة. رابعا: قد تبين أن عدم التأثير في الفرع - وهو القسم الرابع - معناه: اشتمال عِلَّة المستدل على وصف مقيد بصورة من محل الخلاف، بحيث لا تطرد العِلَّة معه في جميع صور محل الخلاف، وهو بهذا التفسير راجع إلى القسم الثالث - وهو عدم تأثير الوصف في الحكم -، وذلك لأن الوصف الذي ورد مقيداً بصورة جعل العِلة لا تطرد معه في جميع صور الفرع، فكان الوصف مع وجوده غير مؤثر في الحكم في جميع صور الفرع، وإذا كان راجعا إلى القسم الثالث، والقسم الثالث راجع - كما قلنا - إلى القسم الأول، والقسم الأول راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة: فيكون - على هذا - الجواب عن هذا القسم هو نفس الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة المذكور بالتفصيل في المبحث السادس من - هذا الفصل. وإليك مثالاً على طريقة الجواب عن هذا القادح وهو: قول المستدل: المرأة المرتدة كفرت بعد إسنلام، فتستحق القتل قياسا على الرجل.

стр. 2128

فيقول المعترض: قولك: " كفرت بعد إسلام " وصف لا تأئير له في حكم الأصل وهو الرجل؛ لأن الرجل يقتل بالكفر وإن كان أصلياً. فيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي ذكرته قد ثبت تأثيره بالنص، وهو قوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغيرحق ".

стр. 2129

المطلب الخامس بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث لو دققت النظر لوجدت أن الأقسام الأربعة قد انحصرت في قسمين فقط وهما: القسم الأول: عدم التأثير في الوصف. القسم الثاني: عدم التأثير في الأصل. أما القسم الأول: فهو راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة. وأما القسم الثاني: فهو راجع إلى قادح المعارضة في الأصل. فإذا كان الأمر كذلك، فما سبب إفراده بهذا المبحث؟ أقول: إن سبب ذلك هو كثرة استعمال العلماء له على هذا المصطلح في مناظراتهم ومجادلاتهم، ومناقشاتهم، ومحاوراتهم في الفروع، حيث إنهم كثيراً ما يرددون قولهم: " إن عدم التأثير موجب لفساد العِلَّة ".

стр. 2130

المبحث الخامس عشر في قادح الكسر ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: بيان المراد منه. المطلب الثاني: بيان حجيته. المطلب الثالث: بيان كيفية الجواب عنه.

стр. 2131

المطلب الأول بيان المراد من قادح الكسر المراد منه: أن يُبين المعترض عدم تأثير أحد وصفي العِلَّة ونقض الوصف الآخر. ومعناه؛ أن العِلَّة تكون مركبة من وصفين: أحدهما: لا تأثير له، أي: يوجد الحكم بدونه. الثاني: أنه منقوض، أي: يوجد، والحكم يتخلف عنه. فالكسر - على هذا - مركب من قادحين قد سبق الكلام عنهما، هما: ١ - قادح النقض الذي سبق الكلام عنه في المطلب الثامن من هذا الفصل. ٢ - قادح عدم التأثير الذي سبق الكلام عنه في المطلب الرابع عشر من هذا الفصل. مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الغائب؛ لأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلم يصح؛ قياساً على ما لو قال: بعتك ثوبا. فيقول المعترض: هذا القياس منكر بما لو عقد على امرأة لم يرها؛ فإنها مجهولة الصفة عند العاقد حال العقد، ومع ذلك صح العقد.

стр. 2132

فالعِلة في هذا القياس مركبة من وصفين هما: " كونه مبيعا "، و" كونه مجهول الصفة ". والمعترض لم يعتبر الوصف الأول - وهو: كونه مبيعا -؛ لأنه لا تأثير له عنده؛ حيث إن المرهون والمستأجر كالمبيع. أما الوصف الثاني - وهو: كونه مجهول الصفة - قد نقضه المعترض بقوله: ليس كل مجهول الصفة لا يصح العقد عليه؛ حيث إنه يصح العقد على امرأة لم يرها.

стр. 2133

المطلب الثاني بيان حجية قادح الكسر هذا القادح حُجَّة، أي: للمعترض أن يوجه هذا القادح إلى عِلَّة المستدل المتكونة من أوصاف، وهو مذهب البيضاوي، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي الوليد الباجي، وتاج الدين ابن السبكي، والإسنوي، وفخر الدين الرازي، وهو الحق عندي؛ لأن العِلَّة إما أن تكون مجموع أوصاف، وإما أن تكون بعضا منها. أما كونها مجموع الأوصاف فباطل؛ لأن المعترض قد بين أن أحد هذه الأوصاف لا أثر له. فلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو كون بعض الأوصاف هو العلَّة، والمعترض - في هذا القادح - قد أورد على الوصف الباقي النقض، فيكون باطلاً. اعتراض: قال قائل - معترضاً -: إن هذا القادح وهو الكسر يؤول في نهاية الأمر إلى النقض، فلا داعي لذكره منفرداً. جوابه: إنه يوجد فرق بينهما، والفرق من وجهين: الوجه الأول: أن الكسر وإن آل إلى النقض - وهو نقض ما ثبت أنه عِلَّة - إلا أنا لم نتوصل إلى ذلك إلا بعد أن سبقه مرحلة وهي: بيان عدم تأثير أحد الوصفين. الوجه الثاني: أن الكسر - كما اتضح من حقيقته - لا يكون إلا في العِلَّة المركبة من وصفين أو أكثر.

стр. 2134

المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح الكسر يجيب المستدل عن هذا القادح بأحد طريقين هما: الطريق الأول: أن يبين المستدل أن ما أسقطه المعترض وصف مؤثر بدليل يقيمه على ذلك، أو أن يبين أن هذا الوصف هو مؤثر عنده فقط، بيان ذلك: إن أسقط المعترض وصفا مؤثرأ، فإن المستدل له أن يبين أن ما أسقطه من الوصف هو مؤثر بأن يقيم الدليل على كونه مؤثرا. مثاله: قول المستدل: إن كل ما تحقق فيه الطعم مطعوم جنس، فلا يجوز التفاضل في بيعه؛ قياسا على البر. فيقول المعترض: وصف الطعم الذي ذكرته منقوض ببيع الحنطة بالشعير فهما مطعومان، ولا يحرم التفاضل بينهما. فيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي أسقطته وهو: "الجنس " هو وصف مؤثر قد ثبت ذلك بالدليل، وهو قوله ﷺ : " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد "، وما دل عليه الدليل الشرعي الصحيح، فلا يجوز إسقاطه. وإن أسقط المعترض وصفا قد اختلف في تأثيره، فإن المستدل له أن يبين أن ما أسقطه المعترض هو مؤثر عنده، وإن لم يكن مؤثرا عند المعترض.

стр. 2135

الطريق الثاني: أن يبين المستدل فرقا بين ما ذكره هو وبين ما أورده المعترض في صورة الكسر. مثاله: ما سبق وهو: قياس المستدل بيع الغائب على ما لو قال: بعتك ثوبا. فقال المعترض؛ هذا منكسر بما إذا عقد على امرأة لم يرها. فيجيب المستدل بقوله: إن هناك فرقا بين ما أوردته من العلَّة، وما أوردته - أيها المعترض -، فالنكاح ليس كالبيع في الجهالة؛ لأن للجهالة في التأثير في عقد البيع ما ليس لها في عقد النكاح؛ حيث يثبت الخيار بعد الرؤية في عقد البيع، ولا يثبت في عقد النكاح.

стр. 2136

المبحث السادس عشر في قادح القلب ويشتمل على مطالب هي: المطلب الأول في بيان المراد منه. المطلب الثاني: في بيان حجيته، وأنه من باب المعارضة، وليس من باب الإفساد. المطلب الثالث: في بيان أنواعه. المطلب الرابع: في بيان كيفية الجواب عنه.

стр. 2137

المطلب الأول المراد من قادح القلب المراد منه: أن يبين المعترض حكما مخالفا لحكم المستدل بعِلَّة المستدل وأصل المستدل. مثاله: قول المستدل: إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث. فيقول المعترض: إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فيجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث. فهنا قد اتفق المستدل والمعترض في العلَّة والأصل - كما تلاحظ - ولكن المستدل أورد قياسه لإثبات عدم جَواز إزالة النجاسة بغير الماء. أما المعترض فقد قلب على المستدل استدلاله، وقد استند إلى علَّة المستدل وأصله؛ حيث أثبت بواسطتهما حكما في الفرع مخالفا للحكم الذي أثبته المستدل.

стр. 2138

المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة قادح القلب حُجَّة، أي: قادح في العِلَّة، وهو مذهب كثير من العلماء، منهم الباقلاني، والآمدى، وفخر الدين الرازي، وإمام الحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو يعلى، وتلميذاه: أبو الخطاب، وابن عقيل، والدبوسى، والسرخسي، والقرافي، والباجي، وغيرهم، وهو الحق؛ قياسا على الاستدلال بالنص الشرعي، فكما أن النص الشرعي يستعمله المستدل للاستدلال به على حكم شرعي، ويستعمله المعترض للاستدلال به على حكم آخر كما في قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار "، فقد استدل به المستدل على أن الغاصب لخشبة قد وضعها في بنائه لا يؤمر بنقض بنائه لأجل ذلك المغصوب " لأن في ذلك إضرارا به. واستدل المعترض - أيضا - بهذا النص على أن منع صاحب الخشبة المغصوبة منه لا يجوز؛ لأنها ملك له، ففي منعه حقه إضرار فإذا جازت المشاركة في الاستدلال من النص، جازت المشاركة في الاستدلال بالعِلَّة، لأن النص أصل للقياس، والمعترض قد شارك - هنا - المستدل في عِلَّته. وإذا ثبت أن القلب قادح في العلة فهو من باب المعارضة، وليس

стр. 2139

من باب الإفساد، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الحق؛ بدليل: أن القلب لو كان مفسداً للعلَّة لما صح من المعترض إيراد القلب؛ إذ كيف يستند المعترض إلى علَّة يرى أنها فاسدة، فالعلَّة عند المعترض في قادح القلب - كما قلنَا سابقا - صحيحة، ولكن استعملها المستدل في غير وجهها، كما استعمل بعض المجتهدين النص على غير وجهه الصحيح.

стр. 2140

المطلب الثالث في بيان أنواعه وهو يتنوع إلى أنواع، إليك بيانها: النوع الأول: قلب الغرض منه إبطال مذهب المستدل صراحة، أو ضمنا. مثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل صراحة: قول المستدل - على وجوب مسح ربع الرأس -: مسح الرأس ركن في الوضوء، فيكفي فيه أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه. فيقول المعترض: مسح الرأس ركن في الوضوء، فلا يكفي فيه الربع كالوجه. فكان هذا القياس مبطلاً لمذهب المستدل صراحة؛ حيث إن قياس المعترض نتج عنه: أن مسح الرأس لا يكفي فيه الربع، وقياس المستدل نتج عنه: أن مسح الربع يكفي. ومثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل ضمنا وإلزاما: قول المستدل - للاستدلال على اشتراط الصوم في الاعتكاف -: الاعتكاف لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة. فيقول المعترض: الاعتكاف لبث محض، فلا يشترط الصوم في صحته؛ قياساً على الوقوف بعرفة.
следующие страницы →