← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المبحث السادس عشر في قادح القلب ويشتمل على مطالب هي: المطلب الأول في بيان المراد منه. المطلب الثاني: في بيان حجيته، وأنه من باب المعارضة، وليس من باب الإفساد. المطلب الثالث: في بيان أنواعه. المطلب الرابع: في بيان كيفية الجواب عنه.

стр. 2137

المطلب الأول المراد من قادح القلب المراد منه: أن يبين المعترض حكما مخالفا لحكم المستدل بعِلَّة المستدل وأصل المستدل. مثاله: قول المستدل: إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث. فيقول المعترض: إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فيجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث. فهنا قد اتفق المستدل والمعترض في العلَّة والأصل - كما تلاحظ - ولكن المستدل أورد قياسه لإثبات عدم جَواز إزالة النجاسة بغير الماء. أما المعترض فقد قلب على المستدل استدلاله، وقد استند إلى علَّة المستدل وأصله؛ حيث أثبت بواسطتهما حكما في الفرع مخالفا للحكم الذي أثبته المستدل.

стр. 2138

المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة قادح القلب حُجَّة، أي: قادح في العِلَّة، وهو مذهب كثير من العلماء، منهم الباقلاني، والآمدى، وفخر الدين الرازي، وإمام الحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو يعلى، وتلميذاه: أبو الخطاب، وابن عقيل، والدبوسى، والسرخسي، والقرافي، والباجي، وغيرهم، وهو الحق؛ قياسا على الاستدلال بالنص الشرعي، فكما أن النص الشرعي يستعمله المستدل للاستدلال به على حكم شرعي، ويستعمله المعترض للاستدلال به على حكم آخر كما في قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار "، فقد استدل به المستدل على أن الغاصب لخشبة قد وضعها في بنائه لا يؤمر بنقض بنائه لأجل ذلك المغصوب " لأن في ذلك إضرارا به. واستدل المعترض - أيضا - بهذا النص على أن منع صاحب الخشبة المغصوبة منه لا يجوز؛ لأنها ملك له، ففي منعه حقه إضرار فإذا جازت المشاركة في الاستدلال من النص، جازت المشاركة في الاستدلال بالعِلَّة، لأن النص أصل للقياس، والمعترض قد شارك - هنا - المستدل في عِلَّته. وإذا ثبت أن القلب قادح في العلة فهو من باب المعارضة، وليس

стр. 2139

من باب الإفساد، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الحق؛ بدليل: أن القلب لو كان مفسداً للعلَّة لما صح من المعترض إيراد القلب؛ إذ كيف يستند المعترض إلى علَّة يرى أنها فاسدة، فالعلَّة عند المعترض في قادح القلب - كما قلنَا سابقا - صحيحة، ولكن استعملها المستدل في غير وجهها، كما استعمل بعض المجتهدين النص على غير وجهه الصحيح.

стр. 2140

المطلب الثالث في بيان أنواعه وهو يتنوع إلى أنواع، إليك بيانها: النوع الأول: قلب الغرض منه إبطال مذهب المستدل صراحة، أو ضمنا. مثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل صراحة: قول المستدل - على وجوب مسح ربع الرأس -: مسح الرأس ركن في الوضوء، فيكفي فيه أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه. فيقول المعترض: مسح الرأس ركن في الوضوء، فلا يكفي فيه الربع كالوجه. فكان هذا القياس مبطلاً لمذهب المستدل صراحة؛ حيث إن قياس المعترض نتج عنه: أن مسح الرأس لا يكفي فيه الربع، وقياس المستدل نتج عنه: أن مسح الربع يكفي. ومثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل ضمنا وإلزاما: قول المستدل - للاستدلال على اشتراط الصوم في الاعتكاف -: الاعتكاف لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة. فيقول المعترض: الاعتكاف لبث محض، فلا يشترط الصوم في صحته؛ قياساً على الوقوف بعرفة.

стр. 2141

فكما تلاحظ فإن المستدل أراد بقياسه: إثبات اشتراط انضمام أمر إلى الاعتكاف؛ حيث إن الاعتكاف بنفسه لا يكفي؛ كما هو الحال في الوقوف بعرفة؛ حيث لا بد فيه من الإحرام، والأمر الذي يريد المستدل أن ينضم إلى الاعتكاف هو الصوم إلا أنه لم يصرح به. والمعترض - كما تلاحظ - قد صرح بالحكم الذي يريد إثباته؛ فهو قلب على المستدل استدلاله باعتماده على أصل المستدل وعلته، مثبتا في الفرع حكما مخالفا لحكم المستدل، وهو بفعله هذا قد أبطل مذهب المستدل الذي لم يصرح به. النوع الثاني: قلب التسوية وهو: أن يكون في الأصل حكمان: أحدهما: منتف عن الفرع بالاتفاق بين المعترض والمستدل، والحكم الآخر مختلف فيه بينهما، فإذا قام المستدل بإثبات ذلك المختلف فيه بالقياس على الأصل اعترضه المعترض بوجوب التسوية بين الحكمين في الفرع بالقياس على الأصل، فيلزم من وجوب التسوية بينهما في الفرع إبطال مذهب المستدل. أي: أنه من لازم ثبوت هذه المساواة بين الحكمين في الفرع: أن لا يثبت الحكم الذي أراده المستدل في الفرع؛ لأنه بالمساواة التحق بالحكم المتفق على انتفائه عن الفرع. مثاله: قول المستدل - للاستدلال على وقوع طلاق المكرَه -: المكرَه مكلف مالك للعصمة، فيقع عليه الطلاق؛ قياسا على المختار. فيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة، فيستوي فيه إقراره بالطلاق، وإيقاع الطلاق؛ قياسا على المختار.

стр. 2142

فهنا تلاحظ: أن الأصل الذي استند عليه المستدل في قياسه قد اشتمل على أمرين هما: " الإقرار بالطلاق "، و " إيقاع الطلاق ". وحكم الأول - وهو الإقرار بالطلاق - فقد اتفق على نفيه المستدل والمعترض، أي: اتفقا على أن المكرَه لا يؤخد بإقراره بالطلاق؛ لسلب الاختيار عنه. أما حكم الثاني - وهو إيقاع الطلاق - فقد اختلف المستدل والمعترض فيه. فالمستدل أراد بقياسه إثبات هذا الحكم - وهو إيقاع الطلاق في الفرع - وهو المكرَه - وهو قول الحنفي. والمعترض - وهو الشافعي - بين المساواة بين الحكمين في الفرع، ومن لازم التسوية بينهما: أن ينتفي الحكم هذا، وهو إيقاع الطلاق الذي أراد المستدل إثباته في الفرع - وهو المكرَه -. النوع الثالث: قلب العِلَّة حكما والحكم عِلَّة، وهو: أن يورد المستدل قياسه الذي اشتملَ على أصل وعِلَّة وحكم لإثبات ذلك الحكم في فرع يرى أنه وجدت فيه عِلَّة الأصل، فينظر المعترض في قياس المستدل، فيقلب ما كان عِلَّة إلى حكم، وما كان حكما إلى علة؛ لبيان أن ما جعله المستدل علَّة لا يصح أن يكون عِلَّة؛ نظرا لصحة جعله حكما، فيلزم من ذلك: أن لا يثبت في الفرع الحكم الذي أراد المستدل إثباته فيه. مثال ذلك: قول المستدل: يصح ظهار الذمي؛ لأن من صح طلاقه صح ظهاره؛ قياسا على المسلم. فيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره.

стр. 2143

فهنا المستدل - كما تلاحظ - أورد قياسه لإثبات أن الذمي إذا صدر منه الظهار، فإن ظهاره يقع صحيحا، والأصل الذي قاسه عليه هو السلم، والعِلَّة: صحة الطلاق، والحكم: صحة الظهار، وهذه العِلَّة قد وجدت في الفرع، وهو الذمي؛ حيث يصح طلاقه، فحينئذٍ يثبت فيه الحكم، وهو صحة الظهار. أما المعترض فإنه - كما تلاحظ - نظر إلى العِلة والحكم الذين قد اشتمل عليهما أصل المستدل فقلبهما، فجعل ما هو عِلَّة حكما، وما هو حكم علَّة؛ حيث جعل العِلَّة صحة الظهار، والحكم هو: حُجَّة الطلاق. فيلزم من هذا: أن لا يثبت في الفرع - الذي هو الذمي - الحكم الذي أراد المستدل إثباته فيه، فلا يصح الظهار منه؛ لأن العِلَّة التي استند إليها المستدل لم تصح لإثبات ما أراده.

стр. 2144

المطلب الرابع في بيان كيفية الجواب عن قادح القلب يختلف جواب المستدل عن قادح القلب باختلاف أنواعه، ولبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي: أولاً: الجواب عن النوع الأول: يكون جواب المستدل عن قادح القلب الذي يبديه المعترض في هذا النوع بما يرد على العلَّة المبتدأة: فيورد المستدل من أوجه الجواب ما يورده على علَّة المعترض، كما لو كان المعترض قد جاء بعلَّة أخرى غير العِلَّة التي قد جاء بها المستدل، فله - أي: للمستدل - أن يجيب بعدم التأثير أو بفساد الوضع، أو بفساد الاعتبار، أو بمنع وجود العلَّة في الأصل، أو بمنع وجودها في الفرع، أو بترجيح علته على عِلَّة المعترض. مثال ذلك؛ قول المستدل: الرأس ممسوح، فلا يجب استيعابه بالمسح؛ قياساً على الخف. فيقول المعترض: الرأس ممسوح، فلا يقدر مسحه بالربع؛ قياسا على الخف. فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو: أن مسح الخف لا يتقدر بالربع.

стр. 2145

فهنا: المستدل قد منع الحكم الذي في الأصل؛ حيث اعتمد عليه المعترض في قلبه قياس المستدل، وفعل ذلك المستدل لأجل أن يصح قياسه. ثانياً: الجواب عن النوع الثاني - وهو: قلب التسوية - يكون بما تقدم في النوع الأول. ويزاد في الجواب عن هذا النوع: بأن يبين المستدل الفرق بين ما يرى المعترض أنهما متساويان. مثاله: نفس المثال السابق في النوع الثاني وهو: قياس المكرَه على المختار في وقوع طلاق كل منهما بجامع: أن كلًّا منهما مكلف مالك. فيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة فيستوي فيه إقراره بالطلاق، وإيقاع الطلاق. فيجيب المستدل بقوله: أنا لا أسلم التسوية بين إيقاع الطلاق والإقرار به؛ بل بينهما فرق، ووجه الفرق: أن الإقرار بالطلاق يدخله الصدق والكذب، أما الإيقاع به فإنه لا يحتمل ذلك، بل إذا وجد وقع. ثالثا: الجواب عن النوع الثالث - وهو: قلب العِلَّة حكما، وقلب الحكم عِلَّة - يكون بما تقدم من الأجوبة عن النوع الأول، لا سيما الجواب بأن يرجح المستدل تعليله على تعليل المعترض بأحد أوجه الترجيح. مثاله: نفس المثال السابق في النوع الثالث وهو: أن يقيس المستدل الذمي على المسلم في صحة الظهار منه بجامع: أن كلا منهما يصح منه الطلاق.

стр. 2146

فيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره. فيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من التعليل يرجح على ما ذكرته - أيها المعترض - وسبب الترجيح: أن التعليل الذي ذكرته تكون العلَّة فيه متعدية؛ حيث إن تعليل صحة ظهار المسلم بصحة طلاقه، يجعل العِلَّة متعدية إلى الفرع الذي هو الذمي؛ حيث إن الذمي يصح طلاقه، فيصح ظهاره. أما التعليل الذي ذكرته - أيها المعترض - تكون العلَّة فيه قاصرة، فلا تتعدى إلى الفرع؛ حيث إنك - أيها المعترض - لما قلبت هذا الأصل بأن كانت صحة ظهار المسلم عِلَّة لصحة طلاقه، فهذا يجعل العِلة غير متعدية للفرع، فلا يثبت فيه الحكم وهو صحة الظهار من الذمي. ومعروف أن العِلَّة المتعدية أَوْلى من القاصرة؛ حيث إن فيه تعميما للأحكام الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة؛ لأن الأصل تعميم الأحكام.

стр. 2147

المبحث السابع عشر في قادح القول بالموجب ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: بيان المراد منه. المطلب الثاني: أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع. المطلب الثالث: في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل.

стр. 2148

المطلب الأول بيان المراد من قادح القول بالموجَب - بفتح الجيم - المراد منه: أن يسلم المعترض مقتضى قياس أو تعليل المستدل مع بقاء الخلاف بينهما في الحكم المتنازع فيه. مثاله: قول المستدل: يقتص ممن وجب عليه القصاص وإن كان قد لجأ إلى الحرم؛ لأنه قد وجد منه سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه منه جائزاً. فيقول المعترض: أنا أقول بموجب تعليلك هذا، فاستيفاء القصاص جائز عندي، لكن الخلاف بيني وبينك في جواز استيفائه في الحرم، وليس في تعليلك ما يدل على جوازه.

стр. 2149

المطلب الثاني أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع يتنوع القول بالموجب إلى نوعين هما: النوع الأول: ما يكون القول بالموجب فيه يرد على دليل يكون المطلوب به إبطال مذهب الخصم. ويعبر بعض العلماء عن ذلك بالقول بالموجب الذي يقع في جانب النفي. وهو قسمان: القسم الأول: أن يكون المطلوب نفي الحكم، فيكون اللازم من دليل المستدل نفي كون شيء معين موجبا لذلك الحكم. مثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل لا تفاوت بينه وبين القتل بالمحدد إلا في آلة القتل، والآلة وسيلة للقتل، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص كالتفاوت في محل المتوسل إليه مثل كون المقتول صغيراً، أو كبيراً، أو غنياً، أو فقيراً. فيقول المعترض: نعم أنا أقول بموجبه وهو: أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص. لكن لِمَ لا يمتنع القصاص لشيء آخر غير التفاوت كوجود مانع اَخر، أو فقد شرط، أو عدم المقتضى؛ وما ذكرته أيها المستدل لا يقتضي امتناع شيء من ذلك.

стр. 2150

القسم الثاني: أن يكون المطلوب نفي علية ما هو علَّة الحكم عند الخصم، ويكون اللازم من القياس نفي عليه ملزوم علته. مثاله: قول المستدل - في أن الإجارة لا تنفسخ بالموت -: إن الموت معنى يزيل التكليف، فلا تنفسخ فيه الإجارة؛ قياساً على الجنون، فإنه كذلك. فيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك وهو: أن الإجارة لا تنفسخ بالموت، وإنما ينفسخ عقده فقد حدث ما يقتضي ذلك، وهو زوال الملك، ولهذا قال العلماء: لو باع العين المستأجرة انفسخت الإجارة. كيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟ يجيب بأحد طريقين: الطريق الأول: أن يُبين المستدل لزوم حكم محل النزاع بوجود مقتضيه مما ذكره في دليله إن أمكنه بيانه كأن يقول المستدل في المثال السابق: يلزم من كون التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص: وجود مقتضى القصاص، فيقول - أي المستدل -: إذا سلمت - أيها المعترض -: أن تفاوت الآلة لا يمنع القصاص: فالقتل المزهق هو المقتضي، والتقدير: أنه موجود. الطريق الثاني: أن يُبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له في الدليل إما بإقرار، أو اعتراف من المعترض بذلك. مثاله: قول المستدل: الدين لا يمنع وجوب الزكاة. فيقول المعترض: أنا أسلم أن الدين لا يمنع الزكاة، لكن لِمَ قلت: إن الزكاة تثبت؟

стр. 2151

فيجيب المستدل بقوله: إن هذا القول بالموجب لا يسمع؛ لأن محل النزاع في هذه المسألة مشهور، وهو: - هل الزكاة تجب مع الدين؟ ومع الشهرة لا يقبل العدول عنها. النوع الثاني: أن يكون المطلوب فيه إثبات الحكم في الفرع، ويكون اللازم من دليل المستدل ثبوته في صورة ما من الجنس. مثاله: قول المستدل: تجب الزكاة في الخيل، لأنه حيوان تجوز المسابقة عليه؛ قياساً على الإبل. فيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك، ومن هنا وجبت فيه زكاة التجارة، لكن النزاع ليس في زكاة التجارة، إنما هو في زكاة عينه، ودليلك أيها المستدل إنما يقتضي وجوب أصل الزكاة، ولا يلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه. كيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟ يجيب المستدل بنفي أن يكون هذا من القول بالموجب بأن يقول في المثال السابق: إن هذا ليس من القول بالموجب؛ لأن كلامنا في زكاة العين، والنزاع فيها، فحينما قلنا: تجب الزكاة فيها انصرف الذهن إليها؛ لأن الألف واللام للعهد، والمعهود ذهنا هنا هو زكاة العين، وعلى ذلك: فإن ما قلته أيها المعترض ليس قولاً بالموجب.

стр. 2152

المطلب الثالث في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل لو أورد المعترض القول بالموجب بطريقة ووجه يغير كلام المستدل عن ظاهره: فإن هذا لا يجوز، ولا يتوجه إلى المستدل، بل يكون المعترض قد تكلَّم في موضوع آخر، فانقطعت الصلة بينه وبين المستدل. مثاله: قول المستدل - في إزالة النجاسة بالخل - مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس، قياسا على المرق. فيقول المعترض: أنا أقول بموجب ذلك؛ فإن الخل النجس عندي لا يزيل النجاسة، ولا الحدث. فإن هذا الكلام من المعترض لا يتوجه ولا يصح؛ لأنه أورد القول بالموجب على وجه غيَّر فيه كلام المستدل؛ لأن المستدل يقصد الخل الطاهر، فهو المحل الذي تنازع العلماء فيه، والمعترض تكلم عن الخل النجس.

стр. 2153

الباب السادس في الاجتهاد والتقليد ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: في الاجتهاد. الفصل الثاني: في التقليد.

стр. 2154

الفصل الأول في الاجتهاد ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في تعريفه. المبحث الثاني: في مجالاته ومواضعه. المبحث الثالث: شروط المجتهد. المبحث الرابع: حكم الاجتهاد. المبحث الخامس: هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها، دون المسائل الأخرى؟ وهو: " تجزؤ الاجتهاد ". المبحث السادس: هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ ؟ المبحث السابم: هل يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ ؟ المبحث الثامن: هل وقع الاجتهاد من النبي ﷺ ؟ المبحث التاسع: هل يجوز الخطأ على النبي ﷺ في اجتهاده؟ المبحث العاشر: هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد؟ المبحث الحادي عشر: هل كل مجتهد مصيب فى أصول الدين أو المصيب واحد؟

стр. 2155

المبحث الثاني عشر: إذا تعارض عند المجتهد دليلان، وعجز عن الترجيح فماذا يفعل؟ المبحث الثالث عشر: هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادبن في وقت واحد؟ المبحث الرابع عشر: المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد، فهل يجوز له أن يقلد غيره؟ المبحث الخامس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلَّة ذكرها ووجدنا تلك العلَّة في مسَائل أخرى فما الحكم؟ المبحث السادس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة، ولم يبين علته فيها، وتوجد مسألة تشبه تلك المسألة فما الحكم؟ المبحث السابع عشر: إذا نص المجتهد على مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين فهل يجوزنقل حكم إحداهما للأخرى؟ المبحث الثامن عشر: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان مختلفتان، وصح هذا النقل فما الحكم؟

стр. 2156

المبحث الأول في تعريف الاجتهاد أولاً: الاجتهاد لغة هو: افتعال من الجهد - بالضم والفتح - وهو: الطاقة والوسع. وقال ابن الأثير: هو: بفتح الجيم: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم: الوسع والطاقة. ويقال: " اجتهد في الأمر " أي: بذل ما في وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ مجهوده، ويصل إلى نهايته. فالاجتهاد لغة: استفراغ الوسع، أي: غاية ما يقدر على استفراغه لتحصيل أمر شاق. ثانيا: الاجتهاد في الاصطلاح: ١ - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى الاجتهاد باعتبار المعنى المصدري الذي هو فعل المجتهد هو: " بذل الفقيه ما في وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي ". بيان التعريف ومحترزاته: قولنا: " بذل " جنس في التعريف، يشمل كل بذل مطلقا، أي: سواء كان من فقيه، أو غيره، وسواء كان في الأحكام، أو في غيرها، وسواء كانت شرعية، أو لغوية، أو نحوية، أو منطقية أو حسابية، أو هِندسية، أو نحو ذلك.

стр. 2157

فلما أضفنا لفظ " بذل " إلى لفظ " الفقيه " أخرج غير الفقيه مما سبق ذكره. والمراد بالفقيه: المتهيئِ للفقه، ومن عنده ملكة استنباط، وقدرة على استخراج أحكام شرعية لحوادث متجددة. قولنا: " ما في وسعه " الوسع - كما قلت سابقا - هو: الجهد والطاقة، ويعرف ذلك بالإحساس بالعجز عن زيادة البحث والنظر. قولنا: " لتحصيل ظن " قد أورد في التعريف؛ لبيان أن الاجتهاد لا يفيد إلا حكما ظنياً. وأتي بعبارة: " بحكم شرعي " لإخراج الحكم اللغوي، أو العقلي، أو الحسي، أو العرفي، أو التجريبي. وقلنا: " عملي " لبيان أن الاجتهاد يجري في الفروع - فقط - ولا يجري في الأصول - وهي العقائد -. وقولنا: " من دليل تفصيلي " لبيان أن الفقيه يبذل جهده لاستنباط حكم شرعي فرعي من آية أو حديث، أو قياس، أو أيّ دليل من الأدلة المختلف فيها. والخلاصة: أن المجتهد هو الفقيه، وقد بينت بالتفصيل الفقيه والفقه في الفصل الأول من الباب الأول. ٣ - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى المعنى الإسمي للاجتهاد - الذي هو وصف قائم بالمجتهد: " إنه ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية ".

стр. 2158

فأورد لفظ " ملكة " لبيان أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد، سواء باشر عملية الاستنباط فعلاً أو لم يباشر. و" تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية " أي: تحصيل الدليل، أو الأمارة على الحكم، وهذا قريب من قولنا في التعريف السابق: " لتحصيل ظن بحكم شرعي ".

стр. 2159

المبحث الثاني مجالات الاجتهاد ومواضعه الاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل الأقسام التالية: القسم الأول: النص قطعي الثبوت، ظني الدلالة، وهذا يكون في الآية، الذي دلَّ لفظها على الحكم دلالة ظنية، والحديث المتواتر الذي دلَّ لفظه على الحكم دلالة ظنية، مثاله: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، فهذا قطعي الثبوت؛ لأنه قرآن، ولكنه ظني الدلالة؛ لأن لفظ " القرء " يحتمل أن يكون معناه " الحيض "، ويحتمل أن يكون معناه: " الطهر "، فيجتهد المجتهد للوصول إلى المراد من أحد المعنيين. القسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في خبر الواحد الذي دلَّ على معناه دلالة قطعية، مثاله: قوله ﷺ : "في كل خمس من الإبل شاة "، فإن هذا نص قطعي الدلالة؛ لأنه لا يدل إلا على معنى واحد فقط، ولكنه ظني الثبوت؛ لأنه لم ينقل إلينا بطريق التواتر، فيجتهد المجتهد بالبحث عن سنده، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط. القسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معا، وهذا يكون في خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية، مثاله: قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، فإن المجتهد يجتهد هنا في أمرين هما:

стр. 2160

الأول: في سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط. الثاني: في دلالة الحديث؛ لأن الحديث يحتمل معنيين هما: دالا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب "، و " لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب ". القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا إجماع، فيبذل المجتهد ما في وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده إليها الشارع مثل: القياس، والاستحسان، وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والعرف، وسد الذرائع، ونحو ذلك.

стр. 2161

المبحث الثالث شروط المجتهد الاجتهاد لا يقبل ولا يعمل به ولا ينظر فيه إلا إذا صدر من شخص قد توفرت فيه شروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون عارفا بكتاب اللَّه تعالى وما يتعلَّق به: فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنها ما يلي: أولاً: هل هي ناسخة أو منسوخة حتى لا يستدل بآية منسوخة. ثانيا: سبب نزولها؛ لأنه يساعده على معرفة معنى الآية. ثالثاً: أقوال الصحابة فيها؛ لأنهم أعرف بمعناها من غيرهم. رابعا: أقوال كبار التابعين فيها؛ لأنهم يقربون من الصحابة في ذلك. خامسا: تفاسير علماء الشريعة وعلماء اللغة لها. سادساً: معرفة ما يعارضها من ظواهر الآيات الأخرى، والأحاديث. سابعاً: معرفة نوع دلالتها هل دلَّت على الحكم بمنطوقها، أو مفهومها، ونوع هذا المنطوق، ونوع هذا المفهوم. ولا يشترط حفظ القرآن كله، ولا يشترط حفظ آيات الأحكام - كما قال بعضهم - بل يكفيه أن يعرف مواقع آيات الأطعمة من القرآن، وآيات الحدود منه، وآيات النكاح والطلاق والرضاع،

стр. 2162

والنفقات، ونحو ذلك، حتى إذا نزلت حادثة في الأطعمة مثلاً يذهب إلى المواضع التي توجد فيها آيات الأطعمة، ويستدل على حكم حادثته بآية منها، بعد أن يطبق عليها ما ينبغي معرفته عنها. الشرط الثاني: أن يكون عارفا بسُنَّة رسوله ﷺ ، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية تماماً، وقد سبق ذلك. ويزاد في الحديث: أن يعرف سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط، ومعرفة الصحيح من الأحاديث والضعيف. ولا يشترط حفظ الأحاديث كلها، ولا حفظ أحاديث الأحكام - كما قال بعضهم - بل يكفي معرفة ما تتعلق به الأحكام إجمالاً كما قال جمهور العلماء؛ ذلك لأن المجتهد الذي توفرت فيه جميع شروط المجتهد إذا لم يطلع على حديث مما يمكن أن يغيب عن ذهنه بعد البحث الجاد عن كل ما يتصل بموضوع اجتهاده من النصوص لا يمنعه ذلك من تحصيل الظن بالحكم الشرعي بدليل آخر، يؤيد ذلك الصحابة ﵃ فقد كانوا يجتهدون بالنوازل ويستدلون على ذلك بأدلة، ثم يظهر لهم بعد ذلك حديث يخالف اجتهادهم أو يوافقه. فمثال المخالفة: قول ابن عمر ﵄: كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج بأن ﷺ قد نهى عن المخابرة. ومثال الموافقة: أن ابن مسعود ﵁ قد قضى في

стр. 2163

المفوضة بأن لها مهر مثيلاتها، ولها الميراث؛ وعليها العدة، فاخبره معقل بن سنان الأشجعي أن هذا القضاء لك يا ابن مسعود هو قضاء النبي ﷺ في بروع بنت واشق من جماعتنا، ففرح ابن مسعود على أن قضاءه قد وافق قضاء الرسول ﷺ . والأمثلة على خفاء بعض الأحاديث عن بعض الصحابة كثيرة. ويقع هذا منهم، ولم يسلب ذلك منهم ملكة الاجتهاد، أو وصف الاجتهاد. الشرط الثالث: أن يكون عالِما بالمجمع عليه، والمختلف فيه. واشترط ذلك؛ لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. ولا يلزم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع، بل في كل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه غير مخالفة للإجماع. وأما المختلف فيها من المسائل، فلا بد للمجتهد أن يعرف المسألة، وأدلة كل فريق. ولقد كان الأئمة الأربعة ومن تبعهم يعرفون الاختلافات والمناظرات والمحاورات التي جرت بين الصحابة، ومن جاء بعدهم ممن يُعتد بقولهم؛ لذا اهتم كثير من العلماء بهذا - وهو علم الخلاف - وألفوا فيه كالمحلى لابن حزم، والذخيرة للقرافي، والحاوي للماوردي، والمغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي، وبداية المجتهد لابن رشد، والمبسوط للسرخسي، وغيرها. الشرط الرابع: أن يكون عالما بعلم أصول الفقه؛ حيث إنه يجعله عالِما بأن هناك أدلة متفقا عليها كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،

стр. 2164

والقياس، وأن هناك أدلة مختلف فيها كالاستصحاب، والاستحسان، وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، وشرع من قبلنا، وأن هناك قواعد أصولية. ويعرف أقسامها، وشروط كل دليل، وترتيبها، وفك التعارض بينها. الشرط الخامس: أن يكون عالما بالقياس، حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروط كل ركن، وقوادحه، ونحو ذلك مما قلناه في باب القياس، قال الإمام الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس "، وعرف بعضهم الاجتهاد بأنه القياس، وهذا كله يدل على أهمية القياس. الشرط السادس: أن يكون عالما باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو، وبلاغة، وبديع، ومعرفة كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن والسُّنَّة وردا بلغة العرب، ولا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفته باللغة العربية. ولا يشترط أن يتعمق في علم النحو واللغة، ومعرفة دقائق ذلك كسيبويه، أو الكسائي، أو الخليل بن أحمد، أو المبرد. وإنما ينبغي معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعاداتهم في الاستعمال إلى حد يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته، ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومعرفة أي شيء يساعد على فهم الأحكام الشرعية من الألفاظ. ويتفطن للمراد هل أريد باللفظ المعنى اللغوي له، أو العرفي، أو

стр. 2165

الشرعي بقرائن السياق، والقرائن العقلية، وحال المتكلم، والموضوع الذي قيل فيه، والغرض الذي سيق لأجله. الشرط السابع: معرفة مقاصد الشريعة بأن يفهم المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم. الشرط الثامن: أن يكون عدلاً مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه: فمن ليس بعدل فإنه لا تقبل فتواه، ولا يعمل بها الآخرون. أما هو في نفسه، فيجب عليه أن يعمل باجتهاده إذا توفرت فيه الشروط السابقة. سؤال: إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلاً صالحا للاحتجاج به، فهل يجب الأخذ بقوله، والاعتماد عليه؟ جوابه: إن كان المستمع لهذه الفتوى عالِما ومدركا لصحة الدليل، ووجه دلالته على الحكم فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق؛ اعتماداً على الدليل الصحيح الذي أظهره، وليس هذا اعتماداً على اجتهاد المجتهد. وإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يعلم ولا يدرك صحة الدليل الذي أظهره ذلك المجتهد الفاسق، فإنه لا يعمل بفتواه.

стр. 2166

المبحث الرابع حكم الاجتهاد إذا توفرت شروط المجتهد السابقة في شخص، فالاجتهاد في حقه يكون تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، وتارة مندوبا، وتارة محرما، وإليك بيان ذلك: أولاً: يكون فرض عين في حالتين هما: الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره في حق نفسه. الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق وقت الحادثة، فإنه يجب على الفور؛ لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز. ثانيا: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب يكون فرضا علهيم جميعاً، وأخصهم بفرضه المخصوص بالسؤال عنها، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن جميعهم، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عذروا. ثالثا: يكون الاجتهاد مندوبا إليه في حالتين هما: الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.

стр. 2167

الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل نزولها. رابعا: يكون الاجتهاد محرما في حالتين هما: الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع. الحالة الثانية: أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه؛ لأن نظره لا يوصله إلى الحق، فيفضي إلى الضلال، والقول في دين اللَّه بغير علم.

стр. 2168

المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب ؟ وهي مسألة " تجزؤ الاجتهاد " لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين. المذهب الأول: أنه يقبل اجتهاده فيها، أي: أنه يجوز تجزؤ الاجتهاد. فالشخص العارف لمسألة معينة وأدلتها، وطرق النظر فيها، وما يئعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها، ويعمل باجتهاده. وهو مذهب جمهور العلماء. فمثلاً لو أحاط بمسألة المشركة - وهي: زوج، وذات سدس، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فعرف كل ما يتصل وما يتعلق بها من معرفة علم الفرائض، وأركانه، وشروطه، ثم اجتهد فيها فإنه يقبل اجتهاده ويعمل به، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى كان يكون جاهلاً بمسألة المفوضة، أو الجد والإخوة. وهذا هو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أنه لو كان العلم في جميع مسائل الفقه شرطا لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطا لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة

стр. 2169

- ﵃ وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجا لهم عن الاجتهاد. ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث توقف بعض الصحابة عن الفتوى في بعض المسائل، ومع ذلك لم يزل عنه وصف الاجتهاد، وكذلك سبق أن بيَّنا أن الإمام أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد كانوا يكثرون من قولهم: " لا أدري "، ولم يكن ذلك مخرجا لهم عن درجة الاجتهاد، بل كانوا يجتهدون في المسائل الأخرى فيقبل اجتهادهم فيها. الدليل الثاني: أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسألة الأخرى، فالغفلة غن المسائل الأخرى لا تضره. فمثلاً: لا صلة لمسالة " المشركة " فى مسألة " الجد والإخوة "، فيتم اجتهاد المجتهد في مسألة المشركة بلا نقصان، فيقبل اجتهاده فيها. وكذلك من عرف مسألة " قتل المسلم بالذمي " وما ورد فيها من الآيات والأحاديث والآثار وأقوال السلف والخلف فيها، فإنه يقبل اجتهاده فيها، ولا يضره عدم معرفته بمسألة " قتل الحر بالعبد " وهكذا؛ لأن الاجتهاد تام. المذهب الثاني: أنه لا يقبل اجتهاده فيها، أي: لا يجوز تجزؤ الاجتهاد ... وهو مذهب بعض الحنفية كملا خسرو، والفناري، وبعض الشافعية كالشوكاني. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: إن لم يحط بأدلة جميع مسائل الفقه لا يحصل له

стр. 2170

عند البحث عن حكم مسألة ظن عدم المانع؛ لإمكان وجود ما يتصل بموضوعه في موضع آخر لم يطلع عليه وينظر فيه، ومن لا يحصل له ذلك الظن لا يتمكن من استخراج الحكم، إذن: لا يعتبر عمله اجتهاداً شرعياً يصح أن يؤخذ به. جوابه: لما قلنا بقبول اجتهاد ذلك الشخص بمسألة معينة قد عرف دقائقها لم نقل ذلك مطلقاً، بل اشترطنا: أن يغلب على ظنه أنه قد أحاط بجميع ما يتعلَّق بتلك المسألة من أدلة، أما الاحتمالات التي لا دليل عليها فلا تؤثر على اجتهاده. الدليل الثاني: أنه لو جاز تجزئة الاجتهاد للزم أن يقال: نصف مجتهد، أو ثلثه، أو ربعه، ولم يقل بذلك أحد. جوابه: لا يلزم ذلك ولا يُسمَّى بنصف أو ثلث مجتهد، بل يسمى مجتهداً في ذلك البعض، وهو اجتهاد تام فيما اجتهد فيه، وإن كان قاصراً بالنظر إلى من فوقه من المجتهدين. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني، فإن المجتهد قسم واحد وهو: المجتهد العام العارف لكل مسألة من مسائل الفقه بأدلتها غالباً، فلا يعتد بقول غيره من المجتهدين الذين يختصون بمعرفة مسائل معينة. أما بناء على المذهب الأول فإن المجتهد قسمان:

стр. 2171

القسم الأول: مجتهد خاص وهو: الشخص الذي يجتهد بمسألة معينة، وقد سبق بيان ذلك. القسم الثاني: مجتهد عام، وهو: العارف لغالب مسائل الفقه بأدلتها. وكل واحد منهما يقبل اجتهاده، ويُعتد به، ولا فرق بينهما.

стр. 2172

المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان ﷺ -؟ لقد - اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ مطلقا. وهو مذهب أكثر المحققين من العلماء كالغزالي، والآمدي، وفخر الدين الرازي، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن ﷺ قد جاءه خصمان يختصمان فقال ﷺ لعمرو بن العاص: " اقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أوْلى مني يا رسول اللَّه، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت، بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة " وهذا صريح في جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ . الدليل الثاني: أن ﷺ قال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة: " اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة "، وهو في معنى الدليل الأول. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ؛ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده، فقال رسول اللَّه ﷺ له: " لقد حكمت بحكم اللَّه فوق سبعة أرقعة ".

стр. 2173

وجه اجتهاد سعد ﵁ فيهم هو: أحد أمرين: إما أنه قاسهم على المحاربين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) ، والجامع: الفساد في كل؛ وذلك لموالاتهم قريشاً في وقعة الأحزاب، ونقضهم عهدهم. وإما أنه قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم، وتبين أن قتلهم كان هو الحكم. وهذا يدل على وقوع الاجتهاد في زمان النبي ﷺ ، والوقوع دليل الجواز مطلقاً. الدليل الرابع: أن بعض الصحابة ﵃ يروي عن البعض الآخر الأخبار، والأحكام، والناسخ والمنسوخ، وكانوا يقبلون ذلك، ويعملون به، دون مراجعة النبي ﷺ ، وهو بينهم، فكذلك يجوز لهم الاجتهاد في زمانه ﷺ دون مراجعته، ولا فرق. الدليل الخامس: أنه لا يلزم من فرض اجتهاد الصحابة في زمانه ﷺ محال، ولا يؤدي إلى مفسدة، وما كان كذلك فهو جائز، فيكون الاجتهاد في زمانه ﷺ جائزاً. المذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ . وهو مذهب بعض العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن كثيراً من الصحابة ﵃ قد رجعوا إلى النبي ﷺ يسألونه عن حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو

стр. 2174

كان الاجتهاد في زمانه ﷺ جائزاً: لاجتهدوا واستنبطوا أحكام حوادثهم بأنفسهم، ورجوعهم إليه دلَّ على أن الرجوع واجب، فالاجتهاد حرام. جوابه: إن رجوعهم إلى ﷺ في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية، أو أنه حرام، بل رجوعهم إليه يحتمل عدة احتمالات هي: الأول: أنه يحتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الحكم بالاجتهاد. الثاني: أنه يحتمل أنهم مخيرون بين الرجوع إليه، وبين الاجتهاد، فاختاروا الرجوع إليه. الثالث: أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط المجتهد. وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ يمكنهم معرفة الحكم عن طريق الوحي الصريح القاطع بالحكم، وإذا كان يمكنهم معرفة الحكم معرفة قطعية، فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الدليل منقوض بما ورد عن النبي ﷺ ؛ حيث إنه قد تعبَّد بالقضاء بقول الشهود، والحكم بظاهر أقوالهم حتى قال ﷺ : "إنكم لتختصمون إلي ولكل بعضكم يكون ألحن

стр. 2175

بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع "، فهنا يقضي الرسول ﷺ بالظن، وكان يمكن نزول الوحي، ويبين الحق صريحا وواضحا وقطعياً في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن، وخوف الخطأ. الجواب الثاني: أنه إذا نزل الوحي بالنص، وثبت فإنا نحكم به، ولكن إذا لم ينزل نص، فإنه يجوز الاجتهاد؛ لأن هذا الاجتهاد لا يضاد نصاً قاطعاً ثابتا. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها، وهو على شاطئ البحر. أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك. ويجوز - أيضاً - الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين. أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
следующие страницы →