Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
القسم الأول: مجتهد خاص وهو: الشخص الذي يجتهد بمسألة
معينة، وقد سبق بيان ذلك.
القسم الثاني: مجتهد عام، وهو: العارف لغالب مسائل الفقه
بأدلتها.
وكل واحد منهما يقبل اجتهاده، ويُعتد به، ولا فرق بينهما.
стр. 2172
المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان ﷺ -؟
لقد - اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ مطلقا.
وهو مذهب أكثر المحققين من العلماء كالغزالي، والآمدي،
وفخر الدين الرازي، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي بكر
الباقلاني، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ﷺ قد جاءه خصمان يختصمان فقال ﷺ لعمرو بن العاص: " اقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أوْلى مني يا رسول اللَّه، قال: " وإن كان "،
قال عمرو: فإن قضيت، بينهما فما لي؟
قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء
فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة "
وهذا صريح في جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ .
الدليل الثاني: أن ﷺ قال لعقبة بن عامر ولرجل من
الصحابة: " اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما
فلكما حسنة "، وهو في معنى الدليل الأول.
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ
فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ؛ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده،
فقال رسول اللَّه ﷺ له:
" لقد حكمت بحكم اللَّه فوق سبعة أرقعة ".
стр. 2173
وجه اجتهاد سعد ﵁ فيهم هو: أحد أمرين:
إما أنه قاسهم على المحاربين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) ، والجامع:
الفساد في كل؛ وذلك لموالاتهم قريشاً في وقعة الأحزاب، ونقضهم
عهدهم.
وإما أنه قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم، وتبين أن
قتلهم كان هو الحكم.
وهذا يدل على وقوع الاجتهاد في زمان النبي ﷺ ، والوقوع دليل الجواز مطلقاً.
الدليل الرابع: أن بعض الصحابة ﵃ يروي عن
البعض الآخر الأخبار، والأحكام، والناسخ والمنسوخ، وكانوا
يقبلون ذلك، ويعملون به، دون مراجعة النبي ﷺ ، وهو بينهم، فكذلك يجوز لهم الاجتهاد في زمانه ﷺ دون مراجعته، ولا فرق.
الدليل الخامس: أنه لا يلزم من فرض اجتهاد الصحابة في زمانه
ﷺ محال، ولا يؤدي إلى مفسدة، وما كان كذلك فهو جائز، فيكون الاجتهاد في زمانه ﷺ جائزاً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ .
وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن كثيراً من الصحابة ﵃ قد
رجعوا إلى النبي ﷺ يسألونه عن حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو
стр. 2174
كان الاجتهاد في زمانه ﷺ جائزاً: لاجتهدوا واستنبطوا أحكام حوادثهم بأنفسهم، ورجوعهم إليه دلَّ على أن الرجوع واجب، فالاجتهاد حرام.
جوابه:
إن رجوعهم إلى ﷺ في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية، أو أنه حرام، بل رجوعهم إليه يحتمل عدة
احتمالات هي:
الأول: أنه يحتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه
الحكم بالاجتهاد.
الثاني: أنه يحتمل أنهم مخيرون بين الرجوع إليه، وبين
الاجتهاد، فاختاروا الرجوع إليه.
الثالث: أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط
المجتهد.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ يمكنهم معرفة
الحكم عن طريق الوحي الصريح القاطع بالحكم، وإذا كان يمكنهم
معرفة الحكم معرفة قطعية، فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل منقوض بما ورد عن النبي ﷺ ؛ حيث إنه قد تعبَّد بالقضاء بقول الشهود، والحكم بظاهر أقوالهم
حتى قال ﷺ :
"إنكم لتختصمون إلي ولكل بعضكم يكون ألحن
стр. 2175
بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع "، فهنا يقضي
الرسول ﷺ بالظن، وكان يمكن نزول الوحي، ويبين الحق صريحا وواضحا وقطعياً في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن،
وخوف الخطأ.
الجواب الثاني: أنه إذا نزل الوحي بالنص، وثبت فإنا نحكم به،
ولكن إذا لم ينزل نص، فإنه يجوز الاجتهاد؛ لأن هذا الاجتهاد لا
يضاد نصاً قاطعاً ثابتا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز
الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها، وهو على شاطئ البحر.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
ويجوز - أيضاً - الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى
اليقين.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
стр. 2176
المبحث السابع هل يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد ؟
أولاً: اتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في الأمور الدنيوية، ومنها أمور الحرب، بدليل وقوعه منه ﷺ ؛ حيث صالح غطفان مقابل ثمار المدينة، ولم تتم هذه المصالحة بسبب مخالفة رؤساء أهل المدينة، ووقوعه في تأبير النخل - بعد قدومه المدينة.
ثانياً: اتفق العلماء - أيضا - على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في تحقيق مناط الحكم، ومنه الأقضية، وفضل الخصومات، ونحو ذلك.
ثالثاً: اختلف العلماء في جواز اجتهاده ﷺ في غير ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ .
وهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
حيث إن اللَّه قد أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بما يماثلها
- كما سبق بيان ذلك في باب القياس - وهو عام وشامل لجميع أهل
البصائر، ورسول اللَّه ﷺ أعلى أهل البصائر، وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.
الدليل الثاني: قياس نبينا ﷺ على داود وسليمان ﵉.
بيانه:
стр. 2177
أنه لما اعتدت غنم قوم على زرع آخرين، ذهب صاحب الزرع
وصاحب الغنم يتخاصمان إلى داود ﵇ ليحكم بينهما،
فحكم بينهما بحكم، وخالفه فيه سليمان ﵇ وحكم
- أي: سليمان - بحكم آخر، فكان حكمهما بالاجتهاد، بدليل:
أن سليمان لو لم يحكم بالاجتهاد لما قال تعالى: (ففهمناهما سليمان) ،
وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، لا بطريق الوحي.
وإذا جاز لداود وسليمان ﵉ الاجتهاد، فإنه يجوز
الاجتهاد لنبينا محمد ﷺ ولا فرق،
والجامع: النبوة في كل.
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ يشارك أُمَّته
فيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم - كما سبق بيانه -،
والاجتهاد قد أمرت أُمَّته به لإيجاد أحكام شرعية للحوادث المتجددة،
لكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو يشارك أُمَّته في الاجتهاد، فيجوز له ﷺ الاجتهاد مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب عليه وعلينا العمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.
الدليل الرابع: أنه لا يلزم من فرض تعبده ﷺ بالاجتهاد محال عقلاً، ولا يؤدي إلى مفسدة، وكل ما كان كذلك كان جائزأ عقلاً، فتعبده بالاجتهاد جائز عقلاً.
الدليل الخامس: وقوع الاجتهاد منه ﷺ ، ولو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لما وقع منه، فقد اجتهد في حوادث شتى، منها: اجتهاده
في أسرى بدر، حيث أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى، وهذا
بالاجتهاد، وستأتي أمثلة على ذلك في المسألة التالية.
стр. 2178
المذهب الثاني: لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ .
وهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن أبي منصور الماتريدي من
الحنفية، وهو ظاهر مذهب ابن حزم، واختاره أبو علي وابنه أبو
هاشم.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرسول ﷺ قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعا وصريحا، وكل من كان قادراً على العلم
القطعي لا يجوز له العمل بالظن، فلا يجوز للنبي ﷺ العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد، فلا يجوز له الاجتهاد.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي ﷺ كان قادراً على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره ينزل عليه متى شاء،
ولذلك قد يضطر إلى الاجتهاد في الأمور التي لا تقبل التأجيل.
الدليل الثاني: إنه ثبت - فيما سبق في حجية السُّنَّة -: أن قول
النبي ﷺ نص قاطع، وحُجة قاطعة على من سمعه شفاها أو بلغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن.
فهنا حصل تضاد بين قوله ﷺ ، حيث قلنا بإفادته القطع، وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلا الظن، فالقطع غير الظن فكيف
يجتمعان؟!
جوابه:
أنه لو قيل له: إن ظنك علامة على حكم اللَّه - تعالى - فيكون
قد استيقن الظن والحكم معاً، فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي،
стр. 2179
ومعرفته إياه بالاجتهاد؛ لأنه ﷺ لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع بكونه حكم اللَّه في الحادثة.
الدليل الثالث: لو جاز الاجتهاد للرسول ﷺ : لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه، لكنه ﷺ توقف في اللعان والظهار، وانتظر الوحي، فهذا يدل على عدم جواز القياس.
جوابه:
إن توقف ﷺ عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث
وانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تعبده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛
لأنا لا نقول: إن الرسول ﷺ يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي، فإذا لم ينزل عليه وحي وخشي الفوات اجتهد.
وعلى هذا، فإنه يحتمل أن يكون تأخره بسبب السعة في الوقت.
ويحتمل أن يكون بسبب أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد الآن.
ويحتمل أن يكون بسبب توقفه؛ حيث إن بعض المسائل لا تقبل
الاجتهاد، أو هي مما نهي فيه عن الاجتهاد.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا
وحي يوحى) .
وجه الدلالة: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي ﷺ وحي، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبقى للاجتهاد مجال، ولكان
الاجتهاد في حقه نطقاً عن الهوى المنفي عنه بالآية الكريمة، فالضمير
في قوله تعالى: (إن هو) يرجع إلى النطق المذكور في الآية في
ضمن قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) وهو عام.
стр. 2180
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عموم الآية، بل إن الآية وردت لرد ما
كان يقوله الكفار بأن ما يأتي به ﷺ من القرآن ليس وحيا من عند اللَّه، بل هو افتراء منه على اللَّه - تعالى - فالضمير في قوله
تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) يرجع إلى القرآن، فيكون تقدير
الآية كذا: أن النبي ﷺ لا ينطق فيما ينطق به من القرآن من هوى نفسه، ما القرآن إلا وحي يوحى إليه من اللَّه تعالى، فعلى هذا تنفي الآية: أن يتكلم الرسول ﷺ بغير القرآن، ولا تمنع الآية من ذلك.
الجواب الثاني: سلمنا أن الآية عامة في جميع ما نطق به الرسول
ﷺ من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده ﷺ ؛ لأنه لو كان متعبداً بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقا عن الهوى، بل كان بالوحي، وما حكم به باجتهاده إما صواب من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن اللَّه تعالى يرشده إلى الصواب، أو يقره عليه، فلا يحتمل غير الحق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بجوز بناء على المذهب الأول أن
يكتفي المجتهد بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر
على الاستدلال عليه بدليل قطعي.
كما يجوز على هذا المذهب الاجتهاد في أوقات الصلاة والقِبْلة مع
إمكان الصبر إلى اليقين.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز كل ذلك.
стр. 2181
المبحث الثامن هل وقع الاجتهاد من النبي ﷺ -؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المبحث السابع - وهم
القائلون: يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ - فيما بينهم هل وقع الاجتهاد منه ﷺ أو لا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاجتهاد وقع من النبي ﷺ .
وهو مذهب بعض الحنفية، وكثير من المالكية ومنهم ابن الحاجب،
وكثير من الشافعية ومنهم: الآمدي، وفخر الدين الرازي، وكثير
من الحنابلة ومنهم: أبو الخطاب، وابن قدامة، وهو الحق عندي؛
لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ﷺ قد استشار أبا بكر وعمر ﵄ في الأسرى يوم بدر، فأخذ برأي أبي بكر، حيث وافق
رأيه رأي النبي ﷺ فأخذ الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، فعاتبه الله تعالى بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) ،
فحزن النبي ﷺ بعد نزول هاتين الآيتين.
فلو لم يكن الرسول لمجييه قد وقع منه الاجتهاد وعمل به لما
عوتب، لأنه لا عتاب على العمل بالوحي.
الدليل الثاني: أن الرسول ﷺ لما أعلن فرضية الحج سأله الأقرع
стр. 2182
ابن حابس ﵁: لعامنا هذا أم للأبد؛ فقال ﷺ : "هو للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب ".
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن للرسول ﷺ الاختيار لما قال ما قال، وكون الاختيار له ﷺ في أن يقول:
" نعم " ظاهره الاختيار بالاجتهاد،
أي: له الحق في أن يقول ذلك بالاجتهاد.
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ
لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء، قال
له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي
والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء، لنحول بينه وبين العدو، فقال
لهم: ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد، ورجع إلى قوله،
ورحل وذهب إلى الموضع الذي أشار به الحباب، فهذا صريح في
وقوع الاجتهاد منه ﷺ .
الدليل الرابع: أن النبي ﷺ لما قال بشأن مكة:
" لا يختلى خلاها، ولا يعتضد شجرها ... "
قال له العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا،
فقال ﵇: " إلا الإذخر ".
فلم يقبل الرسول ﷺ قول العباس الطالب للتخفيف إلا بالاجتهاد ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء
بالاجتهاد.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضا -: إن هذا الدليل يحتمل احتمالات هي:
الأول: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان مأموراً بالوحي بالاستثناء عندما يسأله العباس.
الثاني: أنه يحتمل أن جبريل ﵇ كان حاضراً،
فأشار إليه بقبول طلب العباس.
стр. 2183
الثالث: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول عام لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات
مجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به.
الجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي
ﷺ كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذراً من
التلبيس، وقد انتقل الرسول ﷺ من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: " ولا تحل ساقطتها إلا
لمنشد، ومن قتل قتيلاً فهو بخير النظرين ... "
وحين ذاك قال العباس ما قال.
المذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي ﷺ .
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وقع من النبي ﷺ الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثاً غريبا بالنسبة له ﷺ ، لكنه لم ينقل إلينا فلم يقع منه ﷺ .
جوابه:
أن الاجتهاد وقع منه ﷺ ، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة
стр. 2184
تكفي لإثبات أن ﷺ اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع.
الدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي ﷺ للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي ﷺ لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.
جوابه:
أن اجتهاد النبي ﷺ ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في
بعض اجتهاداته مما يكون سببا في تغيير نتائجها: نزل الوحي
لتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه ﷺ ، وبذلك يكون مجتهداً من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده
ﷺ ، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئاً.
стр. 2185
المبحث التاسع هل يجوز الخطأ في اجتهاد ﷺ -؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاجتهاد
وقع منه ﷺ في جواز الخطأ في اجتهاده ﷺ .
المذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ .
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين اللَّه تعالى في هذه الآية خطأه في ذلك.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى
حتى يثخن في الأرض) .
وجه الدلالة: أن ﷺ لما أخذ المال عوضا عن أسرى بدر: بين اللَّه تعالى له أنه أخطأ بترك قتل هؤلاء الأسرى، حتى قال النبي
ﷺ : " لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر "، وذلك لأن عمر بن الخطاب قد أشار بقتل الأسرى.
الدليل الثالث: قوله ﵊: " إنما أحكم بالظاهر
وإنكم لتختصمون إليَّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض،
فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة
من النار ".
стр. 2186
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ
وهو مذهب بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم
الرسول ﷺ ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك.
جوابه:
هذا منقوض بأن اللَّه - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد
والمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحا للزم من ذلك:
أن اللَّه تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد.
الدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع
الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي ﷺ في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال.
جوابه:
إن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن اللَّه - تعالى -: أوامره،
ونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزة: إظهار صدقه فيما يقوله من
стр. 2187
الرسالة، والتبليغ عن اللَّه تعالى، وذلك مما لا يتصور خطأه فيه
بالإجماع.
بخلاف ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول فيه عن وحي،
ولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق
الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن ما حكم به باجتهاده ﷺ إما أن يكون صوابا من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ الأمر، لكن الله
تعالى يرشده إلى الصواب، فهو صواب في نهاية الأمر.
стр. 2188
المبحث العاشر هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المصيب واحد من المجتهدين.
وأصحاب هذا المذهب يُسمون بالمخطئة؛ حيث إنهم يرون: أن لله
تعالى في كل حادثة حكما معينا، أصاب الحق من أصابه، وأخطأه
من أخطأه.
فمثلاً: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في
حكمها من نص، أو إجماع: فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكما
شرعيا معينا، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد:
فمن أدركه كان مصيبا، ومن لم يدركه كان مخطئا لا إثم عليه، ولا
يقطع بخطأ واحد بعينه من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي، بيانه:
أنه انتشرت عن الصحابة ﵃ وقائع ومسائل خطأ
بعضهم بعضاً فيها، وصرخوا بلفظ الخطأ والإنكار، فلو كان كل
مجتهد في ذلك مصيبا لم يخطئ بعضهم بعضا، بل كان يقول
بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
стр. 2189
١ - قول أبي بكر ﵁ لما سئل عن الكلالة -:
"أقول فيها برأيى، فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني،
وأستغفر اللَّه، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: ما عدا الوالد
والولد ".
٢ - قول عمر ﵁ في قضية قضاها -: " والله ما
يدري عمر أصاب أم أخطأ ".
٣ - أنه لما كتب كاتب لعمر: " هذا رأي اللَّه ورأي عمر "
قال له عمر: " بئس ما قلت: اكتب: هذا مارآه عمر، فإن يكن
صوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمن عمر ".
٤ - قول ابن مسعود ﵁ لما سئل عن المفوضة:
هل لها مهر؛ -: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن
كان خطأ فمن الشيطان: للمرأة مهر مثيلاتها ... ".
ففي هذه الأمثلة الأربعة قد بين كل من أبي بكر، وعمر، وابن
مسعود أن الحق واحد قد يصيبه بعض المجتهدين، وأن غيره خطأ.
٥ - أن عمر أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت، فاستشار عثمان
ابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت
مؤدب "، وكان عليّ في القوم ساكتا، فقال عمر: عزمت عليك
يا أبا الحسن لتخبرني، فقال عليّ: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا،
وإن كانا ما اجتهدا فقد غشاك: عليك الدية "، فقبل قوله، ولم
ينكر عليه عمر تخطئة عثمان وعبد الرحمن.
٦ - أنه لما ورَّث زيد بن ثابت الإخوة مع الجد اعترض عليه ابن
عباس ﵃ فقال: " ألا يتقي اللَّه زيد، يجعل ابن
стр. 2190
الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، فلو كان كل مجتهد مصيبا لما
أنكر على زيد، ولقال هو: هو مصيب، وأنا مصيب.
فهذه الأمثلة والصور وإن لم تتواتر آحادها إلا أنه بمجموعها تفيد
حصول التواتر عن طريق المعنى على أن الصحابة ﵃
قد اتفقوا على أن الحق واحد يصيبه بعض المجتهدين ويخطئه آخرون.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن إنكار بعضهم على بعض لا يدل على أن
الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يصيبه، والبعض الآخر قد
يخطئه، بل إن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في اجتهاده؛ نظراً
لأن الصحابي المخطئ لم يبلغ درجة الاجتهاد، لذلك أنكر عليه.
جوابه:
أن هذا الاعتراض ظاهر البطلان؛ لأن الصحابة الذين قد اتهموا
بالخطأ في الاجتهاد، أو اتهموا أنفسهم: هم من كبار الصحابة
المجتهدين كأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان،
وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، كما سبق في الأمثلة، فإن كان
هؤلاء لم يبلغوا درجة الاجتهاد وليسوا أهلاً له، فمن الذي بلغ
درجة الاجتهاد في نظر هذا المعترض؟!
الاعتراض الثاني: أن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في
اجتهاده؛ نظراً لأن الصحابي المخطئ قد بلغ درجة الاجتهاد لكنه قد
قصر في الاجتهاد، ولم يبذل قصارى جهده للوصول إلى الحق.
جوابه:
إن هذا ظاهر الفساد - أيضا -؛ لأنه سوء ظن في الصحابة
стр. 2191
- ﵃، وأنهم فرَّطوا، وقصروا في النظر، وأفتوا
بالخطأ مع استطاعتهم على الوصول إلى الصواب، وهذا فيه حكم
بالجهل، وحكم بالهوى والتشهي المجرد، وهذا لا يمكن في صحابة
قد اختارهم اللَّه لصحبة نبيه لمجيم، وعدَّلهم اللَّه ورسوله، وبذلوا
النفس والنفيس لأجل إعلاء كلمة اللَّه، ونصرة دينه.
فهذا الاعتراض يدل على أن قائله جاهل بأحوال الصحابة وما هم
عليه من التقوى والورع والزهد، وأنهم يتدافعون الفتوى، ولا يفتي
أحدهم إلا بعد التروي والمكث الطويل، ومن كان جاهلاً بهذه
الأحوال عن الصحابة، فلا يعتد بقوله.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكما وعلما) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد بين أن المصيب واحد، وأن الحق
في قوله، وهو سليمان ﵇ فخصصه بفهم الحق في
تلك الواقعة، وهذا يدل على عدم فهم داود ﵇ له،
فلو كانا مصيبين معاً في الحكم لم يكن سليمان مختصا بفهمها.
أي: لو استوى داود وسليمان ﵉ في إصابة
الحكم لما كان تخصيص سليمان بالفهم مقيدا.
وهذه الآية تدل - أيضا - على أن الإثم محطوط عن المجتهد
المخطئ؛ لأن اللَّه تعالى مدح كلًّا من داود وسليمان فى آخر الآية
السابقة.
ما افترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: معروف أنه لا يجوز الخطأ على الأنبياء - عليهم
стр. 2192
السلام - فكيف تجوز نسبة الخطأ إلى داود ﵇ وهو نبي
من الأنبياء؟
جوابها:
لقد قلنا - فيما سبق -: إنه يجوز الخطأ في اجتهاد النبي ﷺ ، لكنه لا يقر عليه، وهو مذهب الجمهور، وقد ذكرت عدة أدلة على ذلك، وإذا جاز الخطأ إلى اجتهاده ﷺ ، فإنه يجوز الخطأ في اجتهاد بقية الأنبياء ولا فرق.
الاعتراض الثاني: أنه لا يوجد دليل يدل على أن داود قد حكم
باجتهاده، ثم نسب إليه الخطأ، بل قد يكون داود قد حكم بنص،
ثم نسخ ذلك النص، فعلم سليمان بذلك النسخ، ولم يعلم داود
فحكم فاصاب.
جوابه:
إن ظاهر الآية قد دلَّ على أن داود قد حكم بالاجتهاد؛ حيث قال
تعالى: (ففهمناها) ، وإنما يوصف بالفهم من سمع الشيء المشتبه
ففهمه بفكره عن طريق أمارات ودلائل ظهرت له.
فلو حكم داود بالنص - كما زعم المعترض -: لما اختص سليمان
بالفهم دونه؛ لأنهما لا يختلفان في ذلك؛ حيث إن من أخبر
بالحكم، ولم يخبر به غيره: لا يقال: فهم دون غيره، وإنما يقال:
سمع وأخبر، دون غيره.
الاعتراض الثالث: أنه لو كان داود مخطئا في الحكم فإنه لا
يمدح، بل يذم، ولكن اللَّه تعالى قد مدحه، فوصفه بأنه قد أوتي
حكما وعلما، فثبت أن اجتهاده كان صوابا وعلما.
стр. 2193
جوابه:
أن اللَّه تعالى لما قال: (وكلا آتيناه حكما وعلما) ، فإنه عمم
ذلك، فلم يقل: إنه آتاه حكماً وعلما في هذه القضية، والحكومة،
فيحتمل: أنه أتاه في غيرها.
أو يكون " كلاً آتيناه حكماً وعلما " بوجود الاجتهاد، وطرق
الأحكام، ثم إن أحدهما فهم هذه الحكومة، والآخر لم يفهمها.
الدليل الثالث: قوله ﷺ :
"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر ".
وجه الدلالة: أن هذا صريح في أنه المجتهد يصيب ويخطئ،
ويؤجر المخطئ بأجر وثواب أقل من أجر المجتهد المصيب، فدل هذا
على أن الحق واحد يصيبه المجتهد تارة، ويخطئه أخرى.
الدليل الرابع: قوله ﷺ :
"إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته منْ بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
هذا الحديث يدل على أن المصيب واحد، وغير مخطئ من وجوه:
الوجه الأول: أنه لو كان ما قضي به الرسول ﷺ هو الحكم عند الله - تعالى -: لما اختلف باختلاف لحن المتخاصمين، أو تساويهما في ذلك.
الوجه الثاني: أنه لو كان ما قضى به النبي ﷺ هو مصيب فيه، وأنه حكم اللَّه - تعالى -: لما قال:
" قضيت له بشيء من حق أخيه "،
ولما قال: " إنما أقطع له قطعة من النار "، حيث إنا نفهم
стр. 2194
من ظاهر هاتين العبارتين أنه ﷺ يمكن منه الخطأ، فيعطي حق هذا لذاك، ولكنه لا يأثم في هذا الخطأ.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ بيَّن أنه يقضي للإنسان بحق أخيه عن طريق الخطأ؛ لأنه يقضي بالظاهر، وقد يكون الظاهر خلاف
الواقع، ولو كان المخطى في الاجتهاد يأثم لما فعله النبي ﷺ .
الدليل الخامس: أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيشا أوصاهم بقوله:
" إذا حاصرتم حصنا، أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على
حكم اللَّه فلا تنزلوهم على حكم اللَّه، فإنكم لا تدرون ما يحكم
الله فيهم.. ".
وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن لله تعالى حكما في الحادثة،
وأن هذا الحكم ليس هو ما يؤدي إليه الاجتهاد قطعا ويقينا.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إنه نهى عن ذلك؛ مخافة أن يحكموا
فينزل اللَّه - تعالى - حكما غير ذلك الذي حكموا به.
جوابه:
أن هذا الكلام من المعترض يدل على أن لله حكما قد يدركه
المجتهد، وقد يخطئه.
الدليل السادس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين:
لجاز لكل واحد من المجتهدين في القِبْلة أن يقتدي كل واحد منهما
بصاحبه؛ لأن صلاة كل واحد صحيحة، فما المانع من الاقتداء بمن
صلاته صحيحة؛ وكذلك لو اختلف مجتهدان في الماء الذي في هذا الإناء:
стр. 2195
فقال أحدهما: إنه طاهر، وقال الآخر: إنه نجس، فإنه يجوز على
مذهب المصوبة اقتداء كل واحد منهما بالآخر، ولكن هذا لا يجوز؛
لاتفاق الأُمَّة على فساد هذا الاقتداء، فدل على أن الحق واحد.
الدليل السابع: أن الأُمَّة مجمعة على جواز المناظرة بين المجتهدين؛
لما في ذلك من الفوائد الكثيرة، ولو كان كل واحد من المتناظرين
مصيبا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لأن
كل واحد يعتقد أن ما صار إليه خصمه حق، وأنه مصيب فيه.
ووجدت المناظرة إما لأجل معرفة أن ما صار إليه خصمه صواب،
أو لرده عنه.
فإن كان الأول ففيه تحصيل الحاصل، وإن كان الثاني فقصد كل
واحد لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب يكون حراما.
المذهب الثاني: أن كل مجتهد في الفروع مصيب، وأن حكم الله
- تعالى - لا يكون واحداً معيتا، بل هو تابع لظن المجتهد،
فحكم اللَّه - تعالى - في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده،
وغلب على ظنه، وسمي أصحاب هذا المذهب بالمصوبة.
وهو مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وبعض المتكلمين،
وأكثر المعتزلة، ومنهم أبو الهذيل، وأبو علي، وابنه.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن القطع والترك بأمر اللَّه تعالى
فهما صوابان مع كونهما ضدين.
стр. 2196
جوابه:
هذا من باب الواجب ألمخير؛ حيث خير اللَّه تعالى عباده بين قطع
النخل وعدمه، والعلمأء لم يمنعوا أن يرد الحكم من اللَّه تعالى
بالتخيير في الأشياء، كما ورد التخيير بين خصال كفارة اليمين.
وإنما منعوا أن يكون الحكم من المجتهد وضده من مجتهد آخر،
كلاهما يكونان على صواب.
الدليل الثاني: ما روي عن النبي ﷺ :
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
وجه الدلالة: إن هذا الحديث يدل على أن كل واحد منهم على
صواب في اجتهاده.
جوابه:
إن الحديث يحتمل عدة احتمالات هي كما يلي:
الأول: أن المراد به أن العامي يقلد من أراد منهم.
الثاني: أن المراد به أن أيهم اقتديتم واهتديتم في روايته - عني -
أي: عن النبي ﷺ .
الثالث: أن المراد به أن قول الواحد منهم حُجَّة إذا انفرد.
واذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
اعتراض:
قال قائل - معترضا -: إذا ثبت أن العامي يقلد من شاء دلَّ على
أن الحق ليس في واحد، بل كل منهم على الحق.
стр. 2197
جوابه:
نحن جوَّزنا تقليد من شاء، ولم نشترط عليه تقليد من معه الحق؛
لأنه لا طريق له إلى ذلك بأن يأخذ الحكم.
الدليل الثالث: أنه لو كان الحق في واحد لما أجمع العلماء على
جواز أن يقلد العامي من شاء من المجتهدين، فلما أجمعوا على ذلك
دلَّ على أن كل مجتهد مصيب.
جوابه:
أن الحكم المجتهد فيه لا يوجد عليه دليل مقطوع به، وإلا فلو كان
مع أحدهما دليل مقطوع به: لجاز أن يقال للمقلد: من أفتاك خلاف
هذا فلا تقبله.
وأجمع العلماء - أيضاً - على أن المجتهد إذا أخطا، فلا إثم على
المقلد له، وهو مصيب في تقليده، فلهذا لم يمنع.
الدليل الرابع: قياس اختلاف الفقهاء على اختلاف القراء، فكما
أن كل من قرأ بحرف نقول: إنه مصيب، والقارئ بحرف آخر
نقول: إنه مصيب أيضا، فكذلك هنا.
جوابه:
أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
أن اختلاف القراء يرجع إلى نقل متواتر، وإعلام الشرع بأن
القرآن نزل على سبعة أحرف، ولا تناقض في ذلك، ولهذا كل
واحد من القراء له أن يقرأ بحرفه، وحرف غيره في حالة واحدة.
بخلاف مسألتنا التي نحن فيها، فإنه ليس لمجتهد أن يفتي بشىء
وضده في حالة واحدة؛ لما في ذلك من التناقض.
стр. 2198
الدليل الخامس: أنه لو أداه اجتهاده في وقت إلى جواز شيء،
ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى تحريم ذلك الشيء: فلو قلنا بأن
الحق واحد للزم من ذلك: أنه لا يجوز له أن يحكم بالثاني - وهو
التحريم -؛ لأن عنده أن ذلك خطأ؛ حيث إنه حكم بالأول.
جوابه:
إنه ثبت عنده أنه خطأ ظنا لا علما، وفي هذه الحال قد بأن له أنه
صواب أيضا بالظن، وأن الأول خطأ، فحكم في كل حال بما أداه
إليه اجتهاده أنه الحق، وصار كالحكم في مسألتين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على ذلك اختلاف في بعض
الفروع الفقهية، ومنها: إذا صلى خلف من توضأ تاركا للنية، أو
الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه: فإنه تجب الإعادة على من
يرى وجوب النية في الوضوء، أو الترتيب فيه بناء على المذهب
الأول.
أما بناء على المذهب الثاني، فإن الإعادة لا تجب على من يرى
وجوب النية والترتيب في الوضوء؛ لأن كل مجتهد مصيب.
стр. 2199
المبحث الحادي عشر هل كل مجتهد مصيب في أصول الدين
أو المصيب واحد ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المصيب واحد في أصول الدين.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق؛
لأن كل قولين لا يجوز ورود الشرع بصحة كل واحد منهما: لم
يجز أن يكونا صوابين كقول المسلمين بالتوحيد، وقول غيرهم بالتثنية
وقول النصارى بالتثليث.
المذهب الثاني: أن كل مجتهد مصيب.
وهو ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري؛ حيث حكي عنه
قوله: " إن المجتهدين في الأصول من أهل القبْلة جميعهم مصيبون
مع اختلافهم "، وحكي أيضا عن الجاحظ.
دليل هذا المذهب:
قياس الأصول على الفروع، فإذا جاز أن يكون كل مجتهد مصيبا
في الفروع جاز مثله في الأصول، ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ حيث إنه
ليس كل مجتهد مصيبا في الفروع، بل المصيب واحد كما قلنا ذلك.
стр. 2200
الجواب الثاني: على فرض تسليم الأصل المقاس عليه، فإن هذا
القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الفرع ليس
عليها أدلة قطعية، ويجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين فيها في
حق شخصين كالصلاة تحرم على الحائض، وتجب على الطاهر،
فلذلك جاز القول فيها: إن كل مجتهد مصيب، بخلاف الأصول،
حيث إن عليها أدلة قاطعة، ولا يجوز أن يرد الشرع بحكمين
متضادين فيها، ولذلك لم يجز الحكم فيها ويقال: إن كل مجتهد
مصيب.
تنبيه: هذه المسألة تخص العقيدة، ولا صلة لها بأصول الفقه،
وإنما ذكرتها هنا لأنها لها صلة بالمسألة السابقة.
стр. 2201
المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز
عن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن عليه التوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من
الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة
الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، والحنابلة، وهو الحق
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين
المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛
وذلك لأن التخيير يلزم منه الجمع بين النقيضين؛ لأن التخيير هو
تساوي الطرفين، وهو الإباحة، والمباح نقيض المحرم، فإذا تعارض
دليل مبيح مع دليل محرم، فخيرنا المجتهد بين كونه محرما يأثم
بفعله، وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله: كان ذلك جمعا بين
هذين المتناقضين، والجمع بينهما باطل.
الدليل الثاني: أنه لو تعارض دليلان عند المجتهد، أحدهما
يقضي بإيجاب الحكم، والآخر يقضي بإباحته، ثم ذهب المجتهد
إلى المذهب الثاني - وهو: تخيير المجتهد بينهما - فقد تضمن هذا
ترجيح الدليل المبيح على الدليل الموجب بلا دليل، وهذا تحكم،
والتحكم باطل بالاتفاق.
стр. 2202
المذهب الثاني: أنه إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح
أحدهما على الآخر عنده، فإنه يتخير بينهما، فإن شاء أخذ بهذا
الدليل، وإن شاء أخذ بالدليل الآخر، ولا يرجح أحدهما على
الآخر، ولا يجوز له التوقف.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجرجاني، والجصاص، وبعض
المعتزلة كأبي علي وابنه، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أمام المجتهد احتمالات خمسة باطلة إلا واحد،
وهي كما يلي:
الاحتمال الأول: إما أن يعمل المجتهد بالدليلين معا؛ المثبت
والنافي، وهذا محال؛ لأنه جمع بين متناقضين.
الاحتمال الثاني: وإما أن يسقط المجتهد الدليلين معا، فلا يعمل
بهما وهو باطل؛ لأنه يؤدي إل تعطيل دليلين قد ثبتا. -
الاحتمال الثالث: وإما أن يتوقف فلا يعمل بهما معا حتى يرد ما
يرجح أحدهما، وهو باطل؛ لأن التوقف إلى غير غاية فيه تعطيل
لدليلين قد ثبتا، ويمكن أن يكون الحكم في المسألة لا يقبل التأخير
بأي حال.
الاحتمال الرابع: وإما أن يرجح أحدهما فيعمل به، دون الآخر،
وهو باطل؛ لأنه تحكم، أي: هو تعيين بلا دليل، وليس أحدهما
بأوْلى من الآخر.
الاحتمال الخامس: وإما أن يتخير بينهما، فيختار ما شاء منهما
فيأخذه فيعمل به على طريقة الإباحة، وهذا هو الصحيح؛ وذلك
стр. 2203
لكون كل واحد منهما في قوة الآخر، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر، وهو مذهبنا.
جوابه:
لا نسلم صحة الاحتمال الخامس؛ لما ذكرناه من الدليلين السابقين
على أن التخيير باطل.
بل المسلم هو الاحتمال الثالث وهو: التوقف - وهو مذهبنا -
وليس فيه تعطيلاً للدليلين، حيث إنا لا نقصد به التوقف المطلق،
بل نقصد أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر، فإن
لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعدل إلى دليل آخر كالبراءة الأصلية؛
قياساً على القاضي إذا تعارضت عنده بينتان.
ومعروف أنه لا توجد أية حادثة إلا ويوجد لها دليل يدلنا على
الحكم فيها؛ لأن اللَّه تعالى قد كلفنا بأن نوجد أحكاما شرعية لكل
الحوادث المتجددة، ولا سبيل لإيجاد هذه الأحكام إلا بدليل شرعي،
فلو لم يجعل دليلاً لذلك: كان هذا تكليفا بما لا يطاق.
والتوقف واقع في الشريعة في صور، ومنها:
١ - أن المجتهد إذا سأله بعض المستفتين عن حكم مسألة لم يجد
لها دليلاً يعتمد عليه من نقل، أو عقل، فإنه حينئذٍ يتوقف.
٢ - أنه إذا حدثت حادثة للعامي، فلم يجد مجتهداً يفتيه بها
بحكم، فليس أمامه إلا التوقف، لأنه لا يعرف الأدلة حتى يجتهد
لنفسه.
الدليل الثاني: قياس المجتهد على العامي؛ حيث إن العامي إذا
حدثت له حادثة، فسأل مجتهداً عن حكمها فأفتاه بأن حكمها
стр. 2204
الجواز، وسأل مجتهدا آخر فافتاه بأن حكمها التحريم: فإن العامي
يختار أيهما شاء إما حكم الجواز، أو التحريم، ولا حرج عليه في
ذلك، فكذلك المجتهد إذا تعارض عنده دليلان يختار أيهما شاء ولا
فرق بجامع: أن كلًّا منهما يتخير، فالعامي يتخير بين حكمين،
والمجتهد يتخير بين دليلين.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهو
العامي؛ حيث إن العلماء اختلفوا في العامي إذا أفتاه مجتهدان قد
اختلفا في الحكم على أقوال:
فقيل: إن العامي يتخير بين فتوى هذا، وفتوى ذاك، وهو رأي
أكثر العلماء.
وقيل: إن العامي ينظر في أعيان المجتهدين، فيقبل قول أدينهما،
وأعلمهما، وهو مذهب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأثقل والأغلظ من قولي المجتهدين؛
احتياطاً.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأسهل والأخف من قوليهما؛ لأن
الشريعة جاءت باليسر.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأرجح دليلاً في اعتقاده.
وقيل: إنه ينبغي أن يسأل مجتهداً ثالثا.
إذن الحكم في الأصل مختلف فيه، فلا يجوز لكم أن تقيسوا على
أصل قد اختلف في حكمه.
стр. 2205
الجواب الثاني: سلمنا أن الأصل المقاس عليه قد اتفق على حكمه
وهو: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
أن العامي ليس أهلاً للنظر في الأدلة، ولم يتعبَّده الشارع باتباع
موجب ظنه.
وكذلك فإن العامي لا يكلف بأن يرجح بين حكمي المجتهدين في
حادثته.
أما المجتهد فإنه يختلف عنه في ذلك؛ فإنه أهل للنظر في الأدلة،
وقد تعبّده اللَّه باتباع موجب ظنه، وهو مكلف بترجيح أحد الدليلين
إذا تعارضا.
فأما إذا تعارض دليلان، ولم يجد مرجحا لأحدهما على الآخر،
فإنه لم يغلب على ظنه ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ لأنه لا ظن
له هنا، فحينئذٍ يجب عليه التوقف.
الدليل الثالث: أن التخيير بين الحكمين في الشرع قد وقع في
صور، ومنها:
١ - التخيير بين خصال كفارة اليمين بين الإعتاق، أو الإطعام،
أو الكسوة.
٢ - أن من دخل الكعبة، فإنه يخير بأن يستقبل أي جدار أراد.
ووقوع التخيير في الشرع دليل على أن التخيير بين الدليلين بالنسبة
للمجتهد ليس ببعيد ولا بمستنكر.
جوابه:
أنا لا ننكر أن التخيير قد ورد في الشرع كما ذكرتم من الأمثلة،
стр. 2206
وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلاً، فجاز
عقلاً وشرعا.
لكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين
مثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،
فهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلاً؛ لأنه محال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال
بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،
وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة
الأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.
стр. 2207
المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في
الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الصحابة ﵃ قد تكلموا في
فروع فقهية كثيرة - كما سبق في باب القياس - ولم يحك ويرو عن
أحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد،
مع أنه روي لنا آلاف من الآثار عنهم، وهذا يدل على عدم جوازه.
الدليل الثاني: أن قول المجتهد في مسألة واحدة قولين متضادين
في وقت واحد لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إما أن يكونا صحيحين.
الحالة الثانية: إما أن يكونا فاسدين.
الحالة الثالثة: إما أن يكون أحد القولين صحيحاً، والقول الآخر
فاسداً.
أما الحالة الأولى - وهي: كونهما صحيحين - فلا تصح؛ لأن
الشيء لا يجوز أن يكون حلالاً حراما، ولا نفيا ولا إثباتا؛ حيث
إنهما ضدان، ولا يمكن اجتماع الضدين.
стр. 2208
أما الحالة الثانية - وهي: كونهما فاسدين - فلا تصح - أيضا -؛
لأن القولين إذا كانا فاسدين، فإن القول بهما يكون حراما.
أما الحالة الثالثة - وهي: كون أحدهما صحيحا والآخر فاسدا -
فلا تصح - أيضا -؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون عالما بفساد القول
الفاسد، وإما أن يكون غير عالم بذلك.
أما الأول - وهو: كون المجتهد عالم بفساد الفاسد - فهذا لا
يصح ولا يمكن؛ لأنه يبعد أن يقول مجتهد بقول فاسد يحرم على
الأمة العمل به، فهذا تلبيس وتدليس لا يمكن أن يقوله مجتهد من
مجتهدي أمة محمد ﷺ .
وأما الثاني - وهو: كونه غير عالم بفساد الفاسد - فهذا قد اشتبه
عليه الفاسد من غير الفاسد، ومثل هذا لا يكون مجتهداً في المسألة؛
حيث لم يعلم بحكم تلك المسألة، فلا يقبل منه شيء، فخرج
- بهذا - عن المجتهدين.
وإذا ثبت بطلان الحالات الثلاث فإنه يبطل قول المجتهد في حادثة
واحدة بقولين في وقت واحد.
المذهب الثاني: أنه يجوز أن يقول المجتهد في المسألة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد.
وهو محكي عن الشافعي، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله ﷺ :
"إن وليتم أبا بكر وليتم ضعيفا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى،
وإن وليتم عمر وليتم قويا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى ".
стр. 2209
وجه الدلالة: أن هذين قولان، ولم ينص على أحدهما.
جوابه:
أن النبي ﷺ لم يقل: ولُّوا فلانا، وإنما قال: " إن وليتم فلانا فهو كذا، وإن وليتم فلاناً فهو كذا " فهو يبين صفة كل واحد منهما.
الدليل الثاني: أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى في
ستة، ولم ينص على واحد منهم بعينه.
جوابه:
أن عمر ﵁ لم يقل: إن الخليفة بعدي فلان،
وفلان، وإنما قال: لا أدري أحق بهذا الأمر من أحد هؤلاء الستة.
стр. 2210
المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم
كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد
فهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقا، أي: سواء مع
ضيق الوقت، أو سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به،
وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تقليد من لم تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة
إصابته الحكم الشرعي، بل يجوز خطأوه، وتلبيسه لا يمكن أن يثبت
إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا يوجد هنا نص، ولا قياس؛
لأن المنصوص عليه هو: أن العامي يقلد المجتهد؛ حيث إن المجتهد
له أن يأخذ بنظر نفسه، وللعامي أن يأخذ بقول المجتهد، بيان ذلك:
أما المجتهد فإنما جاز له الحكم بظنه؛ نظراً لعجزه عن العلم
القطعي بالحكم، فالضرورة دعت إلى ذلك في كل مسألة ليس فيها
دليل قاطع.
أما العامي فإنما جاز له تقليد غيره؛ نظراً لعجزه عن تحصيل العلم
والظن بنفسه.
следующие страницы →