Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلاً، فجاز
عقلاً وشرعا.
لكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين
مثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،
فهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلاً؛ لأنه محال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال
بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،
وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة
الأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.
стр. 2207
المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في
الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الصحابة ﵃ قد تكلموا في
فروع فقهية كثيرة - كما سبق في باب القياس - ولم يحك ويرو عن
أحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد،
مع أنه روي لنا آلاف من الآثار عنهم، وهذا يدل على عدم جوازه.
الدليل الثاني: أن قول المجتهد في مسألة واحدة قولين متضادين
في وقت واحد لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إما أن يكونا صحيحين.
الحالة الثانية: إما أن يكونا فاسدين.
الحالة الثالثة: إما أن يكون أحد القولين صحيحاً، والقول الآخر
فاسداً.
أما الحالة الأولى - وهي: كونهما صحيحين - فلا تصح؛ لأن
الشيء لا يجوز أن يكون حلالاً حراما، ولا نفيا ولا إثباتا؛ حيث
إنهما ضدان، ولا يمكن اجتماع الضدين.
стр. 2208
أما الحالة الثانية - وهي: كونهما فاسدين - فلا تصح - أيضا -؛
لأن القولين إذا كانا فاسدين، فإن القول بهما يكون حراما.
أما الحالة الثالثة - وهي: كون أحدهما صحيحا والآخر فاسدا -
فلا تصح - أيضا -؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون عالما بفساد القول
الفاسد، وإما أن يكون غير عالم بذلك.
أما الأول - وهو: كون المجتهد عالم بفساد الفاسد - فهذا لا
يصح ولا يمكن؛ لأنه يبعد أن يقول مجتهد بقول فاسد يحرم على
الأمة العمل به، فهذا تلبيس وتدليس لا يمكن أن يقوله مجتهد من
مجتهدي أمة محمد ﷺ .
وأما الثاني - وهو: كونه غير عالم بفساد الفاسد - فهذا قد اشتبه
عليه الفاسد من غير الفاسد، ومثل هذا لا يكون مجتهداً في المسألة؛
حيث لم يعلم بحكم تلك المسألة، فلا يقبل منه شيء، فخرج
- بهذا - عن المجتهدين.
وإذا ثبت بطلان الحالات الثلاث فإنه يبطل قول المجتهد في حادثة
واحدة بقولين في وقت واحد.
المذهب الثاني: أنه يجوز أن يقول المجتهد في المسألة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد.
وهو محكي عن الشافعي، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله ﷺ :
"إن وليتم أبا بكر وليتم ضعيفا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى،
وإن وليتم عمر وليتم قويا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى ".
стр. 2209
وجه الدلالة: أن هذين قولان، ولم ينص على أحدهما.
جوابه:
أن النبي ﷺ لم يقل: ولُّوا فلانا، وإنما قال: " إن وليتم فلانا فهو كذا، وإن وليتم فلاناً فهو كذا " فهو يبين صفة كل واحد منهما.
الدليل الثاني: أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى في
ستة، ولم ينص على واحد منهم بعينه.
جوابه:
أن عمر ﵁ لم يقل: إن الخليفة بعدي فلان،
وفلان، وإنما قال: لا أدري أحق بهذا الأمر من أحد هؤلاء الستة.
стр. 2210
المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم
كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد
فهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقا، أي: سواء مع
ضيق الوقت، أو سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به،
وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تقليد من لم تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة
إصابته الحكم الشرعي، بل يجوز خطأوه، وتلبيسه لا يمكن أن يثبت
إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا يوجد هنا نص، ولا قياس؛
لأن المنصوص عليه هو: أن العامي يقلد المجتهد؛ حيث إن المجتهد
له أن يأخذ بنظر نفسه، وللعامي أن يأخذ بقول المجتهد، بيان ذلك:
أما المجتهد فإنما جاز له الحكم بظنه؛ نظراً لعجزه عن العلم
القطعي بالحكم، فالضرورة دعت إلى ذلك في كل مسألة ليس فيها
دليل قاطع.
أما العامي فإنما جاز له تقليد غيره؛ نظراً لعجزه عن تحصيل العلم
والظن بنفسه.
стр. 2211
والمجتهد غير عاجز، فلا يكون في معنى العاجز، فيجب عليه أن
يطلب الحق بنفسه، ولا يساوى بالعامي.
الدليل الثاثي: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله
تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره: لكان تاركا ما
وجب عليه، وترك الواجب حرام، فكان تقليده لمجتهد آخر حراما.
الدليل الثالث - وهو: خاص للاستدلال على أن المجتهد لا يقلد
الآخر وإن كان مثله في العلم أو أقوى منه -: أن الواجب على
المجتهد أن ينظر في المسألة:
فإن غلب على ظنه أن الحكم في المسألة كذا، ووافق ذلك ما
غلب على ظن المجتهد الأقوى فحسن.
وإن غلب على ظن المجتهد الأقل علما خلاف ما غلب على ظن
المجتهد الأقوى علما، فماذا ينفع كونه أقوى علما، وقد صار ما
غلب على ظنه مزيفا وباطلاً عند المجتهد الأقل علما، والخطأ جائز
على الأعلم، وظن المجتهد الأقل علما أقوى في نفسه من ظن غيره،
وإن كان أعلم منه، وللمجتهد الأقل علما أن يأخذ بظن نفسه اتفاقا،
ولا يلزمه تقليد غيره وإن كان أعلم منه.
ويؤيد ذلك: أن الصحابة ﵃ قد سوغوا
الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير،
وزيد، وغيرهم من أحداث الصحابة؛ حيث كانوا يخالفون كبار
الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن بعض الصحابة: مثل طلحة بن عبيد الله
стр. 2212
والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن
عوف لم ينقل عنهم أنهم نظروا في الأحكام، واجتهدوا فيها، مع
ظهور الخلاف في عدة مسائل كمسالة: الجد والإخوة، والعول،
والتحريم، ونحوها مما يدل على أنهم أخذوا بقول غيرهم من
الصحابة الآخرين، وقلدوهم في ذلك.
جوابه:
أن ما ذكررم من الصحابة ﵃ وما ماثلهم كانوا لا
يفتون ولا ينظرون في الأحكام؛ لأنهم اكتفوا بغيرهم من الصحابة،
أما علمهم في حق أنفسهم فلم يكن إلا بما سمعوه من ﷺ من الكتاب والسّنَة، وعرفوه، فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها
شاوروا غيرهم؛ ليعرفوا الدليل، لا لأجل التقليد.
المذهب الثاني: أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر مطلقا.
وهو مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية
عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع
المسؤول، واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئاً أصلاً،
بل المراد به من لم يعلم تلك المسألة، وسواء كان عاميا أو لم يجتهد
فيها وإن كانت له أهلية الاجتهاد، فكان هذا داخلاً تحت عموم
الآية.
стр. 2213
جوابه:
لا نسلم عموم الآية، بل هي خاصة بسؤال من ليس من أهل
العلم وهو العامي، فيكون المراد منها: أمر العوام بسؤال العلماء؛
لأنه ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فمن هو من أهل العلم
مسؤول، وليس بسائل، وكون حكم هذه المسألة غير حاضر في
ذهن المجتهد حال سؤال المستفتي عنه لا يخرجه عن كونه عالما؛ لأنه
متمكن من معرفة ذلك من غير أن يتعلم من غيره.
وعلى هذا: لا يكون داخلاً تحت هذه الآية؛ لأن الآية لا دلالة
لها على أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس المسؤول أوْلى
بذلك السائل.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم) .
وجه الدلالة: أن المراد بأولي الأمر: العلماء، أي: أمر غير
العالم بحكم المسألة بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما
هو مذهبه، وهو عام.
جوابه:
أنه اختلف في المراد بـ " أولي الأمر " هنا على قولين:
القول الأول: إن المراد بهم الولاة، وعلى هذا فإن طاعتهم واجبة
على الجميع، ولا يجب على المجتهد اتباع وطاعة مجتهد آخر.
القول الثاني: أن المراد بهم: العلماء، وعلى هذا: وإن طاعتهم
واجبة على العوام، فلا تصلح الآية للاستدلال بها على ما زعمتم.
الدليل الثالث: أن المجتهد لا يقدر إلا على تحصيل ظن بالحكم،
وظن غيره من المجتهدين مثل ظنه، فما المانع من اتباع - ظن غيره؟!
إذ لا فرق.
стр. 2214
جوابه:
أنه إذا حصل ظن المجتهد في مسألة لا يجوز له أن يتبع ظن غيره،
فكان ظنه أصلاً، وظن غيره بدلا منه، ولا يجوز العدول الأخذ
بالبدل مع القدرة على إيجاد المبدل كما في سائر الأبدال والمبدلات.
المذهب الثالث: أنه يجوز أن يقلد المجتهد مجتهدا آخر أعلم منه
إذا تعذر عليه الاجتهاد.
وهو مذهب ابن سريج.
المذهب الرابع: يجوز أن يقلد المجتهد الواحد من الصحابة إذا كان
قد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظره فإنه
يتخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز تقليد من عدى الصحابة.
وهو مذهب أبي علي الجبائي، وحكي عن الشافعي أنه قال بذلك.
المذهب الخامس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة
والواحد من التابعين فقظ، دون من عداهم.
المذهب السادس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً آخر فيما
يخصه، دون ما يفتي نجه.
المذهب السابع: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً آخر مطلقا إذا
خشي أن يفوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد.
جواب عن تلك المذاهب:
يقال في ذلك: إن صاحب كل مذهب قد قيد مذهبه بما سبق،
ولم يذكر دليلاً على هذا التقييد، لذلك لا يلتفت إلى ذلك ويبقي
الأصل وهو: إطلاق عدم الجواز.
стр. 2215
المبحث الخامس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلَّة قد ذكرها
ووجدنا تلك العِلَّة في مسائل أخرى فَما الحكم ؟
أقول: إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل بعِلَّة توجد
في مسائل أُخر - سوى المنصوص عليها -: فإن مذهبه في تلك
المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العِلَّة أو لم
نقل؛ وذلك لأن هذا المجتهد يعتقد أن الحكم تابع للعِلَّة، أي:
يوجد الحكم حيث وجدت العِلَّة، فمثلاً هو: اعتقد أن وجوب النية
لعلة هي: " الطهارة عن الحدَث "، فكل ما وجدت هذه العِلَّة فيه:
يجب أن يكون الحكم موجوداً فيه وهو: وجوب النية، فالوضوء
طهارة عن حدث، والغسل عن المحيض طهارة عن حدث، إذاً
يجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية، وهكذا.
هذا إذا لم نقل بتخصيص العِلَّة.
وإن قلنا بتخصيص العِلَّة: فإن نخصيص العِلَّة إذا قام على تخصيصها
دليل فإنا نأخذ به، وإن لم يقم: فهي تبقى على عمومها كلفظ
العموم يدل على الشمول ما لم يخصه دليل.
стр. 2216
المبحث السادس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر
عِلَّة ذلك الحكم، ووجدنا مسألة أخرى تشبهها شبها
يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز
أن نجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى
أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه،
ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة.
دل على ذلك دليلان:
الدليل الأول: أن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ
المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب، ولا من
بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على
باله، أو عرضت عليه لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة
التي نص على حكمها.
الدليل الثاني: أن الحكم الذي أثبته المجتهد في المسألة الأولى لو
أثبتناه في مسألة أخرى تشبهها: للزم من ذلك: إثبات مذهب
المجتهد بالقياس بسبب علَّة مستنبطة، وهذا لا يجوز في كلام
المكلَّفين، بخلاف كلام الشَارع، فإنه يجوز كما سبق.
الاعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: إن الشارع يجوز القياس على كلامه وإن
стр. 2217
كانت العِلَّة مستنبطة، فكذلك المجتهد يجوز القياس على كلامه،
ولا فرق.
جوابه:
إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
صاحب الشرع إذا حكم في مسألة، واستنبطنا عِلَّة ذلك الحكم،
فإنه قد تعبدنا أن نجري حكمها في أي صورة وجدت فيها تلك العِلَّة.
أما المجتهد فإنه لم يدلنا على ذلك، ويجوز أن يوجد فرق فيقع
الخطأ، وصاحب الشرع لا يجوز عليه ذلك، فافترقا.
стр. 2218
المبحث السابع عشر إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص على مسألة
أخرى تشبهها على حكم آخر فهل يجوز نقل حكم
إحداهما وجعله في المسألة الأخرى أو لا ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في
الثانية، ولا يجوز العكس.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: القياس على المسألة السابقة في المبحث السادس
عشر، بيان ذلك:
أنا قلنا - في المبحث السادس -: إنه إذا نص المجتهد على حكم
في مسألة معينة، ولم يبين علته فيها لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم
مذهبه في مسألة أخرى تشبهها قد سكت عن حكمها، فإذا كان هذا
لا يجوز، فمن باب أوْلى أن لا نجعل مذهبه في مسألة قد نص على
حكمها هو مذهبه في مسألة أخرى قد نص على حكم فيها مخالف
للمسألة الأولى.
الدليل الثاني: أن المذهب إنما يضاف إلى الإنسان إذا قاله ونص
عليه، أو دلَّ عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا
عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه.
стр. 2219
وقد توجد من المجتهد نوع دلالة على حكم المسألة الأخرى،
لكن هو قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة
بأي وجه من أوجه الدلالة مع النص الصريح، فإنه يقدم النص
الصريح على الدلالة البعيدة.
المذهب الثاني: أنه يجوز نقل حكم إحدى المسألتين وجعله في
الأخرى.
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
أن المجتهد إذا نص في إحدى المسالتين على حكم، ونص في
نظيرتها على غيره، وجب حمل إحداهما على الأخرى بدليل: أن
الله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان، وأطلق في كفارة
الظهار، قسنا إحداهما على الأخرى، وشرطنا الإيمان فيهما،
كذلك يقال في هذه المسألة.
جوابه:
هذا قياس المسألة التي نحن بصدد الكلام عنها على مسألة قد
صرح بالحكم في إحدى المسألتين وسكت عن الأخرى، وهذا قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق.
بيان ذلك: أنه قد صرح في الكفارة في إحدى المسألتين، وسكت
في الأخرى، فقسنا المسكوت على المنطوق.
بخلاف مسألتنا، فإنه صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف
الأخرى، فلا يجوز جعل حكم إحداهما على الأخرى، كما
стр. 2220
ذكرنا ذلك في أن الشارع لما نص في صوم الظهار على التتابع، وفي
صوم التمتع على التفريق لم نلحق إحداهما بالأخرى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول لا يجوز أن
يكون للمجتهد في جمل مسألة منهما قولان، ولا يكون هذا طريقا
لمعرفة مذهب المجتهد.
أما بناء على المذهب الثاني فإنه يجوز أن يكون للمجتهد في كل
مسألة منهما قولان، ويكون هذا طريقا لمعرفة مذهب المجتهد.
стр. 2221
المبحث الثامن عشر إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة
روايتان مختلفتان وصح هذا النقل عنه
ففيه التفصيل الآتي:
أولاً: أنه لا يجوز أن يقول كل واحدة منهما في وقت واحد وفي
حالة واحدة كما بينا ذلك في المبحث الثالث عشر.
ثانيا: إذا قال المجتهد هذين الحكمين المختلفين - في تلك المسألة
في حالتين فلا يخلو إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة أو لا نعلم:
فإن لم نعلم الرواية الأخيرة من هذا المجتهد، بحيث جهلنا تقدم
إحداهما على الأخرى، فإنا ننظر في هاتين الروايتين: فإن كانت
إحداهما أشبه من الأخرى بأصول ذلك المجتهد، فإنا نجعلها مذهبا
له، وتكون الأخرى مشكوكاً فيها، ولا يعمل بالشك.
وإن علمنا الرواية الأخيرة: فقد اختلف العلماء في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أن الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد هي مذهبه في
المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الرواية الأولى
كالمنسوخ، والرواية الثانية كالناسخ، فكما أن الصحابة يتركون
الحكم المنسوخ إذا جاء بعده ما ينسخه ويعملوا بالناسخ، فكذلك هنا
стр. 2222
فالروايتان حكمان مختلفان وردا من مجتهد واحد في مسألة واحدة
فهما قولان متضادان، فالثاني منهما ترك للأول كالنصين الواردين من
صاحب الشرع.
فيفهم من نصه الأخير أنه رجع عن رأيه الأول؛ حيث إن المجتهد
إذا أفتى شخصا بجواز شيء، ثم عاد وأفتاه بتحريمه فالظاهر أنه
رجع عن الأول؛ لأن الحق عنده قي واحد.
المذهب الثاني: أن الرواية الأولى هي التي تكون مذهبا له إلا أن
يصرح بالرجوع عنها.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحتابلة.
دليل هذا المذهب:
أن قول المجتهد في الرواية الأولى كان بالاجتهاد، وقوله في
الرواية الثانية كان بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ولهذا روي عن عمر ﵁ أنه لما جاءته مسألة فيها
أم، وزوج، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء في عام لم يعط الإخوة
الأشقاء شيئاً، فلما جاءت نفس المسألة بعد سنوات، أعطى الإخوة
الأشقاء فقيل له: إنك في عام كذا وكذا لم تشرك الإخوة الأشقاء،
فقال: " فتلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما نقضي الآن "،
فلم يبطل عمر الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني.
جوابه:
أن المجتهد إذا حكم في حق غيره ونفذ الحكم، ثم حكم بحكم
آخر بعد ذلك بنفس المسألة، فإنه لا يجوز له الرجوع إلى هذا الغير
ويبطل حكمه فيه؛ لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد هنا يفضي إلى أن
стр. 2223
لا يستقر حكم، وإلى وقوع الشغب بين الناس، وعدم وثوقهم
بالمجتهدين، ولهذا فإنه لا يسوغ للحاكم أن ينقض حكم من سبقه إذا
خالفه.
وهذا لا يدخل في مسألتنا التي نحن بصددها، حيث إن هذه
المسألة تخص مذهب الإنسان إذا لم يتعلق به حق غيره، فإذا قال
رأيا أولاً ثم عاد، وقال رأياً آخر: علمنا أنه تبين له الحق فرضيه،
وترك الأول، وبناء على هذا فإنا ننسب إليه الثاني، فلا يبقى الأول
مذهبا له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي كما هو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول نسبوا
إليه الرواية الثانية وجعلوها مذهبا له، والرواية الأولى تكون باطلة
ومنسوخة.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم نسبوا إليه الرواية الأولى
وجعلوها مذهبا له، وتركوا الرواية الثانية.
ويترتب على هذا اختلاف مذهب هذا المجتهد.
وما الذي ننسب إليه من الروايتين؟
стр. 2224
الفصل الثاني في التقليد
ويشتمل على المباحث التالية:
ْالمبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: هل يجوز التقليد في أصول الدين؟
المبحث الثالث: هل يجوز التقليد في الفروع؟
المبحث الرابع: بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.
المبحث الخامس: مجهول الحال هل يجوز تقليده؟
المبحث السادس: إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فأيهم
الذي يستفتيه العامي؟
المبحث السابع: إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثة،
فحكم أحدهما بالجواز وحكم الاآخر
بالتحريم، وأحدهما أفضل من الآخر فهل
يعمل بحكم الأفضل أو يتخير؟
المبحث الثامن: إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد
أصدرا فتواهما في جميع الأحوال،
وأحدهما أفتى بحكم أخف من الحكم الذي
أفتى به الآخر فأي الحكمين يأخذ به العامي؟
стр. 2225
المبحث الأول تعريف التقليد
أولاً: التقليد لغة هو: جعل الشيء في عنق الدابة وغيرها حال
كونه محيطا بهذا العنق، وهذا الشيء يسمى قلادة.
فلفظ " قلد " - كما قال ابن فارس -: يدل على تعليق شيء
على شيء.
ولا بد من كونه محيطا بالعنق؛ لأن الشيء إذا لم يكن محيطا
بالعنق لا يسمى قلادة في عرف اللغة.
ثم بعد ذلك استعمل - استعارة - في تفويض الأمر إلى الشخص
واتباعه في كل ما يقول.
ثانيا: التقليد اصطلاحا هو: قبول مذهب الغير من غير حُجَّة.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
لفظ " قبول " جنس يشمل قبوله مع العمل به، وعدم العمل به،
فالمراد به: اعتقاد ذلك، ولو لم يعمل به لفسق.
ولفظ " مذهب " عام ما كان قولاً للمجتهد أو فعلاً له.
ونسب المذهب إلى الغير حتى يخرج به ما كان معلوما بالضرورة،
ولا يختص به ذلك الغير إذا كان من أقواله وأفعاله التي ليس له فيها
اجتهاد، فإنها لا تسمى مذهبه.
وأتي بلفظ " من غير حُجَّة " لبيان أنه يشترط في المقلد:
стр. 2226
أن لا يعرف الدليل الذي اعتمد عليه ذلك الغير - وهو المجتهد - في
حكمه، فخرج بهذا: المجتهد الذي وافق اجتهاده اجتهاد مجتهد آخر
وعرف دليل ذلك المجتهد الآخر على حكمه، فإنه لا يسمى تقليداً
كما يقال: أخذ أحمد بمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، أو أخذ
الشافعي بمذهب مالك.
وسبب قولنا هذا: أن المجتهد وإن كان آخذاً بقول الغير، لكنه
بسبب معرفته لدليل المجتهد الآخر حق المعرفة، وأخذه - حقيقة -
بالدليل، لا يسمى مقلداً، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوز.
وبناء على هذا: فإن الرجوع إلى قول النبي ﷺ ، والرجوع إلى الإجماعِ لا يسمى تقليداً؛ لأن كلًّا من قول الرسول ﷺ والإجماع يعتبر حُجّة في نفسه.
بخلاف فتوى المجتهد فإن قوله ليس بحُجَّة في نفسه، ولا يعتبر
دليلاً على الحكم؛ لأنه فتواه تحتاج إلى دليل يعتمد عليه.
стр. 2227
المبحث الثاني هل يجوز التقليد في أصول الدين ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن أصول الدين لا يجوز فيها التقليد.
فلا يجوز التقليد في الأحكام التي تخص أصول الدين وهي:
المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة اللَّه تعالى، ووحدانيته،
وصحة الرسالة، ووجود اللَّه تعالى، وما يجوز عليه، وما يجب
له، وما يستحيل عليه.
فيحرم التقليد في هذه الأمور عند أكثر العلماء، وقالوا: يجب
على الكل معرفة ذلك بغير تقليد؛ وهذا هو الحق؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن العلماء أجمعوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى،
ولا تحصل بتقليد؛ لجواز كذب المخبر، واستحالة حصوله.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وجه الدلالة: أن هؤلاء الكفار قد بئنوا لهم أنهم سيحملون
خطاياهم، فرد اللَّه سبحانه عليهم قولهم، وكذبهم في ذلك، فدلَّ
على أنه لا يصح التقليد في أصول الدين.
стр. 2228
الدليل الثالث: قياس أصول الدين على أركان الإسلام، فكما
أنه لا يجوز التقليد في أركان الإسلام وهو وجوب الصلاة،
والزكاة، والحج، والصوم، فأصول الدين من الوحدانية، والنبوة
أوْلى بعدم الجواز.
المذهب الثاني: أنه يجوز التقليد في أصول الدين.
وهو محكي عن بعض الشافعية، وهو اختيار الحشوية.
دليل هذا المذهب:
أن المنع من التقليد في أصول الدين يؤدي إلى إضلال أكثر الناس،
بيان ذلك:
أن العامة - وهم أكثر الناس - لا يدركون الأدلة على الأسماء،
والصفات، ولا يعرفون كيفية ترتيبها، ولا الطريق الذي أخذ منه
التوحيد والنبوات، ولا يمكن لهم ذلك، فإذا كانوا لا يعرفون
الأدلة، ويمنعون من تقليد غيرهم في ذلك أفضى ذلك إلى إضلالهم،
وهذا لا يجوز، فوجب القول بجواز التقليد لهم، كما جاز لهم
التقليد في فروع الشريعة ولا فرق، والجامع: عدم معرفتهم لأدلة
كل من الأصول والفروع.
جوابه:
أن العامي عارف بتلك الدلائل الخاصة بإثبات وحدانية اللَّه تعالى،
والأسماء والصفات كالعلماء في ذلك، وهو - أي العامي - وإن
كان لا يقدر على أن يعبر عنه بالألفاظ الكلامية، فإن ذلك لا يضره
في معرفته؛ لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصل
للمعرفة، بيان ذلك:
стр. 2229
أن العامي يشارك العلماء في معرفة اللَّه تعالى، وطرق التوحيد
والنبوات، فيعلم مما يدركه من صنائع اللَّه تعالى من السموات،
والأرضين، والشمس، والقمر، والنجوم، وسيرها، وثبوت
الأرض على الماء مع أن البناء لا يثبت على الماء، وتنقل الإنسان في
خلقه من النطفة إلى مراحل أخرى حتى وصل إلى إنسان سوي
يصرف الأمور، وأن الشمس تطلع في موعدها، وتغرب في
موعدها، وكذلك القمر، والنجوم دون تأخير أو تقديم، وأنه لو
اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوا إنسانا بشيء لم يكتبه اللَّه له فلن
يستطيعوا ذلك، وأنه لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله
عليه، فلن يستطيعوا ذلك، وأن هذا قائم مستمر لا فرق بين إنسان
وآخر، أو زمان وآخر، ويعلم أن كل ذلك قد جرى بانتظام،
واتساق أحوال، ولو كان لله تعالى شريك في ملكه، أو معه مدبر
لفسد هذا النظام، ووقع الاختلاف، كما يشاهد في كل شريكين،
كل ذلك يعلمه العامي بحسه، ويدركه بمجرد اختلاطه بالآخرين،
بل لا أبالغ إذا قلت: إن من العوام من يدرك ذلك ويؤمن به إيمان@
قويا أكثر من بعض من يسمى نفسه أنه متعلم.
أما قياسكم أصول الدين على فروعه في ذلك فهو قياس مع
الفارق؛ لأن أدلة الفروع كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر،
بخلاف أدلة أصول الدين فهي قليلة، وواضحة وأكثرها يؤخذ من
الواقع لذلك لا ينقطع عمر الإنسان ومعاشه فيها.
وأيضا لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛
حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطا، وهذا بخلاف أصول
الدين.
стр. 2230
المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع ؟
في ذلك تفصيل:
أولاً: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي:
الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه
ثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق
معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار
التواتر من البلدان كالهند، والصين.
ثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة،
والعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل
العبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف الحلماء في
ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ
درجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛
حيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن
الأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان
العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق
الحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعا
على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.
стр. 2231
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي
الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) .
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط
وهم المجتهدون.
الدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي
للمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له
أجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.
أما في أمور العقائد، فإن المجتهد إذا أخطأ فعليه إثم، كما بيَّنا
هناك، لذلك جوزنا التقليد في الفروع، دون الأصول.
الدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة
فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
الأمر الثاني: أو يعرف حكمها عن طريق التقليد.
أما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه
فإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها،
والناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما
يعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان
قابلاً للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه،
وهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره
وهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته، وكثير من أهل الحديث
يعرفون صحيح الأحاديث وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد.
إذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
стр. 2232
فلم يبق إلا أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام
الاجتهاد والنظر في الدليل.
وهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه بأن لم
يخلص بالاجتهاد أو نحو ذلك، فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي
أن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقا من الحكم الذي
قاله له المجتهد.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد
عليه، فإن هذا لا يفيد شيئاً؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه
وكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم
لا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في
الخبر والاستدلال به فاعلاً للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت
شروط الراوي فيه ما يرويه.
الدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز
للعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.
جوابه:
أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما
من وجهين:
стр. 2233
الوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد،
والنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر
الإنسان ومعاشه فيها.
أما الفروع فنظرا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها، وتجدد
الاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها
إلا بطول بحث وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن
المعاش الذي به قوام الدنيا.
الوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه
الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل
للعالم بخبر الواحد عن الرسول ﷺ .
بخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.
стр. 2234
المبحث الرابع بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه
قلنا: إنه يجوز للعامي تقليد كل شخص غلب على ظنه أنه من
أهل الاجتهاد، وأهل العدالة والتقوى، ولكن يرد سؤال وهو:
كيف يعرف ذلك المجتهد أو المفتي؟
أقول: يعرفه بطرق هي:
الطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان
العلماء، دون أن ينكروا عليه.
الطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل
بما يقول، دون منكر.
الطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات
وصفات الدين والتقوى، والعدالة والورع.
الطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.
فإذا توفر واحد من هذه الطرق، فإنه يغلب على ظنه أن هذا هو
الذي ينبغي أن يقلد.
أما إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص ليس من أهل الاجتهاد،
وأنه جاهل بأحكام الشريعة، فلا يجوز له أن يقلده، أو يأخذ عنه
إجماعاً.
стр. 2235
المبحث الخامس مجهول الحال هل يجوز تقليده ؟
إذا لم يعرف العامي عن شخص أفيَ شيء، أي: لا يعرف عنه
أنه عالم، ولا أنه جاهل فهل يجوز له تقليده، والأخذ عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
ْالمذهب الأول: أن مجهول الحال لا يجوز تقليده، ولا العمل
بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: القياس على الرسول ﷺ ، وعلى الشاهد، وحال الراوي، بيان ذلك:
كما أن الرسول لا يمكن أن تقبل الأُمَّة المبعوث إليهم قوله إلا بعد
أن تعرف وتطلع على المعجزات التي يذكرها؛ إذ لو قبلت الأُمَّة كل
من ادَّعى النبوة بدون أدلة على ذلك لضاعت الحقيقة، ولكثر الذين
يدَّعون النبوة كذباً وزوراً، وكما أن القاضي يجب أن يعرف حال
الشاهد من الصدق والعدالة، وكما أن الراوي للخبر يجب عليه أن
يعرف حال رواته بالتفصيل.
فكذلك يجب على العامي أن يعرف حال المجتهد والمفتي الذي
يريد أن يقبل قوله، ويعمل به، والجامع: أن كلًّا من الرسول،
والشاهد، والراوي، والمجتهد: مُتبع فيما يقول، ويترتب عليه
آثار.
стр. 2236
الدليل الثاني: أنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل
في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل.
واحتمال كونه أجهل من السائل قوي، لأن الأصل عدم العلم
والجهل؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام.
فلذلك لا بد أن يسأل عنه، فإن كان عالما قلَّده، وإلا فلا.
المذهب الثاني: أن مجهول الحال يجوز تقليده، واستفتاؤه،
وليس على العامي البحث عنه.
وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن من عادة العوام إذا دخلوا بلدة يريدون الاستفسار والسؤال عن
حكم حادثة حدثت لهم، فإنهم لا يبحثون عن عدالة من يسألونه،
ومن يستفتونه، ولا يسألون عن علمه، وهل هو قد بلغ درجة
الاجتهاد أو لا؟ وهذا شائع وذائع لا يحتاج إلى برهان.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن عادة العوام تعتبر دليلاً من أدلة الشرع حتى تكون
مثبتة لقاعدة من القواعد الأصولية، ولو جعلنا عادة العوام طريقا
لإثبات القواعد لانهدمت أكثر الشريعة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو واضح.
стр. 2237
المبحث السادس إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر
فأيهم الذي يستفتيه العامي ؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن للعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه
من أهل الاجتهاد، ويتخير، ولا يلزمه أن يسال الأعلم والأفضل.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لإجماع الصحابة؛
حيث إن الصحابة ﵃ فيهم الفاضل والمفضول من
المجتهدين، يتبين ذلك من بعض النصوص الواردة في ذلك كقوله
ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ "، وقوله: " ... وأقضاكم عليّ، وأفرضكم زيد،
وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل "، وكان فيهم العوام، ومن
فرض ذلك: اتباع الفاضلين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم
ينقل عن أحد من الصحابة تكليف العوام الاجتهاد في أعيان
المجتهدين، ولم ينكر أحد منهم اتباع المفضول، وقبول قوله مع
وجود الأفضل، فهذا يدل على أن العامي والمستمْتي له أن يتخير بين
الفاضل والمفضول.
المذهب الثاني: أنه يلزم العامي أن يسأل الفاضل، ويترك المفضول،
أي: أن العامي لا يتخير بين المجتهدين حتى يأخذ من شاء منهم، بل
يلزمه الاجتهاد في أعيان المجتهدين من الأورع، والأدين، والأعلم.
стр. 2238
وهو مذهب ابن سريج، والقفال، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وجماعة من المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
قياس العامي على الأعمى عند الاختلاف في جهة القِبْلة؛ حيث
إنه لو كان هناك ثلاثة رجال سافروا، وأحدهم أعمى، فلما
حضرت الصلاة: اختلف المبصران في جهة القِبْلة:
أحدهما يقول: إن جهة القبْلة كذا، والآخر يخالفه ويقول: إن
جهة القِبْلة كذا، فإن الأعمَى يتبع أوثقهما في الدين والعدالة
والتقوى وأعلمهما بجهات القِبْلة.
فكذلك هنا فإن العامي لا يتبع إلا أفضل المجتهدين ديناً وعلما ولا
فرق.
جوابه:
أن هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق فاسد، ووجه
الفرق: أن المسألة المقاس عليها تختلف عن المسألة المقاسة وهي
مسألتنا؛ حيث إن العامي لو سأل مجتهدين فاختلفا في الحكم،
فأحدهما قال بجواز ذلك، والآخر قال بتحريمه، فإنا نوافق ونسلم
أن العامي يأخذ بقول الأفضل منهما في علمه ودينه، وهذا ليس من
مسألتنا - وستأتي بعد هذه -.
أما المسألة التي نحن بصددها هي: إذا كان في البلد عدة
مجتهدين بعضهم أفضل من بعفمن حيث العلم، فهل يسأل
العامي الأفضل أو المفضول؟
стр. 2239
والخلاصة: أن الخلاف بين المسألتين: أن ما نحن فيه لم يسأل
العامي أيَّ مجتهد.
أما المسألة الأخرى فهي: أن العامي قد سأل مجتهدين، وكل
واحد منهما قد أفتاه بفتوى تخالف فتوى الآخر، وأحدهما أفضل
من الآخر، فأيهما الذي يتبع العامي؟
стр. 2240
المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهما
بأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا
وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم
فهل يعمل بحكم الأفضل، أو يتخير؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك
قول وحكم المفضول.
وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس العامي على المجتهد، بيانه:
أنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان: أحدها يحرم، والآخر
يجوز، فإن المجتهد يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه.
فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.
أي: إن غلب على ظنه أن أحد المجتهدين أفضل من الآخر، فإنه
يتبع الأفضل، ويترك المفضول.
الدليل الثاني: أن العامي لا يشك في أن الصواب في أحد القولين،
وهذا شيء يحس به في قريرة نفسه، فإنه لا بد أن يجتهد في أن
يبعده عن هذا القول الخاطئ، ولا طريق له في ذلك إلا بأن يتبع
المجتهد الأفضل، ويترك المفضول.
стр. 2241
المذهب الثاني: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ
بقول الأفضل، وإن شاء أخذ بقول المفضول.
وهو مذهب كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العامي لا يمكنه أن يعرف الأفضل منهما على
الحقيقة، بل قد يغتر بالظواهر، فيقدم المفضول، ويعتقد أنه هو
الأفضل، وذلك لأن معرفة أن هذا العالم أفضل من ذاك يحتاج إلى
معرفة أدلة كل واحد منهما على حكمه، وهذا ليس من شأن
العوام، ولا يمكنهم ذلك لو أرادوا، ولو جاز أن يعرف العامي أدلة
كل واحد من المجتهدين: لجاز للعامي أن ينظر في مسألته بنفسه
ابتداء، دون أن يرجع إلى أي مجتهد.
ثم إن زيادة الفضل لا تؤثر؛ لأن المفضول - أيضا - من أهل
الاجتهاد يُسأل ويفتي لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ولا فرق.
جوابه:
أن العامي يعرف الأفضل بكل سهولة، حيث إنه يمكنه أن يعرف
ذلك بإحدى طرق:
الطريق الأول: الأخبار: كأن يخبره العدل الثقة بأن فلانا هو
أفضل علماء هذا العصر، أو يبلغه خبر عن طريق التواتر في ذلك.
الطريق الثاني: بالمشاهدة، كأن يرى فلانا من المجتهدين يذعن له
العلماء الآخرون، ويبجلونه، ويقدمونه عليهم، ويقبلون ما يقول.
الطريق الثالث: بالأمارات والقرائن، كأن يلاحظ عليه بعض
الأمور التي تجعله يحكم - بغلبة الظن - أن هذا هو الأفضل.
стр. 2242
أما قولكم: " إن زيادة الفضل لا تؤثر "، فليس بصحيح؛ بل
إنها تؤثر في زيادة الاطمئنان على الحكم، وأنه بعيد عن الحكم
الخاطئ.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة، حيث إنهم لا ينكرون على
العامة ترك النظر في أحوال العلماء، وأنهم لم يفرقوا بين الفاضل
والمفضول.
جوابه:
أن هذا الإجماع صحيح، ولكنه محمول على أنه لا يفاضل بين
المجتهدين قبل السؤال، فيكون هذا يصلح للاستدلال به على المذهب
الأول من المسألة السابقة في المبحث السادس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه لو اختلف مجتهدان في القبْلة،
فإنه يقلد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبْلة عنده، وهذا بناء على
المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنه يقلد من شاء منهما، ويتخير.
* * *
стр. 2243
المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما
في جميع الأحوال - أي: لا يوجد أفضل ولا مفضول -
وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم شديد والآخر قد أفتى له
بحكم خفيف فأي الحكمين يأخذ به العامي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ
بالأخف، وإن شاء أخذ بالأشد.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن المجتهدين إذا تساويا عند العامي في جميع
الأحوال، فإن قول أحدهما يساوي في القوة قول الآخر، فلا فرق
بينهما، فليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأوْلى من قول الآخر؛
فلا مجال للمفاضلة بينهما، ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.
الدليل الثاني: أنه للعامي أن يقلد أيهما شاء في الابتداء قبل
الفتوى - كما قلنا في المبحث السادس - فكذلك له أن يختار قول
أيهما شاء بعد الفتوى، ولا فرق في ذلك.
المذهب الثاني: أنه يجب على العامي الأخذ بالحكم الأشد.
وهو مذهب بعض الشافعية، والخطيب البغدادي، وحكي عن
الظاهرية، وهو اختيار القاضي عبد الجبار بن أحمد.
стр. 2244
دليل هذا المذهب:
ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
" الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف، ولربما شهوة تورث حزنا طويلاً ".
وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلَّ على أن الحق في الأشد.
جوابه:
أن هذا الحديث معارض بقوله ﷺ :
" بعثت بالحنيفية السمحة السهلة "،
وبقوله: " إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح هو أن يخير
العامي بينهما.
المذهب الثالث: أنه يجب عليه الأخذ بالحكم الأخف.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله ﷺ :
"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ".
ووجه الدلالة: أنه بيَّن أن الحق في الأخف الأسهل.
جوابه:
أن هذا الحديث معارض بقوله ﷺ :
" الحق ثقيل، والباطل خفيف ".
وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح: أن يخير العامي
بينهما كما قلنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي كما هو واضح.
стр. 2245
الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التعارض.
الفصل الثاني: في الجمع.
الفصل الثالث: في الترجيح.
следующие страницы →