Полный текст (2 303 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
المخالف للأمر كالسفر بالنسبة لقصر الصلاة، وترك الجمعة،
والصيام، فإن السفر لا يرفع أصل الطلب في هذه العبادات، وإنما
يرفع اللزوم فيها فقط، ولذلك فلو فعلها المسافر لصحت منه وأجزأته
ولكنه لا حرج عليه في تركها.
ويقال هذا في كل سبب من أسباب الرخص، فكل واحد من
أسباب الرخص يعتبر مانعاً من اللزوم والحتم، فلا حرج على من
ترك العزيمة للأخذ بالرخصة، هذا القسم الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلاً -
فهو ما يمنع من أصل الطلب جملة عقلاً وشرعاً مثل زوال العقل
بنوم، أو إغماء، أو غفلة، أو جنون، أو نحو ذلك، فإن زوال
العقل يمنع مطالبة النائم، أو المغمى عليه.، أو المجنون بالفعل؟
لأمرين:
أولهما: أنهم لا يفهمون الخطاب، والفهم شرط مهم من شروط
التكليف.
ثانيهما: أن خطاب الشارع إلزام والتزام، ومن زال عقله لا يمكن
إلزامه، فلا يتأتى بالنسبة إليه التزام كما لا يمكن ذلك في البهائم
والجمادات.
التقسيم الثاني: المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب
إِلى قسمين: " مانع الحكم "، و " مانع السبب ".
أما القسم الأول - وهو: مانع الحكم - فهو: كل وصف
وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق
السبب مثل: الحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب
стр. 422
وهو: دخول الوقت، فهنا: ترتب على وجود المانع عدم ترتب
المسبب على سببه.
ومثل: الأبوة في منع القصاص من والد لولده، فالحكم الذي
هو القصاص قد وجد سببه وهو: القتل العمد العدوان، وكون
القاتل أباً للمقتول منع من القصاص؛ لأن الزجر المقصود بشرعية
القصاص يعارض حال الأبوة المقتضي للعطف والحنان، بحيث يمنع
ذلك من التفكير في القتل إلا في النادر اليسير، فليس بحاجة إلى
العقوبة الزاجرة في مثل تلك الحالة النادرة.
أنواع مانع الحكم:
يتنوع مانع الحكم إلى أنواع ثلاثة هي:
النوع الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون استمراره مثل:
الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد
أن صار مملوكاً فلا ينقطع عنه الرق، وكذا: الحج، فإنه يمنع ابتداء
النكاح حال الإحرام، ولكنه لا يمنع من الدوام على نكاح قبله.
النوع الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون
ابتداء الحكم مثل الطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول،
ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.
النوع الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع - أيضاً - استمراره
مثل: الرضاع، فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من
الرضاع، كما يمنع استمراره إذا طرأ عليه، وكذلك: " الحدث "
فإنه يمنع انعقاد العبادة ابتداء، كما يمنع استمرار صحتها إذا طرأ عليها.
وأما القسم الثاني - وهو: مانع السبب - فهو: كل وصف
يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب.
стр. 423
مثل الدين في باب الزكاة، حيث إنه مانع - عندنا - من وجوب
الزكاة، لأن السبب في وجوب الزكاة هو بلوغ النصاب، حيث إنه
يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل
ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدين في المال لم يدع فضلاً
يواسي به الفقير، لأن النصاب هذا قد صار مشغولا بحقوق
الغرماء، فهنا قد أخل الدين بحكمة السبب؛ لأنه ليس مع الدين
استغناء، والإخلال بالحكمة يسقط العلية وهي: الزكاة.
أي: أن حكمة الدين هي براءة الذمة، وهي لا شك مخلة
بحكمة النصاب التي هي مواساة الفقراء، فكانت رعاية براءة الذمة
أوْلى من رعاية مواساة الفقراء، لأمرين:
أولهما: أن فيها البداية بالنفس، وهي ألزم ما يكون.
ئانيهما: أنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، ولا
شك أن حق الغرماء أقوى من حق الفقراء، حيث إن المستحق إذا
تعين ترجح على مستحق لم يتعين.
وذهب بعض الشافعية إلى أن الدين لا يمنع من الزكاة لاستغنائه بما
في يده، وتعلق الدين بذمته.
التقسيم الثالث: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بخطاب الشارع
إلى قسمين: " ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف "، و " ما
يكون داخلاً تحت خطاب الوضع ".
أما القسم الأول - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف -
فهو: يشمل المأمور به، والمنهي عنه، والمخير فيه والمأذون فيه،
مثال المأمور به: الإسلام، حيث إنه مأمور به، وهو المانع من
انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما.
стр. 424
ومثال المنهي عنه: الكفر، فإنه مانع من صحة العبادات.
ومثال المخير فيه: الاستدانة التي هي مانعة من انتهاض سبب
وجوب الزكاة، وإن كان النصاب موجوداً.
أما القسم الثاني - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب الوضع -
فهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا
في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبا برفع الدين عن
نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب
غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب؛ لأن المانع
من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهيا عنه.
стр. 425
المطلب الرابع في العزيمة والرخصة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريف العزيمة.
المسألة الثانية: في تعريف الرخصة.
المسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي،
أو من أقسام الحكم الوضعي؟
المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة.
المسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟
المسألة السادسة: حكم الرخصة.
стр. 426
المسألة الأولى: في تعريف العزيمة:
أولاً: العزيمة لغة:
مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى
(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ، أي: قصداً بليغا متأكداً في العصيان.
وعزائم اللَّه: فرائضه التي أوجبها اللَّه وأمرنا بها.
وأولوا العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله
فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق.
ثانيا: تعريف العزيمة اصطلاحا هو:
" الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح "،
وهو أقرب تعريفات العلماء للعزيمة إلى الصواب.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " الحكم الثابت ": أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ،
فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعا أصلاً.
وهذه العبارة وهي: " الحكم الثابت " عام وشامل لجميع الأحكام
التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت.
قولنا: " بدليل شرعي ": أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك
لا يستعمل فيه العزيمة.
قولنا: " خال عن معارض ": أخرج ما ثبت بدليل شرعي،
ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض
مساويا لزم الوقف، وحينئذِ يجب طلب المرجح الخارجي.
стр. 427
وإن كان المعارض راجحاً، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي
العزيمة.
قولنا: " راجح ": أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت
على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر - فمثلاً: " تحريم
الميتة " حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت
المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ،
وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ،
وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن
مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة وما
فيها من الخبث.
***
المسألة الثانية: في تعريف الرخصة:
أولاً: الرخصة لغة:
مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: " رخص
لنا الشرع في كذا ": إذا يسَّره وسهَّله علينا، وهو - أيضا - مشتق
من اللين والمسامحة.
ثانيا: الرخصة اصطلاحا هي:
الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
وهذا التعريف هو ما اخترته في كتابي: " الرخص الشرعية
وإثباتها بالقياس " من أكثر من عشرة تعريفات له.
стр. 428
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنما: " الحكم ": جنس يشمل العزيمة والرخصة.
قولنا: " الثابت ": يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة،
فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام والعمل بها، وإلا لزم
ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل.
قولنا: " على خلاف الدليل ": يشمل الدليل الخاص، وهو ما
يقتضي الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل
الأصل في نحو قولهم: " الأصل كذا "، والأصل من الأدلة
الشرعية.
وهذه العبارة - أعني: " على خلاف الدليل - أخرجت أمورا
هي:
الأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه.
الثاني: الأحكام الثابتة على وفقِ الدليل مثل إباحة الأكل والشرب
والنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون
إباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة وإن وجد فيها نوع من
اليسر والسهولة.
الثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ، لأن
المنسوخ لا يسمى دليلاً مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام
اثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ،
وهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة،
فإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت
على خلاف الدليل.
стр. 429
الرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح،
فإن المرجوح لا يسمى دليلاً، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح
لا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.
الخامس: الأحكام التي كانت على الأمم السابقة ثم وضعت عنا
كالإصر - وهو: الحمل الثقيل الذي يأصر صاحبه فيلاقي في تحمله
أشد المشقة - وكالأغلال - وهي: الأعمال الشاقة المغلظة - فإن هذا
الوضع لا يسمى رخصة حقيقية؛ لأنها لم تخالف دليلاً من الأدلة،
وإن كان بعضهم يسميها رخصة مجازية؛ لما في ذلك من التخفيف
واليسر عند مقارنة حالنا بحالهم، كما قال الخبازي، والنسفي،
وقد تكلمت عن هذا بتوسع في كتابي: " إتحاف ذوي البصائر بشرح
روضة الناظر "، و " الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع
إليهما إن شئت.
قولنا: " لعذر ": المراد بالعذر: المشقة الشاملة للضرورة والحاجة.
أي: أن العذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل
أحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من
السلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما
يخالف القياس والقواعد المقررة.
واشترط الشاطبي للعذر أن يكون شاقاً، حيث قال في تعريفه:
" الرخصة: ما شرع بعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع
مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه ".
والحق أن هذا الشرط غير صحيح؛ لأننا لو اشترطناه في العذر
للزم من ذلك خروج أكثر الرخص التي كانت كالسلم، والمساقاة،
والقراض.
стр. 430
والمانع الشرعي لا يدخل في العذر كالحيض والنفاس؛ لأن
المشروعية لا تتحقق معه، ومن هنا لا يسمى إسقاط الصلاة عن
الحائض والنفساء رخصة؛ لأنهما مانعان من المشروعية كما قلنا في
مبحث المانع.
***
المسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي
أو من أقسام الحكم الوضعي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما من أقسام الحكم الوضعي.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والغزالي،
والشاطبي، وابن قدامة، والأنصاري.
وهو الصحيح عندي؛ لأمرين:
أولهما: أن الرخصة في حقيقة أمرها هي وضع الشارع وصفا
معيناً سببا في التخفيف، والعزيمة هي: اعتبار مجاري العادات سبباَ
للأخذ بالأحكام الأصلية العامة، والسبب حكم وضعي.
ثانيهما: أن اعتبار كل من السفر والمرض والضرورة أو غيرها
أسبابا للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك
- لو فكرنا فيه - لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع
وجعل واعتبار، وهذه كلها أحكام وضعية، وكانت من أحكام
الحكم الوضعي.
المذهب الثاني: أن العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفي.
стр. 431
ذهب إلى ذلك ابن الحاجب، وتاج الدين ابن السبكي، والعضد
والزركشي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العزيمة والرخصة
يرجعان في الحقيقة إلى الاقتضاء والتخيير، فالعزيمة تحمل معنى
الاقتضاء، والرخصة تحمل معنى التخيير، فهما من صفات الأحكام
التكليفية.
أي: أن كلًّا من تلك الأحكام إما أن يكون عزيمة ومطلوبا، وإما
أن يكون رخصة ومخيراً، ولا يخرجان عن ذلك فكانا من الأحكام
التكليفية؛ لكونهما اسمين لما طلبه الشارع، أو أباحه على وجه
العموم، والطلب والإباحة حكم تكليفي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن التصاق الرخصة والعزيمة بالحكم الوضعي أقوى
من التصاقهما بالحكم التكليفي، وهذا لا يخفى على المدقق في
حقيقتهما، بيان ذلك:
أن الرخصة ترجع في الحقيقة إلى جعل الأحوال الطارئة غير
الاعتيادية أسباباً للتخفيف عن المكلَّفين؛ لأن الحكم المشروع فيها هو
جعل الضرورة أو الإكراه سببا في إباحة المحظور، وطروء العذر سببا
في التخفيف بترك الواجب، وهكذا فإن ذلك وأمثاله - في الحقيقة -
هي وضع أسباب لمسببات، والسبب من أنواع الحكم الوضعي.
وإذا دققت في العزيمة وجدتها ترجع إلى جعل الشارع الأحوال
العادية للمكلفين سبباً لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم.
стр. 432
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من
الرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر.
فمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو
الندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد
في الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية.
ومن نظر إلى أن الرخصة - في الحقيقة - هي وضع الشارع وصفاَ
معيناً سبباً في التخفيف، وأن العزيمة - في الحقيقة - هي: جعل
الشارع الأحوال العادية للمكلفين سببا لبقاء الأحكام الأصلية
واستمرارها في حقهم، فإنه عدَّهما من الأحكام التكليفية؛ لأنه
اعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية.
فاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا
الخلاف خلافا لفظيا. في المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة:
الرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي:
القسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن
امتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن
أمثلة ذلك:
١ - أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على
خلاف الدليل وهو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) لعذر،
وهو الاضطرار.
- ٤٥٥ -
стр. 433
٢ - شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي علي نفسه الهلاك،
ولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) .
وجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم
مات، لكان قاتلاً لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة
هذه اللقمة؛ إبقاء لحياته.
٣ - التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على
استعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ،
وقوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، حيث إن المريض، أو
من به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه
يحتمل احتمالاً راجحاً أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله
لهذا الماء، فلذلك أوجبنا عليه التيمم إبقاء على نفسه.
القسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله
أجر.
ومن أمثلة ذلك:
١ - قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وقلنا ذلك لقوله ﷺ :
"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
٢ - الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة،
وقلنا ذلك لورود الأمر به مع ذكر العلَّة، وهي: أن شدة الحر من
فيح جهنم، حيث قال ﷺ :
"ابردواً فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
القسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك:
١ - العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله
стр. 434
من التمر خرصاً فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل
هذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في
العرايا للحاجة إليها.
٢ - السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلاً،
وفي المثمن آجلاً، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدومِ،
وبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص
الشارع في السلم لحاجة الناس إليه.
٣ - الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم
جواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع
في الإجارة لحاجة الناس.
٤ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان،
فإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب
الإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة
الكفر حالة الإكراه - فقط - مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك
الحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم
إن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللاً في الإسلام؛ لأن
بقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا.
لكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذاً
بالعزيمة وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر وبذل نفسه في دين اللَّه وقتل
وهو صابر محتسب، فإن فعله هذا أفضل وأوْلى، يدل على ذلك ما
ورد من أن مسيلمة الكذاب قال لرجل مسلم: أتشهد أن محمداً
رسول اللَّه؛ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: لا
أدري ما تقول فقتله، وقال لآخر: أتشهد أن محمداً رسول اللَّه؛
стр. 435
قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: نعم، فخلى
سبيله، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: " أما الأول فقد أتاه اللَّه أجره مرتين، وأما الآخر فقد أخذ برخصة اللَّه فلا إثم عليه ".
٥ - رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.
فالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا
احتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك
رخصة، رفعاً للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما.
٦ - الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة،
لأن النبي ﷺ جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعاً.
٧ - تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول ﷺ للعباس ﵁ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل.
٨ - النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي ﷺ قال للمغيرة ابن شعبة - لما علم أنه خطب امرأة -:
" انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ".
القسم الرابع: رخصة خلاف أَوْلى، أي: أن ترك الأخذ
بالرخصة أوْلى وأفضل من فجلها، ومن أمثلة ذلك:
١ - الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا
يتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: (وأن
تصوموا خير لكم) ، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص
الثقفي ﵄ أنهما قالا: " الصوم في السفر أفضل
لمن قدر عليه ".
стр. 436
٢ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف
الأولى، لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر.
٣ - المسح على الخفين، رخصة خلاف الأوْلى؛ لأن الأَوْلى
والأفضل غسل الرجلين.
القسم الخامس: الرخصة المكروهة، ومن أمثلته:
١ - السفر للترخص فقط، أي: يسافر لأجل أن يفطر أو يقصر،
وليس له غرض إلا ذلك، فهذا له أن يفطر ويقصر رخصة، ولكن
هذه الرخصة مكروهة، لأنه ضيع وقته بلا فائدة.
٢ - غسل الخف بدلاً من مسحه، فهذا يعتبر من الرخص
المكروهة؛ لأنه قد يفسد ماله، ومع ذلك فهو مجزئ؛ لأنه مسح
وهذه الأقسام، والأمثلة التي أوردتها عليها خالف فيها بعض
العلماء، وذكروا أدلة على مخالفتهم، وأجبت عنها، فراجع ذلك
- إن شئت - مع تفصيلات أخرى في كتابي: " الرخص الشرعية
وإثباتها بالقياس ".
كوفي بئرث
المسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به،
الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة؟
حيث إن مقدار
стр. 437
المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت
بحسب الأشخاص والأحوال.
الدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين، أما
الرخصة فهي خاصة لبعض المكلَّفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة
جزئية بحسب بعض المكلَّفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض
الأحوال والأوقات.
الدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى
انحلاك العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم فإنه يعوِّد على
الثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور.
المذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها
فلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل
بالقطع.
الدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة
قد بلغت درجة القطع مثل قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ،
وثبت أن النبي ﷺ لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلَّفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة.
الدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى
الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة
стр. 438
وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول ﷺ من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله:
" خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا "،
ونهى رسول اللَّه عن صوم الوصال، وعن الصيام في السفر.
هذه أهم أدلة الفريقين.
بيان القول الحق:
والحق عندي - والله أعلم -: أنه لا تفضل الرخصة على
العزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو
العذر - من مشقة، وحاجة، وضرورة - لا ضابط له معين واضح
جلي يتساوى فيه جميع المكلَّفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة
أمر إضافي نسبي، لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها
ما لم يجد مانعا شرعيا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة
" المشقة تجلب التيسير "، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن
الإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سبباً شرعيا للتخفيف والتسهيل.
وهو أيضاً داخل في معنى قاعدة: " إذا ضاق الأمر اتسع "
قال ابن أبي هريرة: " وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت
اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت "، فالحركة القليلة في الصلاة لما
اضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة
الكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها، وكذا قليل دم
البراغيث يسامح به، دون كثيره.
وقلنا: إن كل مكلَّف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة؛ العذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان
والأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل
المشاق على حد سواء، فمثلاً: لو أصاب " زيداً " من المكلَّفين
стр. 439
مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب
نفس المرض " عمراً "، فقد لا يتحمله فتكون الرخصة مشروعة
بالنسبة لعمرو، دون " زيد ".
وكذلك من كان من المضطرين معتاد على الصبر على الجوع، ولا
تختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف
الشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في
أكل الميتة؛ لأنه يخشى عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به.
فعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة، وضرر، وحاجة
ليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب،
فهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى
اجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة.
ثم إنه ينبغي للمكلَّف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب
الإمكان، بحيث لا يفعل شيئاً مرخصا فيه إلا بعد التأكد التام أنه
مضطر إليه.
أما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف
فهذا غير جائز.
***
المسألة السادسة: حكم الرخصة:
الرخصة قد تكون مباحة، وقد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة،
وقد سبق بيان ذلك في أقسام الرخصة، وهذا مذهب الجمهور.
ولكن الشاطبي ﵀ ذكر أن حكمها: الإباحة مطلقا،
مستدلا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، وقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) .
стр. 440
حيث إن هاتين الآيتين وغيرهما مما في معناهما قد دلَّت على رفع الإثم والحرج، ولم يرد فيها أمر يقتضي الإقدام على الرخصة، بل الذي ورد نفي الإثم والمؤاخذة على من ترك العزيمة.
الدليل الثاني: أن الرخص لو كانت مأموراً بها لكانت عزائم
لا رخصا، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين
متنافيين.
الدليل الثالث: أن الرخصة لغة التيسير والسهولة، ولا يستقيم
ذلك إلا إذا كان حكم الرخصة الإباحة لا غير.
بيان نوع الخلاف:
قلت: وفهم بعض الباحثين مما ذكره الشاطبي أن رأيه يخالف رأي
الجمهور غير صحيح؛ لأن رأيه يطابق ما ذكره الجمهور تمام المطابقة؟
حيث إن الجمهور أيضا يقولون بأن حكم الرخصة هو: الإباحة
مطلقا؛ لأن معناها التيسير والسهولة، وذلك بحصول الجواز للفعل
أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وبالواجب بالإذن في
تركه، أما وصف الرخصة بالوجوب أو الندب أو غيرهما، فإنه أمر
زائد على معنى الرخصة، حيث يؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر
الكتاب العزيز على مجرد نفي الإثم والجناح، فعلمنا من ذلك الجواز
فقط، وقد صرَّح بذلك كثير من العلماء كالغزالي، وتاج الدين ابن
السبكي، والزركشي، والآمدي، وقد درست هذه المسألة في
كتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فارجع إليه إن شئت.
-------------
هذا آخر المجلد الأول من كتاب " المهذب في علم أصول الفقه المقارن "
لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
حفظه الله ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثاني إن شاء الله
وأوله: " أدلة الأحكام الشرعية "، وهو الباب الثالث
стр. 441
المجلد الثاني
стр. 442
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الثالث في أدلة الأحكام الشرعية
إن الأحكام الشرعية السابقة - من وجوب، وندب، وإباحة،
وكراهة، وتحريم، وسبب، وشرط، ومانع،، وصحة وفساد، وعزيمة،
ورخصة، وأداء، وإعادة، وقضاء - لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا
بدليل شرعي متفق عليه إجمالاً، أو مختلف فيه، لذلك عقدنا هذا
الباب بعد ذكرنا للأحكام الشرعية: التكليفية والوضعية من باب ذكر
الأثر، ثم ذكر المؤثر.
وللكلام عن الأدلة الشرعية بالتفصيل لا بد من عقد تمهيد، وفصلين:
أما التمهيد فهو في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني.
أما الفصلان فهما:
الفصل الأول: في الأدلة المتفق عليها إجمالاً.
الفصل الثاني: في الأدلة المختلف فيها.
стр. 443
التمهيد في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني
ويشتمل على المطلبين التاليين:
المطلب الأول: تعريف الدليل.
المطلب الثاني: هل الدليل شامل للقطعي والظني؛
стр. 444
المطلب الأول في تعريف الدليل
أولاً: الدليل لغة هو:
المرشد إلى المطلوب، ومنه: دليل القافلة، حيث إنه مرشدهم
إلى الطريق، وهو عام للناصب، والذاكر، وما به الإرشاد.
ثانيا: الدليل اصطلاحا هو:
ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
المراد بقولنا: " ما " اسم موصول، وهو راجع إلى شيء،
والتقدير: " الشيء الذي يمكن التوصل بصحيح النظر فيه.. ".
وأتى بلفظ: " ما يمكن التوصل " للاحتراز عن التوصل بالفعل.
أى: أن ذكر الإمكَان في التعريف للتنبيه على أن الدليل من حيث
هو دليل لا يعتبر فيه التوصل بالفعل، بل يكفي إمكان التوصل.
فالدليل هو الذي يصح أن يستدل به، ويسترشد به، ويتوصل به
إلى المطلوب، وإن لم يتوصل به أحد، ولو كان اللَّه خلق
جماداً، ولم يستدل به أحد على أن له محدثا: لكان دليلاً وإن لم
يستدل به أحد، فالآية والحديث تسمى أدلة وإن لم يستدل بهما
أحد، فالدليل دليل لنفسه وإن لم يستدل به.
стр. 445
ولو قلنا: " ما توصلنا بصحيح النظر فيه إلى مطلوب " للزم من
ذلك خروج كل دليل لم ينظر فيه أحد.
والمراد بقولنا: " بصحيح النظر ": بيان وجه دلالة هذا الدليل
على المدلول.
والنظر هو: الفكر في حال المنظور فيه.
وخرج بهذه العبارة: النظر الفاسد؛ لأن النظر الفاسد لا يمكن أن
يتوصل به إلى مطلوب خبري؛ لأنه لا يصلح أن يكون آلة للتوصل
إلى شيء.
وقولنا: " مطلوب خبري " أي: ما يخبر به، وهو التصديق،
فيكون المطلوب التصوري خارجا عن هذا التعريف مثل: الأحوال
الشارحة، والحدود، والرسوم.
والمراد بالوصول إلى ذلك المطلوب الخبري: علمه، أو ظنه.
فعلى هذا: يكون الدليل عاماً وشاملاً لما يفيد القطع، والظن.
стр. 446
المطلب الثاني في هل الدليل شامل للقطعي والظني ؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الدليل عام وشامل لما يفيد القطع، ولما يفيد
الظن.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ لذلك عرفنا الدليل بما يعم القطعي والظني
كما سبق.
ودل على ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أن حقيقة الدليل هي: ما أرشد إلى الشيء المطلوب،
وإذا كان الأمر كذلك فقد يرشدك مرة إلى العلم، ومرة إلى الظن،
وعلى هذا فيستحق اسم الدليل في الحالين.
الثاني: أن اللَّه قد أوجب العمل بما يفيد الظن كما
أوجب العمل بما يفيد القطع، ولم يفرق بينهما في ذلك، فلزم أن
يكون ما يفيد الظن دليلاً، كالذي يفيد القطع.
الثالث: أن العرب لم تفرق - في كلامها - بين ما يوجب العلم
وبين ما يوجب الظن في إطلاق اسم الدليل، فلزم من ذلك التسوية
بينهما.
стр. 447
المذهب الثاني: أن الدليل اسم خاص لما يفيد القطع، أما ما يفيد
الظن فيسمى أمارة.
وذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: الغزالي، والآمدي،
وفخر الدين الرازي، والقرافي، وابن عقيل، والطوفي.
وقالوا: إن هذا اصطلاح لنا لإعطاء كل لفظ ما يفيده، ولا
مشاحة ولا حجر في الاصطلاح، ولا يلزم من كون العرب
لا تعرفه: منعه عرفاً.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الاصطلاح لكم في التفريق بينهما منع منه
أمور:
أولها: أننا لما نظرنا إلى حقيقة الدليل وجدنا أنها لم تفرق بينهما.
ثانيهما: أن الشارع لم يفرق بينهما في العمل.
ثالثها: أن العرب لم تفرق بينهما في كلامها.
الجواب الثاني: أن هذا الاصطلاح في التفريق بينهما يمكن أن يقبل
لو كان معمولاً به، ولكن - بعد تتبع واستقراء - كتب أصحاب
المذهب الثاني وجدناهم لا يلتزمون بهذا الاصطلاح، حيث إنهم
يسمون ما يفيد الظن دليلاً، ولا يفرقون بينه وبين ما يفيد القطع في
الإطلاق.
ولهذا قلت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين ": إن
الخلاف لفظي لا ثمرة له.
تنبيه: الدليل يطلق على البرهان، والأمارة، والآية، والحُجَّة،
والبيِّنة؛ لأنها - كلها - ترشدنا إلى مطلوب خبري.
стр. 448
الفصل الأول في الأدلة المتفق عليها إجمالاًَ
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في الدليل الأول وهو: القرآن.
المبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: السُّنَّة.
المبحث الثالث.: في الدليل الثالث وهو: الإجماع.
المبحث الرابع: في الدليل الرابع وهو: القياس
стр. 449
المبحث الأول في الدليل الأول من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الكتاب
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف القرآن.
المطلب الثاني: في القراءة غير المتواترة " الشاذة ".
المطلب الثالث: وجود المجاز في القرآن.
المطلب الرابع: هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية؟
المطلب الخامس: في المحكم والمتشابه.
المطلب السادس: هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؟
المطلب السابع: في النسخ.
стр. 450
المطلب الأول في تعريف القرآن
أولاً: القرآن لغة:
مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، قال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يُقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي: يقطع الليل قراءة للقرآن.
وقال تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أي:
قراءة الفجر.
ويُسمَّى المقروء قراءة عند العرب من باب تسمية المفعول باسم
المصدر كتسميتهم المشروب شربا، والمكتوب كتابا، وهكذا.
ثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي، فصار
القرآن اسما لكلام اللَّه .
ثانيا: القرآن اصطلاحاً هو:
" الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها المتعبد بتلاوتها،.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " الكلام " جنس يشمل كل كلام سواء كان من اللَّه، أو
من البشر، وسواء كان عربيا كالقرآن، أو أعجميا كالتوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم.
стр. 451
قولنا: " المنزل " أي: الذي أنزله اللَّه تعالى على نبيه بألفاظه
ومعانيه، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .
وخرج بلفظ: " المنزل " كلام البشر؛ حيث إنه لم ينزل.
قولنا: " للإعجاز " قيد أخرج الأحاديث كلها، سواء كانت
أحاديث قدسية، أو أحاديث نبوية، وخرج به - أيضا - التوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، فإن هذه لم يقصد منها
الإعجاز.
والإعجاز هو: قصد إظهار صدق دعوى النبي ﷺ الرسالة عن اللَّه تعالى.
قولنا: " بسورة منه، أو أقل منها " لبيان أن أي سورة من سور
القرآن ولو كانت قصيرة، كسورة الإخلاص، أو أقل منها يحصل
بها الإعجاز، فلا يستطيع أحد مهما كان من الذكاء والفطنة
والفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها.
قولنا: " المتعبَّد بتلاوته " قيد لإخراج الآيات المنسوخة اللفظ سواء
بقي حكمها أم لا، فهذه لا تعطى حكم القرآن.
стр. 452
المطلب الثاني في القراءة الشاذة " غير المتواترة "
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة "الشاذة"
المسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة.
المسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟
المسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟
стр. 453
المسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة "الشاذة ":
القراءة المتواترة هي: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع
صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب.
فلا بد أن تجتمع في القراءة تلك الشروط الثلاثة الواردة في
التعريف، فإذا اختل أحد هذه الشروط الثلاثة، فإن القراءة تكون
غير متواترة، وهي: الشاذة.
والقراءة المتواترة هي: قراءة السبعة وهم: " نافع بن عبد الرحمن
الليثي المدني "، و " عبد اللَّه بن كثير المكي "، و " زيان بن العلاء،
أبو عمرو البصري "، و " عبد اللَّه بن عامر الشامي اليحصبي "،
و"عاصم بن أبي النجود الكوفي "، و " حمزة بن حبيب بن عمارة
الزيات الكوفي "، و " علي بن حمزة الكسائي النحوي ".
وكذلك قراءة الثلاثة على الصحيح وهم: " يعقوب بن إسحاق
الحضرمي "، و " خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي "،
و (أبو جعفر يزيد بن القعقاع ".
***
المسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة، وهي: الشاذة:
١ - قراءة عائشة وحفصة ﵄
: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ".
٢ - قراءة ابن عباس ﵄
: " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ".
٣ - قراءة ابن عباس ﵄
: " وأيقن أنه الفراق ".
стр. 454
٤ - قراءة ابن مسعود ﵁
فاقطعوا أيمانهما ".
٥ - قراءة ابن مسعود ﵁
متتابعات ".
٦ - قراءة أُبي بن كعب ﵁
نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيهن ".
٧ - قراءة أُبي بن كعب ﵁
متتابعات ".
: " والسارق والسارقة
: " فصيام ثلاثة أيام
: " اللذين يؤلون من
: " فعدة من أيام أخر
***
المسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القراءة غير المتواترة - الشاذة - حُجَّة، أي:
أنها تؤثر في الأحكام الفقهية نفياً وإثباتا.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم الإمام أبو حنيفة،
والإمام الشافعي في قول له، والإمام أحمد في رواية مشهورة عنه.
وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو
الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي ﷺ فالمنقول لا يخرج عن أمرين:
أولهما: إما أن يكون قرآنا.
ثانيهما: إما أن يكون خبراً عن ﷺ .
فإن كان الأول - وهو كونه قرآنا - فيجب العمل به؛ لوجوب
العمل بكل ما جاء في القرآن الكريم.
стр. 455
وإن كان الثاني - وهو كونه خبراً عن النبي ﷺ فيجب العمل به - أيضا - لأن خبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على العمل
فالمنقول - على التقديرين - يجب العمل به، وكل ما وجب
العمل به فهو حُجَّة.
المذهب الثاني: أن القراءة غير المتواترة ليست بحُجَّة، أي: لا
تؤثر في الأحكام الفقهية.
ذهب إلى ذلك: الإمام مالك في رواية مشهورة عنه، وهو ظاهر
مذهب الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي صححه
الآمدي، وابن الحاجب، وابن السمعاني، والنووي.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن الناقل للقراءة الشاذة لا يخلو من أمرين:
أولهما: إما أن ينقلها على أنها من القرآن.
ثانيهما: أو أنه ينقلها على أنها ليست من القرآن.
فإن كان الأول - وهو أنه نقلها على أنها من القرآن - فهذا باطل؛ اللَّه - تعالى - قد كلَّف رسوله أن يبلِّغ القرآن مجموعة من الأُمَّة
تقوم الحُجَّة بقولهم، ويحصل بخبرهم العلم القطعي، فليس للنبي
ﷺ أن يناجي بأي آية من القرآن واحداً من الأُمة.
فإذا ثبت ذلك: فإن ما نقله هذا الواحد يكون خطأ وباطلاً؛ نظراً
لوروده عن واحد، وعلى هذا فلا يحتج به.
وإن كان الثاني - وهو أنه نقلها على أنها ليست من القرآن -
فيحتمل في ذلك احتمالين هما:
الاحتمال الأول: أنه قد أورد هذا المنقول في معرض البيان لما
стр. 456
اعتقده مذهبا، فقد يكون اعتقد التتابع - مثلاً - حملاً لهذا المطلق
في كفارة اليمين على المقيد بالتتابع في الظهار.
الاحتمال الثاني: أن يكون قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر قد
سمعه من النبي ﷺ .
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
جوابه:
نجيب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول - وهو كونه نقل ذلك بيانا
لمذهبه الخاص - بعيد جداً؛ لأن الصحابة الذين بذلوا النفس
والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، والذين اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،
ولحمل هذه الشريعة إلى من بعدهم لا يظن بواحد منهم أن يجعل
رأيه ومذهبه الخاص به قرآنا، أو أنه يلبس فى ذلك، فهذا الاحتمال
باطل لا شك في ذلك.
فإذا بطل هذا الاحتمال: تعين الاحتمال الثانى وهو: أن هذا
الناقل قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر سمعه من النبي ﷺ ، والخبر يجب العمل به.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض المسائل
الفقهية، ومنها:
١ - هل يجب التتابع في صيام كفارة اليمين؟
أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة
حُجَّة - قالوا: إنه يجب التتابع مستدلين بقراءة ابن مسعود - رضي
الله عنه -: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".
стр. 457
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة
ليست بحُجَّة - فقالوا: لا يجب التتابع.
٢ - هل النفقة تجب على كل ذي رحم محرم؟
أصحاب المذهب الأول قالوا: إن النفقة تجب على كل ذي رحم
محرم محتجين بقراءة ابن مسعود ﵁: " وعلى
الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ".
أما أصحاب المذهب الثاني فقالوا: إن النفقة لا تجب إلا على
الوالدين والمولودين.
***
المسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنها لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.
وهو مذهب كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون
إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن
الوجه الذي ثبت به القرآن، فلا تصح القراءة بها.
المذهب الثاني: أنه تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين للإمام مالك
وأحمد.
واستدل هؤلاء بقولهم: إن الصحابة كانوا يقرأون بهذه الحروف
في الصلاة، وكان بعضهم يصلي خلف أصحاب هذه القراءات.
стр. 458
جوابه:
نجيب عن ذلك بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل جزئي، وعلى
فرض ثبوت ذلك فقد يكون ذلك قد ثبت ذلك قبل العرضة الأخيرة،
وقبل إجماع الصحابة على المصحف العثماني، فيكون ذلك منسوخاَ
إما بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.
стр. 459
المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن
ويشتمل على مسألتين هما:
المسألة الأولى: في بيان الحقيقة والمجاز.
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز؟
стр. 460
المسألة الأولى: بيان الحقيقة والمجاز:
الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً كقولك: "رأيت
أسداً "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ " الأسد " المقصود به:
الحيوان المفترس.
والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلاً لقرينة
كقولك: " رأيت أسداً يخطب "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ
" الأسد " المقصود به: الرجل الشجاع، وذلك بسبب القرينة،
وهي كونه يخطب.
وسيأتي الكلام عن الحقيقة والمجاز بالتفصيل في الفصل السابع من
الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
***
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز
أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن في القرآن مجازاً كما فيه حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية صحيحة عنه، وهو مذهب
جمهور العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن القرآن عربي نزل بلغة العرب، قال تعالى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ، ولغة
العرب يدخلها المجاز، فيكون القرآن قد اشتمل على المجاز؛ لأنه
نزل بلغتهم.
следующие страницы →