← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اعتقده مذهبا، فقد يكون اعتقد التتابع - مثلاً - حملاً لهذا المطلق في كفارة اليمين على المقيد بالتتابع في الظهار. الاحتمال الثاني: أن يكون قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر قد سمعه من النبي ﷺ . وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. جوابه: نجيب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول - وهو كونه نقل ذلك بيانا لمذهبه الخاص - بعيد جداً؛ لأن الصحابة الذين بذلوا النفس والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، والذين اختارهم اللَّه لصحبة نبيه، ولحمل هذه الشريعة إلى من بعدهم لا يظن بواحد منهم أن يجعل رأيه ومذهبه الخاص به قرآنا، أو أنه يلبس فى ذلك، فهذا الاحتمال باطل لا شك في ذلك. فإذا بطل هذا الاحتمال: تعين الاحتمال الثانى وهو: أن هذا الناقل قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر سمعه من النبي ﷺ ، والخبر يجب العمل به. بيان نوع هذا الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض المسائل الفقهية، ومنها: ١ - هل يجب التتابع في صيام كفارة اليمين؟ أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة حُجَّة - قالوا: إنه يجب التتابع مستدلين بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".

стр. 457

أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة ليست بحُجَّة - فقالوا: لا يجب التتابع. ٢ - هل النفقة تجب على كل ذي رحم محرم؟ أصحاب المذهب الأول قالوا: إن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم محتجين بقراءة ابن مسعود ﵁: " وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ". أما أصحاب المذهب الثاني فقالوا: إن النفقة لا تجب إلا على الوالدين والمولودين. *** المسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنها لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة. وهو مذهب كثير من العلماء. وهو الصحيح؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن الوجه الذي ثبت به القرآن، فلا تصح القراءة بها. المذهب الثاني: أنه تصح الصلاة بالقراءة الشاذة. ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين للإمام مالك وأحمد. واستدل هؤلاء بقولهم: إن الصحابة كانوا يقرأون بهذه الحروف في الصلاة، وكان بعضهم يصلي خلف أصحاب هذه القراءات.

стр. 458

جوابه: نجيب عن ذلك بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل جزئي، وعلى فرض ثبوت ذلك فقد يكون ذلك قد ثبت ذلك قبل العرضة الأخيرة، وقبل إجماع الصحابة على المصحف العثماني، فيكون ذلك منسوخاَ إما بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.

стр. 459

المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن ويشتمل على مسألتين هما: المسألة الأولى: في بيان الحقيقة والمجاز. المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز؟

стр. 460

المسألة الأولى: بيان الحقيقة والمجاز: الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً كقولك: "رأيت أسداً "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ " الأسد " المقصود به: الحيوان المفترس. والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلاً لقرينة كقولك: " رأيت أسداً يخطب "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ " الأسد " المقصود به: الرجل الشجاع، وذلك بسبب القرينة، وهي كونه يخطب. وسيأتي الكلام عن الحقيقة والمجاز بالتفصيل في الفصل السابع من الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام. *** المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز أو لا؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن في القرآن مجازاً كما فيه حقيقة. ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية صحيحة عنه، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن القرآن عربي نزل بلغة العرب، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ، ولغة العرب يدخلها المجاز، فيكون القرآن قد اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغتهم.

стр. 461

والدليل على أن لغة العرب يدخلها المجاز هو: وقوعه فيها، فاستعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، و " الحمار " للرجل البليد، و " البحر " للرجل العالم، وقولهم: " قامت الحرب على ساق "، وقال الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي فهنا نسب الشاعر فعل الشيب، والإفناء إلى تعاقب الأيام والليالي، وهذا لا شك في أنه مجاز. والأمثلة على ورود المجاز في لغة العرب كثيرة لا تكاد تحصى. ما اعترض به على هذا الدليل: لقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين: الاعتراض الأول: أن العرب عبروا عن الرجل الشجاع بالأسد، وعن البليد بالحمار، ولكن هذا التعبير حقيقي. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان حقيقة فيه: لكان إذا قال: " رأيت حماراً " أنه لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل الذي يسبق إلى الفهم: الرجل البليد والحمار المعهود معا.، فلما سبق فهمه إلى الحيوان البهيم دلَّ على أنه مجاز في الرجل البليد، وأيضا: أنه لما احتاج إلى قرينة دلَّ على أنه مجاز؛ لأن الحقيقة تفهم بدون قرينة. الاعتراض الثاني: الحقيقة قد عمَّت جميع الأشياء، فلا نحتاج إلى المجاز، فلم يعبر به القرآن؛ لأنه لا يفيد، وبالتالي يكون عبثاً.

стр. 462

جوابه: نجيب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ بأن المجاز لا فائدة فيه، بل فيه فوائد كثير:، ومنها: ١ - أن الكلام بالمجاز أبلغ وأفصح من الكلام بالحقيقة أحياناً، فمثلاً لو قال: " هذا بحر " يريد مدح آخر، أبلغ وأفصح من قوله: " هذا رجل عالم بجميع العلوم ". ٢ - أن الكلام في المجاز يفيد الاختصار في الكلام، فمثلاً لو قال: " هذا الرجل أسد " أخصر من قوله: " هذا الرجل يشبه الأسد في الشجاعة ". وكذلك إذا أراد أن يصف نفسه يقول: " سل عني سيفي "، ولا يقول: "سل عني علياً كيف فعلت وقتلت "، ولهذا قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، ولم يقل: " واسأل أهل القرية " مع أنه هو المقصود، وذلك لاختصار الكلام. ٣ - أن الكلام في المجاز فيه تجنب ذكر ما يقبح ذكره كلفظ "الخراءة "، فإنه حقيقة في الخارج المعتاد من الإنسان، فعدل عنه الشارع إلى ذكر الغائط، أو قضاء الحاجة وهي مجاز. ونحو ذلك مما سيأتي ذكره في أسباب العدول إلى المجاز، وذلك في المطلب الخامس من المبحث الثاني من الفصل السابع من الباب الرابع. الدليل الثاني: أن المجاز وقع وورد في القرآن، بحيث يذكر الشيء بخلاف ما وضع له، وهو إما زيادة، أو نقصان، أو استعارة، أو تقديم، أو تأخير، من ذلك: ١ - قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فإن المراد: واسأل أهل القرية؛ لامتناع توجيه السؤال إلى نفس القرية.

стр. 463

اعتراض على هذا: اعترض أحدهم فقال: يجوز أن يأذن اللَّه تعالى للقرية أن تجيبهم. جوابه: نجيب عن ذلك: بأن اللَّه لم يخرج ذلك مخرج المعجزة، وإنما أخرجه مخرج الخبر، وكل موضع في القرآن ذكر قرية فالمراد به أهل القرية، مما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) ، ومعروف أن نفس القرية ما عتت عن أمر ربها، وأنها لا تحاسب حساباً شديداً، ولا تعذب، وإنما المراد أهل القرية. ٢ - من ذلك قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) ، ومعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقة، فاستعاره له. ٣ - ومن ذلك قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) ، ومعروف أن الجدار لا إرادة له؛ لأن الإرادة يوصف بها من كان له شعور، فاستعار الإرادة للجدار، وأريد به الميل القائم بالجدار. ٤ - ومن ذلك قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) والغائط - حقيقة - يطلق على المنخفض من الأرض، وسمي ما يخرج من الإنسان من الأذى بالمكان استعارة. ٥ - ومن ذلك قوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) والرأس لا يشتعل. ٦ - ومن ذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) والمقصود: حب العجل. ٧ - ومن ذلك قوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) ومعروف أن الأصنام نفسها لا تضل أحداً.

стр. 464

اعتراض على ذلك: اعترض بعضهم على ذلك بقوله: إنا نسلم أن الله قد استعمل في تلك الآيات اللفظ في غير ما وضع له، ولكن لا نسميه مجازاً، وإنما زيادة، ونقصان، واستعارة، وتقديم، وتأخير. جوابه: نجيب عنه بأنا نسميه مجازاً؛ لصدق تعريف المجاز عليه، وأنتم لا تسمونه بذلك، وتسمونه باسم آخر، فيكون الخلاف في التسمية واللفظ - فقط - فلا خلاف بيننا وبينكم إذن. المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مجاز، بل كله حقيقه. وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي الحسن التميمي، وابن حامد، وبعض أهل الظاهر، والروافض. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: أن القرآن حق، والحق لا يكون إلا حقيقة، فلا يدخله المجاز. جوابه: نقول - في الجواب عنه -: لا نُسَلِّمُ لكم ذلك فقد يكون باطلاً، ويكون حقيقة مثل: أن فرعون أخبر اللَّه تعالى عنه في القرآن قائلاً: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب) ، ومعلوم أن هذا باطل وإن كان حقيقة. وقد يكون حقاً ولا يكون حقيقة مثل ما قال ﷺ : "يا أنجشة رفقاً بالقوارير " يقصد النساء، ومعروف أن كلام ﷺ حق، لكن ليس هو حقيقة؛ لأن القوارير هي غير النساء.

стр. 465

الدليل الثاني: أنه لو كان في القرآن مجاز: لجاز أن يسمى الله تعالى متجوزاً أو مستعيراً، فلما لم يجز أن يُسمَّى به: دلَّ على أن القرآن لا يوجد فيه مجاز. جوابه: نجيب عنه: بأن أسماء اللَّه تعالى تثبت توقيفا، ولم تثبت اشتقاقا. الدليل الثالث: أن المجاز فيه إيهام، فهو لا يفصح عن المراد فيقع فيه الإشكال والإلباس، والقرآن لا يجوز أن يكون فيه تلبيس؛ لأن الله وصفه بأنه بيان، حيث قال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) . جوابه: نجيب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن التعبير بالمجاز يكون إلباسا لو لم توجد فرينة تدل على المراد، لكن توجد قرينة في المجاز تدل على المراد، فدل على أنه ليس فيه تلبيس. الجواب الثاني: أن القرآن ليس كله بيانا، بل بعضه، والبعض الآخر يحتاج إلى بيان كالمتشابه، والمجمل، ونحو ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، فلو كان جميعه بياناً لما احتاج إلى مبين. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي يرجع إلى تفسير الحقيقة ما هي. فإن كان المراد بها الحق، فقد أجمع العلماء على أنه لا مجاز في

стр. 466

القرآن؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي: الحق، فيكون المقابل هو الباطل، وهذا نقطع بأنه لا يوجد في القرآن. وإن كان المراد بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً، فإنه يوجد في القرآن مجاز؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً، فيكون مقابله - وهو المجاز - هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا يجيز القول بأن القرآن مشتمل عليه؛ لأنه وقع فيه كما سبق في الآيات، ومنهم من سماه بغير هذا الاسم، وهو المجاز، فيكون نزاع في عبارة، أما المعنى فهو متفق عليه فيكون الخلاف لفظيا.

стр. 467

المطلب الرابع في هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية ؟ اتفق العلماء على وجود أسماء غير عربية في القرآن مثل: "إسرائيل "، و " جبريل "، و " عمران "، و " إبراهيم "، و " لوط "، و"نوح ". واتفق العلماء على أن الكلام المركب على أساليب غير العرب لا يوجد في القرآن. ولكنهم اختلفوا في الألفاظ بغير العربية هل توجد في القرآن؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير العربية. ذهب إلى ذلك: أبو بكر الباقلاني، وابن جرير الطبري، وأبو عبيدة - معمر بن المثنى -، والباجي، وأبو يعلى، وأبو الخطاب، ونسب إلى عامة الفقهاء والمتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن اللَّه تعالى وصف القرآن بأنه عربي محض في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا) ، وقوله: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .

стр. 468

وقوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) ، فلو كان فيه بعض ألفاظ بغير العربية لما وصفه بأنه عربي. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) . وجه الدلالة: أن اللَّه صرح بأنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير العربية، فمعنى الآية: إنا جعلنا القرآن كله عربيا، لأنا لو جعلناه أعجميا لقامت حُجَّة الكفار علينا، وقالوا: كيف يأتي قرآن أعجمي، ونبي عربي؟! ولذلك أنزلناه عربيا محضا، لنقطع عليهم قولهم هذا، فثبت أنه عربي محض لتقوم الحُجَّة به، ولئلا يتجه لهم إنكاره. الدليل الثالث: أن اللَّه تعالى أنزل هذا القرآن لبيان الأحكام الشرعية. ولبيان إعجازه لهم في أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ) ، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) ، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ، فقد تحداهم بذلك وبأقل من ذلك، ويمتنع أن يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يتقنونه؛ لأن هذا تكليف ما لا يطاق، كما لا يمكن أن يقال لعجمي: " هات مثل المعلقات السبع "، أو مثل واحدة منها، أو نحو ذلك. كذلك هنا: لا يمكن أن يتحداهم إذا كان بألفاظ ليست عربية، حيث إنه يمكن لأي واحد منهم أن يقول: " ليس هذا بلغة لنا، وعجزنا عن الإتيان بمثله لا يدل على إعجازك وصدق نبوتك ".

стр. 469

فثبت بهذا: أن القرآن عربي محض لا يوجد فيه ألفاظ بغير العربية، لأنه لو لم يكن كذلك لما صح هذا التحدي. المذهب الثاني: أن القرآن فيه ألفاظ بغير العربية. ذهب إلى ذلك ابن عباس وعكرمة ﵃، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وهو اختيار ابن الحاجب، وابن عبد الشكور. دليل هذا المذهب: استدل هؤلاء بالوقوع، حيث قالوا: إنه ثبت بعد التتبع للقرآن وجود بعض الألفاظ فيه بغير العربية مثل: (ناشئة الليل) ، حبشية، و (مشكاة) هندية، و (إستبرق) فارسية، روي ذلك عن بعض الصحابة كابن عباس وعكرمة. جوابه: نجيب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن كل ما ذكرتموه قد جاء بلغة أعجمية بل بلغة عربية. فلا نسلم أن (ناشئة الليل) حبشية، بل هي عربية، حيث إن المراد: ساعات. الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم، فالتأنيث للفظ ساعة؛ لأن كل ساعة تحدث، وقيل: إن ناشئة الليل هي: قيام الليل، قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي: قام، فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة غالبة عليهم. ولا نسلم - أيضاً - أن (المشكاة) هندية، بل هي عربية،

стр. 470

حيث إن معناها: الكوة، وهي من كلام العرب، يدل على ذلك أن الأنصاري وهو هندي أنكر كون المشكاة هندية، فقال في " فواتح الرحموت ": " ثم كون المشكاة هندية غير ظاهر، فإن البراهمة العارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه ". الجواب الثاني: أن تلك الألفاظ جاءت بلغة العرب، ووافق وجود مثلها في كلام العجم، كما توافق اللسانان في كثير من الألفاظ، فمثلاً تقول العرب: " سراج " وهو بالفارسية: " جراع " وتقول العرب: " سماء "، وهو في العبرانية: " شما "، وتقول: " سروال " وهو بالفارسية: " شروال "، وهكذا. بيان القول الحق: القول الحق عندي هو ما قاله أبو عبيد - القاسم بن سلام البغدادي - كما ورد في " الصاحبي "، و " معترك الأقران "، و"الإتقان في علوم القرآن "، و " المزهر " - وهو: إن هذه الألفاظ التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني أصولها أعجمية، لكن العرب استعملتها، فعربت بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فهي عربية بهذا الوجه. والسبب في ذلك: أن العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها يقومون بتجارات إلى البلدان العجمية التي حولهم كرحلتي الصيف والشتاء الخاصة بقريش ونحوها، فأخذ العرب من العجم بعض ألفاظهم، وغيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى اللغة العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.

стр. 471

بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كل فريق نظر إلى اعتبار. فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: لا يوجد في القرآن لفظ بغير العربية - نظروا إلى ما يستعمله العرب من الألفاظ المشتهر بينهم، سواء كانت ألفاظاً عربية محضة، أو كانت ألفاظاً معربة بالاستعمال. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية - فإنهم نظروا إلى أصول الألفاظ المعربة بالاستعمال. وأيضاً لاتفاق أصحاب المذهبين على استواء أخذ الأحكام من ألفاظ القرآن الكريم، سواء كانت ألفاظاً عربية ابتداء، أو كانت ألفاظا معربة بالاستعمال.

стр. 472

المطلب الخامس في المحكم والمتشابه ويشتمل على ما يلي: المسألة الأولى: هل القرآن يشتمل على المحكم والمتشابه؟ المسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة. المسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحاً. المسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟

стр. 473

المسألة الأولى: هل القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن القرآن مشتمل لما هو محكم، وما هو متشابه. وهذا مذهب الجمهور من العلماء. وهو الصحيح عندي؛ لدليلين: أولهما: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) . ثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع في القرآن ما هو محكم وعرفنا معناه، وما هو متشابه لم نعلم معناه. المذهب الثاني: أن القرآن كله محكم، ولا يوجد فيه متشابه. ذهب إلى ذلك بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) ، حيث صرح بأن جميع آيات القرآن محكم، ولا توجد أيُّ آية متشابهة. جوابه: نجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب قد أحكمت آياته في نظمها، ووضعها، وفصاحتها، وبلاغتها، وجزالة ألفاظها حتى بلغ حد الإعجاز، بحيث لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يأتي بمثل آية منه، ونحن لا نبحث في ذلك. المذهب الثالث: أن القرآن كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم. ذهب إلى ذلك بعض العلماء.

стр. 474

دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) ، حيث إن هذه الآية دلت على أن الكتاب كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم. جوابه: نجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب متشابه أي: أن بعضه يصدق بعضه الآخر، وذلك لتشابه معانيه، فهو غير متناقض. وهذا لا نبحث فيه. بيان نوع الخلاف: الخلاف بين المذاهب لفظي، لأنه اتضح خلال عرض أدلة المذهب الثاني والثالث أنهم تكلموا وبحثوا في أمور ليس لها صلة فيما نحن فيه، فهم في الحقيقة لم يخالفوا فيما نحن فيه. *** المسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة: أولاً: المحكم لغة: المتقن، يقال: " أحكمت الشيء أحكمه إحكاماً ": إذا أتقنته، فكان في غاية ما يبتغي من الحكمة، ومنه: " بناء محكم " أي: متقن وثابت يبعد انهدامه. وهذا هو أقرب المعاني اللغوية لمقصود الأصوليين للمحكم هنا. وقيل: المحكم هو: الرد والمنع، يقال: " أحكمت " أي: رددت ومنعت، وسمي الحاكم حاكماً: لمنعه الظالم من الظلم، وسمي لجام الفرس حكمة؛ لأنه يمنع الفرس من الاضطراب. ثانيا: المتشابه لغة: الملتبس بغيره، مأخوذ من الشَّبه - بفتح الشين والباء - والشبيه هو: ما بينه وبين غيره أمر مشترك فيشتبه ويلتبس به.

стр. 475

المسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحا: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن المتشابه هو: ما ورد من صفات اللَّه تعالى في القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله وتفسيره، والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا اللَّه تعالى كوصفه سبحانه بالاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، واليد الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، واليدين الوارد في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) ، والوجه الوارد في قوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) ، وغير ذلك من الصفات التي اتفق السلف على إقرارها، وإمرارها على ما هي عليه، وترك تأويلها كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء الوارد في الآية السابقة -: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلا يتعرض لهذه الصفات بتأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف. أما المحكم فهو ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. وهو الصحيح عندي، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . وجه الدلالة: أن اللَّه ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم

стр. 476

يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف ﵏. فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم اللَّه المبتغين لتأويله. المذهب الثاني: أن المحكم هو: الذي اتضح معناه للعلماء وغيرهم من طلاب العلم. والمتشابه هو: ما علمه العلماء المحققون المدققون، وغمض على غير العلماء كالآيات التي ظاهرها التعارض. ذهب إلى ذلك بعض العلماء كابن عقيل. ومثَّل أصحاب هذا المذهب ببعض الآيات التي ظاهرها التعارض، إليك إياها مع الجواب عنها: ١ - قالوا: إن قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يعارض قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . جوابه: يجاب عنه: بأن الآية الأولى تحمل على التوحيد بدليل قوله تعالى بعدها: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ، أما الآية الثانية فإنها تحمل على أعمال وأفعال الجوارح. ٢ - قالوا: إن قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) يعارض قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) . جوابه: يجاب عليه بأن المراد بالآية الأولى: لا تكسب شراً ولا إثما، فاقتصر في هذه الآية على الشر، بخلاف الآية الثانية؛ حيث ذكر فيها الشر والخير معا، وذكر ما يميز بينهما.

стр. 477

٣ - قالوا: إن قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) يعارض قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) . جوابه: يجاب عنه بأنه لا تنافي بين الآيتين؛ حيث إن اللَّه تعالى نفى أن يكلمهم في الآية الأولى كلام التلطف والإكرام، وأثبت سؤالهم في الآية الثانية سؤال التوبيخ والإهانة. ٤ - قالوا: إن قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) يعارض قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) . جوابه: يجاب عنه بأن المراد بالعدل في الآية الأولى: العدل بين الزوجات في توفية حقوقهن المادية والزمانية، وهذا ممكن الوقوع وعدمه، والمراد بالآية الثانية: الميل القلبي، فالزوج الذي له زوجتان فأكثر لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض. ٥ - قالوا: إن قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) يعارض قوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) ، وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) . جوابه: يجاب عنه: بأنهم لا ينطقون بحجة نافعة ومفيدة، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق، قال الحسن ﵏: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. فهنا قد علم العلماء ما غمض على غيرهم، وفسَّروا ذلك التعارض لغير العالمين، وذلك بواسطة الأدلة والبراهين، فهؤلاء

стр. 478

يُمدحون، ولا يُذمون؛ لأن فعلهم هذا هو الطريق لمعرفة الأحكام، وبيان أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والرد على أعداء الإسلام القائلين: إن القرآن فيه تناقض. المذهب الثالث: أن المحكم هو: الواضح الجلي الذي لا يحتاج إلى غيره لبيانه وتفسيره كالنصوص، والظواهر؛ حيث إن ذلك في غاية الإحكام والإتقان. أما المتشابه فهو المجمل الذي لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين فهو يحتاج - لمعرفة معناه - إلى تأمل، وتفكر، وتدبر، وقرائن تبينه وتزيل إشكاله. ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، والقاضي أبو يعلى، وتلميذه أبو الخطاب، وصحَّحه أبو إسحاق الشيرازي. دليل هذا المذهب: استدل هؤلاء بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) . وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - سمى المحكمات أم الكتاب، وأم الشيء أصله الذي لم يتقدمه غيره كما قال الجوهري، فاقتضى ذلك أن المحكم ما كان أصلاً بنفسه المستغني عن غيره، فلا يحتاج إلى بيان. أما المتشابه فهو ما خالف ذلك وهو: المفتقر إلى بيان، وهو المجمل ونحوه مما لم يتضح معناه. جوابه: يجاب عنه: بأن المجتهد إذا شرع في تأوبل المجمل وغيره مما لم يتضح معناه،

стр. 479

ورجح - بالأدلة - أن يكون المقصود بذلك اللفظ هو ذلك المعنى، وذلك الحكم فإنه يمدح، ولا يذم؛ لأن تأويله وفعله هذا طريق إلى معرفة الأحكام وتوضيحها للناس، وتمييز الحلال من الحرام لهم، والعلماء قديماً وحديثاً اهتموا ببيان المراد من اللفظ المجمل، فلو كان من المتشابه لما تعرضوا لذلك؛ لأنهم أعلم الخلق بالنواهي الشرعية. المذهب الرابع: أن المحكم: ما عرف معناه وتفسيره، والمتشابه هو: الذي لم نعلم معناه كالحروف المقطعة في أوائل السور مثل: "ألم "، و " ص "، و " المص "، و " ن "، و " حم "، ونحو ذلك مما لم يكن لأحد إلى علمه إلى سبيل مما استأثر اللَّه بعلمه دون خلقه. روي ذلك عن جابر بن عبد اللَّه، وبعض التابعين كالشعبي، وسفيان الثوري، ووصفه القرطبي بأنه أحسن - ما قيل في المتشابه. جوابه: يجاب عنه بأن اللَّه تعالى ذم من يتعرض لتأويل المتشابه - وذلك في آية آل عمران السابقة - ولا يمكن أن يُذم من تعرض لبيان الحروف المقطعة في أوائل السور، ويتلَمَّس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، والعلماء قد تعرضوا لذلك، واجتهدوا لبيأن معانيها، واختلفوا في ذلك على أقوال: فقيل: إن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسماء اللَّه، فالكاف من " كاف "، والهاء من " هاد "، والعين من " عليم "، والصاد من " صادق " من قوله تعالى: (كهيعص) . وقيل: إنها ذكرت كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج

стр. 480

عنها جميع كلام العرب، تنبيهاً على أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم وحروفهم. وقيل: إن اللَّه تعالى أنزل هذه الأحرف مثل: " الم "، و"كهعص "، و " ص "، وغيرها إبطالا لحساب اليهود، فإنهم كانوا يحسبون هذه الأحرف حالة نزولها، ويردونها إلى حساب الجمل، ويقولون: إن منتهى دولة الإسلام كذا، فأنزل اللَّه هذه الأحرف تخبيطاً للحساب عليهم. وقيل: إن تلك الحروف اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقيل: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت بقيتها، فالألف من " اللَّه "، واللام من " جبريل "، والميم من " محمد ﷺ "، وقيل غير ذلك فلو كانت تلك الحروف المقطعة هي المتشابه، لما حرص العلماء على بيان المراد منها، وتفسيرها؛ لأن العلماء يخشون اللَّه تعالى ويخافونه أكثر من غيرهم، فلما تعرضوا لبيان المراد من تلك الحروف اتضح أنها ليست من المتشابه الذي توعد اللَّه من يتعرض لتأويلها. المذهب الخامس: المحكم هو: الوعد والوعيد، والحلال والحرام، والأمر والنهي، والمتشابه هو: القصص والأمثال. ذهب إلى ذلك بعض العلماء، كما أورده السيوطي في "الإتقان". دليل هذا المذهب: أن المحكم: ما استفيد الحكم منه، والوعد والوعيد ونحوه - مما ذكر - نستفيد الحكم منه، والمتشابه: ما لا يفيد حكما، وهذا حال القصص والأمثال.

стр. 481

جوابه: نجيب عنه: بأن مَنْ بيَّن أحكاما شرعية مأخوذة من تلك القصص والأمثال، فإنه يُمدح، ولا يُذم كمن استدل بقصة يوسف عليه السلام على مشروعية الجعالة، وذلك من قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) ، وكمن استدل بقصة موسى مع شعيب ﵉ على جواز جعل المنفعة مهراً، وذلك من قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) . وهناك مذاهب أخرى في ذلك قد ذكرتها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه إن شئت. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأن كل أصحاب مذهب امتنع عن التعرض للمتشابه بحسب اصطلاحهم؛ لئلا يكون داخلاً تحت الذم الذي توعد اللَّه به من تعرض للمتشابه بالتأويل. *** المسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المتشابه لا يمكن إدراكه، ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى. ذهب إلى ذلك كثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لقوله تعالى:

стр. 482

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . وجه الدلالة: أن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، والواو في قوله: (والراسخون) للابتداء والاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا اللَّه تعالى، ولا يعلم غيره ذلك وإن كان من الراسخين في العلم. الأدلة على ذلك: لقد دلَّ على أن الوقف الصحيح على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ما يلي من الأدلة: الدليل الأول: لفظ الآية ومعناها دلا على أن الوقف الصحيح على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، وإليك بيان ذلك: أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) فهو: أن اللَّه تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة وهو " اللَّه " لقال: " ويقولون آمنا به " بزيادة " واو "، حيث إن جملة (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لابد من الواو، ولكنه لم يقل: " ويقولون " -، بل قال: " يقولون " بدون " واو " مما يدل على أن عبارة (يقولون آمنا به) مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ.، وهو (الراسخون) فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله (والراسخون) للابتداء والاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوقف يكون على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) .

стр. 483

أما. الدليل ممت معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله تحالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، فمن وجوه هي كما يلي: الوجه الأول: أن اللَّه - في الآية - قد ذم مبتغي تأويل المتشابه والمتبعين لذلك؛ حيث إنهم وصفوا بزيغ القلوب، وابتغاء الفتنة، ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم: لكان مبتغي تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم اللَّه تعالى مبتغي التأويل: عرفنا أن سبب ذلك الذم هو: كونه يزاحم اللَّه فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن اللَّه هو المتفرد بعلم المتشابه، لا يشاركه فيه أحد، وهذا يثبت المطلوب، وهو: أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) . الوجه الثاني: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلابد أن يكون في سياقها قسمان، وهذان القسمان إما أن يصرح بهما، أو يصرح بأحدهما، ويفهم الآخر تقديراً. مثال الأول: قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) . ومثال الثاني - وهو ما صرح بأحد القسمين دون الآخر - قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) ، ولم يذكر القسم الثاني لدلالة المذكور عليه، فكأنه قال: وأما من لم يؤمن ولم يعمل صالحاً فلا يكون من المفلحين. والآية التي نحن بصددها من هذا القسم؛ حيث قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، فهذا تمام القسم الأول، وذكْر هذا القسم يدل دلالة واضحة على أن هناك قسماً آخر يخالفون من ذكروا في هذا القسم - وهو القسم الثاني للفظة: " أما " تقديرة: وأما

стр. 484

غيرهم فيؤمنون بالتشابه ويقومون بتفويض معناه إلى اللَّه تعالى، دل على ذلك قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فكأنه قال: " وأما الراسخون في العلم فيقولون "، ولو كان الراسخون في العلم يعلمون ويفهمون تأويل المتشابه لما خالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل ولكانوا قسماً واحداً. الخلاصة: أن اللَّه تعالى قسمهم إلى قسمين: قسم اتبع ما تشابه من الكتاب يبتغون تأويله، فذمهم اللَّه تعالى، وقسم آمنوا بالمتشابه وفوضوا معرفته إلى اللَّه، وأن ما يعلم تأويل المتشابه إلا هو سبحانه وتعالى، فهؤلاء مدحهم، وهذا يدل على أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) . الوجه الثالث: قول الراسخين في العلم: (آمنا به) يدل دلالة واضحة على أنهم فوضوا علم المتشابه إلى اللَّه تعالى، وسلموا ذلك إليه سبحانه، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر اللَّه بعلمه، فيدل ذلك على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه، فمعنى قوله: (آمنا به) أي: صدقنا به؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولم يقل: والراسخون في العلم يقولون: علمنا به. الوجه الرابع: قول الراسخين في العلم: (كل من عند ربنا) بعد قولهم: (آمنا به) ؛ حيث إن ذلك يقوي ذلك التفويض، والتسليم لأمره وإن لم يعلموا معناه. والمراد من ذلك: أن الراسخين في العلم قالوا: إن المحكم الذي أدركنا معناه، وفهمنا المراد منه، والمتشابه الذي لم نفهم معناه، ولم ندرك المراد منه كلاهما من عند اللَّه، فنحن نؤمن بهما معاً، دون أن

стр. 485

نفرق بين ما علمنا وبين ما لم نعلم، إلا أن المحكم نؤمن به عن فهم وإدراك المراد، أما التشابه فإنا نؤمن به عن تفويض وتسليم. الدليل الثاني - من الأدلة على أن الوقف الصحيح على قوله: (إلا الله) - ما روي عن بعض الصحابة من القراءات التي تدل على أن الوقف الصحيح على قوله: (إلا الله) ؛ حيث روي عن ابن عباس أنه قرأ: " وما يعلم تأويله إلا اللَّه ويقول الراسخون في العلم آمنا به "، وروي عن أبي أنه قرأ: " ويقول الراسخون في العلم آمنا به "، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: " إن تأويله إلا عند الله والراسخون يقولون ". وهذه الروايات عن هؤلاء الصحابة إن ثبتت أنها قراءة فهي حُجَّة - كما قلنا فيما سبق - وإن لم تثبت قراءة فهي خبر، وإن لم يثبت ذلك فهي تفسير من صحابي فيقبل؛ حيث إن كلامه يقدم - في الشرع - على من هو دونه؛ لأن الصحابة شاهدوا التنزيل، وحضروا النبي ﷺ فهم أعلم من غيرهم في ذلك. المذهب الثاني: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ويدركون معناه. روي ذلك عن مجاهد والضحاك، وذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي، والمعتزلة، وأبو الحسن الأشعري، والآمدي، والنووي، وابن الحاجب. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون) ، حيث قالوا: إن " الواو " في قوله: (والراسخون) عاطفة، فعلى هذا يكون الراسخون في العلم يعلمون تأويله؛ إذ لو كان الراسخون في العلم لا يعلمون

стр. 486

المتشابه لما كان لهم على العامة فضيلة ومزية؛ لأن كلًّا من الراسخين في العلم والعامة يقولون: (آمنا به) . جوابه: نجيب عن ذلك بأن اللَّه تعالى قد جعل للراسخين في العلم فضيلة ومزية عن طريق علمهم بالآيات المحكمة، وفهمهم لها وبيانها للناس، وتوضيح ما التبس منها لهم، ولهم أجر على ذلك كما هو معلوم، ثم إن الراسخين في العلم قد علموا ما ورد عن اللَّه ، دون الوقوف على كنه ذاته وصفاته، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من الراسخين في العلم. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ وذلك لأن هذا الخلاف راجع إلى مقصد، ومراد كل من الطرفين، فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الراسخين في العلم لا يعلمون المتشابه - أرادوا بذلك: أنهم لا يعلمون حقيقة المتشابه، وإنما ذلك إلى اللَّه تعالى. وأصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إنهم يعلمون تأويل المتشابه - أرادوا بذلك أنهم يعلمون ظاهره، ولا يعلمون حقيقته. فالاتفاق حاصل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون حقيقة المتشابه؛ لأن علم ذلك قد استأثر اللَّه به. قال ابن تيمية ﵀: " وكلا القولين حق، فمن قال: لا يعلم تأويله إلا اللَّه فمراده: ما يؤول إليه الكلام من الحقائق التي لا يعلمها إلا اللَّه، ومن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فالمراد به: تفسير القرآن الذي بيَّنه الرسول والصحابة ".

стр. 487

المطلب السادس هل يوجد في القرآن مشترك لفظي ؟ اللفظ المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعاً أولاً، وسيأتي إن شاء اللَّه بيان ذلك مع ذكر مسائله في الفصل الرابع من الباب الرابع الذي هو في " الألفاظ ودلالتها على الأحكام " وبما أني - الآن - أتكلم عن القرآن وما يخصه من مباحث، فإنه لزاماً عليّ أن أبين هذا الموضوع، وهو: هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؛ فأقول: لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يوجد في القرآن مشترك لفظي. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن القرآن نزل بلغة العرب، قال تعالى: (بلسان عربي مبين) ، ولغة العرب يرد فيها المشترك، فيكون القرآن قد اشتمل على المشترك؛ لأنه نزل بلغتهم. والدليل على أن لغة العرب يرد فيها المشترك: التردد في المراد من لفظ " القرء "، و " العين "، و " الشفق "، و " الجون "، و"الجلل "، وإذا تردد الذهن بين معنيين فهو علامة الاشتراك، فمثلاً: أطلق أهل اللغة: " القرء " على الطهر والحيض وهما ضدان، فدل على وقوع الاشتراك في اللغة.

стр. 488

الدليل الثاني: أن المشترك اللفظي قد وقع في القرآن، بحيث يرد اللفظ فيه فيتردد الذهن بين معنيين له أو أكثر. ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، والقرء يصلح للطهر والحيض. فجاء لفظ " القرء " بمعنى الطهر فى قول الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزاً وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا أي: ضيع أطهارهن في غزواته، فالقرء هنا: الطهر. وجاء لفظ " القرء " بمعنى: الحيض في قول الشاعر: يا رب ذي طعن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض أي: أنه لما طعن كان له دم كدم الحائض. وبسبب هذا اللفظ المشترك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض على رأيين: الرأي الأول: أن عدتها ثلاث حيضات؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الحيض. الرأي الثاني: أن عدتها ثلاثة أطهار؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الطهر. واستدل كل فريق من العلماء بأدلة قد ذكرت أكثرها في " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فراجعه من هناك. ومن ذلك - أي: من الألفاظ المشتركة الواردة في القرآن - قوله تعالى: (والليل إذا عسعس) ، فإن لفظ " عسعس " يأتي بمعنى "أقبل "، و " أدبر " على سبيل الاشتراك ذكره الجوهري في الصحاح.

стр. 489

اعتراض على ذلك: اعترض معترض قائلاً: إن القرء ليس مشتركاً بين " الطهر "، و"الحيض "، بل هو موضوع للقدر المشترك بينهما، واختلف في تعيين ذلك المشترك على أقوال. أولها: أنه " الجمع " من قول القائل: " قريت الماء في الحوض ": إذا جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد، وفي زمن الحيض في الرحم. ثانيها: أنه الانتقال، فالانتقال يُسمَّى قرءاً لغة، فالحائض تنتقل من الطهر للحيض، وتنتقل من الحيض للطهر. ثالثها: أنه الزمان تقول العرب: " جاءت الريح لقرئها " أي: لزمانها، والحيض له زمان، والطهر له زمان، فسميا قرءاً لذلك. وكذلك قالوا: إن لفط " عسعس " ليس مشتركا، بل هو متواطئ، نظراً للقدر المشترك بينهما، وهو: اختلاط الظلام بالضياء. وفعلوا ذلك في كل مشترك فردوا ذلك إلى التواطؤ، أو الحقيقة والمجاز. جوابه: نجيب عن ذلك الاعتراض: بأن هذه التأويلات يمكن أن تسوغ وتقبل لو امتنع ثبوت المشترك في اللغة، ولكن الحقيقة: أن لفظ "القرء " ولفظ " عسعس " من الألفاظ المشتركة، وهذا ثابت في اللغة كما سبق بيان ذلك، وهذه التأويلات التي ذكرها المانعون من ثبوت المشترك متكلَّفة، وليس لأحد أن يتعسف التأويل.

стр. 490

المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مشترك. نسب هذا المذهب إلى داود الظاهري. دليل هذا المذهب: استدل من ذهب إلى هذا المذهب بقوله: إن المشترك لو وقع في القرآن لوقع إما مبيَّناً بأن يذكر معه قرينة تفيد المعنى المراد من المعاني كما يقال - مثلاً -: " ثلاثة قروء وهي الأطهار ": فيلزم التطويل بغير فائدة " لأنه يمكن أن يعبر عن ذلك المعنى بلفظ مفرد وضع له فقط. وإما أن يقع المشترك غير مبيَّن فيكون غير مفيد - حيث إنه لم يحصل المقصود وهو: الفهم التفصيلي - وغير المفيد لا يقع به الخطاب، ولو وقع لكان عبثاً، والله منزه عن العبث. جوابه: نجيب عنه: بأنا لا نسلِّم أنه إذا وقع غير مبيَّن لم يكن مفيداً، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الفائدة منحصرة في الفهم التفصيلي وهو: ممنوع، وذلك لأن غير المبيَّن في القرآن مفيد، وهو إما أن يقع في الأحكام، أو يقع في غير الأحكام. فإن وقع في الأحكام ففائدته الاستعداد للامتثال إذا بين. وإن وقع في غير الأحكام ففائدته مثل الفائدة في أسماء الأجناس وهو الفهم الإجمالي. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي " لأنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين.

стр. 491

المطلب السابع في النسخ النسخ يلحق الكتاب والسُّنَّة معاً، ولكن جعلناه من مباحث القرآن؟ لأنه أخص به بسبب إشكاله وغموضه بالنسبة إليه. وقد شمل الكلام عن النسخ المسائل التالية: المسألة الأولى: تعريفه لغة. المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو العكس؟ المسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحاً، واختلاف العلماء هل هو رفع أو بيان؟ المسألة الرابعة: شروط النسخ. المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص. المسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص. المسألة السابعة: هل النسخ جائز عقلاً؟ المسألة التامنة: هل النسخ جائز شرعا؟ المسألة التاسعة: حكمة النسخ. المسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة.

стр. 492

المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام التي لا يتناولها. المسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها وبالعكس ونسخهما معا؟ المسألة الثالثة عشرة: النسخ قبل التمكن من الفعل. المسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء من أجزاء العبادة، أو شرط من شروطها. المسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل. المسألة السابعة عشرة: النسخ با لأخف، والمساوي، والأثقل. المسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي ﷺ ولم يبلغ بعض الأمة فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟ المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن. المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة. المسألة الحادية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد. المسألة الثانية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة. المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُنَّة بالقرآن. المسألة الرابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّئة المتواترة. المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد؟

стр. 493

المسألة السادسة والعشرون: هل يكون الإجماع منسوخا؟ المسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟ المسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟ المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسحْ حكم الفرع تبعا لذلك؟ المسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخا ومنسوخا؟ المسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يفع منسوخا؟ المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخا؟ المسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ.

стр. 494

المسألة الأولى: تعريف النسخ لغة: النسخ لغة يطلق على إطلاقين هما: الإطلاق الأول: يطلق ويراد به الإزالة والرفع، ومنه قولهم: "نسخت الشمس الظل "، أي: أزالته ورفعته، وهذا مثال النسخ إلى بدل. ومنه أيضاً قولهم: " نسخت الريح الأثر " أي: رفع الريح آثار القوم وأزالتها، وهذا مثال النسخ إلى غير بدل. الإطلاق الثاني: النسخ يطلق ويراد به لغة النقل مع بقاء الأول، ومنه قولهم: " نسخت الكتاب " أي: نقلت ما فيه، مع بقاء الأصل. *** المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل أو العكس؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة بالاشتراك المعنوي. ذهب إلى ذلك ابن المنير في " شرح البرهان ". بيان الاشتراك المعنوي هنا: أن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب قدراً مشتركاً، وهو: الرفع؛ حيث إن الرفع في نسخ الظل واضح؛ لأنه زال بضده.

стр. 495

أما الرفع في نسخ الكتاب فهو مقدر؛ حيث إن الكلام المنقول بالكتابة لم يكن مستفاداً إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة خصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع. وهذا المذهب هو الحق عندي، لسلامته من المجاز، ومن الاشتراك اللفظي اللذين هما على خلاف الأصل، بيان ذلك: أن المجاز خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة عند استعمال المعنى المجازي تمنع من استعماله في المعنى الحقيقي، بينما الحقيقة لا تحتاج إليها، لأن الأصل في الكلام الحقيقة. كذلك الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأن الأصل عدم تعدد الوضع، ولأن الاشتراك اللفظي يحتاج إلى قرينة ترجح أحد معنييه. فيكون النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة بالاشتراك المعنوي، لأنه لا يحتاج إلى قرينة، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأنه هو الأصل، لأن الأصل عدم تعدد الوضع ولعدم احتياجه إلى قرينة، وإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة، لأنها هي الأصل، والمجاز خلاف الاءصل. المذهب الثاني: أن النسخ يطلق حقيقة على الإزالة، ويطلق على النقل مجازاً. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: فخر الدين الرازي، والبرماوي وغيرهما. دليل هذا المذهب: أن النسخ مستعمل في إطلاقين هما: "الإزالة" و " النقل "،
следующие страницы →