Полный текст (2 303 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
المطلب السابع في النسخ
النسخ يلحق الكتاب والسُّنَّة معاً، ولكن جعلناه من مباحث القرآن؟
لأنه أخص به بسبب إشكاله وغموضه بالنسبة إليه.
وقد شمل الكلام عن النسخ المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريفه لغة.
المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو العكس؟
المسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحاً، واختلاف العلماء هل هو
رفع أو بيان؟
المسألة الرابعة: شروط النسخ.
المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص.
المسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص.
المسألة السابعة: هل النسخ جائز عقلاً؟
المسألة التامنة: هل النسخ جائز شرعا؟
المسألة التاسعة: حكمة النسخ.
المسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة.
стр. 492
المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام التي لا
يتناولها.
المسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها وبالعكس
ونسخهما معا؟
المسألة الثالثة عشرة: النسخ قبل التمكن من الفعل.
المسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟
المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء من أجزاء العبادة، أو شرط من
شروطها.
المسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل.
المسألة السابعة عشرة: النسخ با لأخف، والمساوي، والأثقل.
المسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي ﷺ ولم يبلغ بعض الأمة فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟
المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن.
المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة.
المسألة الحادية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد.
المسألة الثانية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة.
المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُنَّة بالقرآن.
المسألة الرابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّئة المتواترة.
المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة
بخبر الواحد؟
стр. 493
المسألة السادسة والعشرون: هل يكون الإجماع منسوخا؟
المسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟
المسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟
المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسحْ حكم
الفرع تبعا لذلك؟
المسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخا ومنسوخا؟
المسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يفع منسوخا؟
المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخا؟
المسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ.
стр. 494
المسألة الأولى: تعريف النسخ لغة:
النسخ لغة يطلق على إطلاقين هما:
الإطلاق الأول: يطلق ويراد به الإزالة والرفع، ومنه قولهم:
"نسخت الشمس الظل "، أي: أزالته ورفعته، وهذا مثال النسخ
إلى بدل.
ومنه أيضاً قولهم: " نسخت الريح الأثر " أي: رفع الريح آثار
القوم وأزالتها، وهذا مثال النسخ إلى غير بدل.
الإطلاق الثاني: النسخ يطلق ويراد به لغة النقل مع بقاء الأول،
ومنه قولهم: " نسخت الكتاب " أي: نقلت ما فيه، مع بقاء
الأصل.
***
المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل أو العكس؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة
بالاشتراك المعنوي.
ذهب إلى ذلك ابن المنير في " شرح البرهان ".
بيان الاشتراك المعنوي هنا:
أن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب قدراً مشتركاً، وهو:
الرفع؛ حيث إن الرفع في نسخ الظل واضح؛ لأنه زال بضده.
стр. 495
أما الرفع في نسخ الكتاب فهو مقدر؛ حيث إن الكلام المنقول
بالكتابة لم يكن مستفاداً إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة
خصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع
الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع.
وهذا المذهب هو الحق عندي، لسلامته من المجاز، ومن
الاشتراك اللفظي اللذين هما على خلاف الأصل، بيان ذلك:
أن المجاز خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة عند استعمال
المعنى المجازي تمنع من استعماله في المعنى الحقيقي، بينما الحقيقة لا
تحتاج إليها، لأن الأصل في الكلام الحقيقة.
كذلك الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأن الأصل عدم تعدد
الوضع، ولأن الاشتراك اللفظي يحتاج إلى قرينة ترجح أحد معنييه.
فيكون النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة بالاشتراك المعنوي،
لأنه لا يحتاج إلى قرينة، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك اللفظي
والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأنه هو الأصل، لأن
الأصل عدم تعدد الوضع ولعدم احتياجه إلى قرينة، وإذا دار اللفظ
بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة، لأنها هي الأصل، والمجاز
خلاف الاءصل.
المذهب الثاني: أن النسخ يطلق حقيقة على الإزالة، ويطلق على
النقل مجازاً.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: فخر الدين الرازي،
والبرماوي وغيرهما.
دليل هذا المذهب:
أن النسخ مستعمل في إطلاقين هما: "الإزالة" و " النقل "،
стр. 496
ولا ثالث لهما، فإذا كان إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم:
"نسخت الكتاب " مجازاً؛ لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، بل
نقل مجازاً: لزم أن يكون حقيقة في الإزالة؛ لأنه إذا بطل كونه
حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر.
المذهب الثالث: أن النسخ يطلق عليهما حقيقة بالاشتراك اللفظي.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والقاضي
عبد الوهاب المالكي.
دليل هذا المذهب:
أن النسخ استعمل في الإزالة والنقل، وأطلق عليهما معا في لسان
العرب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر.
الجواب عن المذهبين السابقين:
نجيب عنهما: بأن المجاز والاشتراك اللفظى خلاف الأصل - كما
بينا فيما سبق - فلا يقاوم ذلك الاشتراك المعنوي؛ لأنه موافق
للأصل، وقد سبق بيان ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لعدم تأثيره في الفروع الفقهية.
***
المسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحا، واختلاف العلماء
هل هو رفع أو بيان؟
لقد ذكر العلماء تعريفات للنسخ، ومن أهمها:
стр. 497
التعريف الأول: أنه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر عنه.
اختار ذلك: القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وأبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والتبريزي.
وهو الحق عندي؛ لكونه جامعاً مانعاً، وإليك بيان وشرح ذلك:
إن هناك حكماً قد ثبت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر
من الشارع - فجأة - وهو متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم مثل:
أن اللَّه تعالى حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك
بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بعد ذلك بزمن
رفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
فالرفع هو إزالة ذلك الحكم على وجه لولا هذا الرفع لبقي الحكم
ثاشاً مستمراً يعمل به.
فالنسخ - إذن - قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته.
وهناك فرق بين قطع دوام الحكم، وبين انتهاء المدة، يتبين ذلك
الفرق إذا فرقنا بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها، بيان ذلك:
الإجارة هي: عقد على منفعة لسنة كاملة - مثلاً - فإذا رفعت
الإجارة بالفسخ، فإن ذلك يغاير زوالها بانقضاء مدتها؛ لأن فسخ
الإجارة: قطع لدوامها لسبب خفي عن المتعاقدين عند ابتداء العقد.
أما إنقضاء مدة الإجارة فهو ارتفاع حكمها لسبب قد علمه
стр. 498
المتعاقدان عند ابتداء العقد وهو: " انقضاء الأجل "، وهو انتهاء
السنة.
فلو استأجر منزلاً لسنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند
ابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، ولو انهدم
المنزل في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء
العقد بانهدام المنزل.
فكذلك يقاس على ذلك نسخ الحكم، وهو قطع دوام الحكم،
لا بيان انتهائه.
فنسخ الحكم فجأة مثل فسخ الإجارة.
أما انتهاء مدة الحكم فإنه لا يسمى نسخا، كما أن انقضاء مدة
الإجارة لا يسمى فسخا.
ولقد عبرنا بلفظ " الثابت " لبيان أنه يشترط في الحكم الأول أن
يكون ثابتا، لأن ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه؛ لأنه أصلا لم
تنشغل الذمة به.
ولقد عبرنا بلفظ " الخطاب " ولم نعبر بلفظ " النص "؛ لأن لفظ
" الخطاب " شامل للفظ، والفحوى، والمفهوم؛ لأن النسخ يجوز
بجميع ذلك.
وعبرنا بلفظ " رفع الحكم " ولم نعبر بعبارة: " رفع الأمر والنهي "
وذلك ليتناول الأمر والنهي والخبر، وجميع أنواع الحكم من واجب
ومندوب ومكروه ومباح وحرام، فإن جميع ذلك قد ينسخ.
وقد قيدنا التعريف بالخطاب المتقدم؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل
بإيجاب العبادات ابتداء كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فإن هذا
стр. 499
لا يسمى نسخاً؛ لأن الحكم المرفوع - وهو حكم العقل، أو حكم
النفي الأصلي - لم يكن ثابتا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو
ثابت بالأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة.
وقيدنا التعريف بالخطاب المتأخر للاحتراز من زوال الحكم بدون
خطاب كالموت والجنون؛ لأنه من المعلوم: أن من مات أو جن فإن
التكاليف ترتفع عنه، ولا يسمى ذلك نسخاً؛ لأن رفع الحكم عنهما
لم يكن بخطاب، بل بسبب الموت والجنون.
وقلنا: " بخطاب متأخر عنه " لبيان أنه يشترط: تأخر الخطاب
الثاني - وهو الناسخ - عن الخطاب الأول المثبت للحكم الأول
المنسوخ.
واشتراط التأخر - هنا - لإخراج المخصِّصات المتصلة، كالشرط،
والغاية، والاستثناء.
مثال الشرط قولك: " أنت طالق إن دخلت الدار "، فإن قولك:
" إن دخلت الدار " شرط قد رفع حكم عموم وقوع الطلاق الذي
دلَّ عليه قوله: " أنت طالق "، وهذا لا يسمى نسخا وإن كان رفعا
لحكم بخطاب؛ لأن الخطاب غير متأخر.
ومثال الغاية قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) ، فإن
مجيء الليل لا يكون نسخاً للصوم؛ لأنه وإن كان رفعاً لحكم
بخطاب إلا أن هذا الخطاب غير متأخر، بل هو متصل، فهو قد
انتهى بانتهاء غاية الحكم وانقضاء وقته.
ومثال الاستثناء قولك: " أنت طالق ثلاثا إلا واحدة "، فإن هذا
الاستثناء قد رفع عموم الطلاق الثلاث حتى ردَّه إلى اثنتين، فهذا
стр. 500
رفع لحكم بخطاب، ولكن لا يسمى نسخاً؛ لأن الخطاب غير
متأخر عنه، بل هو متصل.
الحاصل: أنه يكون الخطاب الرافع ناسخا إذا ورد هذا الرافع بعد
أن ثبت الحكم المراد نسخه واستقر، بحيث يدوم لولا هذا الرافع.
أما إذا اتصل الرافع بالمنسوخ، فإنه يكون بيانا وإتماماً لمعنى
الكلام.
اعتراض على هذا التعريف:
قال كثير من المعتزلة: إن تحديد النسخ بـ " الرفع " لا يصح؟
لأدلة هي كما يلي:
الدليل الأول: قالوا: إن النسخ بمعنى الرفع يدل على البَداء -
وهو: الظهور بعد أن لم يكن - والبَداء محال في حق اللَّه تعالى؟
حيث إننا لو قلنا به في حق اللَّه تعالى فإنه يلزم منه: أن اللَّه لما حكم
بشيء بدا له وظهر له - فيما بعد - أن هذا الحكم خطأ ثم ندم عليه
وهذا محال في حق اللَّه تعالى.
جوابه:
نجيب عنه بثلاثة أجوبة هي كما يلي:
الجواب الأول: أنا نقطع بعدم لزوم البَداء من رفع الحكم،
وذلك لأنا نقطع بكمال علم اللَّه تعالى، والبَداء ينافي كمال العلم؟
لأنه يستلزم الجهل المحض، لأن البَداء - كما قلنا - هو: ظهور
الشيء بعد أن كان خافياً.
الجواب الثاني: نحن لا نقول: إن اللَّه تعالى كان قد خفي عليه
شيء في الأول وظهر في الثاني، وإنما نقول: إنه خاطب بهذا
стр. 501
الخطاب وهو يعلم بأنه سيسقطه عن العباد بعد مدة من الزمان، فهو
سبحانه علم أن مصلحة العباد تقتضي هذا الحكم في هذا الزمان بعينه
وهو مفسدة لهم في زمن ثاني، فلما انتهى الزمن الأول رفع ذلك
الحكم عنهم، وهذا ليس ببداء.
الجواب الثالث: أن اللَّه سبحانه خلق الخلق على صفات مختلفة،
فخلق الإنسان على صفة ثم نقله إلى صفة أخرى؛ حيث إنه خلقه
طفلاً ثم رجلاً ثم شيبة، فإذا كان يفعل ذلك وهو لا يسمى بَداءً،
فإن ما نحن فيه مثله، حيث إنه أنزل علينا حكما فعملنا به مدة، ثم
نقلنا إلى حكم آخر فلا يسمى ذلك بَداء.
الدليل الثاني: قالوا: إن خطاب اللَّه تعالى قديم، والقديم لا
يصح رفعه، لأن الرفع نقل وإزالة وتغيير، وكل ذلك محال على
القديم.
جوابه:
نجيب عنه: بأنه ليس معنى النسخ رفع الخطاب نفسه، بل المراد
بالنسخ: رفع وقطع تعفُق الخطاب بالمكلَّف؛ قياسا على المكلف إذا
طرأ عليه طارئ مثل: أن يصاب بجنون، فإن تعلق الخطاب بهذا
المكلف يزول بسبب هذا الطارئ، ثم إذا زال الجنون وأصبح قادراً
على القيام بما كلف به عاد إليه تعلق الخطاب به، فالخطاب نفسه لم
يتغير، حيث إنه باق على ما هو عليه من حيث ذاته، فالجنون
- مثلاً - سبب من جهة المخاطب بقطع تعلق الخطاب عنه.
فكذلك النسخ سبب من جهة المخاطب بقطع تعلُّق الخطاب بهؤلاء
المكلَّفين.
الدليل الثالث: قالوا: إن تحديد النسخ بالرفع يؤدي إلى تناقض
стр. 502
الله في أحكامه، حيث إنه من جهة إثبات الحكم فإنه قد أمر به وأراد
وجوده وشرعه، ومن جهة رفع الحكم فإنه قد نهى عنه، ولم يرد
وجوده ولا شرعه.
فلزم من ذلك: أن يكون الحكم الواحد مراداً وغير مراد ولا معنى
للتناقض إلا هذا.
جوابه:
نجيب عنه: بأن هذا مبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهذا
باطل؛ لأن الأمر - عندنا - يفارق الإرادة بدليل: أن اللَّه - تعالى -
قد أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر
إبليس بالسجود ولم يرده منه؛ لأنه لو أراد ذلك لوقع؛ فإن الله
تعالى فعال لما يريد.
فالله تعالى قد يأمر بالشيء ولا يريد وقوع ووجود المأمور به، فلا
تناقض بين الأمر بالشيء وكونه غير مراد الوقوع والوجود.
الدليل الرابع: قالوا: إن الحكم المنسوخ إنما أثبته اللَّه تعالى لحسنه
وصلاحيته للمكلَّفين فيمتنع رفعه، لأن رفعه - بالنهي عنه - يلزم منه
أن ينقلب الحسن قبيحا، لأنه لولا قبحه وعدم صلاحيته لما رفع.
جوابه:
نجيب عنه بجوابين:
أولهما: أن هذا مبني على قاعدة وهي: " التحسين والتقبيح
العقليين " وهي باطلة عندنا، لأن العقل لا مدخل له في الشرعيات،
فالشارع هو اللَّه تعالى، فما أمر به يكون حسنا، وما نهى عنه يكون
قبيحاً.
стр. 503
ثانيهما: أن الشيء قد يكون حسنا في وقت، وقبيحاً في وقت
آخر، فإذا أمر اللَّه تعالى في هذا الوقت بحكم فإنه يكون حسنا وفيه
مصلحة للعباد، وإذا نهى عنه في وقت آخر يكون قبيحاً وفيه مفسدة
على العباد، وهذا ليس فيه انقلاب الحسن إلى القبيح لمن دقق فيه.
التعريف الثاني: أن النسخ: النص الدال على انتهاء أمد الحكم
الشرعي مع التأخير عن مورده.
اختاره: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، وفخر
الدين الرازي، والقرافي، وجماعة من المعتزلة، ونسب إلى الفقهاء.
شرح التعريف:
إن الحكم المنسوخ مغيا بغاية معينة ينتهي إليها، وله مدة معلومة
محدودة، فإذا جاءت تلك الغاية ينتهي العمل به بذاته، والنسخ
كشف هذا الانتهاء.
فأصحاب هذا التعريف يجعلون النسخ بيانا، أي: أن الخطاب
الثاني بين وكشف أن الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مراداً من
الخطاب الأول، كما أن التخصيص في الأعيان كذلك.
سبب اختيار هؤلاء لهذا التعريف:
إن هؤلاء اختاروا هذا التعريف وعدلوا عن التعريف الأول لسبب
وهو: أن الحكم راجع إلى كلام اللَّه - تعالى - وهو قديم،
والقديم لا يرفع ولا يزال.
جوابه:
نجيب عنه بأن المرفوع ليس نفس الخطاب، بل إن المرفوع هو
تعلق الخطاب بالمكلف فقط، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.
стр. 504
* ما يمكن الاعتراض به على هذا التعريف:
يعترض على هذا التعريف بما يلي:
الاعتراض الأول: أن هذا التعريف قد جعل النسخ تخصيصا
زمانياً.
أي: أن الخطاب الثاني قد كشف وبيَّن أن الأزمنة بعده لم يكن
ثبوت الحكم فيها مراداً من الخطاب الأول، كما أن التخصيص في
الأعيان كذلك، ومعلوم أن النسخ يختلف عن التخصيص كما سيأتي
بيان ذلك إن شاء اللَّه.
الاعتراض الثاني: أن التعريف غير جامع لأفراد المعرف؛ لأنه لا
يشمل " النسخ قبل التمكن من الفعل والامتثال "؛ لعدم دخول وقته؟
حيث إن عبارة: " ... الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي "
تشعر بأن الحكم الذي بين أمده قد دخل وقت العمل به، فيكون
الفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف.
ومقتضى هذا: أن النسخ قبل التمكن من الفعل غير جائز، وهذا
مخالف للقول الحق، وهو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل
ووقوعه كنسخ أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، ونسخ
الخمسين صلاة، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.
بيان نوع الخلاف في هذا:
أصحاب التعريف الأول قالوا: إن النسخ رفع، وأصحاب
التعريف الثاني قالوا: إن النسخ بيان فما نوع هذا الخلاف؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن الخلاف لفظي؛ لاتفاق
الفريقين على أن الحكم الأول له انعدام، وتحقق انعدامه لانعدام
متعلقه، لا لانعدام ذات الحكم.
стр. 505
ولاتفاق الفريقين - أيضاً - على أن الحكم المتأخر اللاحق لا بد أن
يكون منافياً للأول؛ وأن وجوده يتحقق عدم الأول.
ولاتفاق الفريقين - أيضاً - على أنه ليس كل الأحكام مؤقتة في
علم اللَّه، وأنه ليس كل الأحكام مؤبدة، فلا يمكن لأحد الفريقين:
أن يجزم بأنها مؤبدة، أو مؤقتة مطلقاً؛ فلا يستطيع أحد أن يقول:
إن الخطاب المطلق في علمه تعالى كان مقيداً بالدوام، أو يقول:
كان ذلك الخطاب مخصصا ببعض الأزمنة.
ثم إن أصحاب التعريف الثاني - وهم القائلون: إن النسخ بيان -
قد جوَّزوا نسخ الحكم المؤقت قبل مجيء وقته - كما سيأتي بيانه -
وهذا لا يمكن إلا إذا كان رفعاً.
فالحكم الشرعي له عمر عند اللَّه تعالى مقدّر، وأجل معين،
والله تعالى يعلم هذا الأجل، فإذا جاء ذلك الأجل أنزل حكما
اَخر، وارتفع الحكم الأول، فالحكم المنسوخ قد مات بأجله، وذلك
بإماتة اللَّه تعالى له، وبيان وظهور الإماتة ليس إلا بهذا الرفع.
فيكون في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلق الذي
كان معلوماً عند اللَّه تعالى، إلا أنه أطلقه، فصار ظاهر البقاء في
حق البشر، فكان تبديلاً - في حقنا، بيانا في حق الشارع.
أو تقول - في تعليل كون الخلاف لفظيا -: إن القائلين بأن
النسخ رفع يثبتون معه بيانا، وأن القائلين بأن النسخ بيان يثبتون معه
رفعاً؛ وذلك لأن القائلين بأنه بيان لا ينازعون في أن الحكم المنسوخ
كان قبل النسخ ثابتا، وهو بعد النسخ غير ثابت، وإنما أنكروا رفعا
يناقض الإثبات ويجامعه.
والقائلون بأن النسخ رفع لا ينازعون في أن المكلَّفين كانوا على
стр. 506
ظن بأن الحكم لا ينسخ بناء على أن الغالب في الأحكام القرار وعدم
النسخ، ثم تبيَّن لهم بالنسخ أن اللَّه - تعالى - أراد من الأول نسخه
في الزمان المخصوص؛ لأن الإرادة قديمة ولا بد منها اتفاقا، فالتقى
المذهبان.
***
المسألة الرابعة: شروط النسخ:
لعله قد اتضح لك من شرحنا للتعريف الأول وهو الذي اخترناه
الشروط التي ينبغي أن تتوفر في النسخ، وإليك أهمها:
الشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم.
أما الحكم الثابت بدليل العقل أو البراءة كان يتعارف الناس على
شيء فيفعلونه كاستباحتهم الخمر في أول الإسلام على عادة كانت
لهم فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ؛ لأنه لم يثبت بخطاب متقدم.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقا لم يُحدد بمدة
معلومة، فيأتي الناسخ فجأةً دون انتظار من المكلَّفين.
الشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، فإن ارتفع الحكم
بموت المكلَّف، أو جنونه، أو غير ذلك من عوارض الأهلية فليس
هذا بنسخ، وإنما سقط التكليف بسبب ذلك العارض.
الشرط الرابع: أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ متأخر عنه،
فإن كان النص قد اقترن بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء،
فليس بنسخ؛ حيث يكون تخصيصا.
وهناك شروط مختلف فيها سنذكرها أثناء بحث المسائل التفصيلية
للنسخ.
стр. 507
المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص:
النسخ قد سبق تعريفه وهو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم،
بخطاب متأخر عنه.
أما التخصيص فهو: " قصر اللفظ مطلقا على بعض مسماه "،
أو تقول: " هو قصر العام على بعض مسمياته "، أو هو: إخراج ما
تناوله الخطاب عنه ".
فإذا دققنا النظر في تعريف النسخ وتعريف التخصيص، فإنا نجد
أنهما يشتركان ويتفقان في أن كل واحد منهما يوجب إخراج بعض ما
تناوله اللفظ لغة، أي: أن كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض
مشتملاته إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان،
والتخصيص: قصر للحكم على بعض أفراده.
***
المسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص:
مع اتفاقهما - فيما سبق - إلا أن بينهما فروقا هي كما يلي:
الفرق الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم - وهو
المخصوص - لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه.
بخلاف النسخ، فإنه يدل على أن ما خرج - وهو المنسوخ - لم
يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه.
الفرق الثاني: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخراً عن
المنسوخ بخلاف التخصيص، فلا يشترط ذلك فيه: فيجوز أن يكون
المخصِّص مقترنا مع العام كالتخصيص بالصفة، والشرط، والغاية،
والاستثناء، ويجوز أن يكون المخصِّص متأخراً عن العام.
стр. 508
الفرق الثالث: أن التخصيص لا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور
واحد مثل: " أكرم زيداً "؛ لأنه لا يكون إلا من متعدد.
بخلاف النسخ، فإنه يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما
نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام.
الفرق الرابع: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما
تحته حقيقة على رأي الجمهور، أو مجازاً على رأي أبي ثور وعيسى
ابن أبان فيما عدا الصورة المخصَّصة، بخلاف النسخ فلا يبقى معه
دلالة اللفظ على ما تحته.
أي: أن العام يبقى حُجَّة فيما بقي بعد التخصيص، فلا يخرج
العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقل الزمان، فإنه يبقى معمولاً
به فيما عدا الصورة المخصوصة.
أما النسخ فإنه يبطل الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في
مستقبل الزمان بالكلية، وذلك عندما يرد النسخ على الأمر بمأمور
واحد.
الفرق الخامس: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى،
ويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.
الفرق السادس: أن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام.
أما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعض أفراده.
الفرق السابع: أن التخصيص لا يرد إلا على العام.
بخلاف النسخ، فإنه يرد على العام والخاص.
الفرق الثامن: أن التخصيص يجوز بالأدلة النقلية كالكتاب
стр. 509
والسُّنَّة، ويجوز بالأدلة العقلية كالقياس، ويجوز بالقرائن الحالية،
والقرائن المقالية.
بخلاف النسخ، فإنه لا يجوز إلا بالأدلة النقلية كالكتاب والسُّنَّة.
الفرق التاسع: أن العام المقطوع بدليله يجوز أن يُخصص بمقطوع
مثله، ويجوز أن يخصص بمظنون كالقياس، وخبر الواحد ونحوهما
من الأدلة المخصصة.
بخلاف النسخ، فإن الحكم المقطوع بدليله لا ينسخ إلا بقاطع مثله.
***
المسألة السابعة هل النسخ جائز عقلاً؟
النسخ جائز عقلاً للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه
بعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه.، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي
عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده وإذا
كان ذلك كله من جملة الجائز، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد
النهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ.
الدليل الثاني: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا
يمتنع أن يأمر اللَّه - تعالى - بالفعل في زمان لعلمه - سبحانه - أن
العباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمن، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم
في زمن آخر لعلمه - سبحانه - أن العباد لو عملوا بذلك الفعل في
هذا الزمن الثاني لترتب عليه مفسدة، كما يفعل الطبيب بالمريض؟
حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في
زمن آخر بسبب اختلاف المصلحة.
стр. 510
الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلاً أن يأمر اللَّه تعالى بالشيء ثم
ينسخه، سواء نسخ قبل الفعل، أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن
فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو
ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثال ذلك الأمر قبل أن
ينسخ: فإنه يثاب.
ومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أيُّ علامة للامتثال فإنه يأثم.
الدليل الرابع: أنه إذا جاز أن يطلق الأمر ثم يسقطه بالعجز
والمرض جاز أن يطلق الأمر ويسقطه بخطاب آخر.
الدليل الخامس: أنه إذا جاز أن يخلق اللَّه - تعالى - خلقا على
صفة، ثم بنقله إلى صفة أخرى: مثل أن يخلقه طفلاً، ثم ينقله
إلى الشباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الوت
من غير اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحا في شرع ولا عقل،
فوجب أن يجوز - هنا - أن يكلف اللَّه خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.
المسألة الثامنة: هل النسخ جائز شرعاً؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النسخ جائز شرعا.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة، فقد أجمعوا على أن شريعة
محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة إما بالكلية، وإما فيما
стр. 511
يخالفها فيه، فالأحكام التي كانت عليهم لا تلزمنا، ولسنا مطالبين
بها إذا لم يرد بها شرعنا.
الدليل الثاني: وقوع النسخ في الشريعة، والوقوع دليل الجواز:
فقد وقع في شريعتنا نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها:
١ - أنه نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها زوجها
بالتربص أربعة أشهر وعشراً، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، ثم
قال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
٢ - أنه نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة،
قال اللَّه تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ، وقال: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
٣ - أنه نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان.
٤ - أنه نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، فقال تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) نسخ ذلك بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .
وهناك أمثلة كثيرة ستأتي أثناء كلامنا عن بقية مسائل النسخ.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية
أخرى، وكلام اللَّه صدق، فالنسخ جائز.
وسبب نزول الآية يؤيد ذلك: حيث إن سببها هو: أن اليهود
عابوا على رسول اللَّه ﷺ تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام،
стр. 512
وقالوا: إن محمداً يأمر بالشيء ثم ينهى عنه، فأنزل اللَّه تعالى تلك
الآية رداً عليهم، فهذا يدل دلالة واضحة على جواز النسخ؛ لأنها
ردت عليهم في شيء عابوه قد وقع فعلاً.
ما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية:
الاعتراض الأول: أن المراد من النسخ - في هذه الآية -:
الإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.
جوابه:
يجاب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، لأنه معلوم أن القرآن كله خير من
غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح
المحفوظ، وكتابة آية أخرى بدلها: لما تحقق هذا الوصف - وهي
الخيرية بالنسبة لنا - وإنما تتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى
أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إن بعض
الأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو
أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام - على
خلاف بين العلماء - فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات
الموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض.
الاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد
التخصيص.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا غير صحيح لأمرين:
أولهما: أن لفظ الآية هو: " ما ننسخ "، والنسخ غير التخصيص،
فكل واحد منهما له مفهوم يخالف الآخر كما سبق بيان ذلك.
стр. 513
ثانيهما: أن التخصيص لا يستدعي بدلاً مثله، أو خيراً منه، وإنما
التخصيص بيان للكلام.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) .
وجه الدلالة: أن التبديل عام وشامل للرفع والإثبات، والمرفوع
إما تلاوة، وإما حكم، وكيفما كان فهو نسخ.
المذهب الثاني: أن النسخ ممتنع شرعاً.
نسب هذا المذهب إلى أبي مسلم الأصفهاني - محمد بن بحر
المتوفى عام ٤٢٢ هـ.
دليل هذا المذهب:
استدل على ذلك بقوله تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .
وجه الاستدلال: أن النسخ باطل؛ لأن فيه إلغاء للحكم
المنسوخ، فلو وقع في القرآن لأتاه الباطل، وفى ذلك تكذيب لخبر
الله تعالى، والكذب محال في خبره.
جوابه:
يجاب عنه بأن الآية لا تدل على أن النسخ ممتنع؛ لأمرين:
أولهما: أن معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب اللَّه ما
يبطله، ولا يأتي من بعده من كتب اللَّه ما يبطله، وهذا ليس فيه
معارضة في أنه ينسخ بعضه بعضاً.
ثانيهما: أن النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأن الباطل ضد
الحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ.
стр. 514
بيان نوع الخلاف:
ابن دقيق العيد، وابن السمعاني، وابن الحاجب، وتاج الدين
ابن السبكي، وغيرهم ممن تعرضوا لذلك يذكرون أن الخلاف بين
الجمهور وأبي مسلم الأصفهاني لفظي.
والقول الحق عندي التفصيل، وبيانه:
أن العلماء الذين بلغهم مذهب أبي مسلم اختلفوا في مراده على
أقوال:
فقيل: إنه لا ينكر حقيقة النسخ، لكن لا يسميه بهذا الاسم،
بل يسميه تخصيصا زمنيا.
وقيل: إنه ينكره، وهو باطل عنده، وقيل: ينكره في شريعة
واحدة - فقط -، وقيل: ينكره في القرآن خاصة.
والراجح عندي هو الأول - وهو: أنه يسميه تخصيصا زمنيا -
لأمرين:
أولهما: أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأن النسخ من
ضروريات هذه الشريعة؛ إذ هو ثابت وواقع.
ثانيهما: أن أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد ﷺ ، ومقر بأن التعبد بشرع من قبله من الأنبياء السابقين إنما هو مغيًّا إلى حين ظهور نبينا
محمد ﷺ ، وعند ظهوره ﷺ زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام.
وإذا كان يسميه تخصيصا فالخلاف لفظي؛ لأن النسخ تخصيص
في أزمان الخكم، ومعروف أن تخصيص الأزمان كتخصيص
الأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتقق عليه بين الجمهور وأبي مسلم.
стр. 515
لكن الجمهور يسمونه نسخا، وأبا مسلم يسميه تخصيصا،
فكل منسوخ عنده فيها مغيًّا عنده في علم اللَّه تعالى إلى ورود ناسخه
كالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصا، والغاية من
المخصصات المعروفة، إذن الخلاف في العبارة والاصطلاح، فيكون
الخلاف لفظياً.
أما على قول من قال: " إن النسخ باطل عنده، وهو ينكره
حقيقة "، أو من قال: " إنه ينكره في شريعة واحدة "، أو من
قال: " ينكره في القرآن خاصة "، فالخلاف يكون معنوياً، إذ يترتب
عليه آثار كثيرة، حيث يلزم منه إنكار كثير من الآيات الناسخة.
تنبيه: بعض الأصوليين ذكروا أن من المنكرين للنسخ بعض فرق
من اليهود، وهي ثلاث فرق هي كما يلي:
الشمعونية - نسبة إلى شمعون بن يعقوب - ينكرون النسخ عقلاً
وشرعاً.
العنانية - نسبة إلى عنان بن داود - ينكرون النسخ سمعا، وجوازه
عقلاً.
العيسوية - نسبة إلى أبي عيسى: إسحاق بن يعقوب الأصفهاني -
يجوزونه عقلاً، وسمعاً، ولكن شريعة محمد ﷺ عندهم ليست ناسخة لشريعة موسى ﵇.
هذه الفرق الثلاثة لهم أدلة على ما ذهبوا إليه، ولقد ذكرت ذلك
بالتفصيل، والأجوبة عن كل دليل من أدلتهم في كتابي: " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه إن شئت.
ولم أذكر ذلك هنا لأني توصلت أخيراً إلى أن حكاية خلاف
стр. 516
اليهود في كتب أصول الفقه لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه
فيما هو مقرر في الإسلام، وفي اختلاف فرق الإسلام مما يؤثر
خلافهم في عمل المكلف، أما أقوال الكفار فلا يعتد بها في
الإسلام، وموضع حكاية خلاف الكفار، وشبههم والرد عليها هو
أصول الدين.
***
المسألة التاسعة: حكمة النسخ:
عندنا نوعان من النسخ هما:
أولهما: نسخ الإسلام لما سبقه من الأديان.
ثانيهما: نسخ بعض الأحكام ببعض في الإسلام.
أما الأول - وهو: نسخ الإسلام لجميع الشرائع السابقة - فله
حِكَمٌ ومنها:
الحكمة الأولى: أن الأعمال البدنية إذا واظب عليها الخلف عن
السلف صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها،
ومنعهم ذلك الظن من الوصول إلى المقصود، وهو معرفة الله
وتمجيده، فإذا غيرت تلك الأعمال إلى أعمال أخرى، وتبين أن
المقصود من تلك الأعمال رعاية أحوال القلب، والأرواح في المعرفة
والمحبة: انقطعت تلك الظنون والأوهام عن الاشتغال بالصور
والظواهر إلى علام السرائر.
الحكمة الثانية: أن الخلق طبعوا على الملالة من الاستمرار على
نوع من أنواع العبادة، فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا
في أدائها.
стр. 517
الحكمة الثالثة: أن النوع الإنساني يتقلب كما يتقلب الطفل في
مراحل مختلفة، ولكل مرحلة حال تناسبها، فالبشر أول عهدهم
في الوجود كانوا كالوليد في السذاجة والجهالة والبساطة، ثم بدأ
التطور شيئاً فشيئاً، وفي أثناء هذا التطور مرَّتْ عليهم أعراض متباينة
ومتفاوتة، فاقتضى ذلك وجود شرائع مختلفة لهم، فلما نضج هذا
العالم واستوى جاء هذا الدين الحنيف خاتما للأديان كلها، ومتممًا
للشرائع، وجامعاً لمصالح العباد والبلاد، فهو بحق دين عام وخالد
إلى قيام الساعة.
أما النوع الثاني - وهو: نسخ بعض الأحكام ببعض في شريعتنا -
فله حِكَم، ومنها:
الحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، بيان
ذلك:
أن الناس قبل مجيء الإسلام في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم
الانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم
دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، بل إن اللَّه تعالى
سلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد، من
أجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي، فيأتي ذلك الحكم
وهم على أتم الاستعداد لتقبله والعمل به؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام
النهائية من أول وهلة لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، والقضاء
على الإسلام في مهده.
ومن أمثلة ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولاً
ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسا ركعتين
ركعتين عدا المغرب فقد كانت ثلاثا، ثم أقرت تلك الصلاة في
السفر، وزيد في الحضر، فجعلت أربعاً في الظهر والعصر والعشاء.
стр. 518
مثال آخر: تحريم الخمر، فإنه سبحانه بيَّن أولاً ما في الخمر من
الإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع - ثانيا - الصلاة في
حالة السكر، ثم حرَّم الخمر في جميع الأوقات.
مثال ثالث: تحريم الربا: فقد بيَّن - أولاً - ما في الصدقة من
الخير بخلاف الربا، فإنه لا يربو عند اللَّه، ثم بيَّن ثانيا: أن الربا
كان سبباً في تحريم بعض الطيبات على اليهود، ثم نهى - ثالثا -
عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة وهو ما كان شائعاً بين أهل الجاهلية،
ثم جاء - رابعاً - التحريم العام الذي لم يختلف فيه.
مثال رابع: عقوبة الزنا جعله الشارع - أولاً - الإيذاء بالقول
للرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير
المحصن، والتغريب والرجم للمحصن.
الحكمة الثانية: استمالة القلوب إلى اعتناق الإسلام كما في مسألة
القبلة.
بيان ذلك: أن الشارع الحكيم لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من
اليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة
إلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس؛ لبيان أن
وجهة الرُّسُل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا
لاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك وأمر بالتوجه إلى
الكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم.
الحكمة التالثة: الابتداء والامتحان، وهذا في النسخ من الأشد
إلى الأخف، ليظهر المؤمن الحق فيفوز، وليظهر المنافق فيهلك،
وليميز اللَّه الخبيث من الطيب.
ومن أمثلة ذلك: أن اللَّه أمر إبراهيم ﵇ بذبخ ابنه ثم نسخ ذلك.
стр. 519
مثال آخر: نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها
زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشراً.
مثال ثالث: نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي
ﷺ .
مثال رابع: أنه نسخ ثبات الواحد للعشرة.
***
المسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة:
النسخ في الكتاب والسُّنَّة قليل؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الشريعة الإسلامية مبنية على إرساء القواعد
الكلية والمبادئ العامة في الدين، وحفظ الضروريات، والحاجيات،
والتحسينيات، وكل ذلك لم ينسخ منه شيء، بل أتى بتقوية تلك
القواعد، وتحصينها، فلم يتناول النسخ القواعد الكلية والقواعد
العامة.
الدليل الثاني: أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ
كالخمر والربا، فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد
نسخاً لحكم الإباحة الأصلية، وكذلك رفع براءة الذمة بدليل يثبت
حكماً لا يعتبر نسخاً.
الدليل الثالث: أن غالب ما ادعي فيه النسخ وجدته قد تنازع
العلماء فيه؛ لأنه يقبل الاحتمال والتأويل والجمع بين الدليلين على
وجه من كون الثاني بياناً لمجمل، أو تخصيصا لعموم، أو تقييداً
لمطلق.، ونحو ذلك.
الدليل الرابع: أن ثبوت الأحكام على المكلَّف مؤكد، فادعاء
стр. 520
النسخ فيها لا يكون إلا بأمر مؤكد ومحقق؛ لأن ثبوتها أولاً محقق،
فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق.
***
المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام
التي لا يتناولها:
بعد تتبع واستقراء الأحكام المنسوخة وجد أن النسخ يتناول الأحكام
الشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة،
أو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي: أن مصلحتها تتغير
فتكون في وقت نافعة، وفي وقت ضارة ومفسدة على ما يعلمه الله
سبحانه.
وعلى هذا، فإن النسخ لم يتناول - واقعا - الأحكام التالية:
١ - الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد كالإيمان بالله
وملائكته، وكتبه، ورسله، والقَدَر خيره وشره، فهذه لا تقبل
التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال.
٢ - الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل،
والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، فهذه لا يمكن رفعها؛ مصالحها ظاهرة.
٣ - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق،
والفضائل كالعدل، والصدق، والأمانة، وبر الوالدين، والوفاء
بالعهد، ونحو ذلك، فإن هذه لا تنسخ؛ لأن مصلحة التخلق بها
أمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف الأشخاص
والاءكل م فيها.
стр. 521
٤ - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية كأمهات الرذائل: كالكفر،
والكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، وعقوق الوالدين، وعدم
الإخلاص، ونحو ذلك، فهذه لا تنسخ؛ لأن قبحها لا يتغير بمرور
الزمن، ولأن المفسدة التي تنال العباد في الأخذ بها ظاهرة.
٥ - الأحكام المؤقتة، فهذه لا يدخلها النسخ؛ لأن التوقيت بيان
انتهاء مدة الحكم كالصيام إلى غروب الشمس.
٦ - الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة، أو
ضمناً، فإن تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا
بوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده ﷺ .
٧ - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد
ماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته ﷺ ، وذلك لأن تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، والنسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع.
المسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها،
وبالعكس، ونسخهما معا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز
نسخ حكمها دون لفظها، ويجوز نسخهما معاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن العقل لا يمنع من جواز نسخ لفظ الآية دون
стр. 522
حكمها ونسخ حكمها دون لفظها، ونسخهما معاً، وذلك لأن الآية
يتعلق بها أحكام هي كما يلي:
" أن تلاوة لفظ الآية يثاب عليها بالإجماع ".
و" أن كتابة الآية في القرآن حكم من أحكامها ".
و" أن انعقاد الصلاة بتلك الآية يعتبر حكماً من أحكامها ".
وأن ما دلت عليه الآية من وجوب أو تحريم، أو ندب، أو
كراهة، أو إباحة مما يتعلق بالمكلَّف يعتبر - أيضاً - حكماً من
أحكامها.
فإذا ثبت أنه يتعلَّق بالآية أحكام جاز أن يكون إثبات التلاوة
والحكم معاً فيه مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر، وجاز أن
لا يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقاً، وجاز أن يكون إثبات
أحدهما مصلحة في وقت دون وقت.
وبناء على ذلك جاز عقلاً رفع الحكم والتلاوة معاً، أو رفع
الحكم دون التلاوة، أو رفع التلاوة دون الحكم، فلا تلازم بينها؟
لأنها كلها أحكام شرعية، وكل حكم قابل للنسخ.
الدليل الثاني: الوقوع فقد وقع نسخ الحكم والتلاوة معاً، ونسخ
الحكم وبقاء التلاوة، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، والوقوع دليل
الجواز، وإليك أمثلة على ذلك:
مثال نسخ التلاوة والحكم: ما روي عن عائشة ﵂
أنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات
يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن "، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معاً بخمس رضعات.
стр. 523
والمراد من الحديث: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله حتى
إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنأ متلواً؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
مثال نسخ الحبهم وبقاء التلاوة: نسخ حكم آية الاعتداد بالحول
الثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بالاعتداد أربعة
أشهر وعشراً الثابت بقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
مثال آخر - لما سبق -: أن الحكم الذي يعمل به في أول الإسلام
هو أن المكلف الذي يطيق الصيام يجوز له ترك الصيام، وتكون
الفدية واجبة عليه، قال تعالى في ذلك: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ، فقد نسخ ذلك الحكم - مع بقاء تلاوة الآية -
بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .
مثال نسخ التلاوة وبقاء الحكم: ما رواه عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - أنه فيما أنزل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة
نكالا من الله والله عزيز حكيم".
فهذا يثبت الرجم، فنسخت هذه الآية وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.
المذهب الثاني: لا يجوز نسخ لفظ الآية، ويبقى حكمها.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بدليلين هما:
الدليل الأول: قالوا فيه: إن نسخ لفظ الآية وبقاء ما أفادته من
стр. 524
الأحكام يضيع فائدة إنزال القرآن؛ لأنَّ فائدة إنزاله هي: إفادة
الأحكام، وما دامت الأحكام تستفاد بدونه، فلا فائدة من إنزاله،
فامتنع بقاء الحكم ونسخ لفظ الآية.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك،، لأن فائدة إنزال القرآن ليست
محصورة في إفادة الأحكام، فالفائدة كما تكون في إفادة الأحكام
تكون - أيضاً - للإعجاز، وزيادة الثواب بتلاوته، والإعجاز
والثواب قد حصلا من الآية قبل نسخ تلاوتها.
الدليل الثاني: قالوا فيه: إن فائدة بقاء لفظ الآية هي: تلاوتها
والثواب على ذلك، فرفعها حرمان للعباد من هذا الثواب، والله
سبحانه لا يحرم عباده من شيء فيه مصلحة لهم، فكيف يقال:
يجوز رفعها؟!
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يمتنع عقلاً أن يكون مقصود الشارع من إنزال
الآية هو تعريف العباد بالحكم دون تلاوة الآية، فلما نزلت تلك الآية
بلفظ معين وعرف العباد عن طريق ذلك اللفظ الحكم الشرعي المراد
- وهو مثلاً: رجم الزاني المحصن - رفع لفظ الآية وانتهت. مهمته،
وبقي الحكم المستفاد من تلك الآية ليعمل به.
المذهب الثالث: لا يجوز نسخ الحكم، وبقاء التلاوة.
نسب هذا إلى طائفة شاذة من المعتزلة.
دليل هذا المذهب:
لقد استدلوا على ذلك بقولهم: إن بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم
стр. 525
يوهم أن الحكم باق؛ نظراً لبقاء دليله وهي الآية - وفي ذلك إيقاع
المكلَّف في الجهل والحيرة، وهو قبيح من الشارع، والشارع منزه
عن ذلك: فامتنع لذلك بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم الذي أفاده.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الكلام مبني على قاعدة " التحسين والتقبيح
العقليين "، ونحن لا نقول بها.
وعلى فرض أن ذلك الكلام غير مبني على تلك القاعدة فإنا نقول
- في الجواب عنه -: إن الآية إنما تكون دليلاً إذا لم يرفع حكمها،
فيقال: إن تلك الآية دئَت على ذلك الحكم المعمول به، أما إذا رفع
وأزيل حكم تلك الآية فإنها لا تبقى دليلاً على شيء.
أي: أن الآية إنما تدل على الحكم بشرط: عدم نسخ حكمها،
وإذا انتفى هذا الشرط، ونسخ حكمها فلا تسمى دليلاً؛ لأن الدليل
هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والآية
المنسوخ حكمها لا يتوصل بها إلى شيء، إذن لا تسمى دليلاً فيبطل
ما ذكرتم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي لا ثمرة له في الفروع الفقهية؛ لأن عمل المكلَّف
لم يختلف باختلاف تلك المذاهب.
المسألة الثالثة عشرة: هل يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من
فعله وامتثاله؟
إذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة،
стр. 526
أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه بعصها، فإن هذا قد اتفق
العلماء على جواز النسخ؛ لأن شرط الأمر حاصل وهو: التمكن
من الفعل.
أما إن ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول
الوقت، أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر، فإن
هذا هو المختلف فيه؛ حيث اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل
شيء قبل التمكن من امتثاله على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، فيجوز
أن يقول الشارع - مثلاً - في رمضان: " حجوا في هذه السنة "،
ثم يقول قبل ابتداء الحج: " لا تحجوا ".
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد
ثبت على المكلََّف، فكان نسخا، ولا يترتب على ذلك محال ولا
بَداء، فيجوز أن يأمر اللَّه - تعالى - زيداً بفعل في يوم الأحد -
مثلاً -، ويمنعه منه بمانع عائق له قبل يوم الأحد، فيكون زيد مأموراً
بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء
المانع: جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ ولا فرق.
الدليل الثاني: أنه لو قال تعالى: " واصلوا الفعل سنة "، ثم
نسخه بعد مضي شهر: جاز ذلك، وإن كان ذلك نسخا قبل وقت
الفعل في بقية السنة.
اعتراض على ذلك:
قال معترض على هذا الدليل: إن نسخه يدل على أنه لم يرد
стр. 527
السنة كلها، وإنما أراد الشهر، فصار ذلك بيانا للمراد بخلاف نسخ
الكل قبل وقت فعله؛ لأنه يكون قد نسخ ما تناوله الأمر وذلك بَداء.
جوابه:
يجاب عنه بأن العبارة: " واصلوا الفعل سنة "، والسنة لا يعبر
بها عن الشهر لا حقيقة ولا مجازاً، بل هي عبارة عن اثني عشر
شهراً، فنسخه قبل ذلك هو النسخ قبل الوقت.
الدليل الثالث: الوقوع، بيان ذلك:
أن اللَّه أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه فقال سبحانه:
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) .، ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح فقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فقد وقع - هنا - النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.
وهناك وجوه قد دلَّت على أن إبراهيم قد أمر بالذبح هي كما يلي:
الوجه الأول: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) ، فقال تعالى - حكاية عن ابن إبراهيم -: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) .
فإن قول الابن - يدل على أن هناك أمراً بالذبح صدر من اللَّه إلى
إبراهيم؛ لأن معنى قوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) : افعل ما أمرت به،
ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد، وإخراجه إلى الصحراء،
وأخذ آلات الذبح، وترويع الولد، فإن ذلك كله محرم من غير أمر
من اللَّه تعالى، ولا إذن منه سبحانه.
стр. 528
الوجه الثاني: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) ، فلو
لم يكن الدبح مأموراً به حقيقة لما كان هناك بلاء وامتحان عظيم.
أي: لو كان المأمور به مقدمات الذبح من أخذ الولد إلى
الصحراء، واستصحاب المدية والحبل، ونحو ذلك مما يلزم في
الذبح لما كان هناك بلاء مبين؛ لأنه يسهل على النفس فعل المقدمات
ما دامت النتيجة مأمونة وبعيدة عن الخطر.
الوجه الثالث: قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فإن
الفداء هو البدل، والذي يصلح أن يكون الفداء بدلاً عنه هو الذبح،
فكان الذبح مأموراً به حقيقة.
وهناك وجهان دلا على أن أمر إبراهيم بالذبح قد نسخ قبل التمكن
من الذبح هما:
الوجه الأول: أنه لو لم ينسخ لذبح إبراهيم ابنه، ولكنه لم
يذبحه، فدل على أنه نسخ الأمر قبل التمكن من فعله.
الوجه الثاني: أنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل:
لكان ذلك تقصيراً من إبراهيم ﵇ في امتثال ما طلب
منه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء ﵈؛ حيث إنه
معروف عنهم المبادرة في امتثال ما أمروا به، ولو كان وجوبه موسعا
عليهم.
* ما اعترض به على الدليل الثالث - وهو الاستدلال بتلك الآية -:
لقد اعترض أصحاب المذهب الثاني - الذي سيأتي - على
الاستدلال بتلك الآية بعدة اعتراضات، إليك إياها مع أجوبتها.
الاعتراض الأول: أن ذلك الأمر ورد في المنام، وما ورد في المنام
стр. 529
لا أصل له، ولا يصلح أن يكون مستنداً، فلا يعتمد عليه، ولا
يثبت به الأمر.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه منام؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه لو كان مناما وخيالا، لا وحيا، لما جاز
لإبراهيم ﵇ قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه
الله - تعالى - بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.
الأمر الثاني: قوله تعالى: (افعل ما تؤمر) فلو لم يؤمر
إبراهيم ﵇ حقيقة كان ذلك كذباً.
الجواب الثاني: سلمنا أنه منام، لكن ما يراه الأنبياء - عليهم
السلام - في مناماتهم فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي يجب
العمل به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد ثبت أن وحي
نبينا ﷺ كان ستة أشهر بالمنام، فقد قالت عائشة ﵂: " أول ما ابتدئ به رسول اللَّه ﷺ من النبوة الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ".
وعلى هذا: يكون ما ورد في منام إبراهيم ﵇ من
الأمر بذبح ابنه له أصل ومستند، فيجب العمل به.
الاعتراض الثاني: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم ﵇ قد أمر
بالذبح حقيقة، بل قد كلف بالعزم على الفعل فقط، لابتلاء صبره،
فيكون القصد من الأمر هو العزم على الفعل، وذلك بلاء عظيم،
والفداء إنما كان عما يتوقعه إبراهيم من الأمر بالذبح، لا عن نفس
стр. 530
وقوع الأمر بالذبح، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء،
وأخذ المدية، والحبل، والتل للجبين، ونظرا لاستشعار إبراهيم أنه
مأمور بالذبح قال تعالى: (قد صدقت الرؤيا) .
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا فاسد لوجوه:
الوجه الأول: أن إبراهيم لو كان مأموراً بالعزم على الذبح فقط،
دون فعل الذبح نفسه: لما سماه بلاء مبيناً، ولما احتاج إلى الفداء،
ولما قال الذبيح: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، يؤيد ذلك
قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) ، أي: إنك عملت في
المقدمات عمل مصدق لرؤيا فعلية.
الوجه الثاني: أن حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى:
(إني أرى في المنام أني أذبحك) فصرح - هنا - بالذبح،
ومعروف أن العزم لا يسمى ذبحا، فهذا فيه حمل شيء على غير
محمله.
الوجه الثالث: أن العزم على الفعل لا يجب إذا لم يُعتقد وجوب
المعزوم عليه، فلو لم يكن المعزوم عليه - وهو الذبح - واجباً:
لكان إبراهيم ﵇ أَوْلى بمعرفة عدم الوجوب من ذلك
المعترض، أي: أنه لو لم يجب على إبراهيم الفعل - وهو الذبح
حقيقة - لم يصح منه العزم على فعله على سبيل الوجوب.
قال تعالى مؤيداً لذلك: (إني أرى في المنام أني أذبحك) ،
فقال تعالى - حكاية عن ابنه -: (افعل ما تؤمر) يعني الذبح الحقيقي.
следующие страницы →