← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه بعصها، فإن هذا قد اتفق العلماء على جواز النسخ؛ لأن شرط الأمر حاصل وهو: التمكن من الفعل. أما إن ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول الوقت، أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر، فإن هذا هو المختلف فيه؛ حيث اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل شيء قبل التمكن من امتثاله على مذهبين: المذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، فيجوز أن يقول الشارع - مثلاً - في رمضان: " حجوا في هذه السنة "، ثم يقول قبل ابتداء الحج: " لا تحجوا ". ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلََّف، فكان نسخا، ولا يترتب على ذلك محال ولا بَداء، فيجوز أن يأمر اللَّه - تعالى - زيداً بفعل في يوم الأحد - مثلاً -، ويمنعه منه بمانع عائق له قبل يوم الأحد، فيكون زيد مأموراً بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء المانع: جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ ولا فرق. الدليل الثاني: أنه لو قال تعالى: " واصلوا الفعل سنة "، ثم نسخه بعد مضي شهر: جاز ذلك، وإن كان ذلك نسخا قبل وقت الفعل في بقية السنة. اعتراض على ذلك: قال معترض على هذا الدليل: إن نسخه يدل على أنه لم يرد

стр. 527

السنة كلها، وإنما أراد الشهر، فصار ذلك بيانا للمراد بخلاف نسخ الكل قبل وقت فعله؛ لأنه يكون قد نسخ ما تناوله الأمر وذلك بَداء. جوابه: يجاب عنه بأن العبارة: " واصلوا الفعل سنة "، والسنة لا يعبر بها عن الشهر لا حقيقة ولا مجازاً، بل هي عبارة عن اثني عشر شهراً، فنسخه قبل ذلك هو النسخ قبل الوقت. الدليل الثالث: الوقوع، بيان ذلك: أن اللَّه أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه فقال سبحانه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) .، ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح فقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فقد وقع - هنا - النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز. وهناك وجوه قد دلَّت على أن إبراهيم قد أمر بالذبح هي كما يلي: الوجه الأول: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) ، فقال تعالى - حكاية عن ابن إبراهيم -: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) . فإن قول الابن - يدل على أن هناك أمراً بالذبح صدر من اللَّه إلى إبراهيم؛ لأن معنى قوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) : افعل ما أمرت به، ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد، وإخراجه إلى الصحراء، وأخذ آلات الذبح، وترويع الولد، فإن ذلك كله محرم من غير أمر من اللَّه تعالى، ولا إذن منه سبحانه.

стр. 528

الوجه الثاني: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) ، فلو لم يكن الدبح مأموراً به حقيقة لما كان هناك بلاء وامتحان عظيم. أي: لو كان المأمور به مقدمات الذبح من أخذ الولد إلى الصحراء، واستصحاب المدية والحبل، ونحو ذلك مما يلزم في الذبح لما كان هناك بلاء مبين؛ لأنه يسهل على النفس فعل المقدمات ما دامت النتيجة مأمونة وبعيدة عن الخطر. الوجه الثالث: قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فإن الفداء هو البدل، والذي يصلح أن يكون الفداء بدلاً عنه هو الذبح، فكان الذبح مأموراً به حقيقة. وهناك وجهان دلا على أن أمر إبراهيم بالذبح قد نسخ قبل التمكن من الذبح هما: الوجه الأول: أنه لو لم ينسخ لذبح إبراهيم ابنه، ولكنه لم يذبحه، فدل على أنه نسخ الأمر قبل التمكن من فعله. الوجه الثاني: أنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل: لكان ذلك تقصيراً من إبراهيم ﵇ في امتثال ما طلب منه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء ﵈؛ حيث إنه معروف عنهم المبادرة في امتثال ما أمروا به، ولو كان وجوبه موسعا عليهم. * ما اعترض به على الدليل الثالث - وهو الاستدلال بتلك الآية -: لقد اعترض أصحاب المذهب الثاني - الذي سيأتي - على الاستدلال بتلك الآية بعدة اعتراضات، إليك إياها مع أجوبتها. الاعتراض الأول: أن ذلك الأمر ورد في المنام، وما ورد في المنام

стр. 529

لا أصل له، ولا يصلح أن يكون مستنداً، فلا يعتمد عليه، ولا يثبت به الأمر. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه منام؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه لو كان مناما وخيالا، لا وحيا، لما جاز لإبراهيم ﵇ قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه الله - تعالى - بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء. الأمر الثاني: قوله تعالى: (افعل ما تؤمر) فلو لم يؤمر إبراهيم ﵇ حقيقة كان ذلك كذباً. الجواب الثاني: سلمنا أنه منام، لكن ما يراه الأنبياء - عليهم السلام - في مناماتهم فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي يجب العمل به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد ثبت أن وحي نبينا ﷺ كان ستة أشهر بالمنام، فقد قالت عائشة ﵂: " أول ما ابتدئ به رسول اللَّه ﷺ من النبوة الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ". وعلى هذا: يكون ما ورد في منام إبراهيم ﵇ من الأمر بذبح ابنه له أصل ومستند، فيجب العمل به. الاعتراض الثاني: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم ﵇ قد أمر بالذبح حقيقة، بل قد كلف بالعزم على الفعل فقط، لابتلاء صبره، فيكون القصد من الأمر هو العزم على الفعل، وذلك بلاء عظيم، والفداء إنما كان عما يتوقعه إبراهيم من الأمر بالذبح، لا عن نفس

стр. 530

وقوع الأمر بالذبح، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية، والحبل، والتل للجبين، ونظرا لاستشعار إبراهيم أنه مأمور بالذبح قال تعالى: (قد صدقت الرؤيا) . جوابه: يجاب عنه بأن هذا فاسد لوجوه: الوجه الأول: أن إبراهيم لو كان مأموراً بالعزم على الذبح فقط، دون فعل الذبح نفسه: لما سماه بلاء مبيناً، ولما احتاج إلى الفداء، ولما قال الذبيح: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، يؤيد ذلك قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) ، أي: إنك عملت في المقدمات عمل مصدق لرؤيا فعلية. الوجه الثاني: أن حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى: (إني أرى في المنام أني أذبحك) فصرح - هنا - بالذبح، ومعروف أن العزم لا يسمى ذبحا، فهذا فيه حمل شيء على غير محمله. الوجه الثالث: أن العزم على الفعل لا يجب إذا لم يُعتقد وجوب المعزوم عليه، فلو لم يكن المعزوم عليه - وهو الذبح - واجباً: لكان إبراهيم ﵇ أَوْلى بمعرفة عدم الوجوب من ذلك المعترض، أي: أنه لو لم يجب على إبراهيم الفعل - وهو الذبح حقيقة - لم يصح منه العزم على فعله على سبيل الوجوب. قال تعالى مؤيداً لذلك: (إني أرى في المنام أني أذبحك) ، فقال تعالى - حكاية عن ابنه -: (افعل ما تؤمر) يعني الذبح الحقيقي.

стр. 531

ويؤيد ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) استسلاما لفعل الذبح، لا للعزم. الاعتراض الثالث: أن إبراهيم لم يؤمر بنفس الذبح وحقيقته، وإنما أمر بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية، والحبل، والاضطجاع، والتل للجبين، ونحو ذلك من لوازم الذبح، دون الذبح نفسه. وسمينا مقدمات الذبح ذبحاً؛ لأن مقدمة الشيء قد تسمى باسم ذلك الشيء، فتسمى " النائحة " باكية؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء، وكذلك يُسمى المريض الذي يخاف عليه الهلاك: ميتا، وذلك لحصول مقدمات الموت. جوابه: يجاب عنه بأن هذا فاسد؛ لوجوه: الوجه الأول: أن الله تعالى قال - حكاية عن ولد إبراهيم -: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، ومعلوم أن مقدمات الذبح لا تفتقر إلى الصبر؛ لأنه أمر سهل يتلاعب به الصبيان. الوجه الثاني: أن اللَّه تعالى قال: (إن هذا لهو البلاء المبين) ، فلو كان المأمور به مقدمات الذبح فقط: لما كان فيه بلاء واختبار مبين، فلا يعطى هذا التفخيم، والمأمور به سهل، وهو مقدمات الذبح. الوجه الثالث: أن اللَّه سبحانه أمر بالذبح نفسه، فقال تعالى: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) ، ولم يرد ذكر المقدمات، والمقدمات لا تسمى ذبحاً في لغة العرب؛ لأن الذبح لغة هو:

стр. 532

الشق والفتح، وفي الاصطلاح هو: عبارة عن قطع مكان مخصوص تبطل معه الحياة. وعلى هذا يكون: حمل الأمر بالذبح على المقدمات حمل بلا دليل، فثبت: أن المأمور به هو الذبح الحقيقي. الوجه الرابع: أن اللَّه تعالى قال: (وفديناه بذبح عظيم) ، ولو كان إبراهيم ﵇ قد فعل المأمور به من مقدمات الذبح - كما زعمتم - لما احتاج إلى الفداء، وذلك لأن الفداء لا يكون مع الامتثال للأمر؛ حيث إنه لا يجمع بين البدل والمبدل. الوجه الخامس؛ أن زعمكم إن إبراهيم قد أمر بمقدمات الذبح، دون الذبح نفسه خلاف إجماع السلف - كما قال الباجي في إحكام الفصول - حيث إن السلف ﵏ فسَّروا ما ورد في الآية بأن إبراهيم قد أمر بنفس الذبح. وبهذه الوجوه بطل ما زعمتم، وهو: أن المأمور به مقدمات الذبح. الاعتراض الرابع: أنا نسلم أن إبراهيم ﵇ قد أمر بالذبح الحقيقي، ولكن الشارع قد منعه من إنفاذه وإيقاعه بأن جعل على عنق ابنه صفيحة من نحاس مانعة من الذبح والقطع، فلم ينسخ الأمر، ولكن الشارع منع من تنفيذه، وهذا قد جعل التكليف بالذبح يرتفع وينقطع، لكون إبراهيم أصبح معذوراً؛ لعدم استطاعته القطع والذبح، والمعذور لا تكليف عليه. جوابه: يجاب عنه بجوابين:

стр. 533

الجواب الأول: أن قلب عنق ولد إبراهيم ﵇ حديداً لو حصل ووقع لنقل إلينا نقلاً متواتراً، ولاشتهر؛ لكونه من المعجزات العظيمة، لكنه لم ينقل نقلاً متواتراً، ولا آحاداً، فما زعمتموه يحتاج إلى دليل. الجواب الثاني: أنه إن كان هذا الاعتراض صادراً من بعض المعتزلة فإنه متناقض مع قولهم: " لا يجوز تكليف ما لا يطاق "؛ حيث إن الله إذا علم أنه سيقلب عنقه حديداً يكون الشارع قد أمر بما يعلم امتناع وقوعه، وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق لا يجوز. كذلك ثبت عند المعتزلة أن الشارع لا يأمر إلا بما فيه مصلحة للمكلَّف، ولا يجوز عندهم أن يمنع الشارع المكلَّف ما فيه مصلحة، والكلام الوارد في هذا الاعتراض مناقض لهذه القاعدة عندهم. الاعتراض الخامس: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم - عليه السلانم - قد أمر بالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر في المستقبل يدل على ذلك قوله تعالى - حكاية عن الابن -: (يا أبت افعل ما تؤمر) ، فلفظ " تؤمر " هو للاستقبال، فلو كان قد أمر بالماضي لقال: " افعل ما أمرت به " ولكنه لم يقل ذلك؛ بل عبر بلفظ يدل على الاستقبال. جوابه: يجاب عنه: بأن الله سبحانه قد أمر إبراهيم ﵇ في الماضي، وحصل الأمر ثم نسخ قبل التمكن من فعله، فالمراد من قوله تعالى: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) : افعل ما أمرت به في السابق، والتعبير باللفظ الدال على الاستقبال والمراد به الماضي اقد وقع في الكتاب، وكلام العرب، فمن أمثلة وقوعه في الكتاب قوله تعالى:

стр. 534

(إني أرى سبع بقرات سمان) ، والمراد: إني رأيت، وقوله تعالى: (إني أراني أعصر خمراً) ، والمراد: إني رأيت. ومن أمثلة وقوعه في لسان العرب قول ضمرة بن جابر: وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب فهنا عبر بالمستقبل وهو لفظ " أدعى "، ولفظ " يدعى "، والمراد: " إني دعيت "، و " دعي جندب " في الماضي. وما نحن فيه من ذلك، والمراد: افعل ما أمرت به في السابق، وحملناه على ذلك؛ لأنه لا يمكن حمله على الاستقبال؛ لأنه لو كان الشارع قد أراد أنه سيأمر إبراهيم ﵇ في المستقبل؟ لوجد ذلك الأمر قطعا؛ لئلا يكون خلفا وكذبا في الكلام، والله منزه عن ذلك؛ حيث إنه صادق لا خلف في خبره ، فلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أن المراد بقوله: (ما تؤمر) : ما أمر به في الماضي. الاعتراض السادس: نُسلِّم أن إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة ونسلم أنه وقع منه الذبح وحصل، ولكن كلما قطع جزءاً من رقبة ابنه عاد ملتحما، وكلما قطع موضعا التحم الموضع الأول، وهكذا حتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) ، والمراد: إنك يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقا للرؤيا، وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع، ولكنه التحم، فلا نسخ قبل التمكن من الفعل. جوابه: يجاب عن ذلك بأن هذا الاعتراض باطل، لوجوه:

стр. 535

الوجه الأول: أنه لو كان إبراهيم كلما قطع جزءاً التحم - كما زعمتم - لنقل إلينا نقلاً متواتراً؛ لأنه لا يمكن ترك نقله؛ لكونه من المعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل متواتراً ولا آحاداً، ولم يسمع به قبل أن يأتي هذا المعترض، فثبت أنه لا سند له. واستدلال المعترض بقوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) على ما زعم غير صحيح؛ وذلك لأن المراد بالتصديق هنا: هو التصديق بالقلب؛ لأن حقيقة التصديق يكون في القلب، دون تحقيق الفعل، فكأن اللَّه تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت وآمنت واعتقدت وجوبه وعزمت على فعله وعملت في مقدماته عمل مصدق جزيناك كما نجزي المحسنين الصادقين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح كبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر الوجه الثاني: أن قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) ، فهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض: لقال: "فلما أنفد الأمر "، أو لقال: " فلما ذبح "، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على أنه امتثل للأمر، ولكن اللَّه سبحانه لم يأت بشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل الفعل. الوجه الثالث: أن قول المعترض يخالف ظاهر قوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم) ، فلو كان إبراهيم ﵇ قد ذبح حقيقة والتجم محل الذبح لما احتاج إلى الفداء، لأنه لا معنى للفداء

стр. 536

مع تنفيذ الذبح، أي: أن الفداء بدل عن الذبح، فلا يمكن أن يؤتى بالبدل مع فعل المبدل. الدليل الرابع - من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من الامتثال - قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال، سواء بعد التمكن من الفعل أو قبل التمكن. الدليل الخامس: ما رواه أبو هريرة: أن النبي ﷺ بعثه في بعث وقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار "، ثم قال حين أردنا الخروج: " إن النار لا يعذب بها إلا اللَّه وإن وجدتموهما فاقتلوهما ". الدليل السادس: ما أخرجه البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ أمر بكسر قدور من لحم حمر إنسية فقال رجل: أو نغسلها؛ فقال: " اغسلوها ". ما سبق هو المذهب الأول، وهو جواز نسخ الشيء قبل التمكن من الفعل وأدلته. المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله. ذهب إلى ذلك المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي، وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة، ونسبه الفخر الرازي إلى الفقهاء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قالوا فيه: إن الأمر بالشيء يدل على حسنه وكونه

стр. 537

مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج في رمضان - مثلاً - دلَّ ذلك على حسن الحج وكونه مصلحة للعباد، فإذا نهى عن إيقاع الحج وقال في أول شهر ذي الحجة: "لا تحجوا" دلَّ ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة واحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد. فنتج أن نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون الشيء الواحد على وجه واحد مأموراً به ومنهيا عنه، حسنا قبيحا، مصلحة مفسدة، وهذا هو التناقض. جوابه: يجاب عنه: بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه بشرط: أن لا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط: أن لا يؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطا في الأمر فيقول الشارع: "افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك ". اعتراض على ذلك: اعترض بعضهم على هذا الجواب بقوله: إن اللَّه تعالى إذا علم أنه سينهى عنه، فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعة فيما بعد، أي: ما الفائدة من أمره به وهو عالم بأنه سينسخه؟ جوابه: يجاب عنه: بأن فائدة ذلك: امتحان وابتلاء المأمور، فإن عزم على الفعل، واشتغل بالاستعداد لامتثال الأمر فإنه يثاب، أما إن لم يعزم على الفعل، ولم يشتغل بالاستعداد للامتثال فإنه يعاقب، وهذا من حكم النسخ التي ذكرناها فيما سبق.

стр. 538

ثم كيف ينكر المعترض ذلك مع أنه يجوز الوعد والوعيد من العالم بعواقب الأمور بالشرط؟! ، فإن اللَّه تعالى وعد على الطاعة بالثواب بشرط عدم ما يحبط تلك الطاعة كالردة مثلاً، وتوعَّد سبحانه على فعل المعصية بالعقاب بشرط خلو تلك المعصية عما يكفرها من توبة، والله سبحانه عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة، أو التوبة، ثم شرط ذلك في وعده ووعيده. إذا ثبت ذلك فلا يستحيل أن يشرط الشارع في أمره ونهيه، وتكون شرطيته بالنسبة إلى العبد الجاهل بعاقبة الأمر، فكأنه قال: "أثبتك على طاعتك ما لم تحبطها بالردة "، وهو سبحانه عالم بأنه سيحبط أو لا يحبط، فإذا جاز ذلك بلا خلاف: جاز أن يقول: "أمرتك بشرط البقاء والقدرة، وبشرط أن لا أنسخ عنك ذلك الأمر". الدليل الثاني: قالوا فيه: إنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت: للزم من ذلك أن يكون الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيا، وذلك محال على اللَّه تعالى؛ لأنه أمر بالشيء ونهي عنه في وقت واحد. جوابه: يجاب عنه: بأن ذلك يكون محالا إذا كان الغرض من الأمر هو: حصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو: ابتلاء المأمور وامتحانه، فيجوز ولا مانع من ذلك؛ فإن السيد قد يقول لعبده: "اذهب غداً إلى موضع كذا راجلاً حافيا "، وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه ورياضته مع ما علمه بأنه سيرفع عنه غداً ذلك قبل فعله.

стр. 539

بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له في الفروع؛ لأن الخلاف راجع إلى المراد من حكمة التكليف. فمن قال: إن حكمة التكليف هي: امتثال وإيقاع ما كلف به من المكلف، وكذلك من حكم التكليف ابتلاء وامتحان المكلف - وهو قول أصحاب المذهب الأول وهو الصحيح - قال: يجوز نسخ الشيء قبل التمكن قبل فعله. وعلى هذا: فالمنسوخ بعد التمكن من الفعل حكمته الامتثال، وقد حصل. والمنسوخ قبل التمكن من فعله حكمته الامتحان والابتلاء، وقد حصل قبل النسخ. أما من قال: إن حكمة التكليف هي الامتثال والإيقاع فقط - وهو قول أصحاب المذهب الثاني -: قال: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله؛ حيث لم تحصل الحكمة من التكليف وهي الامتثال. *** المسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ؟ تنقسم الزيادة على النص باعتبار تعلُّقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى أربعة أقسام: القسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وليست من جنسه. القسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه.

стр. 540

القسم الثالث: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل. القسم الرابع: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط. والسبب في هذا التقسيم: أن الزيادة على النص إما أن تكون مستقلة أو غير مستقلة. والمستقلة إما أن تكون من جنس المزيد عليه أو لا. وغير المستقلة إما أن تكون جزءاً من المزيد عليه، أو شرطا للمزيد عليه. وإليك بيان كل قسم من تلك الأقسام والأمثلة عليه وحكمه. القسم الأول: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلَّق به، وليست من جنس المزيد عليه. مثالها: أن يوجب اللَّه تعالى الصلاة ثم يوجب - بعد ذلك - الصوم، والمزيد عليه وهو الصلاة مستقل تماما عن الزيادة وهي: الصوم، وهما جنسان مختلفان - كما هو ظاهر -. حكم هذه الزيادة: هذه الزيادة ليست نسخا باتفاق العلماء؛ لأن حقيقة النسخ لم تتحقق هنا؛ حيث قلنا: إن النسخ: رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم وهو - وجوب الصلاة مثلاً - ولم يتبدل ويتغير بالزيادة - وهو الصوم -. أي: بقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان ثابتاً قبلها.

стр. 541

فهذه الزيادة ليست بنسخ لما تقدمها من العبادات بالإجماع؛ لعدم التنافي. القسم الثاني: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلَّق به، وهي من جنس المزيد عليه. مثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس. حكم ذلك: لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعياً، فلم توجد حقيقة النسخ، حيث إن المزيد عليه باقِ بعد الزيادة، كما كان قبل الزيادة مثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق. المذهب الثاني: أن تلك الزيادة تكون نسخا لحكم المزيد عليه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية العراقيين. دليل هذا المذهب: أن حقيقة النسخ وهو: " رفع الحكم " قد وجدت، فكان نسخا. بيان ذلك: أن زيادة صلاة على الصلوات الخمس يغيِّر الصلاة الوسطى فيرتفع

стр. 542

وجوبها الستفاد من قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) . فوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد - وهو الخمس هنا - لكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة فإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها إلى غيرها فتزيل وترفع الحكم وهو: وجوب المحافظة على الصلاة الوسطى المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة. إذن: هذه الزيادة رفعت حكما شرعياً، وهذا هو معنى النسخ. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه مثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق. فلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخا للزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخا؛ لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا التعبير، فلما لم تجعل هذه نسخا بالإجماع، يلزم أن لا تجعل الزيادة المستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخا. الجواب الثاني: أن زيادة صلاة سادسة على الخمس - لا تزيل المحافظة على الوسطى؛ لأن وجوب المحافظة قد تعلق بمسمَّى الوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق: لا تؤثر عليه هذه الزيادة. القسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلَّق الجزء بالكل.

стр. 543

أي: أن هذه الزيادة غير مستقلة عن المزيد عليه، فتتعلق به بأن تكون جزءاً من المزيد عليه. مثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني البكر، حيث أصبح جزءاً من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد الزيادة مكونا من جزأين: أولهما: جلد مائة جلدة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم. ثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السُّنَّة. مثال آخر: زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة، وذلك في حد القذف. بيانه: أن حد القذف هو: ثمانون جلدة - كما هو معلوم، فإذا زيد - على سبيل الافتراض - عشرون جلدة، فإنه يصبح جزءاً من الحد، فأصبح حد القذف بعد الزيادة مكونا من جزأين: أولهما: ثمانون جلدة، وهو الوارد في نص القرآن. ثانيهما: عشرون جلدة، وهي زيادة مفترضة. حكم ذلك: لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق عندي؛ لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم وتبديله لم توجد عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد

стр. 544

عليه، وتثبيت له، لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويُقوره؛ نظراً إلى أن الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتا لم يتغير ولم يتبدل ولم يرتفع بعد إلحاق الزيادة به، فكان ثابتا بعد الزيادة، كما كان ثابتا قبل الزيادة؟ قياسا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع عدم التغير في كل. فمثلاً: بعد زيادة " التغريب " وإلحاقه بـ " الجلد مائة " لم تخرج تلك الزيادة الجلد عن كونه واجبا، بل استمر على هذا الحكم بعد إلحاق الزيادة - وهي التغريب - به كما كان واجبا قبله، وذلك مثل: إيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضاً، بل ظلت فرضاً بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه أضاف إليه زيادة. كما لو أن إنسانا معه كيس فيه ريالات فأضاف إليها ريالا لا يقال: إنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة، كذا لو كتب كتابا، ثم كتب في حاشيته زيادة معلومات أو تعليقات لا يقال: نسخ ما في الكتاب ورفعه، بل يقال: إنه أضاف إليه زيادة وهكذا. فكذلك هنا لم يكن في زيادة التغريب على الجلد مائة رفع ولا إزالة، فاستعمال لفظ النسخ فيه محال. المذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ. ذهب إلى ذلك الحنفية كما صرح بذلك أبو عبد اللَّه الصيمري، وأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري، والأنصاري. دليل هذا المذهب: لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن جلد مائة في حد

стр. 545

الزاني البكر كان هو الحد الكامل، ويجوز الاختصار عليه؛ لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، فلما جاءت السُّنَّة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت: " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ": رفعت هذه الزيادة ذلك الحكم، وهو: " صفة الكمال والاقتصار على جلد مائة "، وأصبح الحد بعد الزيادة: " الجلد والتغريب "، فتكون صفة الكمال قد رفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ. جوابه: إن رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة لم يتحقق به النسخ، بيان ذلك: أن صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأن صفة الكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعي، فليس مقصوداً، بل المقصود هو وجوب الحد - الذي هو مائة جلدة - والوجوب لم يرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد "التغريب " لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه. يؤيد ذلك: أن الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل الواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك: خرجت الصلاة عن كونها هي كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة والصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء. فكذلك هنا يقال: إن جلد مائة هو الواجب الكامل على الزاني البكر، فلما زيد " التغريب ": خرج " جلد مائة " عن كونه هو كل الواجب، بل صار الواجب: الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك نسخاً.

стр. 546

وأيضاً: رفع الاقتصار على مائة جلدة لا يحقق النسخ؛ لان منطوق النص هو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) لا يدل على هذا الاقتصار، أي: لا يستفاد الاقتصار من هذا المنطوق؛ وذلك لأن وجوب الشيء لا ينفي وجوب غيره، فإيجاب الحد - وهو جلد مائة - لا ينفي أن يوجب الشارع غيره زيادة عليه. وإنما الاقتصار على الحد المذكور في الآية يستفاد من مفهوم المخالفة للنص القرآني، والحنفية لا يحتجون بمفهوم المخالفة. ثم اعلم: أن الاقتصار على الحد المذكور قد فُهِم من النص القرآني والمفهوم يجوز أن يرفع بخبر الواحد وهو: حديث عبادة بن الصامت، ورفع المفهوم لا يُسمى نسخا. القسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلَّق بالمزيد عليه تعلُّق الشرط بالشروط. أي: تكون الزيادة شرطا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه الزيادة - وهو الشرط - يكون وجوده وعدمه واحداً. من أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر بالطهارة مطلقاً، ثم زيد شرط النية لها. وأيضاً: زيادة الطهارة في الطواف؛ حيث إن الشارع أمر بالطواف مطلقا، ثم زيد شرط الطهارة له، وكذا زيادة اشتراط الطهارة على وجوب الصلاة. حكم ذلك: لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على مذهبين:

стр. 547

المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ. وهو مذهب الجمهور. وهو الصحيح، لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم لم توجد هنا، بيان ذلك: أن قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) - مثلاً - اقتضى أمرين: أحدهما: " وجوب الصلاة،. والثاني: " الإجزاء "، حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون طهارة. فلما جاءت الزيادة - وهي اشتراط الطهارة للصلاة - فالوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي الأمر به. وأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بهذه الزيادة؛ حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط جعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وهذا يسمى تخصيصا، لا نسخا. المذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ. ذهب إلى ذلك: الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي. دليل هذا المذهب: استدلوا على ذلك بقولهم: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء والصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم، فاصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع نسخ.

стр. 548

فمثلاً: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد اشتراط الطهارة: أصبحت الصلاة لا تجزي، ولا تصح لوحدها، بل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ. كذلك: الطهارة كانت تجزئ بدون النية، فلما زيد عليها اشتراط النية أصبحت الطهارة لا تصح إلا بنية، فأمر الشارع بالطهارة مع النية، وهذا هو الرفع؛ حيث رفع إجزاء الطهارة لوحدها، وأصبحت لا تجزئ إلا بنية، والرفع نسخ. جوابه: يجاب عنه بأن ما ذكرتموه صحيح لو أن الإجزاء استقر وثبت أولاً، ثم وردت الزيادة بعده؛ لأن من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن المنسوخ، وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة قد ثبتت وهي مقارنة للفظ المزيد عليه. وعلى هذا: يكون إدعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة بعد ذلك هو دعوى يحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أن تلك الزيادة ليست بنسخ. الخلاصة: يتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص: أن الجمهور يقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها. وأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ. بيان نوع الخلاف في تلك الأقسام: الخلاف في تلك الأقسام معنوي، قد أثر في إثبات تلك الزيادة بما لا يجوز النسخ به كخبر الواحد، أو القياس.

стр. 549

فبناء على المذهب الثاني - وهو مذهب الحنفية - وهو الذي يرى أن الزيادة نسخ، فإنه لا تثبت تلك الزيادة بخبر الواحد أو القياس؛ كلًّا منهما لا ينسخ المتواتر كزيادة " تغريب عام "، فهذا خبر واحد لذلك رده أبو حنيفة؛ لأنه زيادة عما في القرآن؛ لأن القرآن لا يوجد فيه إلا الجلد، وذلك في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، والقرآن متواتر لا ينسخه خبر آحاد. أما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور وهو الذي يرى: أن الزيادة ليست بنسخ - فإن تلك الزيادة ثابتة عندهم وإن كان ثبوتها بخبر الواحد، فقبلوها، لذلك زادوا على حد الجلد التغريب. كذلك لم يئبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - وجوب قراءة الفاتحة الئابت بقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". لأنه خبر واحد، فقالوا: إن قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ، يفيد افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة كانت، فجعل الفاتحة ركنا نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز. أما على المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن الزيادة ليست بنسخ - فإنهم قبلوا تلك الزيادة وهي ثابتة عندهم، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. كذلك لم يثبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية القائلون: إن الزيادة نسخ - اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار؛ لأن المثبت لذلك هو القياس على كفارة القتل؛ حيث اشترط في كفارة القتل في عتق الرقبة الإيمان بقوله تعالى:

стр. 550

(فتحرير رقبة مؤمنة) ، والقياس لا يقوى على نسخ ما في القرآن؛ حيث إن الثابت في كفارة الظهار في القرآن هو قوله تعالى: (فتحرير رقبة) بدون اشتراط الإيمان. أما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور - فإنهم قبلوا تلك الزيادة وهي ثابتة عندهم، وزادوا ذلك الشرط، فاشترطوا: أن تكون الرقبة مؤمنة؛ لأن الزيادة على النص ليست بنسخ عندهم. تنبيه: لا بد أن تعلم أن الحنفية قد ردوا أخباراً كثيرة بسبب تمسكهم بهذا الأصل وهو: " أن الزيادة على النص نسخ "؛ لأنه اقتضى زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد. المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء العبادة أو شرطها: أي: نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها هل هو نسخ لجملة العبادة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن نسخ جزء من أجزاء العبادة أو شرط من شروطها ليس بنسخ للعبادة كلها. ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء. وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن حقيقة النسخ هو: الرفع والإزالة، وهذه الحقيقة قد تناولت " الجزء "، و " الشرط " المنسوخ فقط،

стр. 551

أما ما عدا. ذلك فلم تتناوله تلك الحقيقة؛ حيث إنه باق على حاله لم يتبدل ولم يتغير. الدليل الثاني: الوقوع: فقد وقع أن نسخ الشارع شرط عبادة من العبادات، ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بانكلية مثل: استقبال بيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا الشرط، ولم يكن نسخه نسخاً لحكم الصلاة، بل هي باقية بحالها لم تتغير، وإنما التغير قد تناول شرطها فقط. وأيضاً: فقد نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء - وهو الخمس - لم يكن نسخاً لكل العشر. الدليل الثالث: قياس النسخ على التخصيص، فكما أن التخصيص لا يكون تخصيصاً للجميع، فكذلك نسخ بعض العبادة لا يكون نسخاً لجميعها. الدليل الرابع: أن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك العبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخا؛ وذلك لأن النسخ هو رفع الحكم الشرعي. المذهب الثاني: أن نسخ جزء العبادة أو شرطها نسخ للعبادة جملتها. ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض المتكلمين. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن نقص جزء من أجزاء العبادة، أو إلغاء شرط من شروطها يرفع حرمة فعلها بدون ذلك

стр. 552

الجزء أو الشرط، ويبيح الفعل بدونهما، والحرمة حكم شرعي، فيكون رفعه نسخ؛ لأن حقيقة النسخ قد وجدت. جوابه: يجاب عنه: بأن وجوب العبادة بعد نقص الجزء، أو إلغاء الشرط لم يتغير ولم يرفع، بل إنه عين وجوبها قبل النقص وإلغاء الشرط، فالحكم الثابت للعبادة حال النسخ هو الوجوب، ولم يرفع، إذن لم توجد حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم، وإذا لم توجد فلا نسخ. كمن أخذ ريالاً من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص الريال باق على حاله لم يرفع، ولم يتأثر بشيء. المسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل: لقد اختلف العلماء في نسخ الحكم، هل يجوز إلى غير بدل أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه. وهذا مذهب الجمهور. وهو الصحيح لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن حقيقة النسخ هي: الرفع والإزالة، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل. الدليل الثاني: أنه لا يمتنع عقلاً أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون وضع بدل عنه، أي: أن اللَّه تعالى علم أن نسخ هذا الحكم مصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له.

стр. 553

الدليل الثالث: أن نسخ الحكم بلا بدل قد وقع، والوقوع دليل الجواز. فمن أمثلة ذلك: أن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله ﷺ كان واجباً؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... ) . وكان هذا النسخ بلا بدل. ومن ذلك أيضاً: أن الشارع نهى عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم نسخ ذلك بلا بدل؛ حيث قال ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة، أما الآن فكلوا، وتصدقوا، وادخروا". ومن ذلك أيضاً: أن اللَّه تعالى أوجب على الصائم في أول الإسلام أن يمسك بعد الفطر في أول الليل، فلو نام قبل الفطر، ثم استيقظ ليلاً حرم عليه الطعام والشراب، ثم نسخ تحريم الأكل والشرب في الليالي إلى غير بدل. المذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل. ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر. أدلة هذا المذهب: استدلوا على ذلك بأدلة ومنها: الدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئاً من الأحكام إلا

стр. 554

إذا وضع مكانه بدلاً عنه خيراً منه أو مثله، وخبر اللَّه تعالى صدق، فالخلف في خبره محال. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من البدل، بل إن الآية تدل على أن البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت البدل، فهو كقول السيد لعبده: " لا آخذ منك ثوبا وأعطيك بدله إلا إذا كان البدل خيراً من الأول "، فهذا اللفظ لا يدل على وجوب البدل، ولكنه يدل على أن البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيراً. الجواب الثاني: أن الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. أي: أنه يدل على نسخ لفظ الآية؛ لأن الآية حقيقة فيها، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون على ذلك معنى الآية: لا يوجد هنا نسخ لآية من الآيات القرآنية إلا أتينا بآية أخرى بدلها، وليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب هو نسخ الأحكام، والآية لا تفيد ذلك. الجواب الثالث: أن الآية تصلح أن تكون حُجَّة لنا، بيان ذلك: أن رفع الحكم إلى غير بدل قد يكون خيراً من المبدل؛ لما في ذلك من رفع المشقة عن المكلف، ولكونه لو وجد في الوقت الثاني - الذي نسخ فيه - لكان فيه مفسدة على العباد والبلاد. الدليل الثاني قالوا فيه: إنما قلنا: إن النسخ لا يكون إلا إلى بدل؛ لأنه أمر يلزم في كل حكم رفع، وذلك لأن الحكم إذا رفع

стр. 555

عاد الأمر إلى ما كان عليه من حكم العقل، فمثلاً: إذا رفع تحريم الخمر عاد إلى ما كان عليه قبل التحريم، وهو محرم بحكم العقل. جوابه: يجاب عنه بأن هذا غير صحيح، لأن العقل لا مدخل له في الشرعيات، فليس له أن يحرم أو يبيح، وهذا من كلام المعتزلة بناء على قاعدتهم: " التحسين والتقبيح العقليين "، ونحن لا نقول بها. *** المسألة السابعة عشرة: النسخ بالأخف، والمساوي، والأثقل: نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ قد اتفق على جوازه كنسخ عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشر أيام. نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل والتشديد كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة، قدْ اتفق على جوازه. نسخ الحكم ببدل أثقل منه قد اختلف فيه على مذهبين: المذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل. وهو مذهب الجمهور. وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن تكون المصلحة في نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، وهذه المصلحة هي التدرج والترقي من الأحكام الخفيفة إلى الأحكام الثقيلة والشديدة: فالناس حديثو عهد بكفر، فلو نزلت الأحكام الثقيلة في أول الأمر لنفر أكثر من دخل في الإسلام عنه، ولكن اللَّه عَزَّ وجَكَّ رأى أن المصلحة تقتضي

стр. 556

التدرج بهم في الأحكام؛ لتلافي ذلك: فينزل اللَّه الأحكام الخفيفة في أول الأمر حتى تتمرن النفوس عليها وتتهيأ لقبول غيرها مما هو مثلها وأثقل منها كما حصل في ابتداء التكاليف الشرعية كتحريم الخمر، وتحريم الربا. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم. من الأخف إلى الأثقل، والوقوع دليل الجواز. فمن أمثلة ذلك: أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمنا، ونسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف قال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ..) ، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أشد. مثال آخر: أن اللَّه تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام مخيراً بينه وبين الفداء بالمال الثابت بقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط بقوله تعالى: (فمن شهد الشهر فليصمه) ، ومعلوم أن تعيين الصيام أشد. مثال ثالث: أن الصحابة ﵃ أمروا في أول الإسلام بترك القتال والإعراض عن ذلك، قال تعالى: (فأعرض عنهم) ، (وأعرض عن المشركين) ، ثم نسخ ذلك بإيجاب الجهاد في سبيل اللَّه، ومعلوم أن وجوب الجهاد أثقل من عدمه. الدليل الثالث: أنه إذا جاز أن لا يكلف اللَّه عباده ابتداء، ثم يكلفهم العبادات الشاقة جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل، ولا فرق بينهما لمن تدبر.

стр. 557

المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل. ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية كأبي بكر بن داود، ونسب إلى كل الظاهرية، ونسب إلى بعض الشافعية. أدلة هذا المذهب: لقد استدل هؤلاء بأدلة، ومنها: الدليل الأول: قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نفى إرادة العسر، والعسر هو الأشق والأثقل، إذن اللَّه لا ينقل العباد من حكم أخف إلى حكم أثقل؛ فيه عسراً عليهم ومشقة، فلو قلنا: إنه ينسخ من الأخف إلى الأثقل لكان ذلك تكذيباً لخبر الصادق. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أن الآية وردت في صورة خاصة؛ حيث وردت في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، والخاص لا يستدل به لإثبات قاعدة أصولية تعم كثيراً من الأحكام. الجواب الثاني: على فرض أنها عامة، فإنا نحملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى المال، ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآلي أكثر وأدفع للعقاب: أنه يسر، لا عسر. الجواب الثالث: أنه لو صح أن اللَّه لا يريد العسر لما كلف الخلق بعبادة فيها مشقة، وهذا لا يقوله أحد.

стр. 558

الدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) . وجه الدلالة: أنه ليس المراد منه أن يأتي بخير من الآية في نفسها؛ القرآن كله خير، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، ومعروف أن الأصعب والأشق والأثقل ليس خيراً من الأخف والأسهل، وليس مثلاً له، وعليه: فلا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن ظاهر هذه الآية أنه نسخ التلاوة، وقد يجوز أن يكون ثوابه أكثر، وقد ورد التفضيل في ثواب القرآن. الجواب الثاني: أن الخير المذكور في الآية هو ما كان خيراً في الدين، ولعل الأصعب في العبادات هو الخير في الدين من الأخف؛ ثوابه أكثر، أخرج البخاري أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂.ْ: " ثوابك على قدر نصبك ". الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه: كان تكذيبا لخبره تعالى وهو محال. جوابه: يجاب عنه: بأنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على من قبلنا امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا.

стр. 559

الدليل الرابع: أن اللَّه سبحانه أخبر عن نفسه بأنه رؤوف رحيم بعباده بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، وغيرها من الآيات، وخبر اللَّه تعالى صدق لا شك في ذلك، ونسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل ينافي تلك الرحمة والرأفة مما يؤدي إلى أن يكون خبر اللَّه كذباً، وهذا محال. جوابه: يجاب عنه: بأن كون اللَّه تعالى يتصف بالرحمة والرأفة لا يمنع من نسخ الشيء من الأخف إلى الأثقل؛ قياساً على التكاليف ابتداء، وقياساً على تسليط الأمراض أو الفقر، وغير ذلك من أنواع المؤذيات، بيان ذلك: أن اللَّه تعالى قد كلَّف عباده ابتداء بإقامة العبادات الشاقة الشديدة - بعد أن لم يكونوا مكفَفين بشيء -، وهو مع ذلك متصف بالرحمة والرأفة، فإذا جاز ذلك: جاز أن ينقل الحكم من الأخف - إلى الأثقل، ولا فرق بينهما في المعنى. وكذلك: اللَّه تعالى قد سلَّط بعض الأمراض والفقر، والهموم والغموم، وغير ذلك من أثواع العذاب والمؤذيات على بعض المؤمنين، ومع ذلك فهو رحيم رؤوف بهم، وإنما يصيبهم بما ذكر ابتلاء وامتحانا لهم، وتكفيراً لذنوب قد اقترفوها في دنياهم، فهو سبحانه لا يصيب أيَّ عبد من عبيده بأيِّ مصيبة إلا وفيها مصلحة له، فأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء شكر وفيه أجر، وإن أصابته ضراء صبر وفيه أجر. كذلك هنا ينسخ الحكم من الأخف "إلى الأثقل ابتلاء وامتحانا للمكلَّفين، ولمصالح يعلمها اللَّه تعالى.

стр. 560

الدليل الخامس قالوا فيه: إن النسخ والتخفيف والحط بمعنى واحد، فلو قال قائل: " خففت عليك ولكن إلى شيء هو أثقل ": كان تناقضا، فكذلك إذا قال: " نسخت إلى ما هو أثقل ". جوابه: يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن النسخ ليس بمعنى التخفيف والحط في اللغة، بل النسخ لغة: هو الرفع والإزالة. *** المسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي ﷺ ولم يبلغ بعض الأمَّة، فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه، أي: أن الحكم الأول لم يرتفع في حق من لم يبلغه الناسخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ، فلا يأثم إذا لم يعمل به. هذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنفية، والمعتزلة، ورجحه إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، والقاضي أبو يعلى الحنبلي، وغيرهم. وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: ما رواه ابن عمر ﵄ أنه قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه الليلة، وقدْ أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ". وجه الاستدلال: أن أهل قباء قد اعتدوا بما مضى من صلاة

стр. 561

الصبح فلم يقضوها، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء: دلَّ على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. الدليل الثاني: أن الخطاب الناسخ غير لازم للمكلَّف قبل تبليغه به لا نصاً ولا حكماً. أما النص فقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) . وأما الحكم فهو: أن المكلَّف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ: لكان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب المذهب الثاني: أنه يكون نسخا في حق من لم يبلغه. ذهب إلى ذلك بعض الشافعية. أدلة هذا المذهب: لقد استدل هؤلاء بأدلة هي كما يلي: المدليل الأول: القياس على الوكيل إذا عزله الموكل، بيان ذلك: لو وكل شخص وكيلاً في بيع سلعة، ثم عزل الموكل ذلك الوكيل فإنه ينعزل، وإن لم يعلم الوكيل بذلك العزل، فإن باع سلعة بطل ذلك البيع، ويبطل أي تصرف من الوكيل بعد عزل الموكل له، وإن لم يعلم الوكيل بذلك، فكذا الناسخ يُبطل العمل بالمنسوخ وإن لم يعلم المكلف.

стр. 562

جوابه: يجاب عنه بأن هذا قياس فاسد؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه قياس على أصل قد اختلف فيه؛ حيث إنه لم يتفق على أن الوكيل ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، بل قد اختلف فيه على رأيين: الرأي الأول: أنه ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، فلا تصح جميع تصرفات الوكيل بعد العزل وإن لم يعلم به. الرأي الثاني: أن الوكيل لا ينعزل إلا بعد علمه فيصح بيعه وجميع تصرفاته، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل. وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح القياس. الأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين عزل الوكيل مع عدم علمه، وثبوت حكم الناسخ على المكلف مع عدم علم المكلف، وهو: أن أوامر اللَّه - تعالى - ونواهيه مقرونة بالثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور به والمنهي عنه، بخلاف الإذن في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. الدليل الثاني: أن الحكم المنسوخ يرفع اتفاقا بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلم المكلف، أو يكون بالنسخ. لا يمكن أن يرفع بعلم المكلف؛ لأن العلم لا دخل له في ثبوت النسخ. فلم يبق إلا أن يرفع بالنسخ وهو الصحيح، فثبت - بهذا - أن النسخ متحقق قبل علم المكلف، فيكون نسخا في حق من لم يبلغه وهو المطلوب.

стр. 563

جوابه: يجاب عنه بأن الرفع بالنسخ مشروط بعلم المكلََّف به، وللشروط لا يتحقق بدون شرطه. بيان نوع الخلاف: إنَّ الخلاف لفظي في هذه المسألة، حيث إنه راجع إلى المراد من ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ: فإن أريد بثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الخبر: أنه يجب عليه الأخذ بحكم الناسخ قبل العمل به فهو إلزام بالمحال وتكليف بما لا يطاق عند الفريقين. وإن أريد أنه إذا بلغه الناسخ يلزمه تدارك ما مضى فهذا مما لا امتناع فيه. *** المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن: نسني القرآن بالقرآن جائز بالإجماع، للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، وهو صريح في ذلك. الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز: فقد وقع نسخ القرآن بالقرآن كثيراً، من ذلك نسخ عدة المتوفى عنها من سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، ثم - نسخ ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ، ونسخ الفداء

стр. 564

بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ، فنسخ ذلك بقوله: (فمن شهد الشهر فليصمه) . الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن كلاً منهما قطعي الثبوت. - *** المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة: هذا جائز بالاتفاق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن ينسخ الحكم الثابت بالتواتر بمتواتر مثله. الدليل الثاني: القياس على القرآن، فكما أنه يجوز نسخ القرآن بالقرآن كذلك يجوز نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة بجامع: أن كلاً منهما قطعي الثبوت. الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ يتفقان في أن كلًّا منهما قطعي اكشبوت. المسألة الحادية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد: هذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين: الدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، من ذلك: ما رواه بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه "

стр. 565

، فأتي رسول اللَّه ﷺ بسكران في الرابعة فخلَّى سبيله. الدليل الثاني: الاتحاد في الرتبة، حيث إن الناسخ والمنسوخ يتحدان في أن كلًّا منهما ظني الثبوت. *** المسألة الثانية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة: هذا جائز بالاتفاق؛ لأن التواتر يفيد العلم، ويقطع العذر، والآحاد يفيد الظن، ونسخ الشيء بما هو أقوى وأعلى منه جائز، ولكنه لم يقع. المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُّنَّة بالقرآن: هذا قد اختلف فيه على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن مطلقا. ذهب إلى ذلك الجمهور. وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن القرآن والسُّنَّة وحي من اللَّه تعالى، - قال تعالى في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، غير أن الكتاب متعبد بتلاوته، بخلاف السُّنَّة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلاً، ولهذا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسُّنَّة لما لزم عنه محال عقلاً، فدلَّ على الجواز العقلي.
следующие страницы →