Полный текст (2 303 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الصبح فلم يقضوها، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا
بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء: دلَّ على أن النسخ لم يكن ثبت
في حقهم.
الدليل الثاني: أن الخطاب الناسخ غير لازم للمكلَّف قبل تبليغه
به لا نصاً ولا حكماً.
أما النص فقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
وأما الحكم فهو: أن المكلَّف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ
على وجهها قبل بلوغه بالناسخ: لكان آثما عاصيا غير خارج به عن
العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان
مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب
المذهب الثاني: أنه يكون نسخا في حق من لم يبلغه.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
لقد استدل هؤلاء بأدلة هي كما يلي:
المدليل الأول: القياس على الوكيل إذا عزله الموكل، بيان ذلك:
لو وكل شخص وكيلاً في بيع سلعة، ثم عزل الموكل ذلك
الوكيل فإنه ينعزل، وإن لم يعلم الوكيل بذلك العزل، فإن باع
سلعة بطل ذلك البيع، ويبطل أي تصرف من الوكيل بعد عزل
الموكل له، وإن لم يعلم الوكيل بذلك، فكذا الناسخ يُبطل العمل
بالمنسوخ وإن لم يعلم المكلف.
стр. 562
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا قياس فاسد؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه قياس على أصل قد اختلف فيه؛ حيث إنه لم
يتفق على أن الوكيل ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، بل قد
اختلف فيه على رأيين:
الرأي الأول: أنه ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، فلا
تصح جميع تصرفات الوكيل بعد العزل وإن لم يعلم به.
الرأي الثاني: أن الوكيل لا ينعزل إلا بعد علمه فيصح بيعه
وجميع تصرفاته، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح القياس.
الأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين عزل
الوكيل مع عدم علمه، وثبوت حكم الناسخ على المكلف مع عدم
علم المكلف، وهو: أن أوامر اللَّه - تعالى - ونواهيه مقرونة
بالثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور به والمنهي عنه، بخلاف
الإذن في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب.
الدليل الثاني: أن الحكم المنسوخ يرفع اتفاقا بعد علم المكلف
بالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلم المكلف، أو يكون بالنسخ.
لا يمكن أن يرفع بعلم المكلف؛ لأن العلم لا دخل له في ثبوت
النسخ.
فلم يبق إلا أن يرفع بالنسخ وهو الصحيح، فثبت - بهذا - أن
النسخ متحقق قبل علم المكلف، فيكون نسخا في حق من لم يبلغه
وهو المطلوب.
стр. 563
جوابه:
يجاب عنه بأن الرفع بالنسخ مشروط بعلم المكلََّف به، وللشروط
لا يتحقق بدون شرطه.
بيان نوع الخلاف:
إنَّ الخلاف لفظي في هذه المسألة، حيث إنه راجع إلى المراد من
ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ: فإن أريد بثبوت النسخ
في حق من لم يبلغه الخبر: أنه يجب عليه الأخذ بحكم الناسخ قبل
العمل به فهو إلزام بالمحال وتكليف بما لا يطاق عند الفريقين.
وإن أريد أنه إذا بلغه الناسخ يلزمه تدارك ما مضى فهذا مما لا امتناع فيه.
***
المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن:
نسني القرآن بالقرآن جائز بالإجماع، للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
منها أو مثلها) ، وهو صريح في ذلك.
الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز: فقد وقع
نسخ القرآن بالقرآن كثيراً، من ذلك نسخ عدة المتوفى عنها من سنة
كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، ثم - نسخ ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ،
ونسخ الفداء
стр. 564
بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
مسكين) ، فنسخ ذلك بقوله: (فمن شهد الشهر فليصمه) .
الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن كلاً
منهما قطعي الثبوت. -
***
المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة:
هذا جائز بالاتفاق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن ينسخ الحكم الثابت بالتواتر
بمتواتر مثله.
الدليل الثاني: القياس على القرآن، فكما أنه يجوز نسخ القرآن
بالقرآن كذلك يجوز نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة بجامع: أن
كلاً منهما قطعي الثبوت.
الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ
يتفقان في أن كلًّا منهما قطعي اكشبوت.
المسألة الحادية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد:
هذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين:
الدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:
ما رواه بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "،
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه "
стр. 565
، فأتي رسول اللَّه ﷺ بسكران في الرابعة فخلَّى
سبيله.
الدليل الثاني: الاتحاد في الرتبة، حيث إن الناسخ والمنسوخ
يتحدان في أن كلًّا منهما ظني الثبوت.
***
المسألة الثانية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة:
هذا جائز بالاتفاق؛ لأن التواتر يفيد العلم، ويقطع العذر،
والآحاد يفيد الظن، ونسخ الشيء بما هو أقوى وأعلى منه جائز،
ولكنه لم يقع.
المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُّنَّة بالقرآن:
هذا قد اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن مطلقا.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القرآن والسُّنَّة وحي من اللَّه تعالى، - قال تعالى
في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، غير أن
الكتاب متعبد بتلاوته، بخلاف السُّنَّة، ونسخ حكم أحد الوحيين
بالآخر غير ممتنع عقلاً، ولهذا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل
القرآن ناسخا للسُّنَّة لما لزم عنه محال عقلاً، فدلَّ على الجواز
العقلي.
стр. 566
الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز، فلو لم يكن
جائزاً لما وقع، فقد وقع في الشرع أن القرآن نسخ السُّنَّة، من ذلك:
١ - أنه نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسُّنَّة؛ حيث
روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ أخَّر الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب بهوي من الليل فصلاها، ثم نسخ ذلك بالقرآن وهو قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة) .
٢ - أنه نسخ الصلاة على المنافقين، فقد روى عمر بن الخطاب:
أن النبي ﷺ صلى على عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق، فعارضه عمر ﵁ فقال رسول الله ﷺ : "أخَّر عني يا عمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي: " استغفر لهم " لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " -
قال الراوي: فصلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه،
قال: فعجبت من جرأتي على رسول اللَّه، والله ورسوله أعلم،
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) ، فما صلى رسول اللَّه ﷺ على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه اللَّه تعالى، فهذا نسخ السُّنَّة بالقرآن.
٣ - أنه نسخ القبْلة إلى بيت المقدس الثابتة بالسُّنَّة بالقرآن؛ حيث
إن النبي ﷺ لما قدمَ المدينة صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
ولا يمكن أن يقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما
بالقرآن، وهو قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ؛ لأن هذه الآية فيها
تخيير بين بيت المقدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب
التوجه إليه عيناً، وذلك غير معلوم من القرآن.
стр. 567
اعتراض على هذا الدليل:
قال المعترض: لعل هذه الأحكام كانت ثابتة بقرآن نسخ تلاوته،
وبقى حكمه، فيكون نسخ القرآن بالقرآن، أو لعل تلك الأحكام قد
ثبتت بالسُّنَّة، ونسخت بالسُّنَّة، فيكون من قبيل نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة
وهذا متفق عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أنه لا دليل عند المعترض على أن تلك الصور من باب
نسخ القرآن بالقرآن، أو من باب نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، ونحن قد
تمسكنا بالأصل، وهو عدم الدليل على ذلك - بعد البحث التام -.
ثانيهما: أنه لو قبل مثل هذه الاحتمالات لاقتضى أن لا يتعين
ناسخ ولا منسوخ؛ حيث إنه سيقال في كل ناسخ: إنه ليس بناسخ
بل غيره، ويقال في كل منسوخ: إنه ليس بمنسوخ بل غيره، وهذا
خلاف الإجماع، بل لما ثبت ناسخ علم تأخره عن منسوخ إلا إذا
قيل: " هذا ناسخ وذلك منسوخ "، وهو خلاف ما قاله العلماء.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن.
نسب هذا إلى الإمام الشافعي ﵀.
أدلة هذا المذهب:
استدل أصحاب. هذا المذهب بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وجه الاستدلال: أن الآية دلَّت على أن السُّنَّة بيان للقرآن،
стр. 568
والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسُّنَّة لكان القرآن
بياناً للسُّنَّة، وسيأتي أن السُّنَّة بيان للقرآن، فيلزم من ذلك أن كل
واحد منهما بيان للآخر، وهذا دور، والدوبى باطل، فامتنع أن
يكون القرآن ناسخاً للسُّنَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الشارع لما جعل السُّنَّة بياناً للقرآن نبَّه بذلك على
أن القرآن أَوْلى أن يكون بيانا للسُّنَّة؛ لأنه أعلى منها، أي: إذا جاز
أن يبين الأعلى بالأدنى، فجواز تبيين الأدنى بالأعلى أوْلى.
الدليل الثاني: قالوا: إنه لو نسخت السُّنَّة بالقرآن للزم تنفير
الناس عن النبي ﷺ وعن طاعته؛ لإيهامهم أن اللَّه - تعالى - لم يرض السُّنَّة التي أتى بها النبي ﷺ ، وذلك مناقض لمقصود البعثة، ولقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) .
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لو امتنع نسخ السُّنَّة بالقرآن للإيهام أن اللَّه لم
يرض عن تلك السُّنَّة، وهذا يؤدي إلى تنفير الناس عن طاعة
الرسول ﷺ كما زعمتم: لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وهو خلاف " الإجماع، حيث إنه قد اتفق على جواز نسخ
القرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنّة - كما سبق ذكره -.
الجواب الثاني: أن ما قلتموه في دليلكم إنما يصح أن لو كانت
السئُنَّة من عند رسول اللَّه ﷺ من تلقاء نفسه، وليس كذلك، بل إنما السُّنَّة وحي قال تعالى في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .
стр. 569
الدليل الثالث لهم قالوا فيه: إن القرآن والسُّنَّة جنسان مختلفان
من الأدلة، فلم يجز نسخ أحدهما بالآخر.
جوابه:
يجاب عنه بأن النسخ في الأصل لم يمتنع لكونهما جنسين، وإنما
امتنع؛ لأن أحدهما فرع للآخر، وأن أحدهما أدنى، فلم يجز نسخ
الأصل بفرعه، ولا نسخ الأعلى بالأدنى، وهذا لم يكن في مسألتنا؟
لأننا لم ننسخ الأعلى بما هو دونه، وإنما ننسخ الأدنى بما هو أعلى
منه، ولا مانع من ذلك.
تئبيه: لقد قلت: إن المذهب الثاني قد نسب إلى الإمام
الشافعي، وقد كثر كلام العلماء حول هذه النسبة، وقد حققت ذلك
في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه
إن شئت.
***
المسألة الر ابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة:
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها: مذهبان:
المذهب الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلاً وشرعا.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، وأهل الظاهر،
وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه وبعض الحنابلة، وهو - اختيار
أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة لا يستحيل عقلاً،
فالناسخ - في الحقيقة - هو الله ، كل ما في الأمر أنه
стр. 570
سبحانه أنزل الناسخ على النبي ﷺ بوحي غير نظم القرآن، وإذا كان المنسوخ - وهو القرآن - والناسخ - وهي السُّنَّة - من اللَّه تعالى فما المانع من نسخ أحدهما للآخر؟
اعتراض على ذلك:
قال معترض على هذا الدليل: قد ينسخ النبي ﷺ الآية اجتهاداً منه، فإن هذا ليس من اللَّه تعالى.
جوابه:
يجاب عنه بأن يقال: إن جوز للنبي ﷺ النسخ بالاجتهاد فهو من عند اللَّه - أيضا -، فالله هو الذي أذن له بالاجتهاد في هذا الأمر، فثبت المطلوب، وهو: أن الكل من اللَّه تعالى.
الدليل الثاني: أن القرآن والسُّنَّة لا فرق بينهما من حيث السند،
فكل واحد منهما متواتر، ولا فرق بينهما من حيث المصدر - كما
قلنا سابقا -.
وإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من اللَّه تعالى،
فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.
الدليل الثالث: أن النسخ تعريف بانقضاء مدة العبادة، وإعلام
سقوط مثل ما كان واجبا بالمنسوخ وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان،
والمعرفة بذلك تقع بالسُّنَّة كما تقع بالقرآن.
الدليل الرابع: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالممئُنَّة
المتواترة، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:
أن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ، فنسخ ذلك بقوله ﷺ : "فلا وصية لوارث".
стр. 571
اعتراض على ذلك:
لقد اعترض على ذلك الدليل باعتراضين:
الاعتراض الأول: أن الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخ بقوله
﵇: " لا وصية لوارث "، بل إنها نسخت بآية المواريث، وبيان سهام الوالدلين والأقربين، وأشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: " إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ".
جوابه:
يجاب عن هذا الاعتراض بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث وآية
المواريث التي هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب.
الاعتراض الثاني:
إن الوصية للوالدين الثابتة بالآية لا يمكن أن تنسخ بالحديث وهو:
" لا وصية لوارث "؛ لأن الحديث خبر آحاد، وليس بمتواتر،
وخبر الواحد لا يقوى على نسخ ما ثبت بالقرآن.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الحديث في قوة المتواتر؛ لأن المتواتر نوعان:
متواتر من حيث السند، ومتواتر من حيث ظهور العمل به من غير
نكير، فإن ظهوره يغني الناس عن روايته، والحديث الذي معنا من
النوع الثاني، حيث إن ظهور العمل به من العدول من أئمة الفتوى
بلا منازع، فإنه يجوز النسخ به.
المذهب الثاني: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلاً، ولا يجوز شرعا.
стр. 572
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وبعض
الحنابلة، واختاره أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور البغدادي،
والقلانسي، والحارث المحاسبي.
أدلة هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب على جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة
المتواترة عقلاً بالأدلة الثلاثة الأولى التي استدل بها أصحاب المذهب
الأول.
واستدل أصحاب هذا المذهب على عدم جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة
المتواتر شرعا بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه جعل البدل خيراً من المنسوخ أؤ مثلاً له،
والسُّنَّة ليست خيراً من القرآن ولا مساوية له في الخيرية، فلا تكون
بدلاً عن الكتاب ولا ناسخة له.
وكذلك: أخبر اللَّه تعالى أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منه،
وذلك يفيد أنه يأت بما هو من جنسه، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن
لا السُّنَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المراد بالخيرية والمثلية الواردة في الآية: الخيرية
والمثلية في الحكم لا في اللفظ، ولا شك أن الخكم الثابت بالسُّنَّة قد
يكون أنفع للمكلف من الحكم المنسوخ.
ثم اعلم بأن السُّنَّة كالقرآن ولا فرق بينهما، حيث إن كلًّا منهما
стр. 573
من عند اللَّه ، كل ما في الأمر أن القرآن معجز
ومتعبد بتلاوته، والسُنَّة ليست كذلك.
فإذا علمت أن الكل من عند اللَّه، وأن المصدر واحد، وكل
منهما قطعي الثبوت، فإنه ثبت أن الآية ليس فيها ما يدل على أن
السُّنَة لا تنسخ القرآن.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وجه الدلالة: أن المراد بما نزل هو القرآن، والمراد من الذكر هو
السُّنَة، وقد جعل اللَّه السُّنَّة مبينة لكل القرآن؛ لأن " ما " للعموم،
فلو كانت السُّنَّة ناسخة للقرآن للزم أن تكون رافعة للقرآن، لا مبينة
له؛ لأن النسخ رفع لا بيان، وذلك يخالف ما دلت عليه الآية.
جوابه:
يجاب عنه بأن النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان انتهاء الحكم
الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، وما دام النسخ بيانا، وقد جعلت
السثُنَة مبينة للقرآن، فإنه يجوز نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، ولا
مانع من ذلك.
***
المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسّنَّة
المتواترة بخبر الواحد؟
في ذلك تفصيل:
. أما نسخ القرآن والسُنَّة المتواترة بخبر الواحد عقلاً فهو جائز
باتفاق العلماء المعتدّ بأقوالهم، وذلك لأنه لا يمتنع عقلاً أن يأتي
стр. 574
الشارع بخبر الواحد، ويقول: إنه ناسخ للحكم الفلاني الذي ثبت
بالتواتر، فإن اللَّه ينزل ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا يلزم من جوازه
محال.
أما نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد شرعا، فقد اختلف
العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: لا يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد
شرعاً، وهو مذهب الجمهور من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن
متواتراً قد نسخه خبر واحد، وهذا يدل على عدم الوقوع، وماذا كان
الأمر كذلك فإنه يدل على عدم الجواز.
المذهب الثاني: يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد
شرعا.
ذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر كداود، وابن حزم، وبعض
العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إنه قد وقع أن القرآن والسُنَّة
المتواترة قد نُسخا بخبر الواحد، بيان ذلك:
أولاً: أنه ثبت: أن رجلاً جاء إلى أهل قباء وهم يصلون العصر
نحو بيت المقدس، فقال: أشهد أني صليت مع رسول الله ﷺ نحو الكعبة فانحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.
فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسُّنَّة المتواترة لأهل قباء
стр. 575
وغيرهم، فنسخ ذلك بخبر الواحد؛ إذ قبلوا كلامه، وتحولوا نحو
المسجد الحرام، وعلى هذا يكون خبر الواحد قد نسخ المتواتر.
جوابه:
يجاب عنه بأن محل النزاع هو وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد
المجرد عن القرائن المفيدة للعلم، أما في هذه القصة فإنه يحتمل أن
يكون قد انضم إليه ما يفيد العلم كقربهم من مسجد رسول اللَّه ﷺ وسماعهم لضجة الخلق في ذلك.
ثانيا: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ، حيث نسخ
ذلك بخبر الواحد وهو: " أن النبي ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها ".
جوابه:
يجاب عنه: بأن الحديث مخصص للآية، وليس بناسخ لها؛ النص يقتضي أن يكون كل ما عدا المذكورات حلالا، فأخرج
عنه هذا الحديث بعضه فيكون تخصيصا لا نسخا.
ويمكن أن يكون نسخاً لو أثبت المستدلون: أن الخبر ورد بعد
العمل بمقتضى الآية، فحينئذ يكون نسخا؛ إذ لا يجوز تأخير بيان
المخصص عن وقت العمل.
ثالثا: أنه ثبت بالتواتر أن الرسول ﷺ كان يرسل الآحاد من الصحابة ﵃ إلى البلدان والنواحي لتبليغ الأحكام، وتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك: لما كان قبوله واجباً.
стр. 576
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد، كان
ينسخ ما ثبت بخبر الواحد، أما ما لا يجوز فيه فلا، مثل مسألتنا
وهي: نسخ المتواتر بالآحاد، ومن ادعى أن خبر الواحد قد نسخ
متواتراً فعليه الإثبات.
الدليل الثاني: أن خبر الواحد ينسخ المتواتر من القرآن والسُّنَّة؟
قياساً على التخصيص به، بيان ذلك:
أنه كما يجوز تخصيص المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر
الواحد، كذلك يجوز نسخ المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة
بخبر الواحد؛ إذ لا فرق بينهما، والجامع: رفع الضرر المظنون.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن
التخصيص: بيان وجمع بين الدليلين، أما النسخ فهو: إبطال ورفع
وإزالة كما تقدم.
الدليل الثالث: أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإذا صار
معارضاً لحكم المتواتر وجب تقديم المتأخر؛ قياساً على سائر الأدلة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؟
لوجود الفرق بين المتواتر والاَحاد، فالمتواتر مقطوع في سنده،
والآحاد مظنون في سنده، فهذا الفرق مانع من ترجيح خبر الواحد.
стр. 577
المسألة السادسة والعشرون: هل الإجماع يكون منسوخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الإجماع لا يكون منسوخا.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الصواب؛ لأن ما وجد من الإجماع بعد رسول الله ﷺ وانتهاء زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن ينسخ بنص، أو إجماع،
أو قياس.
أما الأول - وهو كون الإجماع منسوخا بنص - فهو باطل؛ لأن
الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم
على الإجماع.
وقلنا: إن النص متقدم على الإجماع؛ لأن النصوص تتلقى من
النبي ﷺ ، والإجماع لا ينعقد في زمنه ﷺ ؛ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد، وإن وافقهم كان قوله هو الحُجَّة؛ لاستقلاله بإفادة الحكم، فإذا ثبت أن النص متقدم على الإجماع، فلا يمكن أن يكون النص ناسخاً للإجماع؛ لأن المتقدم لا ينسخ المتأخر.
أما الثاني - وهو كون الإجماع منسوخا بإجماع آخر - فلا يصح
- أيضا -؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ إذ لو
انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل
فهو خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ؛ لوقوعه على خلاف
الدليل.
أما الثالث - وهو كون الإجماع منسوخا بقياس - فهو باطل
- أيضا -؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ لأنه يشترط
стр. 578
في القياس: أن لا يكون مخالفا لنص أو إجماع، فعند مخالفة
الإجماع للقياس: يكون القياس باطلاً فلا يكون حُجَّة، وعليه فلا
يصح أن يكون ناسخا للإجماع.
اعتراض على ذلك:
اعترض معترض قائلاً: إنه يُتصور أن يكون الإجماع منسوخاً،
بيان ذلك:
أنه يمكن أن يكون الإجماع قد انعقد في زمن، ثم بعد ذلك ظهر
للمجمعين خبر كان قد خفي عليهم، ولم يعلموا به أثناء إجماعهم،
هذا الخبر الذي ظفروا به هو أقوى من مستندهم في ذلك الإجماع،
فيكون - على هذا - هذا الخبر ناسخا للإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا باطل؛ لأن المنسوخ يكون هو النص الذي
كان مستند الإجماع، ولا يمكن أن يكون المنسوخ هو الإجماع؛ لأن
الإجماع بطل من أصله بظهور ذلك النص، لا أن الإجماع يكون
مرفوعا بعد استقراره.
المذهب الثاني: أن الإجماع يكون منسوخا.
ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن العلماء المعتد بأقوالهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين: فإن
المكلَّف مخير في العمل بكل واحد من القولين، إذا أجمع علماء
الأُمَّة على هذين القولين؛ إذ لا ثالث لهما، فإذا أجمع العلماء -
بعد ذلك - على أحد القولين: لم يجز العمل بالقول الآخر،
стр. 579
وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخا لما دلَّ عليه الإجماع الأول من
جواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني
ناسخاً للإجماع الأول، فصح بذلك أن يكون الإجماع منسوخا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن علماء الأُمَّة إنما جوَّزوا للمكلف الأخذ بأي واحد
من القولين بشرط: أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان
الإجماع الأول مشروطا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني فقد
زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء
شرطه، لا لكون الثاني قد نسخه.
***
المسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأولي: أن الإجماع لا يكون ناسخا، أي: أن الإجماع
لاينسخ به.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصا، أو
إجماعاً، أو قياسا.
أما الأول - وهو كون المنسوخ بالإجماع نصا - فهذا باطل؟
لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف ذلك النص؛ لأن الإجماع
لابد له من مستند فلا يخلو: إما أن يطلع المجمعون على هذا النص
أو لا.
فإن لم يطلعوا عليه: كان إجماعهم باطلاً؛ لوجود ما يخالفه.
стр. 580
وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه:. دلَّ على أن هذا النص
مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون - بذلك -
الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت: أن ذلك من
باب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع.
وأما الثاني - وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعا آخر - فهو
باطل؛ لأن الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر - كما سبق
ذكره -.
وأما الثالث - وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسا - فهو باطل
- أيضاً - لأن من شرط حجية القياس والعمل به: عدم مخالفته
للإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس: زال القياس
لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخاً.
الدليل الثاني: أن الإجماع إنما يكون حُجَّة بعد عهد الرسول ﷺ ،
والنسخ إنما يكون في زمن رسول اللَّه ﷺ ،
وعلى هذا يستحيل اجتماعهما.
المذهب الثاني: أن الإجماع يكون ناسخ@.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع
الصحابة، فهذا يدل على أن الإجماع يكون ناسخا.
جوابه:
يجاب عنه بأن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ،
بل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء عِلَّته المقررة، وهي: تحبيب
стр. 581
الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما
حصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم،
وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخا.
الدليل الثاني: كما أن الإجماع مخصص للعام كذلك يصح أن
يكون ناسخا ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه بأنه ليس كل ما يُخصص به ينسخ به، فدليل العقل
يجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به، ثم إن قياسكم النسخ على
التخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن، النسخ رفع
للحكم بالكلية بخلاف التخصيص؛ فإنه قصر للحكم على بعض
أفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصا، بخلاف النسخ،
فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخا وهي أدلتنا السابقة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين متفقون على أنه لا
إجماع في حياة النبي ﷺ ، ولا نص بعد وفاته، فيحمل كلام أصحاب المذهب الثاني على أن مرادهم: النسخ بالدليل الذي هو
مستند الإجماع، وهذا لا خلاف فيه.
***
المسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟
لقد كثر كلام العلماء حول هذه المسألة وكثرت المذاهب فيها،
ولكن الأصح عندي ما ذهب إليه ناصر الدين البيضاوي، والإسنوي
وكثير من العلماء وهو:
أن القياس يُنسخ بقياسٍ أجلى وأظهر وأقوى منه، فمثلاً نص
стр. 582
الشارع على تحريم بيع البر بالبر متفاضلاً، فقسنا عليه السفرجل لعلَّة
جمعت بينهما، وقلنا: لا يجوز بيع السفرجل بالسفرجل متفاضَلاً
قياسا على بيع البر بالبر، ثم نص - أيضاً - على إباحة التفاضل في
الموز، وكان مشتملاً على علَّة أقوى من العِلَّة التي في الأول، فإن
هذا يقتضي إلحالق السفرجلَ بالموز، ويكونَ بيع السفرجل بالسفرجل
جائزاً كالموز، فإن القياس هنا يكون ناسخا للقياس الأول.
وإنما حصرنا ناسخ القياس في قياس أقوى وأجلى منه؛ لأنه لا
ينسخ بنص ولا إجماع، ولا بقياس مساوي، ولا بقياس أخفى وأدنى
منه.
أما كونه لا ينسخ بالنص ولا بالإجماع؛ لأن شرط العمل
بالقياس: ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وجد ما
يخالفه من نص أو إجماع، فقد بطل العمل به، أي: زال القياس
بزوال شرطه.
أما كونه لا ينسخ بالقياس المساوي فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح
أحد المتساويين على الآخر بدون مرجح وهو باطل.
أما كونه لا ينسخ بالقياس الأخفى والأدنى منه، فلأن ذلك يؤدي
إلى العمل بالمرجوح وترك العمل بالراجح وهو باطل.
فثبت أن القياس ينسخ بالقياس الأقوى فقط.
وعلى ذلك فالقياس الأقوى والأجلى ناسخ للقياس الأضعف
والأخفى.
فيكون القياس ناسخاً ومنسوخا.
стр. 583
المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسخ
تبعا لذلك حكم الفرع؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه إذا نسخ حكم الأصل في القياس، فإن حكم
الفرع ينسخ تبعاً له مطلقاً، أي: سواء كان القياس قطعياً أو ظنياً،
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلَّة التي اعتبرت
لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي عِلَّة لهذا
الحكم، ومتى زال اعتبار العلَّة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها،
وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزما لرفع حكم الفرع.
فمثلاً: قال ﷺ للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان:
"اعتق رقبة"، فإن هذا يفيد أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة،
وعلَّة ذلك: إفساد اليصوم المحترم - عند بعضهم - فألحق به الأكل
عمَداً في نهار رمضان، نظراً لوجود العِلَّة فيه، فالكفارة في الأكل
في نهار رمضان ثابتة بالقياس؛ بناء على تلك العلَّة، فإذا فرضنا أن
الشارع نسخ هذا الحديث وبنسخه ينسخ الحكمَ الذي اشتمل عليه
وهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان: فإن حكم الفرع
- وهو وجوب. الكفارة في الأكل - يرتفع تبعاً لذلك؛ لأن العلَّة
وهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل
الذي استنبطت منه.
المذهب الثاني: أنه إذا نسخ حكم الأصل، فإن حكم الفرع
الثابت بعلته لا يرتفع، أي: لا يرتفع حكم الفرع بارتفاع حكم
الأصل.
стр. 584
ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الفرع تابع لدلالة حكم
الأصل، ولم يتبع حكم الأصل، وعلى هذا: فلا يلزم من انتفاء
حكم الأصل بالنسخ انتفاء دلالته، فلم يحدث شيء إلا انتفاء حكم
الأصل، أما دلالته فباقية كما هي فيبقى معها حكم الفرع.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نسلِّم بأنه لم يحدث شيء إلا انتفاء حكم
الأصل، بل ثبت انتفاء العلَّة التي استنبطت من حكم الأصل، وهو
ملزوم لانتفاء حكم الأصلَ؛ حيث إن السبب في وجود العِلَّة التي
أوجدت الحكم في الفرع هو وجود حكم الأصل، فلما انتفى حكم
الأصل، انتفت تلك العِلَّة المستنبطة منه، وبانتفائها انتفى ما تعلق بها
وهو: حكم الفرع.
تنبيه: نسب أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو إسحاق الشيرازي،
وصفي الدين الهندي المذهب الثاني إلى كل الحنفية، ونسبه الآمدي،
وابن قدامة إلى بعض الحنفية، وهذه النسبة فيها تساهل؛ حيث
أنكرها ابن عبد الشكور، والأنصاري، والكمال بن الهمام من
الحنفية.
المسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخاً ومنسوخا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الوافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً.
стр. 585
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما
يجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق
والنسخ به ولا فرق، بل قد يكون المفهوم الموافق أقوى من المنطوق
به، فمثلاً قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمنطوقه على
تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب والشتم
والقتل والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أوْلى أن
يحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء.
المذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يقع ناسخا ولا منسوخا.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المواققة قياس
جلي، وانقياس لا ينسخ ولا يُنسخ به، بيانه:
أن قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمفهومه على تحريم
الضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن
في ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف
فألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس،
والقياس لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
- الجواب الأول: أن تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت
стр. 586
نطقا، لا قياساً، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقا قولهم:
هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه.
الجواب الثاني: أن من سمى هذا قياسا من الشافعية صرَّحوا بأنه
قياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم
الموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في
التسمية لا يضر ما دام أن المعنى متفق عليه.
الجواب الثالث: على فرض أنه قياس، فإن هذا لا يمنع أن يكون
ناسخاً ومنسوخاً؛ لأننا بينا فيما سبق أن القياس يكون ناسخاَ
ومنسوخاً، وذلك في المسألة الثامنة والعشرون.
المسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخاً؟
الحق: أن مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً، أي: يجوز نسخ حكم
المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودونه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح، حيث إنه إذا نسخ
الأصل وهو النص ينسخ معه جميع ما يفهم منه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فمثاله: ما روي عن النبي
ﷺ أنه قال: " الماء من الماء "،
فقد نسخ مفهومه بما روته عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "،
وبقي أصله وهو: وجوب الغسل بالإنزال.
***
المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يأتي ناسخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
стр. 587
المذهب الأول: أن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة يضعف
عن مقاومة النص.
المذهب الثاني: يكون مفهوم المخالفة ناسخا.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المخالفة في معنى
النص، فكما أن النص يأتي ناسخاً، فكذلك مفهوم المخالفة ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؟
لأنه قياس مع الفارق، فالنص دلالته قطعية على المدلول: أما دلالة
مفهوم المخالفة فليست كذلك، لذلك منع الحنفية من الاحتجاج
بمفهوم المخالفة على تفصيل سيأتي، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع
منه أحد.
المذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم:
فإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة،
ومفهوم الشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخاً؛ لأنه قريب من
المنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب
ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخا؛ نظراً لضعفه وعجزه عن
مقاومة النص.
стр. 588
جوابه:
يجاب عنه: بأن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا - كما قلنا في
مذهبنا - ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبا من النص في
الدلالة، وهذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه.
المسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ:
أولاً: لا يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق العقل، ولا عن
طريق القياس، لأمور:
الأول: أن النسخ إما رفع الحكم الشرعي، أو بيان مدة انتهاء
العمل به، وكل واحد منهما لا سبيل للعقل إلى معرفته، ولا
مدخل له فيه.
الثاني: أنه لو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل للزم
أن يكون له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس
كذلك.
الثالث: أن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ،
ولا مدخل للعقل ولا القياس في معرفة المتقدم والمتأخر.
ثانياً: يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق النقل المجرد، ويعتبر
لصحة النسخ أن يتأخر ناسخ عن منسوخ وإن لم يتأخر لا يصدق
عليه اسم ناسخ.
ثالثاً: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المتفق عليها.
الطريق الأول: أن يعلم من اللفظ - النطق - تقدم أحد الحكمين
على الآخر، فيكون المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا.
стр. 589
والمراد بالتقدم: التقدم في التنزيل، لا التقدم في التلاوة، كما
قال الماوردي.
من أمثلة ذلك:
١ - قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)
هذا اللفظ يفيد أنه نسخ عنهم أن يصابر كل واحد لعشرة إلى أن
يصابر الواحد منهم للاثنين فقط.
٢ - قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) يفيد نسخ الإمساك بعد الفطر.
٣ - قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ".
٤ - قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا".
٥ - قوله ﷺ : "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب ".
الطريق الثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت وتاريخ سماعه
ذلك النص مِنَ النبي ﷺ فيقول: " سمعت عام الفتح كذا "، ونحو ذلك، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.
ويمثلون لهذا الطريق بما رواه شداد بن أوس أن النبى ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم "، حيث إنه منسوخ بما رواه ابن عباس:
"أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم "، فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة الوداع عام عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح، وذلك في سنة ثمان.
стр. 590
الطريق الثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة ﵃
على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر، لا أن الإجماع هو
الناسخ.
مثل: نسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة لسائر
الحقوق المالية، فإن الصحابة اتفقت على ترك استعمالهم هذا، فدل
عدولهم عنه على نسخه.
الطريق الرابع: أن يخبر الراوي عن الناسخ والنسوخ، ويفهم
من كلامه صراحة مثل: قول بعض الرواة: " رخص لنا رسول
الله ﷺ في المتعة ثلاثا، ثم نهانا عنها ".
٢ - ما رواه عليٌّ ﵁ أنه قال: " أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة ثم قعد ".
الطريق الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي
ﷺ إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي ﷺ ، فيكون نقل الثاني هو الناسخ، وما نقله الأول هو المنسوخ.
مثاله: ما رواه طلق بن عليّ: أن ﷺ سئل عن الوضوء من مس الذكر فقال: " هل هو إلا بضعة منك ".
فهذا الخبر يفيد عدم وجوب الوضوء من مس الذكر، فهذا
مخالف لما رواه أبو هريرة: أنه ﷺ قال:
" من مس ذكره فليتوضأ"
حيث إنه يفيد وجوب الوضوء من مس الذكر.
وعلم أن حديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق؛ لأن أبا هريرة
أسلم في آخر حياة النبي ﷺ ، وبعد وفاة طلق بن علي، وبناء على ذلك: يكون حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق.
стр. 591
رابعا: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المختلف فيها:
الطريق الأول: قول الصحابي: " هذا الخبر منسوخ "، أو
قوله: " كان الحكم كذا ثم نسخ "، أو نحو ذلك هل يثبت به
النسخ؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يثبت النسخ بهذا الطريق.
ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن قول الصحابي
هذا يحتمل أن يكون قد صدر عن اجتهاد، فيظن غير الناسخ ناسخا
وأن غير الرافع رافعاً، فلا يمكن أن نترك ما تيقنا من ثبوته وهو خبر
الرسول ﷺ من أجل كلام يدخله الاحتمال قد يصدق، وقد لا يصدق.
ثم إن قول الصحابي اختلف في حجيته، وقول الرسول ﷺ حجة إجماعاً، فلا نترك الحُجة إجماعاً وقطعا بالمختلف في حجيته؟
حيث إن قول الصحابي لا يسلم على سل حال، بل لا بد من النظر
فيه والتأكد منه، ولهذا لما نقل عن طائفة من الصحابة قولهم:
"نسخ السح بآية الوضوء التي نزلت في المائدة "، لم نسلم ذلك،
بل أجمعنا على أن هذه الآية غير ناسخة لها؛ لأنه ليس في الآية ما
يدل على النسخ.
المذهب الثاني: أنه يثبت النسخ بهذا الطريق.
ذهب إلى ذلك الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن الصحابي العدل الثقة إذا قال: إن هذا الخبر منسوخ، فإنه لم
يقله إلا عن علم بالتأريخ والتعارض؛ فإن المراد عنده معلوم بمشاهدة
стр. 592
القرائن، فحكمه بالنسخ عن بصيرة، والصحابي غير متهم،
فوجب الرجوع إلى ما قاله وقبوله كما يقبل منه الخبر الذي رواه عن
النبي ﷺ .
جوابه:
يجاب عنه: بأن هناك فرقاً بين روايته لخبر عن رسول اللَّه ﷺ وبين دعواه للنسخ، وهو: أننا قبلنا روايته للخبر وعملنا به نظراً
لثبوت عدالته والوثوق به، وكونه قد شاهد التنزيل؛ ولأن الشريعة
تؤخذ عن طريقه، فلو أننا لم نقبل الأخبار التي ينقلها عن النبي ﷺ لما ثبت في الشريعة شيء.
أما دعوى النسخ فهو متعلق بالاجتهاد والنظر، وهو في ذلك غير
معصوم، فلو وجب قبول قوله في ذلك لوجب قبول قوله في مسائل
الاجتهاد - كلها - وهذا ليس بصحيح.
الطريق الثاني: كون أحد النصين المتعارضين مثبتا في المصحف
بعد النص الآخر، هل يثبت به النسخ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المتأخر في الترتيب لا ينسخ المتقدم في الإثبات
في المصحف، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن ترتيب
الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول، بل قد يكون المتقدم
في الترتيب متأخراً في النزول كما في آيتي عدة المتوفى عنها زوجها
فقد قال تعالى في سورة البقرة، الآية الرابعة والثلاثين بعد المائتين:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ، وقال في الآية الأربعين بعد المائتين من نفس السورة:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)
стр. 593
فإن الآية الناسخة هي الأولى مع تقدمها في
المصحف عن الآية المنسوخة.
المذهب الثاني: أن المتأخر في الترتيب والإثبات في المصحف
ناسخ للمتقدم في ذلك، ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن تأخر النص في ترتيب المصحف دليل على تأخره في النزول،
والمتأخر في النزول ينسخ المتقدم.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون المتقدم في
ترتيب المصحف متقدماً في النزول، والمتأخر في الترتيب متأخراً في
النزول، وقد يكون المتقدم في الترتيب متأخراً في النزول كما مثلنا.
الطريق الثالث: كون أحد النصين المتعارضين موافقا للبراءة
الأصلية والآخر مخالفاً لها، هل يثبت به النسخ؛ لقد اختلف في
ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن جعل أحد النصين
بعينه متقدماً والآخر بعينه متأخراً ليس بأولى من العكس؛ لعدم
وجود المرجح الصحيح، والموافقة والمخالفة للبراءة لا تصلح أن
تكون مرجحاً.
المذهب الثاني: أن هذا الطريق يثبت به النسخ.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن النص الموافق للبراءة متأخر عن النص المخالف لها لكونه مفيداً
стр. 594
فائدة جديدة، وهي رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية بعد نسخ الحكم
الذي شرع بعدها ولو جعل متقدما على النص الآخر لم يكن مفيداً
فائدة جديدة، لأن البراءة الأصلية مستفادة قبله، ومتى جعل الموافق
متأخراً كان ناسخا للنص المتقدم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الموافق للبراءة الأصلية، كما أنه قد يأتي بفائدة
جديدة عند تأخره - وهي: رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية -
كذلك قد يأتي عند تقدمه بفائدة جليلة وهي: أن الشرع جاء موافقاَ
للعقل وغير مخالف له.
الطريق الرابع: كون الراوي لأحد الخبرين المتعارضين أصغر سناَ
من الراوي الآخر، أو متأخراً في الإسلام، هل يثبت بذلك النسخ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يثبت به النسخ.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لجواز أن يكون الراوي
الأصغر سنا قد روى عمن هو أكبر منه، ولجواز أن يكون الراوي
المتأخر إسلاماً قد روى عمن تقدمه في الإسلام؛ فنظراً إلى هذا
الاحتمال القوي، فإن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.
المذهب الثاني: أنه يثبت به النسخ.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الخبر الذي رواه الأصغر، أو المتأخر في الإسلام يكون ناسخاَ
للخبر الآخر، لأن الظاهر أنه متأخر في الزمن عن الخبر الآخر،
والظاهر يرجح على غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الظاهر الذي استندتم إليه ليس بأولى من
الاحتمال الذي ذكرنا في دليلنا.
стр. 595
المبحث الثاني في الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: السُّنَّة
وهو يشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف السُّنَّة.
المطلب الثاني: في حجية السُّنَّة.
المطلب الثالث: في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه
وبين الإنشاء وأقسامه.
المطلب الرابع: في خبر المتواتر.
المطلب الخامس: في خبر الواحد.
стр. 596
المطلب الأول في تعريف السُّنَّة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة.
المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين.
المسألة الثالثة: تعريف السُّنَّة عند غير الأصوليين.
المسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة.
стр. 597
المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة:
السئُنَّة لغة: الطريقة مطلقا سواء كانت حسنة أو قبيحة وسيئة،
ومنه قوله ﷺ :
"من سن سُنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة،
ومن سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".
هذا هو الراجح من أقوال أهل اللغة؛ لورودها كثيراً في ذلك.
وأما ما ذكره الأزهري من أن السُّنَّة تطلق على الطريقة المحمودة
المستقيمة بدليل قولهم: " فلان من أهل السُّنَّة " أي: من أهل
الطريقة المستقيمة المحمودة: فإن هذا لا يسلم له؛ لأن هذا تخصيص
وتقييد بدون مخصص أو مقيد، وأما قولهم: " فلان من أهل
- السُّنَّة"، فهو استعمال في عرف أهل الشريعة، وليس إطلاقا
لغويا، والمراد بالسُّنَّة في هذا القول هو: ما يقابل البدعة.
وتطلق السُّنَّة لغة على الشريعة، ومنه قوله تعالى: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) أي: شريعة اللَّه قد اقتضت في الكفار أنه
لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب كما ذكر القرطبي، وابن منظور.
وتطلق السُّنَّة لغة على الدوام، فتأتي بمعنى الدوام، ومنه
قولهم: " سننت الماء " إذا واليت في صبه، ويراد بذلك الأمر الذي
يداوم عليه، نقل ذلك عن الكسائي، وإلكيا الهراسي.
وتطلق السُّنَّة لغة على المثال المتبع، ومنه قول النابغة الذبياني:
أبوه قبله وأبو أبيه ... بنو مجد الحياة على إمام
أي: على مثال، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري.
стр. 598
وتطلق السُّنَّة لغة على الطبيعة، ومنه قول الأعشى:
كريم شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السُّنَن
أي: الأكرمين الطبائع.
***
المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين:
السُّنَّة في الاصطلاح هي: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير مما يخص الأحكام التشريعية.
شرح التعربف، وليان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس شامل لما صدر عن النبي ﷺ وما صدر عن غيره، وهو اسم موصول، تقدير الكلام: " الذي يصدر ".
قولنا: " صدر عن النبي ﷺ " جنس يدخل فيه: كل ما ألقاه النبي ﷺ على أصحابه، وأظهره لهم سواء كان قرآنا أو سُنَّة، أو كان مما يخص الأحكام الشرعية أو لا.
وذكرنا هذه العبارة؛ لإخراج ما يلي:
أولاً: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة، فإن كل شيء صدر عنه قبلها لا يسمى سُنَّة؛ وذلك لأنه ﷺ حينها - ليس بنبي ولا رسول.
ثانيا: ما صدر عن الرسل والأنبياء الذين أتوا قبله.
ثالثا: ما صدر عن الصحابة ﵃ وغيرهم.
قولنا: " غير القرآن " خرج به القرآن؛ لأنه كلام اللَّه - تعالى -
تلاه النبي ﷺ على جماعة تقوم الحُجَّة بقولهم.
ويدخل بهذه العبارة: الحديث القدسي فإنه - مع كونه قد أنزل
стр. 599
لفظِه - ليس بمعجز، ولا متعبد بتلاوته فليس بقرآن، وإنما هو
سُنَّة.
وبعض الأصوليين عئر بقوله: " غير الوحى " بدلاً عن عبارة:
"غير القرآن "، وهذا فيه تساهل؛ حيث إن السُّنَّة وحي باطني لكنها
لا تتلى ولا يتعبد بتلاوتها.
قولنا: " من قول ": بيان لقولنا: " ما صدر "، والمراد: ما
تلفظ به ﷺ مما يتعلق بتشريع الأحكام،
وأكثر السُّنَّة هي أقوال كقوله: " لا وصية لوارث "،
وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... ".
والقول يشمل الكتابة مثل أمره ﷺ عليًّا ﵁ بالكتابة يوم الحديبية.
قولنا: " أو فعل " الفعل هو: ما يفعل بالجوارح، والمراد: ما
فعله النبي ﷺ مما يتعلق بتشريع الأحكام كحجه ﵇، وصلاته، ورفع يديه عند افتتاح الصلاة، ونحو ذلك.
والفعل تدخل فيه الإشارة كإشارته بأن الشهر يكون هكذا وهكذا.
ويدخل فيه - أيضاً - الهئمُ؛ حيث إن الهم من أفعال القلوب،
فلا يهمُّ ﷺ على فعل شيء إلا وهو مشروع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، كهمِّه ﵇ في جعل أسفل الرداء أعلاه في
الاستسقاء، فثقل عليه فتركه.
ويدخل في الفعل - أيضاً - جميع أفعاله القلبية كالاعتقادات
والإرادات، فهذه وإن كانت ليست أفعالاً حقيقية، لكنها قد تعد
أفعالاً، لاتصالها بالأفعال.
стр. 600
قولنا: " أو تقرير " المراد منه: أن يفعل أو يقال شيء بحضرته
ﷺ أو بغيبته، وعلم به - من غير كافر - وأقره عليه وسكت عن إنكاره، كقول أنس ﵁: " كنا نصلي على عهد رسول اللَّه ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول اللَّه يراكم؛ قال: نعم رآنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا.
بعض الأصوليين لم يذكر قيد " أو تقرير "؛ لأنه يدخل في
الفعل؛ حيث إن التقرير كف عن الإنكار، والكف فعل.
وهذا فيه نظر؛ لأن التقرير يشمل الفعل والقول كما سبق في
تعريفه.
***
المسألة الثالثة: المراد بالسُّنَّة عند غير الأصوليين:
تطلق السُّنَّة في الاصطلاح الشرعي على معان أخرى غير إطلاق
الأصوليين.
فتطلق السنَّة عند المحدثين على: ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلقية، أو صفة خَلقية، أو سيرة.
فلم يقصر المحدثون السنَّة على إفادة الحكم الشرعي، بل توسعوا
في الإطلاق، بخلاف الأصوليين، فإنهم قصروها على ما يفيد
حكما شرعيا - فقط -.
وتطلق السُنَّة عند الفقهاء على ما يقابل الواجب، فالسُنَّة عندهم
هي: كل ما يتقرب به إلى اللَّه - تعالى - من العبادات مما يثاب على
فعله ولا يعاقب على تركه، فيشمل ذلك: النافلة، والمندوب،
والتطوع، والمستحب، والطاعة، والقربة، والإحسان، والمرغب
فيه، والفضيلة.
следующие страницы →