← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المطلب الأول في تعريف السُّنَّة ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة. المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين. المسألة الثالثة: تعريف السُّنَّة عند غير الأصوليين. المسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة.

стр. 597

المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة: السئُنَّة لغة: الطريقة مطلقا سواء كانت حسنة أو قبيحة وسيئة، ومنه قوله ﷺ : "من سن سُنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". هذا هو الراجح من أقوال أهل اللغة؛ لورودها كثيراً في ذلك. وأما ما ذكره الأزهري من أن السُّنَّة تطلق على الطريقة المحمودة المستقيمة بدليل قولهم: " فلان من أهل السُّنَّة " أي: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة: فإن هذا لا يسلم له؛ لأن هذا تخصيص وتقييد بدون مخصص أو مقيد، وأما قولهم: " فلان من أهل - السُّنَّة"، فهو استعمال في عرف أهل الشريعة، وليس إطلاقا لغويا، والمراد بالسُّنَّة في هذا القول هو: ما يقابل البدعة. وتطلق السُّنَّة لغة على الشريعة، ومنه قوله تعالى: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) أي: شريعة اللَّه قد اقتضت في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب كما ذكر القرطبي، وابن منظور. وتطلق السُّنَّة لغة على الدوام، فتأتي بمعنى الدوام، ومنه قولهم: " سننت الماء " إذا واليت في صبه، ويراد بذلك الأمر الذي يداوم عليه، نقل ذلك عن الكسائي، وإلكيا الهراسي. وتطلق السُّنَّة لغة على المثال المتبع، ومنه قول النابغة الذبياني: أبوه قبله وأبو أبيه ... بنو مجد الحياة على إمام أي: على مثال، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري.

стр. 598

وتطلق السُّنَّة لغة على الطبيعة، ومنه قول الأعشى: كريم شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السُّنَن أي: الأكرمين الطبائع. *** المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين: السُّنَّة في الاصطلاح هي: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير مما يخص الأحكام التشريعية. شرح التعربف، وليان محترزاته: قولنا: " ما " جنس شامل لما صدر عن النبي ﷺ وما صدر عن غيره، وهو اسم موصول، تقدير الكلام: " الذي يصدر ". قولنا: " صدر عن النبي ﷺ " جنس يدخل فيه: كل ما ألقاه النبي ﷺ على أصحابه، وأظهره لهم سواء كان قرآنا أو سُنَّة، أو كان مما يخص الأحكام الشرعية أو لا. وذكرنا هذه العبارة؛ لإخراج ما يلي: أولاً: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة، فإن كل شيء صدر عنه قبلها لا يسمى سُنَّة؛ وذلك لأنه ﷺ حينها - ليس بنبي ولا رسول. ثانيا: ما صدر عن الرسل والأنبياء الذين أتوا قبله. ثالثا: ما صدر عن الصحابة ﵃ وغيرهم. قولنا: " غير القرآن " خرج به القرآن؛ لأنه كلام اللَّه - تعالى - تلاه النبي ﷺ على جماعة تقوم الحُجَّة بقولهم. ويدخل بهذه العبارة: الحديث القدسي فإنه - مع كونه قد أنزل

стр. 599

لفظِه - ليس بمعجز، ولا متعبد بتلاوته فليس بقرآن، وإنما هو سُنَّة. وبعض الأصوليين عئر بقوله: " غير الوحى " بدلاً عن عبارة: "غير القرآن "، وهذا فيه تساهل؛ حيث إن السُّنَّة وحي باطني لكنها لا تتلى ولا يتعبد بتلاوتها. قولنا: " من قول ": بيان لقولنا: " ما صدر "، والمراد: ما تلفظ به ﷺ مما يتعلق بتشريع الأحكام، وأكثر السُّنَّة هي أقوال كقوله: " لا وصية لوارث "، وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... ". والقول يشمل الكتابة مثل أمره ﷺ عليًّا ﵁ بالكتابة يوم الحديبية. قولنا: " أو فعل " الفعل هو: ما يفعل بالجوارح، والمراد: ما فعله النبي ﷺ مما يتعلق بتشريع الأحكام كحجه ﵇، وصلاته، ورفع يديه عند افتتاح الصلاة، ونحو ذلك. والفعل تدخل فيه الإشارة كإشارته بأن الشهر يكون هكذا وهكذا. ويدخل فيه - أيضاً - الهئمُ؛ حيث إن الهم من أفعال القلوب، فلا يهمُّ ﷺ على فعل شيء إلا وهو مشروع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، كهمِّه ﵇ في جعل أسفل الرداء أعلاه في الاستسقاء، فثقل عليه فتركه. ويدخل في الفعل - أيضاً - جميع أفعاله القلبية كالاعتقادات والإرادات، فهذه وإن كانت ليست أفعالاً حقيقية، لكنها قد تعد أفعالاً، لاتصالها بالأفعال.

стр. 600

قولنا: " أو تقرير " المراد منه: أن يفعل أو يقال شيء بحضرته ﷺ أو بغيبته، وعلم به - من غير كافر - وأقره عليه وسكت عن إنكاره، كقول أنس ﵁: " كنا نصلي على عهد رسول اللَّه ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول اللَّه يراكم؛ قال: نعم رآنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا. بعض الأصوليين لم يذكر قيد " أو تقرير "؛ لأنه يدخل في الفعل؛ حيث إن التقرير كف عن الإنكار، والكف فعل. وهذا فيه نظر؛ لأن التقرير يشمل الفعل والقول كما سبق في تعريفه. *** المسألة الثالثة: المراد بالسُّنَّة عند غير الأصوليين: تطلق السُّنَّة في الاصطلاح الشرعي على معان أخرى غير إطلاق الأصوليين. فتطلق السنَّة عند المحدثين على: ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلقية، أو صفة خَلقية، أو سيرة. فلم يقصر المحدثون السنَّة على إفادة الحكم الشرعي، بل توسعوا في الإطلاق، بخلاف الأصوليين، فإنهم قصروها على ما يفيد حكما شرعيا - فقط -. وتطلق السُنَّة عند الفقهاء على ما يقابل الواجب، فالسُنَّة عندهم هي: كل ما يتقرب به إلى اللَّه - تعالى - من العبادات مما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فيشمل ذلك: النافلة، والمندوب، والتطوع، والمستحب، والطاعة، والقربة، والإحسان، والمرغب فيه، والفضيلة.

стр. 601

وتطلق السُّنَّة عند أهل الكلام على ما يقابل البدعة يقال: " فلان من أهل السُّنَّة " إذا كان عمله على وفق ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، ويقال: " فلان على بدعة " إذا عمل على خلاف ذلك. وتطلق السُّنَّة على ما عمل عليه الصحابة ﵃ سواء وجد ذلك في الكتاب، أو السُّنَّة، أو كان اجتهاداً منهم بدليل قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ". ومنه قول علي ﵁: " جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة ". *** المسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة: إن سبب هذا الاختلاف فيما تطلق عليه السُّنَّة يرجع إلى الغرض الذي يعتني به كل فريق. فغرض الأصوليين هو: إثبات وبيان أدلة الأحكام إجمالاً، فنظروا إلى السُّنَّة من هذا المنطلق، فاعتنوا بالأقوال، والأفعال، والتقريرات التي تكون أدلة إجمالية للأحكام الفقهية. وغرض المحدثين هو: نقل كل ما جاء عن النبي ﷺ ، سواء كان مما يخص الأحكام أو لا، وبيان أنه ﷺ هو الهادي والأسوة للأُمَّة؛ لذلك تجدهم نقلوا كل ما يتصل به ﷺ من سيرة، وخلق، وأخبار، وأقوال، وأفعال، ونحو ذلك. وغرض الفقهاء هو: إثبات أدلة الأحكام تفصيلاً، لذلك تجدهم اهتموا بدلالة أقواله وأفعاله، وتقريراته على الأحكام الجزئية الخاصة بالمكلَّف من ندب، ووجوب، وتحريم، وإباحة، ونحو ذلك.

стр. 602

المطلب الثاني في حجية السُّنَّة السُّنَّة حُجَّة يجب قبولها والعمل بها، كما يجب قبول القرآن والعمل به. ودلَّ على ذلك أدلة كثيرة منها: الدليل الأول: الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، ونحو ذلك، فإن اللَّه تعالى في تلك الآيات قد أمر بطاعة رسوله ﷺ والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، فيلزم من ذلك قبول كل ما يأتي به، فتكون السُّنَّة حُجَّة. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، فقد أخبرنا اللَّه تعالى - هنا - أن كل ما ينطق به هذا الرسول ليس من عند نفسه، بل هو وحي يوحى إليه، فالسُّنَة وحي كالقرآن، ولا فرق سوى أن القرآن يتعبد بتلاوته، ومعجز في ألفاظه. الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فحذرَ اللَّه تعالى من مخالفة الرسول ﷺ ، فلزم من ذلك: وجوب موافقة الرسول ﷺ -

стр. 603

ومتابعته في كل ما يصدر عنه؛ لأن المخالفة حرام، وترك الحرام واجب، فترك المخالفة واجب، فيكون اتباع الرسول واجبا. الدليل الرابع: الآيات الدالة على أن الرسول ﷺ مبين للقرآن وشارح له شرحاً وبيانا معتبراً عند اللَّه، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) . الدليل الخامس: الآيات الدالة على وجوب الإيمان به ﷺ ، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) ، والإيمان هو: التصديق برسالته وبجميع ما جاء به، وأن عدم اتباعه والعمل بما صدر عنه والرضا بحكمه يتنافى مع حقيقة الإيمان. الدليل السادس: الآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة اللَّه تعالى، كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، وعلامة حبهم له: اتباعهم لسُنّته ﷺ . الدليل السابع: أن ورود القرآن على وفق ما جاء به الرسول ﷺ منزل منزلة قول اللَّه تعالى له: " لقد صدقت فيما أخبرت به عني ". الدليل الثامن: الإجماع؛ حيث أجمع المسلمون منذ بعثة النبي ﷺ إلى يومنا هذأ على أن كل ما صدر عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات حُجَّة يجب العمل به. الدليل التاسع: أن رسول اللَّه ﷺ معصوم من تعمُّد ما يخل بالتبليغ إجماعاً، ومعصوم من المعاصي التي تخل بالتبليغ، ثبت

стр. 604

ذلك بالقرآن؛ إذ لو لم يكن معصوما لما أمر اللَّه تعالى بطاعته في كل ما يأتي به، وحذَّر من مخالفته. وذلك يستلزم أن كل خبر يأتي به صادق مطابق لما عند اللَّه تعالى إجماعاً، فيجب التمسك به والعمل به. فإن قلت: ما معنى: " معصوم "؟ قلت: المعصوم مأخوذ من العصمة، والعصمة لغة: المنع والحفظ والوقاية، يقال: " هذا طعام يعصم " أي: يمنع من الجوع. والعصمة في الاصطلاح: سلب قدرة المعصوم على المعصية، فلا يمكنه فعلها؛ لأن اللَّه سلب قدرته عليها. الدليل العاشر: الضرورة اقتضت أن تكون السُّنَّة حُجَّة، وذلك لأنه لا يمكن - بأي حال - العمل بالقرآن وحده؛ حيث إن القرآن يشتمل على المبهم والمشكل والمجمل، فلا يمكن أن نعرف المراد من ذلك إلا عن طريق السُنَّة - فمثلاً قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ، أو قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) ، وغيرها من الآيات، فلا يمكن أن تعرف كيفية الحج، وكيفية الصلاة، وكيفية الزكاة، إلا عن طريق السُّنَّة ا، فلو لم تكن السُّنَّة حُجَّة لتعطلت أكثر الأحكام الشرعية، وهذا لا يمكن.

стр. 605

المطلب الثالث في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه وبين الإنشاء، وأقسامه ويشتمل على مسائل: المسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحا. المسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر. المسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر. المسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء. المسألة الخامسة: أقسام الخبر.

стр. 606

المسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحاً: أولاً: الخبر لغة مشتق من الخبار - بفتح الخاء والباء - وهي: الأرض الرخوة، والعلاقة بين ذلك، وبين الخبر: أن الخبر يثير الفائدة، كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الغبار. ثانياً: الخبر اصطلاحا هو: القول الذي يتطرق إليه التصديق، أو التكذيب. شرح التعريف: قلنا: " القول " مع أنه قد يستعمل في غير القول؛ لأن القول هو الأكثر في الاستعمال، ويتطرق إلى غير القول التصديق أو التكذيب، لكنه مجازاً كالإيماء والإشارة، كأن تسأل بعض الطلاب وتقول: هل نجحت؛ فيشير بيده، أو يومى برأسه، ويفهمنا أن "لا" أو "نعم". قولنا: " يتطرق إليه " أي: يحتمل، فهو: يحتمل دخول التصديق والتكذيب. قولنا: " التصديق أو التكذيب " أخرج الإنشاء؛ لأنه لا يحتمل صدقا ولا كذبا كالأوامر والنواهي. والتصديق مأخوذ من الصدق وهو: الإخبار بالشيء على ما هو والتكذيب مأخوذ من الكذب وهو: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به. وعبرنا بقولنا: " التصديق أو التكذيب " بخلاف ما عبر به بعضهم

стр. 607

وهو: " التصديق والتكذيب "؛ لأن الخبر الواحد لا يدخله التصديق والتكذيب معاً، بل إما أن يكون الخبر صدقا، أو كذباً. ومعروف أن كلام الله ورسوله ﷺ لا يدخله الكذب أصلاً، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلاً، كأن يقول القائل: "الاثنين أكثر من الأربعة "، فهذا كذب ظاهر. *** المسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر: مذهب الجمهور أن الخبر يُحَدُّ ويعرف كغيره، وهو الذي نذهب إليه، وقد سبق - تعريفنا له. أما بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أن الخبر لا يُحَدُّ ولا يُعَرَّف، كالوجود والعدم، واختلف أصحاب هذا المذهب في السبب الذي جعلهم يقولون بعدم تحديده: فمنهم من زعم بأنه لا يُحد ولا يُعرَّف الخبر بسبب عسره، وأنه لا يسلم من توجيه الاعتراضات والإشكالات عليه، كما قيل في العلم. ومنهم من زعم أن الخبر لا يُحدُّ بسبب أنه غني عن التحديد، فكل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر، ويُميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر والنهي، فهذا متصوَّر بديهيا، وهو ما ذهب إليه فخر الدين الرازي وبعض أتباعه. والحق أن الخبر يحد كغيره من المصطلحات، وما قاله المخالفون فلا يسلم؛ لعدم الدليل عليه.

стр. 608

المسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر: يطلق الخبر في اصطلاح العلماء على إطلاقات: الإطلاق الأول: يطلق على المحتمل للتصديق والتكذيب المقابل للإنشاء، وهو اصطلاح الأصوليين وأهل اللغة كما سبق. الإطلاق الثاني: يطلق على ما هو أعم من الإنشاء والطلب، وهذا إطلاق المحدثين كقولهم: " أخبار الرسول ﷺ " مع أن هذه الأخبار مشتملة على الأوامر والنواهي. وسبب هذا الإطلاق: أن حاصل الأوامر والنواهي آيل إلى الخبر، فالمأمور به والمنهي عنه في حكم المخبر عنهما؛ وذلك لأن الرسول ﷺ ليس آمراً ولا ناهياً على سبيل الاستقلال، وإنما الآمر والناهي حقاً هو اللَّه ، وصيغ الأمر منه ﷺ في حكم الإخبار عن اللَّه. الإطلاق الثالث: يطلق الخبر على ما يقابل المبتدأ، وهذا إطلاق النحاة. الإطلاق الرابع: يطلق الخبر على القضية، وهو إطلاق أهل المنطق، وسميت بذلك لما فيها من القضاء بشيء على شيء. *** المسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء: لقد سبق بيان حقيقة الخبر. أما الإنشاء فهو: القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر، وهو متعلق بمعدوم مستقبل.

стр. 609

وسمي بذلك؛ لأنك أنشأته وابتكرته من غير أن يكون موجوداَ قبل ذلك في الخارج. وهو يكون بالأمر والنهي، والدعاء، والترجي، والتمني، والشرط والجزاء، والوعد والوعيد، والإباحة، والتحضيض. فإذا عرفت الخبر والإنشاء، فقد بانت لك الفروق بينهما والتي من أهمها: الفرق الأول: أن الخبر يحتمل للتصديق والتكذيب، أما الإنشاء، فهو لا يحتمل ذلك. الفرق الثاني: أن الإنشاء سبب لمدلوله، أما الخبر فليس سببا لمدلوله. الفرق الثالث: أن الإنشاء يتبعه مدلوله، أما الخبر فهو تابع للمخبر عنه في أي زمان كان. *** المسألة الخامسة: أقسام الخبر من حيث سنده: الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين: الفسم الأول: الخبر المتواتر. القسم الثاني: الخبر الآحاد. فالمتواتر مأخوذ من التواتر وهو لغة: تعاقب أشياء واحداً بعد واحد بينهما مهلة، ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) أى: رسولا بعد رسول بمهلة، والمهلة: الفترة التي توجد بينهما. والمتواتر في اصطلاح الاصوليين هو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب.

стр. 610

شرح التعريف: قولنا: " خبر " جنس يشمل المتواتر والآحاد. قولنا: " عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب " معناه: أن المتواتر: خبر عدد من المخبرين يمتنع تواطؤهم وتوافقهم على الكذب؛ نظراً لكثرة هؤلاء المخبرين. وهذه العبارة أخرجت خبر الآحاد؛ لأنه لا يمتنع التواطؤ على الكذب؛ لأن احتماله قوي. أما الآحاد فهو جمع أحد، قياسا على " أبطال " جمع بطل، وهمزة أحد أصلها واو، حيث كانت: " واحد "، فأبدلت بهمزة فصارت " أحد " أي: واحد، ويطلق عليه خبر الواحد. وهو في الاصطلاح: ما كان من الأخبار غير منتهٍ إلى حدِّ التواتر. أو تقول: هو خبر واحد، أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على الكذب. أما قول بعض العلماء في تعريفه: إن خبر الواحد هو: ما أفاد الظن فهو غير صحيح؛ لأنه غير مانع من دخول غيره، فالقياس يدخل فيه، حيث إنه يفيد الظن، وليس هو خبر الواحد، وغير منعكس؛ حيث إن الواحد إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه يُسمَّى خبر واحد وإن لم يفد الظن. ونظراً لأهمية هذين القسمين وهما: المتواتر والآحاد، حيث إن دراسة السُّنَّة تدور حولهما، فقد اهتم بهما العلماء من أصوليين، وفقهاء ومحدثين اهتماماً بليغاً، مما ستجده في المطالب التالية.

стр. 611

المطلب الرابع في خبر المتواتر ويشتمل على مسائل: المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟ المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟ المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها. المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟ المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولا؟ المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد، ولا يحويهم بلد؟ المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم وأديانهم؟ المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟ المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص، والقرائن؟ المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله.

стр. 612

المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه. ذهب إلى ذلك العلماء المعتد بأقوالهم. وهذا هو الحق؛ لأن الواقع يشهد لذلك؛ حيث إنه حصل لنا العلم اليقيني بما أخبرنا عنه عن طريق متواتر، فقد حصل لنا العلم بوجود بعض البلدان البعيدة كالصين، والهند، ونحوهما، وكذلك حصل لنا العلم بالأنبياء السابقين، والعلماء، والسلاطين، والوقائع والغزوات، ونحو ذلك، وسبب حصول العلم بذلك هو أننا أخبرنا عن ذلك بأخبار متواترة؛ حيث إننا لم نشاهد ذلك. أي: إنا وجدنا أنفسنا عالمة بذلك كله كما نجدها عالمة بما نشاهده وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، فيكون معانداً ومكابراً، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله. فثبت أن المتواتر يفيد العلم، وإذا كان كذلك فيجب تصديق خبر المتواتر بدون قرائن. وهذا كله يفارق خبر الآحاد، فإنه لا يعلم صدقه إلا بقرائن، كما سيأتي. المذهب الثاني: أن المتواتر لا يفيد العلم، بل يفيد الظن. ذهب إلى ذلك السُّمَنية - بضم السين مع تشديدها وفتح الميم - نسبة إلى بلد في الهند اسمه " سومانا "، وكانوا من عبدة صنم اسمه " سومانات "، وذهب إلى ذلك - أيضاً - البراهمة - وهم من منكري الرسالة.

стр. 613

دليل هذا المذهب: لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا سبيل لإدراك علم من العلوم إلا طريق الحواس الخمس - وهي: السمع، والبصر، واللمس، والشم، والذوق - والمتواتر ليس منها، فلا يفيد العلم إلا إذا انضم إليه بعض القرائن، أما الخبر المتواتر بمجرده فلا يفيد العلم. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا باطل من وجهين هما: الوجه الأول: أن حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط منتقض بالأمور التي تدرك بالعقل المحض، كعلمنا بأن الاثنين نصف الأربعة، وعلمنا بأن الضدين - كالسواد والبياض - يستحيل اجتماعهما. ومنتقض أيضا بالمشاهدات الباطنة مثل علم الإنسان بجوع نفسه. ومنتقض أيضاً بالتجريبيات وهي: اطراد العادات مثل كون النار محرقة. وإذا ثبت أن هناك طرقاً تفيد العلم - غير الحواس الخمس - فإنه يبطل حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط. الوجه الثاني: أنكم قلتم: إن العلوم لا تدرك إلا عن طريق الحواس الخمس - فقط - فمن أين علمتم ذلك؟ ولا علم لكم بذلك إلا عن طريق العقل. أي: أنكم حصرتم إدراك العلوم بهذه الخمس عن طريق العقل، وهنا قد أقررتم بطريق - وهو العقل - تدرك به العلوم غير الحواس

стр. 614

الخمس، فثبت أن هناك طرقا أخرى تدرك بها العلوم غير الحواس الخمس. بيان نؤع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن السُّمَنية ومن وافقهم لا ينكرون وقوع العلم من المتواتر في الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد الخبر، بل إلى قرينة، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل. *** المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟ لقد اختلف أصحاب المذهب الأول - من المسألة السابقة، وهم القائلون: إن المتواتر يفيد العلم فيما بينهم - في هذا العلم الذي أفاده المتواتر هل هو علم ضروري أوَّلي قد حصل للسامع بلا نظر واستدلال، أو هو نظري لم يحصل إلا بعد اكتساب واستدلال؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن العلم الحاصل بالمتواتر ضروري. ذهب إلى ذلك الجمهور. وهو المختار عندي؛ فالعلم الحاصل بالمتواتر قد علمناه. بالضرورة من غير نظر ولا استدلال، فيضطر العقل إلى تصديقه، والعمل بمقتضاه بدون حاجة إلى دليل أو قرينة. والمراد بالعلم الضروري هو: ما يعلمه المكلف ويلزمه - من غير نظر واستدلال - لزوماً لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة، كالعلم الحاصل بما تواترت به الأخبار من ذكر الأمم السالفة والبلاد النائية، والعلم الحاصل بالحواس الخمس، والعلم الحاصل

стр. 615

بالمشاهدات الباطنة، كالعلم بجوع نفسه وعطشه، ونحو ذلك ولا فرق بينها. ثبت ذلك بأدلة هي كما يلي: الدليل الأول: أنه لو كان العلم الحاصل عن التواتر نظريا لم يقع إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال والاكتساب كالعلماء، وللزم اختلاف الناس فيه " فعلمه بعضهم وجهله آخرون بسبب اختلافهم في النظر والأدلة. لكن لما وقع العلم الحاصل من المتواقي لغير أهل النظر والاستدلال كالعوام، والصبيان، والنساء، كما وقع لأهل النظر، واشترك الجميع في ذلك، ثبت أن العلم الحاصل عن المتواتر ليس نظريا، فثبت أنه ضروري. الدليل الثاني: أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة والبلاد النائية - التي لم يدخلها - عند سماعه لخبر المتواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر. فعلمنا بذلك أن العقل مضطر إلى التصديق بما ينقل إلينا بخبر المتواتر، ولو كان العلم من المتواتر قد حصل عن طريق النظر: لما اضطررنا إلى العلم به إلا بعد النظر والاستدلال والقرائن. المذهب الثاني: أن العببم الحاصل بالمتواتر نظري. ذهب إلى ذلك بعض العلماء كأبي بكر الدقاق، وابن القطان، وأبي الحسين البصري، وأبي القاسم الكعبي، وأبي الخطاب الحنبلي إلا أن الأخير لم ينص عليه في " التمهيد "، لكنه نصره بالأدلة وأجاب عن أدلة أصحاب المذهب الأول.

стр. 616

دليل هذا المذهب: استدل على هذا المذهب بأنه لو كان العلم الحاصل من المتواتر ضرورياً لما احتاج إلى النظر، ولكنه احتاج إلى النظر، فيكون نظريا. ويدل على ذلك: أن خبر المتواتر لم يفد العلم بنفسه، بل حصل هذا العلم بواسطة مقدمتين هما: المقدمة الأولى: أن هؤلاء المخبرين مع اختلاف أحوالهم، وتباين أغراضهم، وكثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع، ويستحيل عادة تواطؤهم على الكذب. المقدمة الثانية: أن هؤلاء قد اتفقوا عن الإخبار عن واقعة واحدة كوجود الهند مثلاً. فالعلم بصدق الخبر المتواتر قد توصلنا إليه عن طريق مجموع هاتين المقدمتين. فيقال مثلاً: وجود الهند قد أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، وكل ما أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب، فهو معلوم، فوجود الهند معلوم، وهذا هو العلم النظري؛ حيث نظرنا في هاتين المقدمتين واستدللنا بهما على ثبوت العلم بوجود الهند. وهاتان المقدمتان تشعر النفس بهما وإن لم يكونا بلفظ منظوم. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا ضعيف، لأن المقدمات التي يتوقف حصول هذا العلم على النظر فعها حاصلة في أوائل الفطرة، وهذا لا يحتاج إلى كبير تأمل وفكر، ومثل ذلك لا يسمى نظرياً؛ لأن النظري هو الذي يتوقف على أهلية النظر، وليس هذا من هذا الباب.

стр. 617

المذهب الثالث: أن العلم الحاصل بالمتواتر بين النظري وبين الضروري، فهو أقوى من النظري المكتسب، وليس في قوة الضروري. قاله أبو الفضل الخوارزمي. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه، وليس بشيء. المذهب الرابع: التوقف في المسألة. وهو رأي الشريف المرتضى، والآمدي. وسبب توقفهما: ضعف أدلة أصحاب المذهبين، فكل دليل من أدلة الفريقين قد اعترض عليه باعتراض قوي عندهما. جوابه: يجاب عنه: بأن التوقف ليس مذهباً معتبراً. وعلى فرض أنه يعتبر مذهبا: فإنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلة أصحاب المذهب الأولى - وهو المختار - والاعتراضات التي ذكرها الآمدي في " الإحكام " لا تقوى على إبطال تلك الأدلة. بيان نوع هذا الخلاف: إن المذهبين الثالث والرابع لا يعتبران؛ لما سبق، فينحصر الخلاف في المذهبين الأولى والثاني، والخلاف بينهما لفظي لا ثمرة له؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقا على النتيجة، ولكنهما اختلفا في الطريق إليها، فأصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إن العلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا ينازعون في توقفه على النظر في المقدمات

стр. 618

المذكورة، وأصحاب المذهب الثاني وهم القائلون: إن العلم الحاصل بالتواتر نظري لا ينازعون في أن العقل يضطر إلى التصديق إليه، وإذا وافق كل فريق ما يقوله الفريق الآخر في حكم هذا العلم وَصفيه لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ. *** المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها: إن هناك شروطاً قد اشترطت لخبر التواتر حتى يكون مفيداً للعلم، وإليك الشروط المتفق عليها: الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا به، أي: قد علموه ضرورة عن طريق إحدى الحواس الخمس كان يقولون: "رأينا الهند "، أو " سمعنا قيصر يقول "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا" أو نحو ذلك. دليل هذا الشرط: أن ما لا يكون كذلك، فإنه يحتمل أن يدخله عدة احتمالات من غلط، أو سهو، أو غفلة، فلا يحصل به العلم، كذلك لو تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه عن طريق النظر والاستدلال، فإنه لا يحصل العلم لنا بتلك الأخبار؛ - لأن العلم قد حصل لنا بالطريق الذي حصل لهم من النظر والاستدلال. فمثلاً لو أخبرنا العدد الكثير بأن الأنبياء صادقون، فإنه لا يحصل لنا العلم بهذا عن طريق خبرهم، بل إنه حصل لنا العلم بذلك عن طريق النظر والاستدلال، فننظر ونستنبط مثل المخبرين، بخلاف ما لو أخبرونا عن شيء محسوس، فإنه لا يمكننا أن نشاهد الهند، أو نلمس الثلج إذا كنا لا نعرف ذلك وليس ببلادنا. الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد من نقل عن الأولين كحال

стр. 619

وعدد الأوَّلين الذين شاهدوا المخبر عنه، أو سمعوه، وكذلك مثل هؤلاء الطبقة التي تليها، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة يشترط فيها شروط التواتر. دليل هذا الشرط: أن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلابد من توفر شروط التواتر فيه، فإن نقل الخلف عن السلف ذلك الخبر وتوالت الأعصار، ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر: لم يحصل العلم بصدقهم؛ لعدم استواء طرفا الخبر ووشطه في كمال العدد والصفة. الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به اضطراراً. دليله: أن تحصيل الحاصل محال، وتحصيل مثل الحاصل - أيضاً - محال؛ حيث إن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان. الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير المتشددين أو المتساهلين. دليله: أنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له. تنبيه: هذه شروط الخبر المتواتر المتفق عليها، وهناك شروط له مختلف فيها ستعرفها فيما يلي من المسائل. المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر عدد محصور. فحصول العلم بالخبر المتواتر ليس له عدد محصور، بل متى ما حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن: علمنا أن الخبر بلغ

стр. 620

التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بى خبر المخبرين: علمنا أن الخبر لم يبلغ حدَّ التواتر. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق عندي؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، أو بوجود الأنبياء، أو الأئمة الأربعة، فلا سبيل واضح جلي نسلكه ونعرف به العدد - بالتحديد - فهذا عسير جداً؛ وإنما السبيل إلى معرفة كون هذا الخبر متواتراً هو حصول العلم بالخبر، فالعلم يتزايد تزايداً خفي التدريج فهو يشبه تزايد عقل الصبي، فإذا لا نعرف متى بدأ الصبي يعقل ويميز بين الخير والشر؛ لذلك لا يكلف الصبي العاقل حتى يبلغ، ويشبه أيضاً تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال. فكذلك الخبر، فإن الأول يحرك. الخبر، والثاني يؤكده، والثالث كذلك، وهكذا، فإنه لا زال يتزايد تأكيد الخبر حتى يصبح التصديق به ضروريا لا يمكن الشك فيه، ولكن لا يمكننا أن نعرف بالتحديد العدد الذي لما بلغه المخبرون أصبح الخبر متواتراً. والسبب في ذلك هو: قصور القوة البشرية عن إدراك ذلك، فلا يمكن لأي عاقل - مهما كان - أن يدرك متى بالتحديد حصل العلم بخبر مخبرين كثيرين عن شيء معين، بل يحصل لنا العلم بخبر المتواتر، وإن كنا لا نقف على أول عدد أفاده، كما نعلم حصول الشبع عن طريق الأكل وإن كنا لا نقف على آخر لقمة تسببت في هذا الشبع، وكما نعلم حصول الري عن طريق شرب الماء، وإن كنا لا نقف على آخر جرعة تسببت في هذا الري، وهكذا. المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر عدد محصور ومعروف.

стр. 621

ذهب إلى ذلك بعض العلماء. والقائلون بهذا الشرط اختلفوا في تحديد العدد على أقوال: فقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثنين؛ قياساً على الشهادة. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعة؛ قياساً على أعلى الشهادات كالزنى. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر خمسة؛ قياسا على أولي العزم من الرُّسُل وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - عليهم أفضل الصلاة والتسليم -. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرة؛ لأن العشرة مما فوق جمع كثرة. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثني عشر؛ قياساً على نقباء بني إسرائيل، لقوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) . وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرين؛ لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، فأوجب الجهاد على العشرين، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم إذا أخبروا حصل العلم بصدقهم. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعين؛ قياساً على من تنعقد بهم الجمعة. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر سبعين؛ لقوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً) ، وإنما خصَّهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به.

стр. 622

وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ قياساً على عدد أهل بدر. وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ألف وخمسمائة، وهم عدد بيعة الرضوان. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا المذهب ظاهر الفساد؛ لأمرين: أولهما: أن تعارض أقوالهم في تحديد العدد واختلافهم دليل ظاهر على فساده. ثانيهما: أنه لا دليل صحيح على هذا المذهب، وما ذكروه من الأدلة على تلك الأقوال لم تبن على شيء سوى قياسات واعتبارات بعيدة كل البعد عما نحن فيه، فلا تُسلَّم لهم. المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولاً؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولاً، فيقع العلم بالتواتر، سواء كان المخبرون مسلمين، أو كفاراً، أو عدولاً، أو فساقاً، لا فرق بينهم. وهذا مذهب جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأن الخبر المتواتر يفضي إلى العلم بالمخبر عنه، وسبب إفضائه إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يتصور أن يجتمعوا على الكذب في الخبر، أو يتواطؤا عليه، وإذا كان الأمر

стр. 623

كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار - كما لو أخبروا عن موقعة وقعت في السوق - كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار المسلمين، ولا فرق بجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب، فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى شيء يقويه كالإسلام والعدالة. المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولاً، فلا يقبل من الكفار، ولا من الفساق. ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كعبد اللَّه بن عبدان ذكره في كتابه " الشرائط ". أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام والعدالة ضابطان للصدق والتأكد من الأخبار. جوابه: يجاب عنه بأن الكثرة هي المانعة من التواطؤ على الكذب، فلذلك نستفيد العلم بأخبار العدد الكثير، ولا فرق فى ذلك بين المسلمين والكفار. ولذلك لما لم يكن في خبر الواحد كثرة اشترطنا الإسلام والعدالة؛ لأن العدد القليل الذي لم يبلغ حدَّ التواتر لو أخبر عن شيء فإنه لا يفيد العلم؛ لأنه يمبهن تواطؤهم على الكذب. الدليل الثاني لهم قالوا فيه: إن المسلمين اختصوا بدلالة الإجماع على القطع، فوجب أن يختصوا بالمتواتر.

стр. 624

جوابه: يجاب عنه: بأن قياسكم المتواتر على الإجماع قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق. بيانه: أنه اختص علماء المسلمين بالاحتجاج بالإجماع للأدلة الشرعية السمعية، دون الأدلة العقلية، أما الخبر المتواتر فيقع به العلم؛ لما سبق ذكره من أنه لا يمكن فيه الكذب، ولا يصح التواطؤ عليه، وهذا موجود في الكفار كما هو موجود في المسلمين. المذهب الثالث: الفرق بين أن يطول الزمان فيمكن حصول التواطؤ على الكذب فيعتبر الإسلام، وبين ألا يطول الزمان فلا يعتبر الإسلام، إذ لا يمكن حصول التواطؤ على الكذب. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا التفريق لا دليل عليه؛ حيث إن الكثرة هي المانعة من حصول التواطؤ على الكذب، سواء طال الزمان أم لا. المذهب الرابع: الفرق بين ما طريقه الديانات فلا مدخل للكفار فيه، لأنه لا يؤمن جانبهم في ذلك، وبين ما طريقه الأقاليم وما أشبه ذلك، فيدخل فيه الكفار، كما يدخل المسلمون. جوابه: يجاب عنه: بأن العلم قد حصل من المتواتر بسبب الكثرة المانعة من الكذب بالشرط الذي قلناه وهو: استحالة تواطؤهم على الكذب، فإذا وجد هذا الشرط، فإن الخبر يفيد العلم، سواء كانت هذه الكثرة كفاراً أو مسلمين، لا فرق بينهم في ذلك، وسواء كان الخبر عن ديانات أو عن أقاليم أو بلدان أو حوادث لا فرق.

стр. 625

أما إذا لم يوجد ذلك الشرط - وهو: أن يستحيل تواطؤهم على الكذب - فإن الخبر لا يفيد العلم مطلقا، سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، وسواء كانوا قد أخبروا عن ديانات، أو عن غير ذلك. المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبرنا المصلون في جامع واحد من جوامع الرياض - مثلاً - عن وقوع حادثة في المسجد كسقوط الإمام من المنبر، فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم محصورون بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا حصل العلم بخبر هؤلاء مع حصرهم وكون المسجد قد حواهم، فمن باب أَوْلى أن يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء. المذهب الثاني: أنه يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء، واختاره فخر الإسلام البزدوي. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بأنه اشترط ذلك للتأكد من صحة الخبر؛ لأنه كلما كثر العدد كلما كان الخبر أقوى. وأصح.

стр. 626

جوابه: يجاب عنه بأنه إذا حصل العلم بالمخبر عنه: كان الخبر متواتراً مطلقا، سواء كانوا معروفين العدد، أم لا، أو يحويهم بلد أم لا، فنستدل بحصول العلم على كمال العدد. المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم، وأوطانهم، وأديانهم؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك في المخبرين. ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل عليه، فمثلاً لو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين والنسب، والوطن، أخبروا عن واقعة وقعت في ناحيتهم، فإنه يحصل العلم بخبرهم ضرورة. المذهب الثاني: أنه يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم، وأوطانهم، وأديانهم. ذهب إلى ذلك بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه يشترط ذلك لتندفع التهمة بصورة آكد. جوابه: يجاب عنه بأن الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب يكفي عن هذا الشرط.

стр. 627

المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على عدم اشتراط ذلك، فمثلاً لو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار على الإخبار عن حصول فتنة: لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم. المذهب الثاني: أنه يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين. دليل هذا المذهب: أنه اشترط ذلك حتى لا يتفقوا على الكذب، فالمعصوم هو المانع من اتفاقهم على الكذب. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا لو كان شرطا صحيحا، فإن العلم قد حصل بخبر الإمام المعصوم بالنسبة لمن سمعه، لا بخبر التواتر. *** المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص والقرائن؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: الفرق بين ما احتفت به قرائن، وبين الخبر المجرد، بيانه: إن كان العلم الحاصل بالتواتر قد اقترنت به قرائن تدل على

стр. 628

صدقه: فيجوز أن تختلف الوقائع فيه والأشخاص؛ لاختلاف الهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه، ولاختلاف أحوال المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، ولاختلاف إدراك المستمعين؛ لتفاوت الأذهان والقرائح، ولاختلاف الوقائع على عظمها وحقارتها. وإن كان العلم الحاصل بالتواتر لم تقترن به قرائن، بل حصل من نفس خبر ذلك العدد المجرد: فإنه لا يتصور أن يختلف في الوقائع والأشخاص. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن مجرد الإخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم توجد قرائن، وكذلك مجرد القرائن قد تورث العلم، وإن لم يوجد إخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الإخبار، فتقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين. ومثال الخبر بدون قرائن: أنه لو أن عشرة أشخاص قد أخبروا زيداً ومحمداً بأن بكراً قد نجح، فإنه يحصل العلم بهذا العدد عند الاثنين معا على السواء؛ لعدم وجود قرينة عند أحدهما دون الآخر. ومثال الخبر المقترن بقرينة: لو أخبر واحد محمدأ وزيداً بأن بكرأ قد مات، وكان محمد يعلم - قبل الإخبار - بأن بكراً مريض دون زيد، فإنا نعلم بأن محمداً قد حصل له العلم الموجب للتصديق، وسبب ذلك: هذه القرينة، وهي: علمه بمرض بكر، ولم يحصل ذلك لزيد. وأيضا: فإنا نرى الصبي - الذي لم يتجاوز السنتين - يرضع من ثدي المرأة الشابة، فيحصل لنا العلم بأن اللبن قد وصل إلى معدة

стр. 629

هذا الصبي وإن لم نشاهد اللبن في الثدي، ولم نشاهده عند خروجه، ولم نشاهده في المعدة؛ لأنه مستور، لكن قطعنا بوصول اللبن إلى معدة ذلك الصبي بسبب قرائن هي كما يلي: " حركة حلق الصبي أثناء امتصاصه للبن "، و " أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها من لبن "، و" أن هذا الثدي فيه ثقب يخرج منه اللبن "، و " أن الصبي فيه القوة على الامتصاص "، و " أن الصبي قد سكت عن البكاء بعد ذلك الامتصاص مع أنه لم يتناول طعاما آخر ". هذه قرائن قد حصل لنا العلم القطعي عن طريقها مجتمعة على أن ذلك اللبن قد وصل إلى معدة ذلك الصبي، وإن لم نشاهده، لكن لو انفردت قرينة واحدة كحركة حلق الصبي، فإنا لا نحكم بوصول اللبن إلى معدته؛ لأنه قد يوجد سبب آخر لهذه الحركة غير الامتصاص. المذهب الثاني: أن الخبر المفيد للعلم في واقعة يفيده في كل واقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد أن يحصل لكل شخص يشاركه في السماع، ولا يتصور أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص بسبب وجود قرائن ودلائل، فلا يلتفت إلى تلك القرائن، ولا يجعل لها أثراً في تصديق الخبر. ذهب إلى ذلك أبو بكر الباقلاني، وأبو الحسين البصري. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن حكم المتماثلين واحد، فلو أن مائة شخص أخبروا محمداً بأن زيداً قد قتل وحصل العلم بخبرهم وجب أن يفيد عليا خبر مائة شخص بأن صالحا قد قتل؟ وذلك لاستواء الوقائع والأشخاص في ذلك.

стр. 630

جوابه: يجاب عنه: بأن هذا صحيح إذا كان الخبر مجرداً عن القرائن، فإنا نوافقكم بأن ما حضَل العلم في واقعة فإنه يفيده في كل واقعة، وما حصَّله لشخص فإنه يحصتَله لكل شخصٍ يشاركه في السماع، ولا يمكن أن يختلف، وبينا ذلك. لكن إذا كان الخبر قد احتف به قرائن وعلم بها بعض السامعين للخبر دون بعض، فإنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك كما بينا فيما سبق. المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله: لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز على أهل التواتر، والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته قبيح، وهو في القبح بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة؛ لاستحالة تواطؤ أهل التواتر على الكذب. فلما لم يجز على أهل التواتر الكذب: كذلك لم يجز أن يجتمعوا على كتمان نقل ما يحتاج الناس إلى نقله ومعرفته، ولا يجوز أن يتواطؤ عليه. يؤيد ذلك: أنه لو حدث في الجامع وقت الصلاة حادثة عظيمة تظهر لجميع من حضر لم يجز أن يترك نقلها جميع من حضر، كما لا يجوز أن يخبر عنها جميعهم بالكذب.

стр. 631

المذهب الثاني: أنه يجوز كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله ومعرفته. ذهب إلى ذلك الإمامية - من الشيعة - وعلى هذا المذهب بنوا كلامهم في ترك الصحابة، نقل النص على خلافة عليّ - رضي الله عنه - وإمامته بعد النبي ﷺ ، ويقولون: إن الصحابة قد تواطئوا على ترك نقل ذلك النص وهم من أهل التواتر. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء تقية، أو خوف فتنة، فلذا جاز لهؤلاء كتمان ما يحتاج إلى نقله. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا كله لا يجوز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكذبوا ولا فرق؛ لأنهما سواء في القبح. الدليل الثاني: الواقع دلَّ على ذلك، وهو من وجهين: أولهما: أن النصارى لم تنقل كلام عيسى ﵇ وهو في المهد، في حين أنهم نقلوا إحياءه للموتى وإبراءه الأكمه والأبرص. ثانيهما: أن الصحابة ﵃ قد تركت نقل القِران والإفراد في الحج حتى اختلفوا بعد ذلك، فنقلوا. جوابه: يجاب عنه بأن يقال: أما الوجه الأول فيجاب عنه: بأن كلام المسيح في المهد لم ينقل؟ لأنه كان ووقع منه قبل ظهوره، وقبل نبوته، وقبل أن يتبعوه،

стр. 632

والذي ينقل كلامه ويعتبر ويعتد به في الأحكام الشرعية هو الذي ثبتت نبوته. فإن اعترض معترض على ذلك - كالطوفي وغيره - قائلاً: إن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة. فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن كلام الشخص قبل نبوته قد ينقله بعض الخبرين، لكن لا يُهتم بنقله كالاهتمام بنقل كلامه بعد النبوة؛ لأن كلامه بعد النبوة يعتبر من التشريع، أما كلامه قبل ذلك فلا يعتبر من التشريع. أما الوجه الثاني فيجاب عنه: بأن الصحابة ﵃ لم يتركوا نقل القِران والإفراد في الحج، بل نقلوه وذكروه، لكن اختلفوا في النقل، نظراً لاختلافهم في السماع، فبعضهم سمعه يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم سمعه يلبي بالحج فقط، - فنقل كل واحد ما سمع.

стр. 633

المطلب الخامس في خبر الواحد ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟ المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان ضمن خبر الواحد؟ المسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلاً. المسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به سمعا. المسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟ المسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟ المسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت عدالته. أولاً: حقيقة الصحابي. ثانيا: طرق معرفته. ثالثاً: ثبوت عدالته. المسألة الثامنة: شروط الراوي غير الصحابي. المسألة التاسعة: شروط ظن بعضهم أنها تشترط في الراوي، وهي ليست كذلك.

стр. 634

المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المأوِّل. المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المأولّ. المسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأداه بعد البلوغ فهل يقبل؟ ْالمسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة. المسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه: أولاً: بيان حقيقة التعديل والتجريح. ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي. ثالثا: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلاً له؟ رابعا: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟ خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟ سادساً: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟ سابعا: حكم تعديل العبد للراوي. ثامنا: حكم تعديل المرأة للراوي. تاسعا: الجارح والمعدل هل يقبل قولهما بدون ذكر سبب التعله يل والجرح؟ عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدل. حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه.

стр. 635

ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم؟ ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين. المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية الحدود بالقذف. المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر: القسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر. أولاً: الحكم إذا قال الصحابي: " سمعت النبي يقول، أو حدَّثني، أو أخبرني، أو شافهني ". ثانيا: إذا قال الصحابي: " قال رسول الله، أو أخبر، أو حدث " فما الحكم؟ ثالثا: إذا قال الصحابي: " أمر رسول الله، أو نهى، أو حرم، أو أباح، أو فرض "، فما الحكم؟ رابعا: قول الصحابى: " أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا " ما حكمه؟ خامسا: قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا " أو " السُّنَّة جارية بكذا " ما حكمه؟ سادسا: قول - الصحابي: " عن ﷺ " ما حكمه؟ سابعا: قول الصحابي: " كلنا نفعل، أو كانوا يفعلون " ما حكمه؟
следующие страницы →