← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المذهب الثاني: أنه يجوز كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله ومعرفته. ذهب إلى ذلك الإمامية - من الشيعة - وعلى هذا المذهب بنوا كلامهم في ترك الصحابة، نقل النص على خلافة عليّ - رضي الله عنه - وإمامته بعد النبي ﷺ ، ويقولون: إن الصحابة قد تواطئوا على ترك نقل ذلك النص وهم من أهل التواتر. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء تقية، أو خوف فتنة، فلذا جاز لهؤلاء كتمان ما يحتاج إلى نقله. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا كله لا يجوز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكذبوا ولا فرق؛ لأنهما سواء في القبح. الدليل الثاني: الواقع دلَّ على ذلك، وهو من وجهين: أولهما: أن النصارى لم تنقل كلام عيسى ﵇ وهو في المهد، في حين أنهم نقلوا إحياءه للموتى وإبراءه الأكمه والأبرص. ثانيهما: أن الصحابة ﵃ قد تركت نقل القِران والإفراد في الحج حتى اختلفوا بعد ذلك، فنقلوا. جوابه: يجاب عنه بأن يقال: أما الوجه الأول فيجاب عنه: بأن كلام المسيح في المهد لم ينقل؟ لأنه كان ووقع منه قبل ظهوره، وقبل نبوته، وقبل أن يتبعوه،

стр. 632

والذي ينقل كلامه ويعتبر ويعتد به في الأحكام الشرعية هو الذي ثبتت نبوته. فإن اعترض معترض على ذلك - كالطوفي وغيره - قائلاً: إن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة. فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن كلام الشخص قبل نبوته قد ينقله بعض الخبرين، لكن لا يُهتم بنقله كالاهتمام بنقل كلامه بعد النبوة؛ لأن كلامه بعد النبوة يعتبر من التشريع، أما كلامه قبل ذلك فلا يعتبر من التشريع. أما الوجه الثاني فيجاب عنه: بأن الصحابة ﵃ لم يتركوا نقل القِران والإفراد في الحج، بل نقلوه وذكروه، لكن اختلفوا في النقل، نظراً لاختلافهم في السماع، فبعضهم سمعه يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم سمعه يلبي بالحج فقط، - فنقل كل واحد ما سمع.

стр. 633

المطلب الخامس في خبر الواحد ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟ المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان ضمن خبر الواحد؟ المسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلاً. المسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به سمعا. المسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟ المسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟ المسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت عدالته. أولاً: حقيقة الصحابي. ثانيا: طرق معرفته. ثالثاً: ثبوت عدالته. المسألة الثامنة: شروط الراوي غير الصحابي. المسألة التاسعة: شروط ظن بعضهم أنها تشترط في الراوي، وهي ليست كذلك.

стр. 634

المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المأوِّل. المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المأولّ. المسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأداه بعد البلوغ فهل يقبل؟ ْالمسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة. المسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه: أولاً: بيان حقيقة التعديل والتجريح. ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي. ثالثا: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلاً له؟ رابعا: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟ خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟ سادساً: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟ سابعا: حكم تعديل العبد للراوي. ثامنا: حكم تعديل المرأة للراوي. تاسعا: الجارح والمعدل هل يقبل قولهما بدون ذكر سبب التعله يل والجرح؟ عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدل. حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه.

стр. 635

ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم؟ ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين. المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية الحدود بالقذف. المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر: القسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر. أولاً: الحكم إذا قال الصحابي: " سمعت النبي يقول، أو حدَّثني، أو أخبرني، أو شافهني ". ثانيا: إذا قال الصحابي: " قال رسول الله، أو أخبر، أو حدث " فما الحكم؟ ثالثا: إذا قال الصحابي: " أمر رسول الله، أو نهى، أو حرم، أو أباح، أو فرض "، فما الحكم؟ رابعا: قول الصحابى: " أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا " ما حكمه؟ خامسا: قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا " أو " السُّنَّة جارية بكذا " ما حكمه؟ سادسا: قول - الصحابي: " عن ﷺ " ما حكمه؟ سابعا: قول الصحابي: " كلنا نفعل، أو كانوا يفعلون " ما حكمه؟

стр. 636

ثامناً: قول الصحابي: " كانوا يفعلون " هل يفيد حكاية الإجماع؟ القسم الثاني: كيفية ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر: أولاً: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع. ثانياً: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي إذا أراد أن يحدث بما سمعه من شيخه فيما سبق. ثالثا: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي أم العكس أم ماذا؟ رابعا: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الشيخ: نعم، هل تجوز الرواية عنه؟ خامساً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي للشيغ: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ فهل تجوز الرواية عنه؟ سادساً: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما يريد أن يحدث بما قرأه على شيخه. سابعا: إذا قرأ الراوي على الشيخ فهل يجوز أن يقول: " أخبرنا "، و " حدثنا " مطلقا بدون عبارة. " قراءة عليه "؟ ثامنا: إذا قال الشيخ: " حدَّثنا " فهل يجوز للراوي أن يبدل ذلك بلفظ " أخبرنا " أو بالعكس؟

стр. 637

تاسعا: إذا قال الشيخ: "حدَّثنا " أو " أخبرنا " فهل يجوز أن يبدل الراوي ذلك إلى لفط "سمعت "؟ عاشراً: حقيقة الإجازة أو صورة المناولة، وصيغة الراوي فيهما. حادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة. ثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة. ثالث عشر: أنواع الإجازة. رابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: " حدثني فلان " أو " أخبرني فلان " وأطلق ولم يقيد ذلك بلفظ: " إجازة "، فهل هذا يجوز؟ خامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر، والفاسق؟ سادس عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب وهو مسموعي "، ولم يقل: "إروه عني"، فهل تجوز الرواية بذلك؟ سابع عشر: حقيقة الوجادة، وهل تجوز الرواية بها؛ وما هي صيغتها؟ ثامن عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " فهل يقبل قوله، وهل يروى عنه؟ تاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب

стр. 638

ووجده ولم يذكر سماعه، ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كلما يراه من خطه الذي توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟ عشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟ واحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث، والتبس عليه مع غيره فما الحكم؟ تاني وعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من شيخه؟ ثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً صريحاً؟ رابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً غير صريح وهو التوقف؟ المسألة السابعة عشر: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟ المسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه. المسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد. المسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس. المسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى. المسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات. المسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى. المسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث.

стр. 639

المسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي. المسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي. المسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند. المسألة الثامنة والعشرون: أفعال الرسول ﷺ وأحكامها. أولاً: أفعاله الجبلِّية. ثانياً: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات. ثالثاً: أفعاله التي لم يتبين أمرها ولا يعلم هل هي قربة أو عادة. رابعاً: أفعاله لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق. خامساً: الفعل الخاص به ﷺ . سادسا: إذا فعل فعلاً لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟ المسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي ﷺ : أولاً: بيان تعريفه. ثانيا: حجيته. ثالثاً: أنواع الإقرار. المسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة: أولاً: أقسام السُّنَّة من حيث حقيقتها: ١ - قولية ٢ - فعلية ٣ - تقريرية.

стр. 640

ثانيا: أقسام السُنَّة من حيث السند: ١ - متواتر ٢ - آحاد. ثالثاً: أقسام السُنَّة من حيث الصحة وعدمها: ١ - الحديث الصحيح، تعريفه، أنواعه، حجيته. ٢ - الحديث الحسن، تعريفه، أنواعه، حجيته. ٣ - الحديث الضعيف، تعريفه، حجيته.

стр. 641

المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن خبر الواحد لا يفيد العلم، بل يفيد الظن. ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لكان العلم حاصلاً بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، فلما أخبروا عن نبوتهم وأظهروا المعجزات الدالة على ذلك: ثبت أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم. الدليل الثاني: أنه لو كان خبر الواحد مفيداً للعلم لوجب على القاضي أن يصدق المدعي على غيره من غير بينة؛ لأن العلم يحصل بقوله، فلما ثبت أنه لا يصدق إلا ببينة ثبت أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم. الدليل الثالث: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لما احتيج إلى عدد من الشهود - اثنين فأكثر -، بل كان الشاهد الواحد يكفي، ولما كان الأمر بخلاف ذلك وأنه احتيج إلى عدد من الشهود دلَّ على أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم. الدليل الرابع: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لجاز لخبر الواحد أن ينسخ القرآن والسُنَّة المتواترة؛ لأنه يكون حينئذٍ - في قوتهما فيقوى على نسخهما، ولكن لما لم يجز نسخ خبر الواحد

стр. 642

للقرآن والممئُنَّة المتواترة - كما سبق بيانه - دلَّ على أن مرتبته أضعف من مرتبتهما، فدلَّ على أنه لا يفيد العلم مثلهما، بل يفيد الظن. المذهب الثاني: أن خبر الواحد يفيد العلم. ذهب إلى ذلك كثير من أهل الظاهر كداود الظاهري، والحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وابن حزم، واختاره بن خويز منداد من المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد. دليل أصحاب هذا المذهب: لقد استدل لهذا المذهب بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، وقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، ثم أمرثا بالعمل بخبر الواحد، وهذا الأمر يدل على أن خبر الواحد يفيد العلم. جوابه: يجاب عنه: بأن وجوب العمل بخبر الواحد لا يدل على أنه يفيد العلم؛ إذ لو كان لا يفيد العلم لم نعمل به هذا غير مراد، وإنما العمل بخبر الواحد لا يقف على كونه مفيداً للعلم، وإنما وجب العمل بغلبة الظن كما وجب العمل بالقياس، وكما وجب العمل بقول الشاهدين، وكما وجب العمل بقول المفتي. المذهب الثالث: أن خبر الواحد مفيد للعلم إذا كان في رؤية الله تعالى وما ماثلها ممن توفرت فيه أمور ثلاثة: كثرة رواته، وتلقي الأُمَّة له بالقبول، ودلالة القرائن على صدق راويه. وهذا رواية عن الإمام أحمد.

стр. 643

المذهب الرابع: أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تؤيده، وتدل على صدقه، وهي كما يلي: ١ - أن يروي خبر الواحد راوي متصف بالعدالة، والثقة، والإتقان. ٢ - أن ينقل الخبر من طرق متساوية بحيث لا تختلف. ٣ - أن تتلقاه الأُمَّة بالقبول. ٤ - أن لا ينكره أحد ممن يعتد بقوله. فإذا توفرت هذه الأمور في خبر الواحد فإنه - حينئد - يفيد العلم. الجواب عن هذين المذهبين: يجاب عنهما بأن هذين المذهبين - الثالث والرابع - لا يدخلان في محل النزاع؛ لأن النزاع في خبر الواحد المجرَّد عن القرائن التي تدل على صدقه، أما خبر الواحد الذي احتفت به قرائن دلت على صدقه، فإنه يفيد العلم بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أنه يجب العمل بخبر الواحد، سواء أفاد العلم أو الظن، وهذا هو الذي يهم الأصولي؛ حيث إنه يبحث في الأحكام الناجزة وهي أحكام الدنيا، والله أعلم.

стр. 644

المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان ضمن خبر الواحد؟ المستفيض هو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، فلا بد أن يكون الرواة أربعة فصاعداً، وهو مذهب جمهور الأصوليين. وقيل: إن المستفيض هو الشائع بين الناس، وقد صدر عن أصل. ولا فرق بين المستفيض والمشهور. وقيل: بل بينهما فرق وهو: أن المستفيض: ما سبق بيانه، والمشهور هو: ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث. والمستفيض والمشهور داخلان ضمن الآحاد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلاً وهو: ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء. والقسم الثاني: ما يفيد الظن وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع سواء أخبر نقله واحد فقط، أو نقله الثلاثة والأربعة، وهذا مذهب جمهور الأصوليين وهو الحق. وقيل: إن المستفيض والمشهور في مرتبة متوسطة بين المتواتر والآحاد. نقل هذا عن الأستاذين: أبي إسحاق الإسفراييني، وأبي منصور، لذلك قال بعض العلماء: إن ضابطه: أن ينقله عدد كثير يربو على الآحاد، وينحط عن عدد المتواتر. وقيل: إن المستفيض بمعنى المتواتر. وقيل: إن المستفيض في رتبة أعلى من المتواتر. والصحيح ما قلناه وهو: أن المستفيض والمشهور بمعنى واحد.

стр. 645

وأنهما داخلان ضمن الآحاد، ولا يخرجان عنه؛ لأنه لا يفيد إلا الظن. المسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلاً: لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز التعبُّد بخبر الواحد وقبوله عقلاً. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، أي: أن العقل أجاز قبول خبر الواحد والعمل به. وهو الحق؛ لأن جواز التعبد بخبر الواحد لا يفضي إلى اجتماع الضدين، ولا يفضي إلى أن يكون الواحد أكثر من الاثنين، ولا يناقض مصلحة عقلية، فجاز القضاء بتجويزه. المذهب الثاني: أنه يجب التعبُّد بخبر الواحد عقلاً، أي: أن العقل أوجب علينا قبول خبر الواحد والعمل به. ذهب إلى ذلك بعض المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الحوادث والوقائع الجديدة كثيرة، فلو لم نتعبد بخبر الواحد ونعمل به: للزم من ذلك تعطيل وخلو تلك الحوادث والوقائع عن الأحكام الشرعية، لأمرين: أولهما: ندرة الأدلة القواطع، وثانيهما: قلة مدارك اليقين كالأوليات، وهي العقليات المحضة كعلم الإنسان باستحالة اجتماع الضدين، والمشاهدات كعلم الإنسان بجوع نفسه، والمحسوسات الظاهرة وهي الحواس الخمس، والمتواترات.

стр. 646

ولكن بتعبدنا بخبر الواحد وعملنا به يلزم منه إيجاد أحكام شرعية لكثير من الحوادث المتجددة. جوابه: يجاب عنه بأن هذا لا يسلَّم، أي: لا يلزم من عدم التعبد بخبر الواحد والعمل به تعطيل الحوادث بلا أحكام؛ وذلك لأن المجتهد إذا لم يجد حكماً للحوادث المتجددة من القواطع، فإنه لا يتركها بلا حكم، بل يستصحب حال البراءة الأصلية فيها حتى يأتي دليل قاطع يغير الحالة. الدليل الثاني قالوا فيه: إن النبي ﷺ قد بعث إلى جميع الناس، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر، فلم يبق إلا الآحاد لإبلاغهم بالرسالة، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب التعبد به عقلاً؛ إذ لا طريق غيره. جوابه: يجاب عنه: بأن النبي ﷺ غير مكلَّف بإبلاغ الجميع عن طريق الإيجاب، بل إنه أرسل إلى الناس كافة وكلف بأن يبلغ من يقدر عليه، ويستطيع تبليغه، فليقتصر على ذلك، فليس تبليغ الجميع واجباً. الدليل الثالث: أن الواحد إذا أخبرنا بأن اللَّه أمر بكذا، أو رسوله أمر بكذا، فإنا نحتمل صدقه، وإذا احتملنا صدقه، فإنه يجب العمل به احتياطاً لأنفسنا، إذ لو لم نعمل بذلك للزم مخالفة أمر ظننا وجوده.

стр. 647

جوابه: يجاب عنه بأنا لا نسلِّم ذلك؛ لوجوه: الوجه الأول: أن خبره يحتمل الكذب - أيضاً - فربما يكون عملنا بخلاف الواجب. الوجه الثاني: إذا كان مستند العمل هو احتمال صدقه - فقط - فإنه يلزم من ذلك وجوب العمل بخبر الكافر والفاسق؛ لأن صدقه محتمل. الوجه الثالث: أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي، فلا ترفع بمجرد ظن لا دليل عليه. المذهب الثالث: لا يجوز التعبد بخبر الواحد عقلاً. ذهب إلى ذلك الجبَّائي، وابن علية، وأبو بكر بن الأصم، وطائفة من المتكلمين. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد يحتمل أن يكون صدقاً، ويحتمل أن يكون كذباً، والاحتمالان متساويان، وهذا هو الشك - الذي هو تساوي الطرفين - فإذا عملنا بخبر الواحد المحتمل لهذين الاحتمالين على التساوي نكون قد عملنا بالشك، والشك يؤدي إلى الجهل؛ حيث إننا إذا شككنا في شيء نكون قد جهلنا المراد به، فنكون قد أقدمنا على العمل بالجهل، ويقبح أن نحيل الخلق أن يعملوا بالمجهولات، فيكون العمل بالجهل قبيح، والعقل لا يجيز القبيح.

стр. 648

جوابه: يجاب عنه بوجهين: الوجه الأول: أن هذا الدليل مبني على قاعدة وهي: " التحسين والتقبيح العقليين "، وهي صحيحة عند المعتزلة؛ حيث زعموا أن إحالة الأحكام على ما يجوز كذبه قبيح، وأن اللَّه لا بد أن يفعل كذا؛ لأنه حسن، وهذه القاعدة باطلة عندنا. الوجه الثاني: لا نسلِّم أن العمل بخبر الواحد هو عمل بالشك المؤدي إلى الجهل، بل إن العمل بخبر الواحد عمل بالظن؛ حيث إن خبر الواحد يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، ولكن احتماله للصدق أرجح، والظن غير الشك؛ لأن الظن هو ترجيح أحد الطرفين، والشك هو تساويهما، وأيضاً: الظن يجب العمل به، أما الشك فلا يعمل به. ثم إننا لا نعمل بظن كل أحد، بل إننا لا نعمل إلا بظن المجتهد الذي بلغ درجة الاجتهاد، أما من لم يبلغ ذلك فلا يعمل بظنه مهما كان. اعتراض على ذلك: اعترض معترض قائلاً: إن الظن - أيضاً - لا يعمل به؛ لوجود احتمال كذبه. جوابه: فإنا نجيب عن ذلك: بأن هناك أموراً كثيرة قد أفادت الظن، ومع ذلك قد تعبدنا اللَّه بأحكامها وعمل بها منها: أنه يجب العمل بالشهادة مع أنها تفيد الظن ط ومنها: أنه يجب العمل بالفتوى مع أن المفتي واحد، ولم يفد إلا الظن، ومنها: أنه إذا اشتبهت عليه القِبْلة في سفر وحضرت الصلاة: فإنه يجتهد في اتجاه القِبْلة ويصلي،

стр. 649

وهذا كله ظني، فإذا كان الأمر كذلك في هذه الصور، فما المانع من التعبد بخبر الواحد وإن كان لا يفيد إلا الظن. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ إذ لا يترتب عليه عمل. *** المسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به: لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: إجماع الصحابي السكوتي، بيان ذلك: أنه ثبت في وقائع وحوادث - لا يمكن حصرها - قد اشتهرت ونقلت عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - أنهم عملوا بخبر الواحد بدون نكير، مما يدل على إجماعهم على ذلك. وكل واقعة لم تتواتر، ولكن بمجموع تلك الوقائع والحوادث قد حصل لنا العلم بأنهم اتفقوا على العمل به، وإليك بعضا منها: ١ - أن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة قد شهدا عند أبي بكر ﵃ أن الرسول ﷺ قد أعطى الجدة السدس فقبل منهما وعمل به، مع أن ذلك لم يبلغ حد التواتر. ٢ - أن حمل بن مالك قال: " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول اللَّه ﷺ في

стр. 650

جنينها بغرة عبد أو أَمَة، وأن تقتل "، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وكان يسأل عن إملاص المرأة - قبل منه وقال: " اللَّه أكبر لو لم أسمع بهذا لقضينا بغيره "، فقبل منه هذا الخبر وعمل به مع أنه خبر واحد. ٣ - أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، فقال له الضحاك بن سفيان الكلابي: كتب إليّ النبي ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم فقبل منه ذلك وعمل به مع أنه خبر واحد. ٤ - أن عمر كان لا يأخذ الجزية من المجوس حتى حدَّثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّ ﷺ قال: " سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب "، فقبل عمر ذلك وعمل به وبدأ يأخذ من المجوس الجزية مع أنه خبر واحد. ٥ - أنه لما اختلف بعض المهاجرين والأنصار ﵃ في الذي يوجب الغسل سألوا عائشة ﵂ فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "، فقبل الصحابة وعملوا به مع أنه خبر واحد. ٦ - أنه لما كان أهل قباء يصلون إذ جاءهم آت فقال: " إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة ". فقبل هؤلاء خبر الواحد وعملوا به من غير نكير. ٧ - أن ابن عباس ﵄ كان يذهب إلى أن الربا المحرم هو ربا النسيئة فقط، ثم حكي عنه أنه رجع، وذهب إلى تحريم؛ كلٍّ من ربا النسيئة وربا الفضل، ولا يفرق بينهما أخذاً بخبر

стр. 651

أبي سعيد الخدري في الصرف وهو: أن رسول اللَّه ﷺ قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض " أي: لا تفضلوا، فأخذ بخبر الواحد وعمل به. ٨ - قال ابن عمر ﵄: " كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة "، فهنا قد أخذ بخبر الواحد وعمل به. وغير ذلك من الأخبار مما لا يحصى، حيث رجعوا إلى عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وميمونة، وزيد، وأسامة، وأبي الدرداء، وغيرهم من الرجال والنساء، والعبيد والموالي، مما يدل دلالة واضحة على أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به. وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها، إلا أنها بمجموعها أفادتنا علماً يقينياً لا يقبل الشك: أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون نكير من أحد، إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، مما يدل على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد. الاعتراض على هذا الدليل: أنه يحتمل أن الصحابة ﵃ لم يعملوا بتلك الأخبار الآحادية بمجردها، وإنما عملوا بها بسبب قرائن اقترنت بها، ونظراً إلى هذا الاحتمال الذي تطرق إلى هذا الدليل، فإنه يبطل به الاستدلال. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن الصحابة ﵃ قد عملوا بمجرد خبر الواحد دون قرائن، دلَّ على ذلك أمران:

стр. 652

أولهما: أن بعض الصحابة قد صرح بأنه لم يعمل إلا بمجرد الخبر فقط من ذلك: (أ) أن عمر ﵁ قال في خبر حمل بن مالك في إسقاط الجنين: " لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره ". (ب) أنه لما اختلف الصحابة في الغسل من الجنابة رجعوا إلى قول عائشة بمفرده وهو: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ". (ب) قول ابن عمر ﵄: " كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ قد نهى عنها ". هذه النقول تدل على أنهم قد عملوا بمجرد خبر الواحد دون قرائن. ثانيهما: أنه لو كان هناك قرائن اقترنت بالخبر بسببها عملوا بذلك الخبر: لنقلت إلينا كما نقل الخبر، وبلغتنا كما بلغنا الخبر، فلما أنه بلغنا الخبر، ولم يبلغنا شيء من القرائن دلَّ على أن الصحابة قد عملوا بالخبر فقط، فأصبح كلامكم مجرد احتمال لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يلتفت إليه. الجواب الثاني: أن قولكم: " إن الصحابة لم يعملوا بخبر الواحد بمجرده، بل عملوا به بسبب قرينة أوجبت العمل به "، يلزم منه أن الصحابة لم يعملوا بأي آية من الكتاب، أو أي حديث متواتر إلا بسبب قرينة أوجبت العمل بهما، وأنه لو لم توجد هذه القرينة لم يعملوا بالكتاب، ولا بالسُّنَّة المتواترة، وهذا باطل قطعاً، لأمرين: أولهما: أن الصحابة قد ثبت عنهم أنهم عملوا بظواهر الآيات والأحاديث المتواترة بدون قرائن.

стр. 653

ثانيهما: أن تقدير قرينة في الآية والمتواتر يؤدي إلى إبطال أدلة الشريعة عن العمل، وبالتالي يؤدي إلى تعطيل الشريعة كلها؟ حيث يلزم منه: أنه لا يعمل بأي دليل إلا بقرينة، إذن لا حاجة إلى الأدلة؛ لأن العمل كان بسبب القرينة. الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد شرط في التبين والتثبت: كون المخبر فاسقاً، فبان من هذا أن خبر العدل يقبل بدون تثبت؛ لأنه لو كانت حالة الفاسق والعدل سواء لم يكن لذكر الفسق معنى. اعتراض على هذا الدليل: أن هذه الآية نزلت في حالة خاصة، فلا تصلح للاستدلال بها على إثبات قاعدة عامة وهي: " حجية خبر الواحد "، حيث إنها نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حينما بعثه النبي ﷺ جابياً للزكاة، فعاد وأخبر أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله، فهم النبي ﷺ أن يغزوهم، فنزلت تلك الآية لتخبره أنه غير عدل. جوابه: يجاب عنه: بأن هذه الآية تصلح للاستدلال بها من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ قد قبل خبره لذلك هم بغزوهم لولا أن الوحي قد نبهه، فدل على أن خبر الواحد مقبول ويعمل به. الوجه الثاني: أن الآية وإن كانت قد نزلت بسبب خاص فإنها تصلح للاستدلال بها على إثبات ما نحن فيه؛ لأن اللفظ أعم من سببه فلا يقتصر عليه؛ حيث إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما سيأتي تفصيله في باب العموم.

стр. 654

الدليل الثالث: أن النبي ﷺ كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام الشرعية: مثل ما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وعلياً ومعاذا إلى اليمن، وابن حزم إلى نجران، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب الأموال ما يجب عليهم من الزكاة، فكان السامعين يقبلون ذلك بلا تردد، فثبت أن خبرهم - وإن كانوا آحاداً - مقبول؛ إذ لو كان قول الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي ﷺ ، ولما قبل السامعون لهم الأحكام التي جاءوا بها من النبي ﷺ إلا بعد التأكد والتثبت. الدليل الرابع: قياس الرواية على الفتوى، بيان ذلك: أن المفتي إذا أفتى شخصاً بحكم شرعي، فإنه يجب على المستفتي أن يصدق ذلك المفتي ويعمل بفتواه، مع أن ذلك المفتي ربما يخبر عن ظنه، فإذا كان الأمر كذلك في الفتوى فإنه إذا أخبر هذا المفتي بخبر سمعه، فكذلك يجب قبول خبزه وتصديقه، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما يجوز عليه الغلط، أي: يجوز الغلط على المفتي كما يجوز على الراوي، بل الغلط على المفتي أقرب منه على الراوي " لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم، وعرف كيفية الاستدلال به، وذلك دقيق، أما الرواية فلا تحتاج إلا إلى السماع، فثبت أنه إذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد، فمن باب أوْلى أن تكون الرواية مقبولة. ما اعترض به على هذا الدليل: الاعتراض الأول: أن هذا الدليل مبني على القياس، والقياس لا يفيد إلا الظن، والظن لا يثبت به أصل حجية خبر الواحد والعمل

стр. 655

جوابه: يجاب عنه بأن: قياس الرواية على الفتوى قياس يفيد القطع؛ لأن الفرع - وهي الرواية - أَوْلى بالحكم من الأصل - وهي الفتوى - أي: أنه إذا كانت الفتوى مقبولة وهي من واحد، فمن باب أوْلى أن يقبل الخبر إذا رواه واحد؛ لأن الغلط في الفتوى أقرب من الغلط في الرواية كما قلنا سابقاً. وإذا لم يسلم أنه قياس أولى، فإنه قياس مساوي، أي: أن الفرع مساوي للأصل ولا فرق بينهما؛ حيث إنه لا فرق بين المفتي الذي يخبر عن ظن نفسه، والراوي الذي يروي عن قول غيره. فإذا كان القياس أولى، أو مساوياً، فإنه يكون قطعيا، وإذا كان قطعياً فإنه تثبت به قاعدة أصولية كحجية خبر الواحد. الاعتراض الثاني: أن قياسكم الرواية على الفتوى قياس فاسد؟ لأنه قياس مع الفارق؛ ووجه الفرق بين الرواية والفتوى هو: أن العمل بالفتوى ضروري؛ لأن تكليف العامي الاجتهاد في كل حادثة لا يمكن، فاضطر إلى تقليد المفتي، أما العمل بخبر الواحد فغير ضروري؛ لأنا إن وجدنا في المسألة دليلاً قاطعاً عملنا به، وإن لم نجد عملنا بالبراءة الأصلية. جوابه: يجاب عنه: بأن قياسنا الرواية على الفتوى قياس صحيح؛ لأن العمل بالفتوى غير ضروري مثل العمل بخبر الواحد ولا فرق؟ فالعامي - أيضاً - يرجع إلى البراءة الأصلية، ويستصحب حال الحكم السابق الذي يعرفه إذا لم يجد مفتياً، أو وجد ولكن لم يثق به.

стр. 656

الدليل الخامس: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك: إذا وجب العمل بشهادة الشاهدين العدلين، فيجب العمل بخبر العدلين عن الرسول ﷺ ، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن. المذهب الثاني: أنه لا يجوز التعثد بخبر الواحد سمعا، أي: لا يجوز العمل بخبر الواحد. نسب ذلك إلى محمد بن داود الظاهري، ومحمد بن إسحاق القاساني الظاهري، وبعض الرافضة. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) . وجه الدلالة: أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وقد نهانا الله تعالى عن اتباع الظن؛ لأنه لا يغني عن الحق شيئاً. جوابه: يجاب عنه: بأن اللَّه قد ذم من اتبع مجرد ظنه من غير دليل، ونحن لا نتبع خبر الواحد بالظن، بل بالدليل الموجب للعلم. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، وقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) . وجه الدلالة: أن العمل بخبر الواحد اقتضاء لما لا نعلم، وقول بما لا نعلم؛ لأنه موقوف على الظن. جوابه: يجاب عنه: بأنا لم نتبع خبر الواحد ونعمل به إلا بعد أن ثبتت

стр. 657

الأدلة الدالة على وجوب العمل به، وهي الأدلة الخمسة السابقة، وكذلك لم نقل إلا ما علمناه. الدليل الثالث: أن المخبر الواحد يجوز أن يكذب، أو يغلط، فإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز العمل بخبره. جوابه: يجاب عنه بأنه إذا كان ما ذكرتموه هو عِلَّة عدم العمل بخبر الواحد، فإنه يلزم منه عدم قبول خبر الشاهدين في الحقوق، وعدم قبول فتوى المفتي، وعدم قبول رسول المفتي، وعدم قبول قول الطبيب في المرض، وعدم قبول الخبر عن الطريق؛ لأنه يجوز عليهم الكذب والغلط، وهذا غير صحيح؛ لأنا عملنا بتلك الأخبار ويجب العمل بها، فإذا عملنا بها مع جواز الكذب والغلط، فإنه يجوز العمل بخبر الواحد ولا فرق. الدليل الرابع: أن من ادَّعى أنه نبي، وخوَّفنا من مخالفته، لا يلزمنا قبول قوله من غير حُجَّة، فكذلك من أخبرنا بأحكام الشرع بخبر الواحد لا نقبله ولا فرق. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يدل دليل واحد على قبول مدعي النبوة، بخلاف خبر الواحد فقد دلَّت أدلة كثيرة على قبول قوله والعمل به. الوجه الثاني: أن النبوة من الرياسات العظيمة التي تحبها النفوس، ويحمل عليها حب التعظيم، فلا يقبل قول المدعي لها بغير دليل،

стр. 658

يؤيد ذلك أنا لا نقبل قول من ادَّعى مالاً لنفسه من غير دليل، وتقبل شهادته لغيره، أما المخبر بخبر واحد فهو لا يضيف إلى نفسه شيئاً، وإنما ينقله عن النبي ﷺ فيقبل. الدليل الخامس: أنه لا طريق لقبول شيء والعمل به إلا طريق الشرع، ونحن لما استقرأنا الشرع وتتبعناه لم نجد أي دليل منه يدل على قبول خبر الواحد، ولو كان قبول خبر الواحد جائزاً لوجدنا ذلك في الشرع كما وجدنا الدليل على قبول الشاهدين في الحقوق، وهو قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، ووجدنا الدليل على قبول قول المفتي، وهو قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . جوابه: يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك، بل لما تتبعنا الشرع وجدنا أدلة كثيرة دلَّت دلالة واضحة على قبول خبر الواحد، وهي الأدلة الخمسة السابقة التي ذكرناها. المسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين هما: المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحداً. وهو مذهب الجمهور. وهو الحق: لما سبق من الأدلة على قبول خبر الواحد فقط؟ حيث إن النبي ﷺ كان يبعث آحاد الصحابة إلى القبائل والبلدان

стр. 659

النائية للإخبار عن الأحكام الشرعية والناسخ والمنسوخ، وكان الصحابة ﵃ وغيرهم يقبلون خبر الواحد منهم ويعملون به، كما قبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وخبر عائشة في الغسل، وخبر رافع بن خديج في المخابرة. المذهب الثاني. أنه يشترط لقبول الخبر أن يرويه عدلان عن النبي ﷺ ، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان عدلان، أما إذا رواه واحد لم يجز العمل به إلا بأحد شروط، منها: أن يعضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشراً. ذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قياس الرواية على الشهادة، بيانه: أن الشهادة لا يقبل فيها إلا قول اثنين، فكذلك الرواية ينبغي أن لا يقبل فيها إلا رواية اثنين ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما إخبار عن الغير، فالشهادة هي شهادة على الغير، والرواية هي رواية عن الغير، وهناك جامع آخر وهو: أن كلًّا منهما يعمل به، فإذا اتفقت الرواية مع الشهادة في هذين الأمرين وهما: " الإخبار عن الغير " و" جواز العمل بهما "، فلماذا يفرق بينهما في العدد، بحيث يشترط العدد في الشهادة دون الرواية؟! فثبت أن الرواية مثل الشهادة في اشتراط العدد ولا فرق. جوابه. يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الرواية تفارق الشهادة من وجوه:

стр. 660

أولها: أن الشهادة إخبار بلفظ خاص عن خاص علمه مختص بمعين يمكن الترافع فيه عند الحكام، أما الرواية فهو إخبار عن أمر عام لا يختص بشخص معين من الأُمَّة، فلا ترافع فيه عند الحكام. ثانيها: أن الشهادة لا تقبل من النساء إلا إذا كان معهن رجل إلا ما خصصه الشارع، أما الرواية فإنها تقبل من النساء فقبلت من عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وغيرهن. ثالثها: أنه لا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على شهادة الأصل، أما الرواية فبخلاف ذلك: فقد كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض مع القدرة على مراجعة النبي ﷺ ، ولهذا كان يلزمهم قبول أقوال وروايات آحاد رسله وسعاته من غير مراجعة. الدليل الثاني: أن ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين في الصلاة حتى قال لأبي بكر وعمر: " أحق ما يقول ذو اليدين؛ " فقالا: نعم، وهذا واضح. جوابه: يجاب عنه: أنه لم يقبل قول واحد في السهو؛ لأن هذا القول مساو لظنه، فليس أحدهما بأوْلى من الآخر، فأراد أن توجد قرينة ترجِّح قول ذلك الواحد، فلما شهد معه أبو بكر وعمر قبل قول الواحد؛ لأنه صار أقوى من ظنه. الدليل الثالث: أن أبا بكر ﵁ لم يقبل قول المغيرة ابن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن عمر ﵁ لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدري، فهذا يدل على أنه لا يقبل خبر الواحد فقط وإن كان ثقة.

стр. 661

جوابه: يجاب عنه: بأننا نقبل خبر الواحد إذا غلب على ظننا أن الراوي قد توفرتْ فيه شروط الرواية، أما إذا لم يغلب على ظننا ذلك فلا يقبل، بل لا بد من التأكد والاستظهار، وهنا ربما أن أبا بكر وعمر لم يغلب على ظنهما أن أبا موسى والمغيرة قد توفرت فيهما شروط الراوي، فطلبا من يشهد معهما للتأكد وللاستظهار، ولهذا إذا لم يتقوى في قلب الحاكم قول الشاهدين فإنه يجب عليه أن يلتمس شاهداً ثالثاً. *** المسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا ولا فرق. ذهب إلى ذلك الجمهور. وهو الحق؛ لعموم أدلة قبول خبر الواحد السابقة الذكر وهي: إجماع الصحابة، وبعث ﷺ آحاد الصحابة إلى البلدان النائية، وقياس الرواية على الفتوى وغيرها، حيث دلَّت على أن خبر الواحد الثقة يقبل مطلقاً سواء في الزنا أو في غيره. المذهب الثاني: أن الرواية في الزنا يشترط فيها كون الرواة أربعة، أى: أنه لا يقبل في الزنا إلا خبر أربعة. ذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي.

стр. 662

دليل هذا المذهب: استدل على ذلك بقياس الرواية في الزنا على الشهادة فيه، بيانه: أنه كما يشترط في الشهادة في الزنا أربعة شهود، فكذلك يشترط في الرواية فيه أربعة رواة ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما ينبغي الاحتراز والحذر منه، وأن الخطأ والغلط فيهما أعظم من غيرهما. جوابه: يجاب عنه بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية من وجوه ذكرنا ثلاثة منها في المسألة السابقة، ونزيد هنا أمراً رابعاً وهو: أن الشهادة ينبغي أن يحتاط فيها، لذلك اشترط العلماء فيها العدد بخلاف الرواية. المسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت عدالته: ويتبين ذلك فيما يلي: أولاً: حقيقة الصحابي: أقرب تعريفات الصحابي إلى الصحة هو: من رأى النبي ﷺ مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفا بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه. وهذا هو تعريف جمهور الأصوليين وأكثر العلماء، وقد صوَّبته، لأنَّ شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة

стр. 663

التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة مجالسة. وهناك تعريفات أخرى للصحابي لعلي أشير إليها هنا فأقول: قيل: إن الصحابي هو: من أدرك زمن ﷺ مؤمنا به وإن لم يره. وقيل: هو: من رأى النبي ﷺ ولو ساعة من نهار وهو مسلم عاقل بالغ. وقيل: هو: من صحب النبي ﷺ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين. وقيل: هو: من رأى النبي ﷺ مؤمناً به، وصاحبه ولو ساعة سواء روى عنه، أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب أو لم يختص به. وقيل: هو: من صحب النبي ﷺ وطالت صحبته، ولازمه، وأخذ عنه العلم، وروى عنه. وقيل: هو: من صحب النبي ﷺ مدة قدرها ستة أشهر فصاعداً. وهذه التعريفات للصحابي قد ذكرتها، ناسباً كل تعريف إلى قائله ذاكراً دليل كل قول، وقد اعترضت على تلك التعريفات وبيَّنت أسباب اختياري للتعريف الأول الذي صحَّحته وذلك في كتابي "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف دراسة نظرية تطبيقية " فارجع إليه إن شئت فهو مطبوع متداول، ولا داعي لأن أكرر ما ذكرناه هناك في هذا المقام.

стр. 664

بيان ثمرة الخلاف في تعريف الصحابي: إن الخلاف في تعريف الصحابي له ثمرة، حيث إنه من دخل ضمن الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة - فإنه تثبت له أمور وصفات هي كما يلي: ١ - ثبوت عدالته، فلا يحتاج إلى تزكية. ٢ - تفسيق من سبه. ٣ - قبول مراسيله. ٤ - حجية قوله وفتواه وفعله عند كثير من العلماء. ٥ - أنه إذا خالف الحديث النبوي الشريف، فإن مخالفته معتبرة، ويسقط الاحتجاج بالحديث عند بعض العلماء. وهذا الأمر الخامس هو الذي دعاني لتأليف كتابي السابق الذكر وهو: " مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف، دراسة نظرية تطبيقية". أما من خرج من الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة - فلا تكون تلك الصفات والميزات ثابتة له. ثانيا: طرق معرفة الصحابي: الطريق الأول: أن يخبر الشخص عن نفسه بأنه صحابي بأن يقول: " أنا صحبت النبي ﷺ "، فإذا قال ذلك العدل الثقة المعاصر للنبي ﷺ فإنه يكون صحابيا؛ لأنه ثقة عدل مقبول في ذلك كروايته، ولم يرد عن واحد من الصحابة رد قوله. الاعتراض على هذا: قال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن قوله:

стр. 665

" أنا صحابي " يعتبر شهادة لنفسه، وشهادة الشخص لنفسه لا تقبل، إذن لا يقبل قوله؛ لأنه متهم بتحصيل منصب الصحبة لنفسه. جوابه: يجاب عن ذلك: بأن هذا الشخص الذي قال: " أنا صحابي " موصوف بالعدالة والثقة، في حين أنه معاصر للنبي ﷺ ، فلذلك نرجح صدقه، وإذا ترجح صدق شخص، فيجب قبول قوله بأنه صحابي كما وجب قبول روايته عن النبي ﷺ ، ولا فرق بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما، وعلى هذا: تكون التهمة بعيدة. الطريق الثاني: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيراً من الصحابة قد علمنا أنهم صحابة عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته ﷺ والمهاجرين والأنصار، ويشمل المشهورين كرواة الأحاديث، والقادة، والقضاة الذين لم يحصل الاختلاف فيهم. الطريق الثالث: أن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته: أن فلاناً من الصحابة، فإذا أخبر بذلك يكون ذلك الشخص المخبر عنه صحابيا؛ الصحابي عدل، فيقبل ما يأتي به كروايته. اعتراض على هذا: قال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن الشخص لا تثبت له الصحبة بقول الواحد؛ حيث يترتب على قوله ثبوت كل ما يأتي به من أحاديث، وإنما يثبت بما يوجب العلم ضرورة أو اكتساباً. جوابه: يجاب عنه: بأن الصحابي قد ثبتت عدالته، ومن ثبتت عدالته

стр. 666

فإن كل ما يأتي به فهو مقبول من أقوال، وأخبار، فكما يقبل كل خبر يأتي به، فكذلك يقبل خبره عن غيره بأنه صحابي ولا فرق: بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما. الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " كنت أنا وفلان من الصحابة عند النبي ﷺ ". الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " دخلنا على النبي ﷺ ". ثالثاً: ثبوت عدالة الصحابي: الصحابة كلهم عدول، دلَّ على ذلك ما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: (لقد رضى اللَّه عن المؤمنين) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد صرَّح - هنا - بأنه قد رضي عن الصحابة، ومن ﵁ فقد اتصف بالعدالة، حيث إنه لا يرضى عن الفاسق. الدليل الثاني: قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃ . وجه الدلالة كسابقه. الدليل الثالث: ما رواه عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". وجه الدلالة: أنه وصف الصحابة بأنهم خير القرون، ولو لم يكونوا عدولاً لما وصفهم بهذا الوصف - وهو الخيرية -؛ لأن الفساق لا خير فيهم. الدليل الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال:

стр. 667

"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد نهى عن سب الصحابة وبين فضلهم، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالتقوى والمروءة، وهذه هي العدالة، فلو كانوا فساقاً أو واحداً منهم لما نهى عن سبهم جميعاً " لأن الفساق لا خير فيهم. اعتراض على ما سبق من الأدلة: لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن تلك النصوص من الكتاب والسُّنَّة لم تصرح بعدالة الصحابة، وكل ما فيها بيان فضلهم - فقط -، وبيان الفضل لا يدل على تعديلهم. جوابه: يجاب عنه: بأنه إذا كان التعديل يحصل بقول واحد أو اثنين من الناس مع عدم عصمتهما، وعدم علمهما إلا ببعض الظواهر، فكيف بتعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى؟! لا شك أن تعديل علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع استحالة الكذب عليه، وتعديل رسوله المعصوم عن الخطأ والكذب: هو التعديل الحق الذي يجب الأخذ به. الدليل الخامس: أن عدالتهم ثبتت من العقل السليم، بيان ذلك: أن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس والنفيس، وقتالهم للآباء، والأبناء، والأقرباء، والأهل في سبيل إعلاء كلمة اللَّه، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في

стр. 668

الله لومة لائم، كل ذلك يقطع بالحكم بصلاحهم وأنهم آمنوا وصدقوا باطناً وظاهراً، وكل ذلك قد نفى فسقهم، ومن انتفى فسقه، وظفر صلاحه فهو العدل. والمراد بعدالة الصحابة هو: ليس ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية، وإنما المراد بعدالتهم هو: قبول رواياتهم من غير تكلف في أن يبحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت والحمد لله، فنحن نستصحب ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من التقوى والمروءة حتى يثبت خلافه. ثمرة ذكر عدالة الصحابة: إنه يتخرج عليه أنه إذا قال العدل في الإسناد: " عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ": كان حُجَّة، ولا تضر الجهالة به؛ نظراً لثبوت عدالتهم. هذا هو الحق؛ لأن من توفرت فيه شروط الرواية التي ستأتي وهي: - الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - إذا روى خبراً فإنه يغلب عندنا ظن صدقه، فيكون خبره حُجَّة. وذهب بعض العلماء - كأبي زيد الدبوسي - إلى أن العدل إذا قال: " عن رجل من الصحابة " لا يكون حُجَّة إلا بأحد الشروط التالية: إما أن يعمل السلف بهذا الخبر الذي يرويه. أو ينتشر الخبر بين السلف، ويسكتوا عن ردة. فإن لم ينتشر فإن وافق القياس: عمل به، وإلا: فلا.

стр. 669

جوابه: يجاب عن ذلك بأنا لو قلنا بأنه لا يقبل خبره إلا بأحد تلك الشروط، فلا داعي لاشتراط العدالة في الراوي؛ ولكن إذا توفر في الراوي هذا الشرط - وهو العدالة - قد كفانا عن البحث عما يقوي الحديث. *** المسألة الثامنة: في شروط الراوي غير الصحابي: الراوي الصحابي يقبل خبره؛ لثبوت عدالته كما سبق بيان ذلك، أما الراوي غير الصحابي فلا يقبل خبره إلا إذا توفر فيه شروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما. فلا تقبل رواية الكافر في أمور الإسلام؛ لأن الكافر متهم بالدين غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية، فخصومته للمسلمين وعداوته لهم في الدين يحمله على الكيد لهم والحرص على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم؛ لأنه إنما أبغضهم من أجله، فهو لا يتحرج من الكذب على الرسول وتحريف دينه؛ ليبين للغير أن هذا الدين الإسلامي أضعف وأقل شأنا مما هو عليه، لذلك ليس من اللائق لمن عنده ولو ذرة من الحكمة والسياسة أن يقبل أيَّ شيء من الكافر مما يخص الأحكام الشرعية. الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغا. وهو من احتلم، أو أنبت من قبل، أو بلغ خمسة عشر سنة، أو جاء المرأة الحيض.

стр. 670

أما الصبي - مطلقاً - المميز أو غير المميز - فلا تقبل روايته؟ لأدلة ثلاثة هي كما يلي: الأول: أن الصبي لا يعرف اللَّه تعالى، وإذا كان كذلك فلا يخاف عقاب من لا يعرفه، ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب الكذب، فينتج عدم الثقة بخبره، فلا يقبل. الثاني: أن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أوْلى أن لا يقبل خبره عن غيره. اعتراض على هذا: لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن هذا الدليل مبني على القياس، وهو غير صحيح، وذلك لأن الأصل المقاس عليه لا نسلِّمه؛ حيث إن الصبي يقبل إذا أخبر عن نفسه، فإنه إذا أخبر أنه متطهر: قبل خبره، ويصح الاقتداء به في الصلاة. جوابه: يجاب عنه: بأنه لا يلزم من قبول قوله في التطهر: قبول روايته، وذلك لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة، ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل روايته وإن ظن صدقه. الثالث: قياس الصبي على الفاسق، بيانه: إذا كان الفاسق لأ تقبل روايته مع أنه يخاف اللَّه أحياناً، فمن باب أَوْلى أن لا تقبل رواية الصبي؛ لأنه لا يخاف اللَّه تعالى في جميع الأوقات؛ حيث لا يعرف اللَّه حتى يخافه.
следующие страницы →