Полный текст (2 303 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فإن كل ما يأتي به فهو مقبول من أقوال، وأخبار، فكما يقبل كل
خبر يأتي به، فكذلك يقبل خبره عن غيره بأنه صحابي ولا فرق:
بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما.
الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " كنت أنا
وفلان من الصحابة عند النبي ﷺ ".
الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " دخلنا
على النبي ﷺ ".
ثالثاً: ثبوت عدالة الصحابي:
الصحابة كلهم عدول، دلَّ على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (لقد رضى اللَّه عن المؤمنين) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد صرَّح - هنا - بأنه قد رضي عن
الصحابة، ومن ﵁ فقد اتصف بالعدالة، حيث إنه لا
يرضى عن الفاسق.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃ .
وجه الدلالة كسابقه.
الدليل الثالث: ما رواه عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".
وجه الدلالة: أنه وصف الصحابة بأنهم خير القرون، ولو لم
يكونوا عدولاً لما وصفهم بهذا الوصف - وهو الخيرية -؛ لأن
الفساق لا خير فيهم.
الدليل الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال:
стр. 667
"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه ".
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد نهى عن سب الصحابة وبين فضلهم، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالتقوى والمروءة، وهذه هي العدالة، فلو كانوا فساقاً أو واحداً منهم لما نهى عن سبهم جميعاً "
لأن الفساق لا خير فيهم.
اعتراض على ما سبق من الأدلة:
لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن تلك النصوص من الكتاب والسُّنَّة
لم تصرح بعدالة الصحابة، وكل ما فيها بيان فضلهم - فقط -،
وبيان الفضل لا يدل على تعديلهم.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه إذا كان التعديل يحصل بقول واحد أو اثنين من
الناس مع عدم عصمتهما، وعدم علمهما إلا ببعض الظواهر،
فكيف بتعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله الكريم الذي لا ينطق
عن الهوى؟! لا شك أن تعديل علام الغيوب الذي لا يعزب عن
علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع استحالة الكذب عليه،
وتعديل رسوله المعصوم عن الخطأ والكذب: هو التعديل الحق الذي
يجب الأخذ به.
الدليل الخامس: أن عدالتهم ثبتت من العقل السليم، بيان ذلك:
أن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس
والنفيس، وقتالهم للآباء، والأبناء، والأقرباء، والأهل في سبيل
إعلاء كلمة اللَّه، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في
стр. 668
الله لومة لائم، كل ذلك يقطع بالحكم بصلاحهم وأنهم آمنوا
وصدقوا باطناً وظاهراً، وكل ذلك قد نفى فسقهم، ومن انتفى
فسقه، وظفر صلاحه فهو العدل.
والمراد بعدالة الصحابة هو: ليس ثبوت العصمة لهم، واستحالة
المعصية، وإنما المراد بعدالتهم هو: قبول رواياتهم من غير تكلف في
أن يبحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه
ارتكاب قادح، ولم يثبت والحمد لله، فنحن نستصحب ما كانوا
عليه في زمن النبي ﷺ من التقوى والمروءة حتى يثبت خلافه.
ثمرة ذكر عدالة الصحابة:
إنه يتخرج عليه أنه إذا قال العدل في الإسناد: " عن رجل من
أصحاب رسول اللَّه ﷺ ": كان حُجَّة، ولا تضر الجهالة به؛ نظراً لثبوت عدالتهم.
هذا هو الحق؛ لأن من توفرت فيه شروط الرواية التي ستأتي
وهي: - الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - إذا روى
خبراً فإنه يغلب عندنا ظن صدقه، فيكون خبره حُجَّة.
وذهب بعض العلماء - كأبي زيد الدبوسي - إلى أن العدل إذا
قال: " عن رجل من الصحابة " لا يكون حُجَّة إلا بأحد الشروط
التالية:
إما أن يعمل السلف بهذا الخبر الذي يرويه.
أو ينتشر الخبر بين السلف، ويسكتوا عن ردة.
فإن لم ينتشر فإن وافق القياس: عمل به، وإلا: فلا.
стр. 669
جوابه:
يجاب عن ذلك بأنا لو قلنا بأنه لا يقبل خبره إلا بأحد تلك
الشروط، فلا داعي لاشتراط العدالة في الراوي؛ ولكن إذا توفر
في الراوي هذا الشرط - وهو العدالة - قد كفانا عن البحث عما
يقوي الحديث.
***
المسألة الثامنة: في شروط الراوي غير الصحابي:
الراوي الصحابي يقبل خبره؛ لثبوت عدالته كما سبق بيان ذلك،
أما الراوي غير الصحابي فلا يقبل خبره إلا إذا توفر فيه شروط هي
كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما.
فلا تقبل رواية الكافر في أمور الإسلام؛ لأن الكافر متهم بالدين
غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية، فخصومته
للمسلمين وعداوته لهم في الدين يحمله على الكيد لهم والحرص
على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم؛ لأنه إنما أبغضهم من أجله،
فهو لا يتحرج من الكذب على الرسول وتحريف دينه؛ ليبين للغير أن
هذا الدين الإسلامي أضعف وأقل شأنا مما هو عليه، لذلك ليس من
اللائق لمن عنده ولو ذرة من الحكمة والسياسة أن يقبل أيَّ شيء من
الكافر مما يخص الأحكام الشرعية.
الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغا.
وهو من احتلم، أو أنبت من قبل، أو بلغ خمسة عشر سنة، أو
جاء المرأة الحيض.
стр. 670
أما الصبي - مطلقاً - المميز أو غير المميز - فلا تقبل روايته؟
لأدلة ثلاثة هي كما يلي:
الأول: أن الصبي لا يعرف اللَّه تعالى، وإذا كان كذلك فلا
يخاف عقاب من لا يعرفه، ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون
الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب
الكذب، فينتج عدم الثقة بخبره، فلا يقبل.
الثاني: أن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان
لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أوْلى أن لا يقبل
خبره عن غيره.
اعتراض على هذا:
لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن هذا الدليل مبني على القياس،
وهو غير صحيح، وذلك لأن الأصل المقاس عليه لا نسلِّمه؛ حيث
إن الصبي يقبل إذا أخبر عن نفسه، فإنه إذا أخبر أنه متطهر: قبل
خبره، ويصح الاقتداء به في الصلاة.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يلزم من قبول قوله في التطهر: قبول روايته،
وذلك لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في
الصلاة، ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل
روايته وإن ظن صدقه.
الثالث: قياس الصبي على الفاسق، بيانه:
إذا كان الفاسق لأ تقبل روايته مع أنه يخاف اللَّه أحياناً، فمن باب
أَوْلى أن لا تقبل رواية الصبي؛ لأنه لا يخاف اللَّه تعالى في جميع
الأوقات؛ حيث لا يعرف اللَّه حتى يخافه.
стр. 671
الشرط التالث: أن يكون الراوي عاقلاً.
فلا تقبل رواية المجنون مطلقاً - أي سواء كان جنونه مطبقاً أو لا -.
واشترط كونه عاقلاً؛ لأمور ثلاثة هي:
الأول: ليعلم بهذا العقل ما ينقل كيف هو.
الثاني: ليميز بهذا العقل بين خبر الرسول ﷺ وخبر غيره.
الثالث: ليعلم بهذا العقل قبح الكذب، وحسن الصدق.
الشرط الرابع: أن يكون الراوي عدلاً.
والعدالة هي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة
التقوى والمروءة، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك
باجتناب جميع الكبائر وهي: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق،
وقذف المحصن، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل
مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام، والغيبة
والنميمة على الراجح، وشهادة الزور.
وباجتناب بعض الصغائر مما يدل فعله على نقص الدين وعدم
الترفع عن الكذب مثل: التطفيف بحبة، وسرقة لقمة، ونحو ذلك.
وباجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة،
ودناءة الهمة مثل: الأكل في السوق، والإفراط في المزاح، والبول
في الشارع، وصحبة الأراذل، ونحو ذلك.
والضابط في ذلك: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة
الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.
وعلى هذا لا تقبل رواية الفاسق، وقد أجمع العلماء على ذلك؟
لدليلين:
стр. 672
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد نهانا عن قبول ص الفاسق
والعمل به إلا بعد التثنت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق
مقبولاً لما أمرنا بالتثبت عن خبره.
الدليل الثاني: أن الشخص إذا ثبت أنه فاسق، فإنه لا يتقي الله
ولا يخافه ولا يخشى عقابه، ولا يرجو ثوابه، - فهو - بهذا - لا
نستبعد عنه الكذب، فلا نثق بقوله وخبره، والخبر الذي لا نثق به لا
يقبل.
ولا بد من الكشف عن سبب التفسيق ليظهر إن كان يصلح سببا
لذلك أو لا، كما سيأتي بيان ذلك في الجرح والتعديل إن شاء اللَّه.
الشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطاً.
أي: أن يكون الراوي يحفظ الخبر بإتقان دون تغيير أو تبديل.
واشترط كونه ضابطاً لأنه إذا لم يضبط فإنه ينتج ما يلي:
الأول: أنه يغير لفظ الخبر ومعناه، فيتغير بسبب ذلك الحكم
الشرعي.
الثاني: أنه يسقط من الخبر ما يحتاج إليه للاستدلال به على حكم
من الأحكام.
الثالث: أنه يضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.
فإذا كان كذلك فلا تحصل الثقة بقوله ولا بخبره، وإن توفرت فيه
الشروط السابقة وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والعدالة.
ولا يشترط - هنا - القطع بضبطه وإتقانه لما حفظه، بل المشترط:
стр. 673
أن يكون ضبطه لما سمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من
سهوه وغفلته مما يحصل غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.
أما إذا تساوى ضبطه مع عدمه، أو كان محدم ضبطه أرجح فلا
تكون روايته مقبولة، لعدم حصول الظن بصدقه.
أما إن جهل حاله في ذلك: فلا بد من اختباره وامتحانه.
المسألة التاسعة: شروط ظَنَّ بعضهم أنها تشترط في الراوي
وهي ليست كذلك:
لما ذكرنا الشروط المعتبرة في الراوي وهي: الإسلام، والتكليف،
والعدالة، والضبط: كان لا بد أن أذكر أن بعض العلماء ذكروا أشياء
ظنوا أنها تشترط وهي ليست كذلك، وفيما يلي بيانها:
أولاً: اشترط بعض أهل الحديث كون الراوي معروف ومشهور
النسب.
وهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط
الأربعة السابقة، سواء عرفنا نسبه أو لم نعرف ذلك.
دليل ذلك: أن العدالة هي السبب لعدم الكذب، وهي السبب
لغلبة الظن بالصدق، فإذا توفرت العدالة في الراوي مع الإسلام
والضبط والتكليف: غلب على ظننا أنه صادق، وبناء عليه تقبل
روايته، سواء علمنا نسبه أو لا، فليست معرفة النسب تفيد شيئاً،
فلذلك لا ينظر إلى وجودها ولا إلى عدمها.
ثانياً: اشترط بعض العلماء: كون الراوي فقيهاً مطلقاً.
وقال آخرون: يشترط فقه الراوي إذا خالف خبره القياس.
стр. 674
وهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر المسلم المكلف الضابط
العدل، سواء كان فقيهاً أو لا؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أوجب أن نتبين في حالة الفسق،
وبناء عليه: لا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهاً أو غير
فقيه.
الدليل الثاني: ما رواه زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: " نضر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه
غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ".
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ دعا لمن سمع الحديث، وأداه كما سمعه دون تعديل ولا تبديل، سواء كان فقيهاً أو غير فقيه.
الدليل الثالث: أن الاعتماد على خبر النبي ﷺ ، فإذا أخبرنا العدل بذلك، فإن الظاهر منه أنه لا يروي إلا ما ثبت عنده على
الوجه الذي سمعه، وخبر العدل يفيد الصدقَ، فوجب العمل به؛ العمل بالظن ؤاجب، وهذا مطلقاً سواء كان هذا الراوي العدل
فقيهاً أو لا.
ثالثاً: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة مجالسته للعلماء.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله
عنهم - قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي - بحكم كثرة
تنقله وترحاله - لا يجالس العلماء، فلم يفرقوا بين الراوي المكثر
لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة
الذكر.
стр. 675
رابعاً: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة روايته للأحاديث.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله
عنهم - قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً
- فقط - فلم يفرقوا بين من يروي حديثاً واحداً، وبين من يروي
الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.
خامساً: اشترط بعضهم في الراوي: أن يكون الراوي مشاهداً
حال السماع منه.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ فتقبل الرواية بشرط أن تتوفر شروط
الراوي السابقة - وهي: الإسلام، والتكليف، والعدالة،
والضبط - وله آلة الأداء، وهذا مطلقاً أي: سواء رأى المخبر أو لم
يره بشرط معرفته لصوته.
دليل ذلك: إجماع الصحابة على قبول رواية عائشة - رضي الله
عنها - فقد كانوا يسمعون حديثها وخبرها من ستر؛ اعتماداً على
صوتها، بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة
لعائشة.
سادساً: اشترط بعضهم: كون الراوي عالماً باللغة العربية.
وهذا الشرط ليس بصحيح، فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط
السابقة مطلقاً، سواء كان عارفاً باللغة العربية أو لا.
دليل ذلك أن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث،
ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم وإن لم يعرف معناه.
سابعاً: اشترط بعضهم: أن يكون الراوي ذكراً.
وهذا الشرط ليس بصحيح، فتقبل رواية كل من توفرت فيه
стр. 676
الشروط السابقة - الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط -
سواء كان ذكراً، أو أنثى، أو خنثى بدون فرق.
دل على ذلك الأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إن الصحابة ﵃
قد قبلوا أخبار وأقوال عائشة، وحفصة، وأم سلمة - رضي الله
عنهن أجمعين - ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو وقع الإنكار لبلغنا،
ولم يبلغنا شيء من ذلك، فصار إجماعاً منهم على قبول روياتهن.
الدليل الثاني: أن النساء في الشهادة فوق الأعمى، وقد قبلت
رواية الأعمى، فالمرأة أَوْلى.
الدليل الثالث: أنه لو كان نقص الأنوثة مانعاً للمرأة من قبول
روايتها لم يقبل قولها في الفتوى، ولكن قولها يقبل في الفتوى،
فيقبل خبرها في الرواية قياساً عليه.
ثامناً: اشتراط بعض العلماء عدم القرابة، وعدم العداوة، قياساً
على الشهادة.
وهذا الشرط ليس بصحيح، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته
إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبراً يضر بعدوه،
وينفعه مطلقاً.
أي: لا يشترط في الرواية عدم القرابة بين الراوي وبين من ينفعه
مضمون الحديث الذي رواه، ولا تشترط في الرواية عدم العداوة بين
الراوي وبين من يضره مضمون الحديث الذي رواه، بل تقبل رواية
كل واحد إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.
دليل ذلك: أن الرواية تختلف عن الشهادة، ووجه الاختلاف:
أن حكم الرواية عام، وأن الشهادة خاصة، بيان ذلك:
стр. 677
أن الحديث عام في حق الكل يلزم الراوي، والمروي له،
وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون
العداوة، أو القرابة، أو الصداقة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، بخلاف
الشهادة، فإنها مختصة بالمشهود له أو عليه نفعا أو ضراً.
***
المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المتأوِّل:
الكافر الخارج عن الإسلام كاليهودي، والنصراني، لا تقبل
روايته، وقد سبق بيان ذلك:
أما الكافر المتأوِّل، وهو المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل
السُّنَّة والجماعة، وهو يعلم بهذا التكفير أو لا يعلم، فهل هذا تقبل
روايته إذا توفرت فيه شروط الراوي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: التفصيل بين من يدعو لبدعته، فلا يقبل خبره،
وبين من لم يدع إلى بدعته فيقبل.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وكثير من العلماء.
وهو الحق عندي، فلا يقبل خبر من يدعو إلى بدعته؛ لأنه لا
يؤمن أن يضع حديثا يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه.
ويقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي كفر بسببها -؛ لأن
الراوي الذي توفرت فيه شروط الرواية الذي أخطأ بتأويل: قد أمن
جانبه، وهذا يقوي الظن لصدقه، وإذا ثبت ذلك، فإن خبره
مقبول.
стр. 678
المذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الكافر المتأوِّل مطلقاً أي: سواء
كان داعية أو لا.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن علماء الأُمَّة قد أجمعت
على ردِّ خبر الكافر، ولا فرق بين كافر وكافر، فإن الكافر الذي لم
يؤمن بنبينا محمد ﷺ كاليهودي والنصراني أيضاً متأوِّل، فهو لا يعلم أنه كافر، بل يزعم أنه هو الذي على حق وغيره على باطل،
وأما الذي ليس بمتأول وهو: المعاند بلسانه بعد معرفته للحق بقلبه،
فذلك مما يندر وجوده.
وتورع الكافر المتأول عن الكذب كتورع النصراني واليهودي بلا
فرق، فلا يقبل أي خبر يأتي به أي واحد منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العلماء قد أجمعوا على ردِّ خبر من كفر لا
بتأويل، بل ابتغى غير الإسلام ديناً، أما المتمسك بالإسلام، ولكن
فعل بدعة كُفِّر من أجلها - فقط - وثبت أنه لا يدعو إلى بدعته ولا
ينشرها، وتوفرت فيه شروط الراوي السابقة، فإن هذا معظم للدين
الإسلامي، ممتنع عن المعصية، فهذا يؤمن جانبه، وإذا أمن جانبه
ترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه قبل خبره فيما لا. يخص بدعته.
فبان أن هذا يفارق الكافر بنبينا محمد ﷺ كاليهودي والنصراني؛ حيث إن هذا يحتقر الدين الإسلامي ويعتقد بطلانه، فالحكمة
والسياسة تمنع قبول أي شيء منه، كما بيَّنا فيما سبق.
стр. 679
المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المتأوِّل:
لقد سبق بيان أن الفاسق بعمل الجوارح لا تقبل روايته،
أما الفاسق المتأول، وهو الذي فعل بدعة فسِّق بسببها، وقد يعلم بذلك
التفسيق، وقد لا يعلم، فهل هذا تقبل روايته إذا توفرت فيه شروط
الراوي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: التفصيل بين من يدعو إلى بدعته فلا يقبل، وبين
من لا يدعو إلى بدعته فيقبل.
ذهب إلى ذلك أكثر العلماء.
وهو الحق، فلا يُقبل خبر من يدعو إلى بدعته، لأنه لا يؤمن أن
يضع خبراً يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه،
فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من الأخبار.
ويُقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي فسِّق بسببها -؛ لأمرين:
أولهما: أن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ
بتأويل، إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أمن
جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.
ثانيهما: أن السلف من الصحابة والتابعين وقع بينهم اختلاف في
كثير من المسائل، وكل واحد يعتقد أنه على حق وغيره على خطأ،
ومع ذلك قبل بعضهم أخبار بعض.
المذهب الثاني: أن الفاسق المتأول لا يقبل خبره مطلقاً.
стр. 680
ذهب إلى ذلك الإمام مالك، والباقلاني، والآمدي، وكثير من
المعتزلة.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الفاسق المتأول على الفاسق
غير المتأول، وهو الفاسق بأفعال الجوارح، بيانه:
أنه لا فرق بين فسق وفسق، فإن خبر من فسَق بأفعال الجوارح قد
رُدَّ لأجل الفسق، وقد وجد سبب الرد هذا في الفسق في الاعتقاد.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أنا لم نقبل خبر من فسق بأفعال الجوارح " لأن هذا
الفاسق يفعل المعصية، وهو يعلم أنه فسق بسببها، ومن يفعل ذلك،
فإنه يوصف بالاستهتار وعدم المبالاة في الدين، وهذا لا يؤمن أن
يقدم على الكذب، فأثر ذلك في قوة الظن بصدقه.
أما الفاسق المتأول، فإنه أوَّل ما هو عليه من بدعة وهو يظن أنه
على حق، في حين أنه لا يجوِّز الكذب، فلهذا قوي الظن بصدقه،
فقبل خبره.
المسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ
فهل يقبل؟
لقد سبق بيان أن الصبي إذا سمع الخبر قبل البلوغ، وأدى ما
سمعه قبل البلوغ - أيضاً - فإنه لا يقبل خبره مطلقاً.
стр. 681
أما إذا سمع الخبر وهو صبي وتحمَّله قبل البلوغ، وكان مميزاً
ضابطاً لذلك الخبر، لكنه لم يؤده ولم يخبر به إلا بعد البلوغ
وظهور رشده في دينه، فإن خبره مقبول؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار وروايات
أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي ﷺ وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن جعفر، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين،
وغيرهم من أحداث الصحابة ﵃ أجمعين - فقُبل منهم
كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصبا، وما
تحملوه بعد البلوغ.
الدليل الثاني: أن السلف والخلف قد درجوا على إحضار الصبيان
مجالس سماع الأحاديمث والأخبار، ولو كان خبر الصبي غير مقبول
إذا أداه وهو بالغ لما كان لإحضاره في هذه المجالس وهو صبي فائدة،
فثبت أن فائدة إحضارهم لصبيانهم - تلك المجالس هي: قبول تلك
الأخبار اِذا أدوها بعد البلوغ.
الدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:
أنه مع أن العلماء يحترزون في الشهادة أكثر من الرواية، فقد
أجمعوا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهد به
بعد البلوغ، فإنه مقبول، فالرواية أَوْلى بالقبول، أي: إذا جاز أن
يتحمل الشهادة صبياً، ويشهد بها بعد البلوغ، فمن باب أَوْلى جواز
تحمل الرواية في حالة الصبا وأداءها بعد البلوغ؛ لأن الشهادة يحترز
منها أكثر من غيرها.
стр. 682
المسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة:
إذا روى لنا شخص حديثاً وهو مجهول الحال عندنا في الشروط
الثلاثة وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، أي: لا نعرف أنه
مسلم أو كافر، ولا نعلم عنه أنه مكلف أو غير مكلف، ولا نعلم
عنه أنه يضبط أو لا، فإن هذا لا نقبل حديثه ولا نعمل به.
أما إذا كنا نعلم أنه مسلم، ومكلَّف، وضابط، ولكننا لا نعلم
هل هو عدل أو فاسق؛ فقد اختلف العلماء في قبول خبره على
مذهبين:
المذهب الأول: أن خبر مجهول الحال في العدالة غير مقبول.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال
في الإسلام والتكليف والضبط، بيان ذلك:
أننا إذا شككنا في الشخص هل هو مسلم أو لا، أو هل هو
مكلف أو لا، أو هل هو ضابط أو لا، فإن خبره لا يقبل بالاتفاق،
فكذلك إذا شككنا في الشخص هل هو عدل أو فاسق لا تقبل
روايته وخبره، ولا فرق، والجامع: أنه لم يثبت شرط قبول
الرواية، وإذا تخلف الشرط، فلا بد أن يتخلف المشروط، وهو
القبول كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا
تصح، كذلك هنا.
الدليل الثاني: أن هناك ثلاثة أشخاص: " عدل "، و " فاسق "
و" مجهول الحال "، أما العدل فقد ثبت أنه مقبول الرواية،
стр. 683
أما الفاسق فقد ثبت أنه غير مقبول الرواية، أما مجهول الحال - وهو
الذي لم نعرف عنه عدالة ولا فسقاً - فلم يثبت أنه عدل، ولم يثبت
أنه في معنى العدل حتى يقاس على العدل، فإذا كان مجهول الحال
ليس بعدل، ولا هو في معنى العدل، فقد انتفى فيه شرط من أهم
شروط الراوي، وهو: " العدالة "، وإذا انتفى الشرط فقد انتفى
المشروط - وهو قبول روايته - فثبت أنه غير مقبول الرواية.
الدليل الثالث: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول
العدالة في الفتوى، بيان ذلك: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد
وشُك في عدالته، أي: لا يعلم هل هو عدل أم فاسق؛ فإن هذا
الشك منع من قبول فتواه.
فكذلك الراوي الذي شك السامع في حاله، فلم تثبت عنده
عدالته ولا فسقه، يجب أن يكون هذا الشك مانعاً من قبول روايته
وخبره، والجامع: أن كلا منهما يحكي حكماً شرعياً يعمل به، إلا
أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة،
والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.
الدليل الرابع: قياس مجهول العدالة في الرواية على مسألة
الشهادة على الشهادة، بيان ذلك:
أنه لا تقبل شهادة الفرع - وهو زيد مثلاً - إلا إذا عيَّن زيد شاهد
الأصل - وهو عمرو مثلاً - وعرَّفه إن كان الحاكم يجهل عمرو.
فهنا: يجب تعيين والتعريف بشاهد الأصل.
فلو كان قول مجهول الحال مقبولاً فلأي غرض وجب تعيين شاهد
الأصل والتعريف به؛
стр. 684
ولا جواب عن ذلك إلا أن يقال: لم يجب تعيين شاهد الأضل
إلا للتأكد من عدالته، فإن كان عدلاً قبلت شهادته، وإن كان فاسقاَ
أو مجهولاَ رُدَّت شهادته، وبناء عليه لا تقبل شهادة الفرع.
فكذلك مجهول العدالة في الرواية لا يقبل خبره حتى نتأكد من
عدالته قياساً على مجهول الحال في مسألة الشهادة على الشهادة.
المذهب الثاني: أن خبر مجهول الحال في العدالة يقبل.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كابن فورك،
وسليم الرازي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن ابن عباس ﵄ روى أن أعرابياَ
جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: رأيت الهلال قال: " أتشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمداً عبده ورسوله "؛ فقال: نعم، قال: " يا بلال،
أذن في الناس فليصوموا غداً ".
وجه الدلالة: أن ﷺ قبل شهادة هذا الأعرابي في رؤية
هلال شهر رمضان، وهو لا يعرف عنه إلا كونه مسلماً، ولم يعلم
منه عدالة ولا فسقاً، فإذا قبل شهادته فمن باب أَوْلى أن يقبل خبره؟
نظراً لأنه يحترز بالشهادة أكثر من الرواية.
جوابه:
يجاب عنه بأنكم لم تثبتوا دليلاً على أن النبي ﷺ قد قبل شهادة ذلك الأعرابي، وهو لا يعلم عن عدالته شيئاً، فقولكم هذا مجرد
دعوى لا دليل عليها.
стр. 685
بل إن الظاهر أن ﷺ لم يقبل شهادته إلا لكونه عدلاً؟
لوجهين:
الوجه الأول: أن الصحابة كلهم عدول بتعديل اللَّه لهم، حيث
قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وبتعديل رسوله ﷺ ، حيث قال: " إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "، ونحو ذلك من النصوص، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.
فلذلك لا يشك بعدالة أي صحابي.
الوجه الثاني: أن زمن ﷺ كانت الخيانات قليلة، والخبث والكذب نادراً، والقلوب صافية، فكان الظاهر من المسلمين
العدالة، فلذلك قبل شهادته، فأما في زماننا فقد كثرت فيه الخيانات
من المسلمين، فليس الظاهر من السلم كونه عدلاً.
وبذلك ثبت أن ﷺ لم يقبل خبر مجهول الحال في العدالة، وإنما قبله؛ لأن ظاهره العدالة.
الدليل الثاني: اتفق الصحابة ﵃ على قبول
روايات وأخبار العبيد، والنساء، والأعراب؛ مع أنه لا يعرف عنهم
إلا الإسلام فقط، ولم ينقل أن أحداً من الصحابة أنكر قول أو خبر
أيّ واحد من هؤلاء، فصار إجماعا سكوتيا.
جوابه:
يجاب عنهم بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا على إطلاقه، فإن الصحابة - رضي
الله عنهم - كانوا يقبلون رواية العبيد، والنساء، والأعراب الذين
كانوا يعرفونهم بالعدالة والضبط والثقة كزوجات النبي ﷺ ، وزوجات أصحابه، وإمائهم، وعبيدهم، وبعض الأعراب.
стр. 686
أما الذين لا يعرفون عنهم شيئاً، فقد ثبت أنهم لا يقبلون منهم
شيئاً من الأخبار، كما رد عمر بن الخطاب ﵁ خبر
فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة، وكما رد عليّ - رضي الله
عنه - خبر معقل بن سنان الأشجعي في المفوضة، وكان - أي:
عليّ بن أبي طالب - إذا روى له أحد خبراً يستحلفه إلا أبا بكر،
فإنه إذا حدَّثه لا يستحلفه لكونه عدلاً عنده.
الجواب الثاني: سلمنا أن الصحابة كانوا يقبلون روايات العبيد،
والنساء، والأعراب مطلقاً؛ وذلك لأن كل من عاش في عصر النبي
ﷺ ورآه، وهو مؤمن به فهو صحابي، والصحابة كلهم عدول، فثبت أنه قبلت أخبارهم لكونهم عدولاً، لا لكونهم مجهولين.
الدليل الثالث: أن المسلم مجهول العدالة إذا أخبر بخبر يخص
أحكاماً شرعية معينة: فإنه يقبل خبره كأن يخبر بأن هذا الماء طاهر،
أو يخبر بأنه نجس، أو أخبر بأنه متطهر، أو أخبر بأن هذه الجارية
التي عرضها للبيع ملكه، وأنها خالية عن زوج، فإنه يقبل خبره في
تلك الحالات فيترتب على ذلك أحكام شرعية: فيجوز - بناء على
القبول - في الحالة الأولى: صحة الوضوء من الماء الذي أخبر بأنه
طاهر، ويجوز - في الحالة الثانية - اللجوء إلى التيمم وترك الماء
الذي أخبر بأنه نجس، ويجوز - في الحالة الثالثة - كونه إماماً لغيره
ويحل وطء الجارية التي أخبر أنها ملكه وأنها خالية عن زوج في
الحالة الرابعة.
فإذا قبلت منه هذه الأخبار السابقة في الأحكام الشرعية، فما
المانع من قبول قوله فيما يرويه عن غيره؛ إذ لا فرق بينهما،
والجامع: أن الكل يعمل به.
стр. 687
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على ما ذكرتموه من الصور قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الرواية عن النبي
ﷺ أعلى رتبة، وأشرف منصباً، وأعم خطراً من الأخبار فيما ذكرتموه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي
والمخبر فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما.
المسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه:
لقد بيَّنا فيما سبق أن العدالة من أهم شروط الراوي، وبيَّنا حقيقة
العدالة، وفي هذه المسألة سنبين حقيقة التعديل والتجريح، والأمور
التي يحصل بها التعديل، وهل يشترط العدد فيه، وحكم تعديل
العبد والمرأة، وذكر سبب التعديل والجرح، ونحو ذلك مما يتعلق
بالتعديل والتجريح فأقول:
أولاً: بيان حقيقة التعديل والتجريح:
التعديل هو: أن يوصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى
والمروءة، فينسب إليه فعل الخير والعفة، والتدين بفعل الواجبات،
وترك المحرمات، والشبهات، وكل شيء يجعلنا نحكم بأن هذا
الشخص يتحرى الصدق، ويتجنب الكذب مما يؤدي بنا إلى قبول
قوله شرعاً.
أما التجريح فهو ضد التعديل، أي: أن ينسب إلى ذلك
الشخص ما يرد لأجله قول من فعل معصية، أو ارتكاب ذنب،
ونحو ذلك مما يخل بالعدالة مما يجعلنا نظن ظناً غالبا بأن هذا
الشخص لا يتحرى الصدق.
стр. 688
ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي هي كما يلي:
الأمر الأول: التعديل بالحكم بشهادته إذا علمنا أنه حكم بتلك
الشهادة.
فإذا حكم الحاكم العدل بشهادة الراوي فإنه يدل على أن هذا
الراوي عدل عنده.
وهذا الأمر هو أقوى الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي، لذا
قدمناه على التزكية والتعديل بالقول؛ لأن الحكم بشهادته استلزم
القول وتضمنه، أما التعديل بالقول - وهو قوله: هو عدل رضي
كما سيأتي - فهو قول مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته، فيكون
الحكم بشهادته قولاً وزيادة.
الأمر الثاني: التعديل بالقول، وهو على مراتب:
المرتبة الأولى: أن يقول المعدِّل: " عدل رضي " مع ذكر السبب.
المرتبة الثانية: أن يقول المعدِّل: " عدل رضي " مع عدم ذكر
السبب.
وهذه المرتبة - أعني الثانية - تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن
يكرر اللفظ فيقول: " هو عدل عدل "، أو " ثقة ثقة "، أو " ثقة
عدل "، أو " ثقة ثبت "، أو " ثقة حُجَّة "، أو " ثقة حافظ "،
أو " ثقة ضابط ".
وأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: " هو عدل "، أو
"ثقة".
المرتبة الثالثة: أن يقول المعدِّل: " هو صدوق "، أو " مأمون "،
أو " خيار ".
стр. 689
المرتبة الرابعة: أن يقول المعدِّل: " محله الصدق "، أو " رووا
عنه "، أو " صالح الحديث "، أو " حسن الحديث "، أو " أرجو
أن ليس به بأس "، ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن يعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص، فهذا
يعتبر تعديلاً لذلك الشخص بشرط: أن نعلم يقيناً أن العدل لم يعمل
إلا بخبر ذلك الشخص.
أي: أن نعلم أنه لا مستند للعمل إلا ذلك الخبر الذي رواه ذلك
الشخص، فهذا يعتبر تعديلاً لذلك الشخص، لأن عمله بخبر ذلك
الشخص يدل على ثبوت عدالة ذلك الشخص، فلو لم يدل على
ثبوت عدالته عند العامل - وهو الثقة العدل - للزم من ذلك أن
يكون ذلك العامل قد عمل بذلك الخبر بدون ثبوت عدالة المروي عنه
عنده، ولو ثبت ذلك - وهو: أنه عمل بذلك الخبر بدون ثبوت
عدالة المروي عنه عنده - لثبت فسق ذلك العامل؛ لأنه عمل بخبر
من لم تثبت عدالته عنده، وفي ذلك تلبيس وتدليس على الأُمَّة "
حيث إن عمله بذلك الخبر يوهم بعدالة المروي عنه، والحقيقة ليست
كذلك.
أما إذا انتفى الشرط بأن لم نعلم يقيناً - أن ذلك العدل الثقة لا مستند
له في العمل إلا ذلك الخبر، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلاً
للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطاً، أو أنه عمل
بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال يبطل الجزم.
هذا هو الحق.
وبعض العلماء لا يرى ذلك الشرط، فقال: إن عمل العدل الثقة
стр. 690
بخبر شخص يعتبر تعديلاً لذلك الشخص مطلقاً؛ لأنه لم يعمل
بذلك الخبر عند رواية الراوي له إلا لكون الراوي عنده عدلاً.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أن عمل العدل الثقة بخبر شخص لا
يعتبر تعديلاً لذلك الشخص مطلقاً؛ لوجود الاحتمال.
والحق هو ما قلناه؛ لما ذكرنا من التعليل، وفيه الجواب عما ذكره
الآخرون.
ثالثاً: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلاً له؟
لقد اختلف العلماء على مذاهب:
المذهب الأول: أن رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلاً لذلك
الغير مطلقاً.
ذهب إلى ذلك الماوردي، والروياني، وأبو الحسين القطان،
وصحَّحه ابن الصلاح، والقاضي أبو بكر، وابن حزم، والخطيب
البغدادي، وهو مذهب أكثر أهل الحديث وأكثر الشافعية والمالكية،
وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو الصحيح عندي؛ لأمرين:
أولهما: أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا
كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال - وهو احتمال أن يكون عدلاً أو
غير عدل - وليس أحدهما أَوْلى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى
يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.
ثانيهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلاً عند الراوي، وليس
عدلاً عند غيره، فيجب التأكد.
المذهب الثاني: أن رواية العدل عن غيره تعديل لذلك الغير مطلقاً.
стр. 691
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، واختاره أبو يعلى في
" العدة "، وتلميذه أبو الخطاب في " التمهيد "، وهو مذهب بعض
الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العدل يتحرج أن يُحدِّث
عمن يعلم كذبه أو فسقه؛ لأن ذلك يفضي إلى الكذب على رسول اللَّه ﷺ ، فلما حدَّث عنه وروى عنه ظهر لنا أنه قد عرف عدالته.
جوابه.
يجاب عنه: بأن هذا المحدث عنه يجوز أن يكون عدلاً وعند غيره
ليس بعدل، أو مجهول الحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول
الحال.
المذهب الثالث: التفصيل: بيانه:
إن عرفناً أدن من عادة هذا الراوي العدل الثقة أنه لا يروي إلا عن
عدل: إما بصريح قوله بأنه لا يروي إلا عن عدل، وإما لمعرفتنا من
مذهبه أنه لا يجوز الرواية إلا عن العدل: فإن روايته عن ذلك
الشخص تعتبر تعديلاً لذلك الشخص.
أما إذا عرفنا أن من عادة هذا العدل الثقة أنه يروي عن العدل،
وعن غير العدل، فلا تعتبر روايته تعديلاً للشخص المروي عنه.
ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية كالغزالي، والرازي،
والآمدي، والهندي، وبعض المالكية كابن الحاجب، والمازري،
وبعض الحنفية كابن الهمام، وابن عبد الشكور، وبعض الحنابلة
كابن قدامة.
стр. 692
جوابه:
يجاب عن هذا بأن يقال: يجوز أن يكون هذا الشخص المروي
عنه عدلاً عند هذا الراوي، وليس عدلاً عند غيره، أو هو مجهول
الحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول الحال.
رابعاً: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟
إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة، وشاع
الثناء عليه بينهم فهل يعتبر ذلك تعديلاً له؟
الحق عندي: أن الاستفاضة لا تكون من الأمور التي يحصل بها
التعديل؛ لأن الشخص قد شاع عنه أنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك
إلا أنصاره وأتباعه، ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر
ودققنا فيه بأن خلاف ذلك، لذلك يقتصر في التعديل على الأمور
الثلاثة التي يحصل التعديل بها وقد سبقت؛ لما فيها من الاحتياط.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الاستفاضة تعتبر في التعديل.
نسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وقال ابن الصلاح:
هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي.
دليل هذا: أن العلم بذلك من الاستفاضة أقوى من تعديل واحد
واثنين يجوز عليهما الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن تعديل الشخص الواحد الموصوف بالعدالة والثقة
أقوى من تعديل طائفة كثيرة لم يوصفوا بالعدالة، أو قد يكونوا
مجهولين الحال.
стр. 693
خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟
لقد قلنا: إن الحاكم العدل إذا حكم بشهادة الراوي، فإنه يدل
على أن الراوي عدل عنده، لكن إذا لم يحكم الحاكم بشهادة
الراوي - ولم يعمل بها، فهل هذا يعتبر جرحاً للراوي فلا تقبل
روايته؟
الحق: أن هذا لا يعتبر جرحاً في الراوي، فلا يلزم من عدم
قبول شهادته عدم قبول روايته؛ لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم
بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، وذلك لأن الشهادة والرواية
تشتركان في شروط الراوي الأربعة السابقة الذكر - وهي: الإسلام،
والتكليف، والعدالة، والضبط -.
وانفردت الشهادة في أمور - غير معتبرة في الرواية - منها: عدم
القرابة، والحرية، والذكورية، والبصر، والعدد، والعداوة،
والصداقة، فهذه تؤثر في الشهادة، ولا تؤثر في الرواية، لذلك
تقبل رواية القريب بما ينفع قريبه، وتقبل رواية العبد والمرأة إلى غير
ذلك - كما سبق بيانه -.
فهنا يحتمل أن الحاكم العدل ترك الحكم بشهادته لسبب غير الفسق
كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون ترك شهادة الراوي
لواحدٍ من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، إذن: لا يحكم
عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.
سادساً: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يشترط العدد في التعديل والتجريح، بل
стр. 694
يكفي في مسائل الجرح والتعديل واحد ليس من عادته أن يتساهل في
التعديل أو يبالغ في الجرح، فلو عدَّل شخص عارف بأمور التعديل
راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل،
وكذا لو جرح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة، فإنا
نسمع منه ذلك ونرد رواية ذلك الراوي المجرح.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية،
والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، أي: أن شرط الشيء لا
يزيد على أصله، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه
واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يراد
لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راو واحد، فكذا ما هو تبع
وفرع لها.
فلو قلنا: تقبل رواية الواحد، ولا يكفي في تعديله وتجريحه إلا
اثنان لزاد الفرع على أصله، وزيادة الفرع على الأصل مخالف
لقواعد الشريعة.
ففي هذا: قياس التعديل والجرح على الرواية، وهو واضح.
المذهب الثاني: أن العدد مشترط في التعديل والتجريح.
ذهب إلى ذلك ابن حمدان من الحنابلة، وأكثر فقهاء المدينة كما
حكاه عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقياس التعديل والتجريح على
الشهادة؛ وذلك لأنه يشترط في تعديل الشاهد أو جرحه اثنان،
стр. 695
فكذلك الرواية يشترط في تعديل الراوي أو جرحه اثنان، فكان
العدد معتبراً فيهما معاً.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لافتراق
أصل الشهادة عن أصل الجرح والتعديل، بيان ذلك:
أنه لا يقبل في تعديل الشاهد، أو جرحه إلا اثنان، ولا يكتفى
بواحد، وذلك لأن الأصل - وهي الشهادة - يشترط فيه اثنان،
فالفرع مثل ذلك يشترط فيه اثنان.
أما الرواية فتختلف عن ذلك فيقبل في تعديل الراوي أو جرحه
واحد، وذلك لأن الأصل - وهي الرواية - لا يشترط العدد فيه
فيكفي فيه واحد، فالفرع - وهو جرح الراوي أو تعديله - مثل ذلك
لا يشترط.
أي: كما أن العدد لا يشترط في قبول الخبر، فلا يشترط في
جرح وتعديل راوي الخبر.
المذهب الثالث: الفرق بين تعديل الراوي فيقبل من واحد، وبين
تجريحه فلا يقبل إلا من اثنين.
نسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، واختاره بعض الحنفية،
ومنهم الكمال بن الهمام.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق بينهما لا دليل عليه صحيح، وما لا
دليل عليه فلا يعوَّل عليه، ثم إنه لا فرق بينهما فيما يؤول إليه الأمر.
стр. 696
سابعاً: حكم تعديل العبد للراوي:
الحق: أن تعديل العبد للراوي مقبول، وبناء على ذلك تقبل
رواية من عدَّله ذلك العبد؛ قياساً على روايته للخبر، بيانه:
أنه كما أن رواية العبد للخبر مقبولة، فكذلك تعديله لراوي الخبر
مقبول، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.
ثامناً: حكم تعديل المرأة للراوي:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن تعديل المرأة للراوي مقبول.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أن النبي ﷺ سأل بريرة ﵂ عن حال عائشة أم المؤمنين - في قصة الإفك - حيث قال النبي ﷺ لبريرة: " هل علمت على عائشة شيئاً يريبك؛ أو رأيت شيئاً تكرهينه؟
" قالت: أحمي سمعي وبصري، عائشة أطيب من طيب الذهب.
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن تعديل المرأة مقبولاً لما سأل الرسول
ﷺ بريرة عن عائشة، وهذه هي فائدة سؤاله، ولو لم نقل ذلك لكان سؤاله لا فائدة فيه ويكون لغواً، وهذا لا يمكن.
الدليل الثاني: القياس على روايتها للخبر، بيانه:
أنه كما أن رواية المرأة للخبر مقبولة، فكذلك تعديلها لراوي الخبر
مقبول، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه
الصدق.
المذهب الثاني: أن تعديل المرأة للراوي لا يقبل.
стр. 697
حكي هذا المذهب عن كثير من فقهاء المدينة.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:
أنه كما أن تعديل المرأة وتزكيتها للشاهد لا يقبل، فكذلك تعديلها
للراوي لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيانه:
أنه لا يقبل تعديل المرأة للشاهد، وذلك لأن الأصل - وهي
الشهادة - لا تقبل فيها المرأة، فالفرع - وهو تعديل الشاهد - مثله.
أما الرواية فبخلاف ذلك: فيقبل تعديل المرأة للراوي، وذلك لأن
الأصل - وهي الرواية - يقبل فيه رواية المرأة، والفرع - وهو تعديل
الراوي - مثله.
تاسعاً: الجارح والمعدِّل هل يلزمهما ذكر سبب التعديل والجرح؟
لقد اختلف العلماء في هذا على مذاهب:
المذهب الأول: يلزم الجارح والعدل ذكر سبب التعديل والجرح.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
وهذا هو الحق: فيجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل
لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ لأن العادة قد جرت بتسارع الناس
إلى ذلك بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدعنا بمظهره،
حيث يظهر الصلاح والتقى، فإذا دققنا في شأنه وحالته وجدناه على
стр. 698
خلاف ظاهره، فمثلاً: بعض الناس تجده يحافظ على الصلوات
وعلى مظهره الإسلامي، ولكنه يتساهل في كسب ماله، فلا يأخذه
من طرقه التي أحلها اللَّه تعالى، وبعضهم يظهر الصلاح لطائفة من
العلماء " نظراً لطمعه في منصب أو جاه، بينما يحتقر آخرين،
كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في
تعديل شخص آخر، وهكذا والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن
يبين المعدِّل سبب تعديله للشحخص، فإن كانت صحيحة ويعدل بها:
وافقناه، وإن كانت غير صحيحة: بيَّنا وجه الخطأ فيها " قياساً على
الاستدلال على المذاهب، فإن المجتهد تجده يأخذ بمذهب معين، ثم
يقيم أدلة على ذلك، وتجد المجتهد الآخر يخالفه ويبين أدلته على
ذلك، فلو ذكر كل واحد منهما مذهبه بدون ذكر أدلة لما قبل.
وقلنا: جب بيان سبب الجرح " لاختلاف الناس فيما يجرح به،
فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً: فتجد
شحخصاً يرد الخبر بسبب تدليس الراوي، وتجد آخر يرد الخبر بسبب
فسق اعتقاد الراوي، وتجد ثالثاً يرد الخبر بسبب تعبير الراوي بالعنعنة
وتجد رابعاً يرد الخبر بسبب إسباله لثوبه وإزاره، وتجد خامساً يرد
الخبر بسبب كذب الراوي مرة واحدة في العمر، وكل ما سبق فيه
نظر هل يجرح به ويفسق أم لا؟
وقد ثبت عن بعض العلماء أنه ردَّ تجريح بعض العلماء الآخرين،
وإليك بعض الأمثلة.
١ - ذهب الخطيب في الكفاية: أن الإمام الشافعي إنما أوجب
الكشف عن ذلك " لأنه بلغه أن إنساناً جرح رجلاً فسئل عما جرحه
به، فقال: رأيته يبول قائماً، فقيل له: ما في ذلك ما يوجب
стр. 699
جرحه؛ فقال: لأنه يقع الرشش عليه، وعلى ثوبه، ثم يصلي،
فقيل له: رأيته يصلي كذلك؛، فقال: لا، فهذا جرح بالتأويل،
والعالم لا يجرح أحداً بهذا.
٢ - أنه قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟
قال: رأيته يركض على برذونه فتركته،
ومن العلوم: أن هذا ليس بجرح موجب لتركه.
٣ - أن شعبة أتى النهال بن عمرو فسمع صوت الطنبور من بيته
فتركه، فقال له تلميذه وهب بن جرير: فهلا سألت؛ عسى أن لا
يعلم هو.
قال السخاوي - في شرح الألفية -: قال شيخنا -
يقصد ابن حجر -: " وهذا اعتراض صحيح، فإن هذا لا يوجب
قدحاً في النهال ".
٤ - أن الحكم بن عتبة سئل مرة: لِمَ لم ترو عن راذان؛ فقال:
كان كثير الكلام.
وهناك أمثلة كثيرة لكون بعض العلماء يجرحون بعض الأشخاص،
فإذا سئلوا عن السبب اتضح أن السبب الذي جرح به لا يصلح
لتجريح الراوي.
فبان: أن الحق أنه لا بد من ذكر سبب التعديل والجرح حتى يسبر
ويختبر، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان غير ذلك رددناه.
المذهب الثاني: أنه لا يلزم الجارح والمعدل ذكر سبب الجرح
والتعديل، فيقبل قولهما بدون ذكر السبب.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم القاضي أبو بكر.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنا نكتفي ببصيرة المعدل
стр. 700
والجارح، فهما عارفان بالأمور التي يُعدَّل بها، وبالأمور التي يجرح
جوابه:
يجاب عنه: بما قلناه فيما سبق من أن بعض المعدلين قد ينخدعون
في المظاهر، وقد يكون مظهر الشخص يختلف عن باطنه، وهذا قد
كثر في الأزمنة المتأخرة.
ولا يكتفي ببصيرة الجارح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به، فقد
يعتقد الجارح شيئاً جارحاً، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وقد بيَّناه
فيما سبق.
المذهب الثالث: أنه لا يلزم الجارح ذكر سبب الجرح، فيقبل قوله
بدون ذكر السبب؛ لأن مطلق الجرح مبطل للثقة.
أما المعدل فيلزمه ذكر سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا تحصل
به الثقة، نظراً لتسارع الناس إلى الظاهر - كما سبق بيانه -.
جوابه:
يجاب عنه بأنه لا فرق بين التعديل والجرح، بل إن ذكر سبب
الجرح أَولى؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به أكثر من اختلافهم فيما
يعدل به.
المذهب الرابع: - عكس الثالث - وهو: أنه لا يلزم المعدل ذكر
سبب التعديل، فيقبل قوله بدون ذكر السبب؛ لكثرة أسباب التعديل
فيشق ذكرها.
أما الجارح فيلزمه ذكر سبب الجرح لنرى فيه، وذلك لاختلاف
الناس في سبب الجرح - كما سبق -.
стр. 701
جوابه:
يجاب عنه: بأنكم فرقتم بين متماثلين، ثم إنا لا نجد تلك الشقة
التي تكون في ذكر أسباب التعديل.
المذهب الخامس: أن ذكر السبب وعدم ذكره يختلف باختلاف
العدلين والمزكين والمجروحين، فإن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل
اكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم يكن عارفاً فلا بد من ذكر سبب
التعديل والجرح لنرى فيهما.
ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية.
جوابه:
يجاب عنه: بأن علمنا بأن هذا الشخص عالم بأسباب الجرح
والتعديل، أو غير عالم لا يمكن؛ لأن بعض الناس قد يذَعي
معرفته بذلك، فإذا دققنا فيه وجدناه غير عارف، أو أنه يجعل أسبابا
تعدل وتجرح ويدعي بأنها هي الأسباب الحقيقية، بينما الأمر غير
ذلك فلا ضابط لذلك.
لذلك اضطررنا إلى الأخذ بالمذهب الأول وهو: أن يبين العدل
والمجرح سبب الجرح والتعديل مطلقاً، سواء كان عارفا لأسباب
التعديل والجرح أو ليس كذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن أسباب التعديل والجرح لا ضابط لها.
ثانيهما: الاحتياط للشريعة، والابتعاد عن ظلم الآخرين.
عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدَّل:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه
باسم رجل آخر مجروح، فإن خبره لا يقبل؛ نظراً للاشتباه بالاسم
стр. 702
الثاني؛ وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل
روايته، بل يتوقف حتى يعلم هل هو المجروح أو غيره، ويفعل
المدلسون ذلك أحياناً: يذكرودن الراوي الضعيف باسم يشاركه فيه راو
تقة.
حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه:
إذا كان للراوي اسمان، وهو بأحدهما أشهر: فإنه تجوز الرواية
عنه بواسطة الاسم المشهور؛ لأنه عُرِف به.
وإذا اختلف في اسم الراوي، وله كنية أو لقب يعرف به، فلا
يرد بذلك خبره ولا روايته، لأنه عرف بتلك الكنية واللقب، وخرج
عن الجهالة.
ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم:
هذا له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا جرح عمرو الراوي، وعدَّله زيد، ولم يذكر
كل واحد منهما سبب ذلك: فإنه يقدم قول الجارح، ويرد خبر ذلك
الراوي؛ لأن الجرح تضمن زيادة لم يعرفها المعدل، ولم ينف
المعدل هذا الجرح، لامتناع الشهادة على النفي، ولأن الجارح مصدق
للمعدل فيما يخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه - أي الجارح - يخبر
عن أمر باطن خفي عن المعدل.
وهذا على رأي من يجوز قبول قول الجارح والمعدل بدون ذكر
السبب.
وقد أجبنا عنه فيما سبق.
الحالة الثانية: إذا جرح عمرو الراوي، وعدله زيد، وذكر
стр. 703
الجارح سبب الجرح بأن يقول: " رأيته وقد قتل فلاناً " فلا يخلو من
أمرين:
الأول: إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك.
الثاني: أن يتعرض المعدل لنفيه.
فإن كان الأول - وهو: عدم تعرض المعدل لنفي ذلك - فإنه
يقدم قول الجارح؛ لأن قوله تضمن زيادة لم يعرفها المعدل ولم ينفها
- كما سبق -.
وإن كان الثاني - وهو: تعرض المعدل لنفي ذلك - بأن قال
المعدل: " رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك "، فهاهنا يتعارضان
ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بشدة التورع، والتحفظ، وزيادة
البصيرة، ونحو ذلك.
الحالة الثالثة: إذا ورد التجريح والتعديل من واحد، أي: أن
زيداً جرح عمراً وعدَّله، ففيه تفصيل:
فإن علمنا التأخر من المتقدم من الجرح والتعديل، فإنا نعمل
بالمتأخر، لكونه نسخ المتقدم.
وإن لم نعلم المتأخر من المتقدم، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو
تعديله.
ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدلين.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
стр. 704
وهو الحق، لأن سبب تقدم الجرح هو اطلاع الجارح على زيادة
في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدل؛ لأن المعدلين وإن كثروا
ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به
الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود
زيادة في الجرح.
المذهب الثاني: أنه يقدم التعديل.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن كثرة المعدلين تقوي
حالهم، وقلة الجارحين تضعف قولهم، فالكثرة تقدم على القلة؛
حيث إن الكثرة تقوي الظن، والظن إذا قوي وجب العمل به.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المعدلين مهما كثروا، فإنه قد خفيت عليهم
الزيادة في العلم التي أتى بها المجرح، وهم - أي: العدلون - لم
ينفوا تلك الزيادة التي ذكرها المجرح، فلا يلتفت إلى الكثرة مع
وجود زيادة في الجرح كما قلنا.
***
المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية المحدود بالقذف:
إذا قذف مكلف آخر بالزنا وحدَّه الإمام حدَّ القذف فهل روايته
مقبولة؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
стр. 705
المذهب الأول: أن روايته مقبولة، أي: نقبل خبره بشرط: أن
يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول
مخرج القذف فلا تقبل إلا إذا ثبتت توبته.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: الوقوع، فقد ورد أن أبا بكرة - نفيع بن الحارث
ابن كلدة الثقفي - قد شهد - هو واثنان معه - على المغيرة بن شعبة
بالزنا، ولم تتم الشهادة فجلده عمر ثمانين جلدة حد القذف، ومع
ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه من الأحاديث، وقد ورد في
كتاب " الخلاصة " أن لأبي بكرة مائة واثنين وثلاثين حديثاً، اتفق
البخاري ومسلم على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم
بأخرى، روى عنه أولاده عبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبيد اللَّه،
ومسلم، وجماعة.
الدليل الثاني. أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن
لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا؛ ونقصان عدد الشهادة لم
يكن من جهته ولا من فعله، وبناء على نقص الشهادة أقام الإمام
الحد على هؤلاء الذين لم تكتمل شهادتهم، وذلك لا يقدح بعدالة
المحدود بالقذف؛ لأنه - كما قلنا - لا دخل له فيما حصل من
نقصان العدد في الشهادة، فلا مانع من قبوله روايته.
المذهب الثاني: أن المحدود في القذف تقبل روايته مطلقاً، سواء
كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.
ذهب إلى ذلك جمهور الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء على ذلك: بأن هذا المحدود قد توفرت فيه شروط
следующие страницы →