Полный текст (2 303 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
جوابه:
يجاب عنه: بأنكم فرقتم بين متماثلين، ثم إنا لا نجد تلك الشقة
التي تكون في ذكر أسباب التعديل.
المذهب الخامس: أن ذكر السبب وعدم ذكره يختلف باختلاف
العدلين والمزكين والمجروحين، فإن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل
اكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم يكن عارفاً فلا بد من ذكر سبب
التعديل والجرح لنرى فيهما.
ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية.
جوابه:
يجاب عنه: بأن علمنا بأن هذا الشخص عالم بأسباب الجرح
والتعديل، أو غير عالم لا يمكن؛ لأن بعض الناس قد يذَعي
معرفته بذلك، فإذا دققنا فيه وجدناه غير عارف، أو أنه يجعل أسبابا
تعدل وتجرح ويدعي بأنها هي الأسباب الحقيقية، بينما الأمر غير
ذلك فلا ضابط لذلك.
لذلك اضطررنا إلى الأخذ بالمذهب الأول وهو: أن يبين العدل
والمجرح سبب الجرح والتعديل مطلقاً، سواء كان عارفا لأسباب
التعديل والجرح أو ليس كذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن أسباب التعديل والجرح لا ضابط لها.
ثانيهما: الاحتياط للشريعة، والابتعاد عن ظلم الآخرين.
عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدَّل:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه
باسم رجل آخر مجروح، فإن خبره لا يقبل؛ نظراً للاشتباه بالاسم
стр. 702
الثاني؛ وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل
روايته، بل يتوقف حتى يعلم هل هو المجروح أو غيره، ويفعل
المدلسون ذلك أحياناً: يذكرودن الراوي الضعيف باسم يشاركه فيه راو
تقة.
حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه:
إذا كان للراوي اسمان، وهو بأحدهما أشهر: فإنه تجوز الرواية
عنه بواسطة الاسم المشهور؛ لأنه عُرِف به.
وإذا اختلف في اسم الراوي، وله كنية أو لقب يعرف به، فلا
يرد بذلك خبره ولا روايته، لأنه عرف بتلك الكنية واللقب، وخرج
عن الجهالة.
ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم:
هذا له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا جرح عمرو الراوي، وعدَّله زيد، ولم يذكر
كل واحد منهما سبب ذلك: فإنه يقدم قول الجارح، ويرد خبر ذلك
الراوي؛ لأن الجرح تضمن زيادة لم يعرفها المعدل، ولم ينف
المعدل هذا الجرح، لامتناع الشهادة على النفي، ولأن الجارح مصدق
للمعدل فيما يخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه - أي الجارح - يخبر
عن أمر باطن خفي عن المعدل.
وهذا على رأي من يجوز قبول قول الجارح والمعدل بدون ذكر
السبب.
وقد أجبنا عنه فيما سبق.
الحالة الثانية: إذا جرح عمرو الراوي، وعدله زيد، وذكر
стр. 703
الجارح سبب الجرح بأن يقول: " رأيته وقد قتل فلاناً " فلا يخلو من
أمرين:
الأول: إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك.
الثاني: أن يتعرض المعدل لنفيه.
فإن كان الأول - وهو: عدم تعرض المعدل لنفي ذلك - فإنه
يقدم قول الجارح؛ لأن قوله تضمن زيادة لم يعرفها المعدل ولم ينفها
- كما سبق -.
وإن كان الثاني - وهو: تعرض المعدل لنفي ذلك - بأن قال
المعدل: " رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك "، فهاهنا يتعارضان
ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بشدة التورع، والتحفظ، وزيادة
البصيرة، ونحو ذلك.
الحالة الثالثة: إذا ورد التجريح والتعديل من واحد، أي: أن
زيداً جرح عمراً وعدَّله، ففيه تفصيل:
فإن علمنا التأخر من المتقدم من الجرح والتعديل، فإنا نعمل
بالمتأخر، لكونه نسخ المتقدم.
وإن لم نعلم المتأخر من المتقدم، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو
تعديله.
ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدلين.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
стр. 704
وهو الحق، لأن سبب تقدم الجرح هو اطلاع الجارح على زيادة
في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدل؛ لأن المعدلين وإن كثروا
ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به
الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود
زيادة في الجرح.
المذهب الثاني: أنه يقدم التعديل.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن كثرة المعدلين تقوي
حالهم، وقلة الجارحين تضعف قولهم، فالكثرة تقدم على القلة؛
حيث إن الكثرة تقوي الظن، والظن إذا قوي وجب العمل به.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المعدلين مهما كثروا، فإنه قد خفيت عليهم
الزيادة في العلم التي أتى بها المجرح، وهم - أي: العدلون - لم
ينفوا تلك الزيادة التي ذكرها المجرح، فلا يلتفت إلى الكثرة مع
وجود زيادة في الجرح كما قلنا.
***
المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية المحدود بالقذف:
إذا قذف مكلف آخر بالزنا وحدَّه الإمام حدَّ القذف فهل روايته
مقبولة؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
стр. 705
المذهب الأول: أن روايته مقبولة، أي: نقبل خبره بشرط: أن
يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول
مخرج القذف فلا تقبل إلا إذا ثبتت توبته.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: الوقوع، فقد ورد أن أبا بكرة - نفيع بن الحارث
ابن كلدة الثقفي - قد شهد - هو واثنان معه - على المغيرة بن شعبة
بالزنا، ولم تتم الشهادة فجلده عمر ثمانين جلدة حد القذف، ومع
ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه من الأحاديث، وقد ورد في
كتاب " الخلاصة " أن لأبي بكرة مائة واثنين وثلاثين حديثاً، اتفق
البخاري ومسلم على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم
بأخرى، روى عنه أولاده عبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبيد اللَّه،
ومسلم، وجماعة.
الدليل الثاني. أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن
لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا؛ ونقصان عدد الشهادة لم
يكن من جهته ولا من فعله، وبناء على نقص الشهادة أقام الإمام
الحد على هؤلاء الذين لم تكتمل شهادتهم، وذلك لا يقدح بعدالة
المحدود بالقذف؛ لأنه - كما قلنا - لا دخل له فيما حصل من
نقصان العدد في الشهادة، فلا مانع من قبوله روايته.
المذهب الثاني: أن المحدود في القذف تقبل روايته مطلقاً، سواء
كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.
ذهب إلى ذلك جمهور الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء على ذلك: بأن هذا المحدود قد توفرت فيه شروط
стр. 706
الراوي، وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فما
المانع من قبول روايته؟
يجاب عنه: بأنا قبلنا خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ الشهادة
لما ذكرناه من الدليلين السابقين، ولما ذكرتم من اجتماع شروط
الراوي فيه.
ولم نقبل خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ القذف؛ لأنه قد فسق
بهذا، فإن تاب توبة نصوحاً قبلنا خبره؛ لأنه يلحق بالأول ولا فرق.
المذهب الثالث: أن المحدود في القذف لا تقبل روايته مطلقاً،
أي: سواء كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.
نسب هذا إلى أبي حنيفة، ونفى هذه النسبة بعض الحنفية كابن
الهمام في " التحرير ".
دليل هذا المذهب:
استدل لهذا المذهب بأن القاذف بالزنا الذي لم تتم شهادته قد
اتهم بالكذب، ولذلك حدَّه الإمام حدَّ القذف، ويبقى هذا الاتهام
بعد الحد، ومع بقاء ذلك لايقبل منه شيء.
جوابه:
يجاب عنه بأن ترجيح صدقه ممكن، نظراً لتوفر شروط الراوي
الأربعة فيه، أما عدم إكمال العدد في الشهادة على الزنا فلم يكن
من فعله، ولذلك أقام الإمام عليه حد القذف، وهذا لا يقدح في
عدالته فلا مانع من قبول روايته.
стр. 707
المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر:
الراوي للخبر إما أن يكون صحابياً، أو غير صحابي.
فالصحابي إذا نقل خبراً عن النبي ﷺ ، فإنه ينقله بألفاظ وطرق وكيفيات، وكذلك غير الصحابي، لذلك قسمت الكلام عن هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: في كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر.
القسم الثاني: في كيفية ألفاظ غير الصحابي في نقل الخبر.
وإليك بيان ذلك فأقول:
القسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر وتتبين فيما يلي:
أولاً: الحكم إذا قال الصحابي: " سمعت النبي يقول، أو
أخبرني، أو حدَّثني، أو شافهني ":
إذا قال الصحابي: " سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول كذا "، أو قال: " أخبرني رسول اللَّه بكذا "، أو قال: " حدَّثني بكذا "، أو
قال: " شافهني بكذا "، فإن هذا خبر عن رسول اللَّه ﷺ يجب قبوله والعمل به بإجماع العلماء؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي وبين رسول اللَّه ﷺ ، فلا يتطرق إلى هذه الرواية أيُّ احتمال.
ثانياً: إذا قال الصحابي: " قال رسول اللَّه ﷺ ، أو: " أخبر رسول اللَّه "، أو: " حدَّث رسول اللَّه "، فما الحكم؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنا نحكم بأنه سمعه من النبي ﷺ ، فيكون حُجَّة كقوله: " سمعت ﷺ يقول كذا ".
стр. 708
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي:
الدليل الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: " قال
رسول اللَّه ﷺ ، فإنه لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي ﷺ ؛ إذ لا يمكن أن يجزم بذلك إذاً إلا عن سماع؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية وطرق استعمالاتها المتأكد من أن هذه الشريعة سيعمل بها إلى قيام الساعة: أنه لا يأتي بلفظ يوهم معنى ويريد غيره.
بخلاف غير الصحابي إذا قال ذلك، فإن قرينة حاله تدل على أنه
لم يسمع من النبي ﷺ .
الدليل الثاني: اتفاق السلف على أن الخبر إذا نقل على هذه الصفة
- وهي قول الصحابي: " قال رسول اللَّه كذا " - فإنهم لم يفهموا
من ذلك إلا السماع من النبي ﷺ مباشرة، فلذلك اتفقوا على قبوله.
المذهب الثاني: أنه لا يحكم بأنه إذا قال: " قال رسول اللَّه ﷺ كذا " أنه قد سمعه عن النبي ﷺ مباشرة بل هو متردد بين أن يكون سمعه عن النبي ﷺ وبين أن يكون قد سمعه من غيره.
ذهبِ إلى ذلك أبو الخطاب الحنبلي، ونسبه الآمدي، وأبو يعلى
إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وهذه النسبة إلى الباقلاني قد أنكرها
الزركشي في البحر المحيط، وأكد أن القاضي الباقلاني مع الجمهور.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم:
إن صيغة: " قال رسول اللَّه " أعم من صيغة: " سمعت رسول
الله "، وذلك لأن قوله: " قال رسول اللَّه " يعم ما سمعه من النبي ﷺ -
стр. 709
مباشرة، ويعم ما حكاه له صحابي آخر عن النبي ﷺ أما قوله: " سمعت النبي ﷺ "، فهو خاص بالأصل وهو: ما سمعه من النبي ﷺ مباشرة.
ويدل على عموم الصيغة الأولى: أنه وقع من بعض الصحابة
﵃ أنهم يعبرون بها - أي: بقولهم: " قال رسول
الله " - عما سمعوه من النبي ﷺ مباشرة وهذا كثير، ويعبرون بهذه الصيغة عما سمعوه من صحابة آخرين، فلما استكشفوا وروجعوا بيَّنوا وقالوا: لم نسمعه من النبي ﷺ مباشرة، بل حدَّثنا به فلان عن النبي ﷺ من ذلك ما نقل عن ابن عباس ﵄
أنه كان يقول: قال النبي ﷺ : " لا ربا إلا في النسيئة "، فلما سئل عنه قال: حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: " الربا في النسيئة "، وكذلك أبو هريرة كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ :
"من أصبح جنباً فلا صوم له "، فلما بينت عائشة - رضي الله
عنها - أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم، قال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي ﷺ ، وإنما سمعته من الفضل بن العباس.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
أولها: أن نقل الصحابي الحديث عن غيره من الصحابة ثبت في
وقائع قليلة، والوقائع القليلة لا يثبت بها قاعدة أصولية، بخلاف
نقل الصحابي الحديث عن النبي ﷺ .
ثانيها: أنه لو فرض أن الصحابي قال: " قال رسول اللَّه ﷺ " وهو لم يسمعه مباشرة من النبي ﷺ ، بل سمعه من بعض الصحابة،
стр. 710
فإن هذا يصبح مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع
العلماء المعتد بأقوالهم، فيكون لا فرق بينه وبين قوله: " سمعت
رسول اللَّه يقول ".
ثالثها: أنه على فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي ﷺ ، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة كلهم عدول كما سبق بيانه.
ثالثاً: إذا قال الصحابي: " أمر رسول اللَّه ﷺ بكذا "، أو "نهى عن كذا "، أو " حرم كذا "، أو " أباح كذا "، أو " فرض
كذا "، أو " يأمر بكذا "، أو " ينهي عن كذا "، فما الحكم؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه حُجَّة، وأن الحكم يثبت بذلك، ويحكم به
بالأمر والنهي.
هذا ما ذهب إليه الجمهور.
وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أن بعض الصحابة ﵃ كان ينقل
الحديث بمثل تلك الألفاظ - نهى رسول اللَّه أو أمر ... إلخ - وكان
الصحابة الآخرون يقبلون هذا، ويعولون عليه، ويحتجون به من
غير نكير، ولا يمكن لمن اختارهم اللَّه لصحبة نبيه ﷺ أن يعولوا ويعتمدوا على شيء لا تقوم به الحُجَّة، فكان ذلك إجماعا سكوتيا
على ذلك.
من ذلك ما قاله بعض الصحابة: إن رسول اللَّه ﷺ أمر بالمضمضة والاستنشاق، وأمر ألا توصل صلاة بأخرى، وفرض زكاة
стр. 711
الفطر صاعاً من تمر..، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى
الصلاة، وأمر برجم ماعز، والغامدية، ونهى عن المخابرة، ونهى
عن الوصال، ونهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى،
ونهى عن الضرر والضرار، ونهى عن قراءة القرآن في الركوع
والسجود، والأمثلة على ذلك كثير.
الدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابي وهو المشهود له
بالعدالة، ومعرفته بأوضاع اللغة وطرق استعمالاتها: أن لا يطلق
ذلك اللفظ - وهو أمر رسول اللَّه ﷺ ، أو نهى، أو فرض ... إلخ - إلا إذا كان متيقناً وعالماً تمام العلم أن النبي ﷺ أمر بذلك أو نهى حقيقة، بحيث سمعه يقول: " أمرتكم بكذا "، أو يقول: "افعلوا كذا "، أو يقول: " نهيتكم عن كذا "، أو يقول:
" لا تفعلوا كذا "، وينظم إلى ذلك من القرائن ما يدل كونه أمراً، أو
يدرك ضرورة قصده الأمر أو النهي، أو نحو ذلك مما ذكر.
وذلك نفياً للتدليس والتلبيس عن الصحابي بنقل ما يوجب على سامعه
اعتقاد الأمر والنهي فيما لا يعتقده أمراً أو نهياً.
المذهب الثاني: أن الصحابي إذا قال: " أمر رسول اللَّه أو نهى ... إلخ "، فإن هذا لا يثبت به الحكم، ولا يحكم به بالأمر
والنهي، وأنه لا حُجَّة فيه ما لم ينقل لفظ رسول اللَّه ﷺ .
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وحكاه الجزري من الظاهرية عن
داود الظاهري
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الحُجَّة بلفظ الرسول
ﷺ ، وقول الصحابي: " أمر رسول اللَّه، أو نهى ... إلخ "
стр. 712
لا يدل على وجود الأمر والنهي حقيقة، وذلك لأنه يتطرق إليه
احتمالان:
الاحتمال الأول: أن هذا التعبير ليس نصا صريحاً في سماعه من
الرسول ﷺ مباشرة، بل يحتمل أن يقول الصحابي:
" أمر رسول اللَّه ﷺ أو نهى " اعتماداً على ما بلغه تواتراً، أو بلغه بلسان يثق بقوله.
الاحتمال الثاني: أن العلماء اختلفوا في صيغ ومعاني الأوامر،
فمنهم من قال: الأمر المطلق للوجوب، ومنهم من قال: هو
للندب، ومنهم من قال: للإباحة.
وكذلك اختلفوا في صيغ ومعاني النواهي، فمنهم من قال:
النهي المطلق يقتضي التحريم، ومنهم من قال: هو للكراهة.
فإذا كان كذلك فربما ظن الصحابي الراوي واعتقد ما ليس بأمر
أمراً، وما ليس بنهي نهياً، أي: سمع الصحابي الراوي صيغة
اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك حقيقة مما يسبب اللبس في
أوامر الشريعة ونواهيها.
ونظراً لهذين الاحتمالين قلنا: إنه لا يحكم به بالأمر والنهي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الاحتمال الأول مسلَّم وقد يقع، ولكنه لا يمنع
من قبول قول الصحابي: " أمر رسول اللَّه أو نهى " فهو حُجَّة،
وكأنه سمعه من النبي ﷺ مباشرة؛ لأنه مرسل صحابي، ومرسل الصحابي مقبول بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، فلا فرق بينه وبين
قوله: " قال رسول اللَّه "، أو " سمعت رسول اللَّه ".
стр. 713
أما الاحتمال الثاني - وهو أنه قد يعتقد ما ليس بأمر أمراً، وما
ليس بنهي نهياً - فإنه يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الغلط والوهم من الصحابة بعيد جداً، نظراً
لمعرفتهم الدقيقة باللغة العربية وطرق استعمالاتها وأساليبها،
ومعرفتهم يعموم وشمول هذه الشريعة لهم ولغيرهم ممن سيأتي
بعدهم إلى قيام الساعة - فلا يمكن - والأمر كذلك - أن يتساهلوا
بهذا لعلمهم بأن فيه تدليساً وتلبيساً على الأُمة، وهذا مستحيل على
الصحابة المشهود لهم بالعدالة من قِبَل اللَّه ورسوله.
لذلك يجب علينا حمل ظاهر أقوالهم وأفعالهم على أنها سليمة
وصحيحة وموافقة لما أمر به رسول اللَّه ونهى عنه - مهما أمكن -.
الجواب الثاني: وقولكم - في الاحتمال الثاني - يمكن أن يصح
لو كان الاختلاف في صيغ الأوامر والنواهي مبنيا على اختلاف
الصحابة فيها.
ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فلم يرد عن الصحابة - رضوان
الله عليهم - أنهم اختلفوا في تلك الصيغ واقتضائها، إذ لو كان
هناك اختلاف في ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا اختلافهم في بعض
الأحكام الفقهية كاختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في مسألة الجد
والأخوة، واختلاف عائشة مع ابن عمر في نقض شعر المرأة في
الاغتسال من الجنابة، واختلاف عليّ وعثمان في الجمع بين الأختين
الأمتين، واختلاف عليّ مع عمر في بيع أمهات الأولاد، واختلاف
علي مع ابن مسعود في المفوضة، واختلافهم في العول، وغير ذلك
من المسائل الفقهية التي نقلت إلينا.
ثم اعلم أنه ليس من ضرورة اختلاف العلماء في زمن من
стр. 714
الأزمان - بعد الصحابة - في مسألة معينة أن يكون هذا الاختلاف مبنيا
على اختلاف الصحابة بدليل: أن علماء السلف والخلف اختلفوا في
كثير من المسانل الأصولية والفقهية في حين أنه لم يرد عن الصحابة
أنهم اختلفوا في أي منها.
المذهب الثالث: التفصيل، وبيانه:
إن كان الصحابي القائل لذلك من أهل المعرفة باللغة وطرق
استعمالاتها وأساليبها، فإن هذا يجعل قوله: " أمر رسول اللَّه ﷺ أو نهى رسول اللَّه " مثل نقله لفظة الأمر حقيقة، وذلك نظراً لتلك المعرفة.
أما إن كان الصحابي غير ذلك، فإنه يجوز عليه احتمال أنه يجعل
ما ليس بأمر أمراً وما ليس بنهي نهياً، وذلك لجهله باللغة العربية
وطرق استعمالاتها.
حكى هذا المذهب كل من القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العدل الثقة إذا نقل شيئاً مطلقاً، فإنا نحمله على
أرجح محامله، إلا إن وجد ما يعارض ذلك، فلا يتعرض لتقرير
وجوه البطلان فيه، يؤيد ذلك: أن الشخص إذا شهد على بيع أو
إجارة، أو غيرهما من العقود فإنا لا نكلفه أن ينعت لنا وجه الصحة
فيما يشهد عليه، بل يكتفي بإطلاقه القول، وكذا هنا.
والصحابي الذي ليس من أهل المعرفة باللغة - إن وجد - لا يمكن
أن يعبر بمثل هذا ويقول: " أمر رسول اللَّه أو نهى " إلا إذا كان
стр. 715
متأكداً من أن ذلك أمر حقيقة، وإن شك في ذلك فإنه يسكت نظراً
لعدالته.
المذهب الرابع: التوقف، وهو الذي يفهم من كلام الإمام الرازي
في " المحصول "، وهو الذي حكاه إمام الحرمين عن بعض الظاهرية
في " التلخيص "، وذلك لتعارض الأدلة.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أنه
يحكم به.
رابعاً: قول الصحابي: " أُمِرْنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "،
أو " أوجب علينا كذا "، أو " حُرِّم علينا كذا "، أو " أُبيح لنا كذا"
ونحو ذلك من الفعل المبني للمجهول، ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الصحابي إذا قال ذلك، فإنه يفيد أن الآمر
والناهي هو الرسول ﷺ ، ولا يحمل على غير ذلك.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح، لدليلين:
الدليل الأول: أن مراد الصحابي وغرضه من نقله لهذا الخبر بهذه
الصيغة - وهي أمرنا أو نهينا - هو الاحتجاج به لإثبات الأحكام
الشرعية، فيجب حمل الأمر على أنه صدر ممن يحتج بقوله وهو
الرسول ﷺ ، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.
الدليل الثاني: أن الواقع يشهد لذلك، حيث إنه من المعروف أن
стр. 716
من يتبع رئيساً أو أميراً إذا قال: " أمرنا بكذا "، أو " نهينا عن
كذا"، وأطلق ذلك فإنه يفهم منه أن الآمر هو ذلك الرئيس أو الأمير،
فكذلك الصحابة بالنسبة للنبي ﷺ مثل ذلك ولا فرق، فإنه إذا قال الصحابي: " أمرنا "، أو " نهينا "، فإنه لا يفهم من ذلك إلا أن الآمر والناهي هو النبي ﷺ .
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: " أمرنا. "، أو " نهينا " - وما
ذكر هنا - لا يفيد هذا أن الآمر هو الرسول ﷺ ، ولا يضاف إليه، وبالتالي لا يكون حُجَّة.
ذهب إلى ذلك أبو الحسين الكرخي، والسرخسي، والجصاص،
وأبو بكر الصيرفي، والإسماعيلي، وإمام الحرمين، وأكثر مالكية
بغداد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن قول الصحابي ذلك
ليس بنص صريح في النقل بل يتطرق إليه ثلاثة احتمالات هي كما يلي:
الاحتمال الأول: أن قوله: " أمرنا أو نهينا " لا يفيد أنه سمعه من
النبي ﷺ مباشرة - فقط -، بل قد يحتمل أنه قال ذلك اعتماداً على ما بلغه بالتواتر، أو بلغه على لسان شخص يثق به.
الاحتمال الثاني: أن الصحابي ربما توهم ما ليس بأمر أمراً، وما
ليس بنهي نهياً.
الاحتمال الثالث: أنه يحتمل أن يكون الآمر غير النبي ﷺ من الأئمة والعلماء بدليل قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)
стр. 717
، فهنا أمر اللَّه باتباع أمره، وأمر
رسوله، وأمر العلماء، والخلفاء، والسلاطين المحكمين لشرع اللَّه.
وعلى هذا يكون ذلك متردداً بين كونه مضافاً إلى النبي ﷺ ، وبين كونه مضافاً إلى الأئمة والعلماء، وإذا احتمل هذا وذاك فلا يكون مضافا إلى النبي ﷺ ، بل ولا يكون حُجَّة.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول، والاحتمال الثاني
باطلان؛ لما سبق من الدليل والتعليل.
أما الاحتمال الثالث - وهو قولهم: يحتمل أن الآمر غير النبي
ﷺ من العلماء والولاة - فيجاب عنه بأن الصحابي إذا قال: " أمرنا أو نهينا "، وأطلق، فإنا لا نعقل من هذا الإطلاق سوى أن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ دون غيره؛ لأن الآمر والناهي حقيقة هو اللَّه تعالى، ويبلغنا بذلك رسوله ﷺ ، فإذا قال الصحابي: " أمرنا أو نهينا " انصرف إلى الحقيقة، ولا يقال: إن الآمر والناهي غيره إلا بقرينة، كما لو قال مثلاً: " هذا الفعل طاعة "، فإنه لا يعقل أحد إلا طاعة اللَّه تعالى وطاعة رسوله.
أما الآية، وهي قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، فإنه يحتمل أن يكون المراد بها: أطيعوا أولي الأمر فيما نقلوه من أمري، وما أخبروا به عن الرسول ﷺ ، كما
قال أبو يعلى الحنبلي.
المذهب الثالث: التفصيل، بيانه:
إن كان الصحابي القائل: " أمرنا ونهينا " من أكابر الصحابة
стр. 718
وعلمائهم كالخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن
ثابت، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس،
وغيرهم ممن يكثر مجالسة النبي ﷺ ، فإنه يغلب على الظن أن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ ، حيث إن كثرة ملازمة النبي ﷺ تجعلنا
نكاد نجزم بأنه لا آمر ولا ناهي إلا هو ﷺ ، واحتمال أن الآمر والناهي غيره احتمال بعيد جداً.
أما إذا كان الصحابي لم يكثر ملازمة النبي ﷺ كمن يفد إلى النبي ﷺ ثم يعود، أو من تأخر إسلامه والتحق به في آخر سنة عاشها النبي ﷺ ، فإن احتمال كون الآمر والناهي غير النبي ﷺ احتمال قوي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق بين الصحابة لا دليل عليه،
فالصحابي الذي شهد له اللَّه ، وشهد له الرسول ﷺ بالعدالة إذا نقل شيئاً وأطلق قائلاً: " أمرنا ونهينا "، فإنا لا نحمله
إلا على أمر من له الأمر الحقيقي، وهو اللَّه تعالى الذي بلغنا به
رسوله ﷺ ، ولا نحمله على أمر غيره إلا بقرينة، وهذا الكلام ينطبق على جميع الصحابة.
تنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي: " أمرنا
ونهينا "، فالآمر والناهي هو الرسول ﷺ .
خامساً: قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا "، أو " السُّنَّة جارية
بكذا "، أو " مضت السُّنَّة بكذا "، ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
стр. 719
المذهب الأول: أنه لا يفهم من ذلك إلا سُنَّة النبي ﷺ ، فيحمل عليه دون غيره.
هذا ما ذهب إليه كثير من العلماء.
وهو الحق عندي، لدليلين هما:
الدليل الأول: أن غرض الصحابي ومراده من روايته لذلك أن
يعلمنا الشرع، فيجب حمل قوله: " من السُّنَّة كذا " - وغيرها من
الصيغ الأخرى مما في معناها - على أنه صادر منِ الشرع، وهو
سُنَّة النبي ﷺ .
الدليل الثاني: أن كلمة "؛ السنَّة" إذا أطقت في أحكام الشرع،
فإن المقصود بها ما سَنَّه رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه، لأنه إذا أريد بها سُنَّة غيره فإن لا تطلق، بل تضاف إلى صاحبها، يؤيد ذلك: ما انتشر على ألسنة جميع العلماء، وهو
قولهم: " عليكم بالقرآن والسُّنَّة "، فلا يعقل من ذلك إلا اتباع
النبي ﷺ ، دون غيره.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا ".. إلخ
لا يحمل على سُنة رسول اللَّه ﷺ .
وهو مذهب بعض العلماء، ونسبه الآمدي إلى الكرخي، ونسبه
الزركشي إلى الصيرفي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن اسم " السُّنَّة " متردد
بين سُنَّة النبي ﷺ وبين سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ حيث قال ﷺ :
"عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين "،
وقال عليّ بن أبي طالب:
стр. 720
" جلد رسول اللَّه ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّة ".
فإذا كان اللفظ متردد بين احتمالين فلا يكون صرفه إلى أحدهما
دون الآخر أَوْلى من العكس.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يعارض ما ذهبنا إليه، بيان ذلك:
أننا قلنا: إن لفظ " السُّنَّة " إذا أطلق فلا يتبادر إلى الذهن من
هذا الإطلاق شرعاً إلا سُنَّة رسول اللَّه ﷺ دون غيره، أما إذا وجدت قرينة، فإنا نحمل لفظ " السُّنَّة " على ما دلَّت عليه تلك
القرينة.
وأما قوله ﷺ : " عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين "، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، فكأنه قال: عليكم بما سمعتموه مني، وبما حدَّثكم به خلفائي عني.
وكذلك قول عليّ يحمل على سُنَّته ﷺ ؛ لأن الزيادة حد، وقد ثبت الحد بالسُّنَّة.
تنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي:
" من السُّنَّة كذا "، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم، ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك، ويطلق إلا وهو يريد سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، حيث هو الذي تجب طاعته.
وقيل: لا يحمل على سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ؛ لتطرق احتمال أن يقصد التابعي سُنَّة الصحابة، والجواب عن ذلك كما سبق.
стр. 721
وقيل: الفرق بين قول سعيد بن المسيب فيحمل على سُنَّة رسول
الله ﷺ ، نظراً لثبوت ذلك عنه، وبين قول غيره فيتطرق إليه الاحتمال، والجواب عنه: أن العدل الثقة لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان قاصداً سُنَّة من تقوم الحُجَّة بقوله وهو النبي ﷺ ، ولا فرق بين عالِم وعالِم في ذلك.
سادساً: قول الصحابي: " عن النبي ﷺ " ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه ظاهر في أن الصحابي قد سمعه من النبي ﷺ وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق
ذلك إلا لأنه سمعه حقيقة من النبي ﷺ ، حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي ﷺ ، أو شك في ذلك، وقد سبق بيان ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يحمل على أنه سمعه من النبي ﷺ ، بل قد يكون سمعه من غيره بالتواتر أو ممن يثق بقوله، ونظراً لهذا
الاحتمال، فإنه لا يحكم بأنه سمعه من النبي ﷺ ، فلا يكون حُجَّة حتى يثبت بالقرائن على أنه سمعه عن النبي ﷺ .
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال وارد، ولكنه لا يمنع من قبول
قول الصحابي: " عن النبي "، فهو حُجَّة فكانه سمعه من النبي
ﷺ ، وذلك لأنه مرسل صحابيْ، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، إذن لا فرق بينه وبين قوله:
" قال رسول اللَّه ".
стр. 722
المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يأتي دليل يرجح أحد
الأمرين، وهو اختيار فخر الدين الرازي فى " المحصول "، وذلك
نظراً لتعارض أدلة أصحاب المذهبين السابقين، وضعف كل منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة الدليل على أنه
ظاهر في أنه سمعه من النبي ﷺ ، وضعف دليل أصحاب المذهب الثاني.
سابعاً: قول الصحابي: " كنا نفعل أو كانوا يفعلون " ما حكمه؟
فيه تفصيل وهو كما يلي:
إذا قال الصحابي: " كنا نفعل أو كانوا يفعلون "، وأطلق فإنه
لا يكون كالمستند فلا يكون حُجَّة اتفاقاً؛ لأن الحُجَّة في إقراره ﷺ ، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.
أما إذا قال الصحابي: " كنا نفعل فى عهد الرسول ﷺ ، أو كانوا يفعلون في عهد النبي ﷺ ، فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه كالمسند، فهو حُجَّة.
وهذا هو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن الصحابي ذكر ذلك في معرض الاحتجاج
لإثبات حكم من الأحكام يدل على أنه أراد ما علمه النبي ﷺ وسكت عنه، ولم يتبين أنه دليل، فأراد الصحابي أن يبين لنا ذلك
ليكون دليلاً شرعيا يستدل به في الأحكام الشرعية، ولا يكون كذلك
إلا وقد علمه الرسول ﷺ ، فلم ينكره.
стр. 723
الدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابة أنهم لا يقدمون على
أمر من أمور الدين، والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا إذا كان عالِماً به فيكون من السُّنَّة التقريرية.
المذهب الثاني: أن هذا التعبير لا يكون كالمسند، فلا يكون حُجَّة.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون
الصحابة يفعلون ما لا يعلمه الرسول ﷺ .
يؤيد ذلك الاحتمال: ما روي أن زيد بن ثابت كان يحدث الناس
بأن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، فسأله عمر عن ذلك
قال: حدَّثني أعمامي: " أبي بن كعب "، و " أبو أيوب "،
و"رفاعة"، وكان رفاعة عند عمر فقال رفاعة لعمر: " قد كنا نفعله
على عهد رسول اللَّه "، فقال عمر: ورسول اللَّه ﷺ يعلم؛ قال: لا علم له، فجمع عمر المهاجرين والأنصار فأشاروا إليه: أن لا غسل في ذلك، إلا علياً ومعاذاً قالا: إذا جاوز الختان، فقد وجب
الغسل، قال عمر: لا أسمع برجل يفعل ذلك إلا أوجعته، فهذه
القصة تدل على أن الصحابة كانوا يفعلون أشياء لا يعلمها النبي ﷺ .
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال - وهو كون الصحابة يفعلون ما لا
يعلمه ﷺ في عهده - لا دليل عليه، والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه.
أما القصة التي ذكروها فيمكن أن يجاب عنها بأن نقول: إنه في
стр. 724
أول الإسلام كان التقاء الختانين لا يوجب الغسل، ثم نسخ ذلك،
فعلم ذلك قوم، ولم يعلمه آخرون، فكان من لم يعلم النسخ
مستمراً على ذلك الحكم الذي كان في صدر الإسلام حتى تبين لهم
خبر عائشة ﵂ والعمل على حكم سابق جائز إذا لم
يعلم الناسخ، أما الإقدام على ابتداء فعل يتعلق بالدين من غير
استئذان الرسول ﷺ ، فلا يظن بالصحابة فعله.
ثامناً: قول الصحابي: " كانوا يفعلون كذا " هل يفيد حكاية الإجماع؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يفيد حكاية الإجماع، أي: أن الصحابي
يكون بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع على هذا الفعل.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن اللفظ - في قوله: كانوا يفعلون كذا -
يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛
لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن
يحمل على من قولهم حُجَّة، وهو الإجماع.
فلو كان الصحابي الراوي يحكي ذلك عن واحد منهم، أو عن
طائفة: لما قاله في معرض إقامة الحجة على حكم معين؛ لأن قول
البعض لا حُجَّة فيه.
المذهب الثاني: أنه لا يفيد حكاية الإجماع، أي: أنه لا يفيد
إضافة الفعل المحكي عن الصحابة إلى جميعهم ما لم يصرح
الصحابي الراوي بنقل الإجماع عن أهله.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
стр. 725
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لو كان ذلك مستندا إلى
فعل الجميع، لكان إجماعا، ونظراً لأنه يسوغ مخالفته عن طريق
الاجتهاد دلَّ على عوده على البعض دون الجميع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن سبب تسويغ الاجتهاد فيه هو: أن إضافة ذلك
إلى الجميع وقع ظنا، لا قطعا، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه
الواحد من الألفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي ﷺ لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد إذا ثبت بطريق القطع.
القسم الثاني - من قسمي كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر - هو:
كيفية ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر، وتتبين فيما يلي:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع، سواء كانت
قراءته إملاء من مكتوب، أو من حفظه، فتجوز الرواية عنه مع
العمل بذلك بالاتفاق.
ثانياً: الصيغ التي يتلفظ الراوي إذا أراد أن يُحدِّث بما سمعه من
شيخه فيما سبق، فيهاتفصيل:
١ - إن قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة فإن الراوي يقول:
"حدَّثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
٢ - إن قصد الشيخ إسماع الراوي مع. غيره فإنه يقول: " حدثنا
فلان "، و " أخبرنا فلان ".
٣ - إن لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفرداً ولا مع جماعة،
стр. 726
فلا يقول الصيغ السابقة، بل يقول: " سمعته يقول كذا "، أو
"يخبر بكذا "، أو " قال فلان كذا "، أو " سمعته يحدث بكذا ".
ثالثاً: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي أم العكس، أم
ماذا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن قراءة الشيخ على الراوي أقوى من قراءة
الراوي على الشيخ، وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أنه طريق رسول اللَّه ﷺ ؛ فإنه الذي كان يحدث أصحابه كما نقلوه عنه.
الدليل الثاني: أن قراءة الشيخ على الراوي أبعد عن الخطأ والسهو
والغلط؛ لكونه يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود،
وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
المذهب الثاني: العكس، وهو: أن قراءة الراوي على الشيخ
أقوى.
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة كما نقله عنه السرخسي، وحكاه ابن
الصلاح عن ابن أبي ذؤيب.
دليل هذا المذهب:
أن عناية الطلب أشد عادة؛ لأنه إذا قرأ الراوي على الشيخ كانت
المحافظة من الطرفين، وإذا قرأ الشيخ لا تكون المحافظة إلا منه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يسلَّم؛ فإن قراءة الشيخ على إلراوي
стр. 727
أقوى من العكس؛ لما قلناه، والراوي المستمع لقراءة الشيخ أحرص
على استماع كل ما يقوله شيخه، وكل منهما قد توفرت فيه شروط
الراوي - الإسلام والتكليف والضبط والعدالة -.
المذهب الثاني: هما سواء.
ذهب إلى ذلك الإمام مالك فيما نقله عنه ابن الصلاح، واختاره
ابن الساعاتي.
دليل هذا المذهب:
أن الذي يقرأ كتاباً ويسهو لا فرق فيه بين القارئ والسامع؛ نظراً
لمساواة من يتكلم أو يستمع فيستفهم فيقول: نعم.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يسلم تساوي القارئ والمستمع، فإن الشيخ
إذا قرأ مع تثبت ودقة في حين أن الراوي قد اتصف بشدة الطلب
يكون هذا أقوى وأصح.
رابعاً: قراءة الراوي " التلميذ " على الشيخ وهو يسمع، فيقول
الراوي للشيخ - بعد الفراغ من القراءة -: هل سمعت أيها الشيخ؛
فيقول الشيخ: نعم، أو يقول الشيخ: " الأمر كما قرئ عليّ "،
فتجوز الرواية عنه، مع العمل بذلك بالاتفاق.
خامساً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي
للشيخ: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فهل تجوز
الرواية عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل به.
стр. 728
وهذا هو مذهب جمهور العلماء بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ
أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة.
وهو الحق؛ لأنه لو لم يكن ما قرأه الراوي صحيحا كله لما سكت
الشيخ، بل لاعترض على الخطأ منه، ولكن سكوت الشيخ وعدم
اعتراضه دليل واضح على أن كل ما قرأه وما ذكره الراوي صحيح،
وما دام أنه صحيح فيجب العمل به.
أي: لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة لكان سكوت
الشيخ عَن الإنكار مع القدرة عليه فسقا؛ لما فيه من إيهام صحة ما
ليس بصحيح، وذلك بعيد جداً عن العدل الثقة.
أما إذا غلب على ظننا بأنه يوجد لدى الشيخ مانع من الإنكار
كغفلة فيه، أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي
هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من - نطقه بقوله: " نعم " أو
نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
المذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية عنه، ولا العمل به.
ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن سكوت الشيخ لا يكفي
في الدلالة على صحة ما قرأه، فقد يكون غافلاً، أو مكرها، أو
نحو ذلك، فلا بد من نطقه بأن يقول: " نعم ".
جوابه:
يجاب عنه: باننا لما قلنا: إن سكوت الشيخ إذا قرأ عليه الراوي
وقال له: هل سمعت أيها الشيخ يدل على صحة ما قرأه عليه،
стр. 729
فتجوز الرواية عنه، ويجب العمل به، فإننا لم نقل ذلك مطلقا،
بل اشترطنا: أن لا يكون عند الشيخ أيُّ مانع من الإنكار - إذا أخطأ
الراوي في القراءة - كما بينا فيما سبق، فلذلك لا يصح ذلك
الاحتمال الذين ذكرتموه.
سادسا: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما يريد التحدث بما قرأه
على شيخه هي: أن يقول: " أنبأنا فلان قراءة عليه "، أو يقول:
"حدَّثنا فلان قراءة عليه "، أو يقول: " أخبرنا فلان قراءة عليه "،
وهذا متفق عليه؛ لتصريحه بهذه الرتبة.
سابعاً: إذا قرأ الراوي على الشيخ، فهل يجوز أن يقول:
"أخبرنا"، أو " حدَّثنا " مطلقاً، أي: بدون عبارة: " قراءة عليه "؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول:
" أخبرنا أو حدَّثنا قراءة عليه ".
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وعبد اللَّه بن المبارك،
والإمام مسلم، والنسائي، وإلغزالي، - وأبو إسحاق الشيرازي،
والآمدي، وأبو الحسين البصري، وهو مذهب كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ قياسا على أنه لا يجوز لمن قرأ على الشيخ أن
يقول: " سمعت من فلان كذا "، والجامع: أن ظاهر هذه العبارة،
وقول التلميذ في هذه المسألة: " حدَّثنا أو أخبرنا " مطلقا: يقتضي:
أن الشيخ هو الذي تولى القراءة بنفسه، وهذا ليس بصحيح؛ حيث
إن حقيقة الأمر أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، فترك
عبارة: " قراءة عليه " يوهم السماع من لفظ الشيخ، وهذا كذب
في الرواية.
стр. 730
المذهب الثاني: أنه يجوز ذلك، فيقول: " أخبرنا وحدَّثنا " في
هذه المسألة بدون ذكر عبارة: " قراءة عليه ".
ذهب إلى ذلك الإمام أبو حنيفة، ومالك، ومحمد بن الحسن،
وأبو يوسف، والإمام أحمد في رواية أخرى عنه، والبخاري،
وسفيان بن عيينة، وأبو يعلى، وأبو بكر عبد العزيز، ومعظم
الحجازيين والكوفيين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:
أن الراوي إذا قرأ على الشيخ، فلما فرغ قال له: هل سمعت
أيها الشيخ؛ فقال: " نعم "، أو سكت - مع عدم المانع من
النطق -: كان هذا يعتبر إقراراً من الشيخ أن قراءة الراوي عليه
صحيحة، فكأنه بذلك قال له: " نعم قراءتك صحيحة "،
والجواب بلفظ: " نعم " خبر؛ قياسا على الشهادة، فلو قال
شخص لعمرو: " هل لزيد عليك خمسة ريالات؛ "، فقال
عمرو: نعم: كان للشاهد عليه أن يقول: " أشهدني على نفسه
بخمسة ريالات " قال ذلك مع أنه لا يوجد إلا لفظ " نعم "،
فكذلك في الرواية فإذا قال الشيخ: " نعم "، فإنه يكون.
تقدير الكلام: " نعم أخبرني بأني رويت له كذا ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
ْالجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛
حيث إنه يوجد فرق بين الشهادة والرواية، كما سبق بيانه.
стр. 731
الجواب الثاني: أن هذا الدليل لا يمنع من إيهام السماع من لفظ
الشيخ، فيكون احتمال السماع من الشيخ قوياً؛ لذلك لا بد من
ذكر عبارة " قراءة عليه " منعا من ذلك الإيهام.
المذهب الثالث: التفصيل؛ بيانه:
أنه يجوز أن يقول الراوي - وهو القارئ على الشيخ -: "أخبرنا
فلان بكذا " مطلقا، أي: بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "، ولا
يجوز أن يقول: " حدثنا فلان كذا " مطلقاً، بل لا بد أن يقيد ذلك
بقوله: " قراءة عليه " ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب: بوجود الفرق بين " أخبرنا "،
و"حدَّثنا "، وهو: أن الإخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام،
أما التحديث فإنه لا يستعمل إلا فيما سمع من فيه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن بعض أهل الحديث قد اصطلح على التفريق
بينهما بما ذكرزم، وهذا لا يلزمنا؛ لأن معنى " حدَّثنا "، و " أخبرنا"
متحد في اللغة؛ ذلك لأنه مشتق من الخبر والحديث وهي واحدة.
ثامناً: إذا قال الشيخ: " حدَّثنا " فهل يجوز للراوي أن يبدل
ذلك بلفظ: " أخبرنا "، أو العكس؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز ذلك، فيجوز أن يقول الشيخ:
"حدَّثنا "، ثم يقول الراوي القارئ عليه: " أخبرنا "، ويجوز
-
стр. 732
العكس، وهو أن يقول الشيخ: " أخبرنا "، فيقول الراوي القارئ
عليه: " حدَّثنا".
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو الحق: لما سبق من أن معنى " حدَّثنا " و " أخبرنا " متحد في
اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، وهي واحدة.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون الشيخ
من الذين لا يرون التسوية بين " أخبرنا "، و " حدَّثنا "، فيكون
كذباَعليه.
جوابه:
يجاب عنه بما سبق، وهو أن تفريقه بينهما لا يلزمنا ما دامت اللغة
لم تفرق بينهما، فالمرجع في ذلك إلى لسان العرب.
تاسعاً: إذا قال الشيخ " حدَّثنا "، أو " أخبرنا "، فهل يجوز
للراوي أن يبدل ذلك بلفظ: " سمعت فلانا "؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق؛ لأن لفظ " سمعت " مشعر بأن شيخه هو الذي تولى
القراءة بنفسه، أي: هو الذي نطق، وهذا خلاف الحقيقة؛ لأن
стр. 733
الحقيقة أن الراوي هو الذي قرأ على الشيخ، فقال الشيخ: نعم،
أو سكت، وإذا كان مخالفاً لحقيقة الأمر الواقع فهو كذب.
المذهب الثاني: أنه يجوز ذلك إذا علمنا بصريح قوله، أو بقرينة
حاله أنه يريد بقوله: " وهو سمعت فلاناً " - القراءة على الشيخ
دون سماع حديثه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا قال:
"سمعت فلاناً "، وهو في الحقيقة قد قرأ على الشيخ، ولم يسمع
منه.
عاشراً: حقيقة الإجازة أن يقول الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك
أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، وعند ذلك يجب
الاحتياط في تعيين المسموع.
وحقيقة المناولة أن يقول الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب
فأروه عني "، أو يقول: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من
فلان "، وهو اصطلاح قد اتفق عليه أهل الحديث؛ حيث إن
أحدهم يناول الآخر كتابا فيقول: " اروه عني ".
وصيغة الراوي أن يقول: حدَّثني فلان إجازة "، أو " أخبرني
فلان إجازة ".
حادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة.
الحق أن المناولة تعتبر قسما من أقسام الإجازة، فالمناولة لا تخرج
عن الإجازة؛ لأن الشيخ لو اقتصر على مجرد المناولة، وهو:
اعطاؤه الكتاب دون اللفظ - أي: لم يقل له: " اروه عني " -
стр. 734
لم تجز الرواية مطلقاً، أما لو اقتصر الشيخ على مجرد اللفظ - وهو
قوله له: " اروه عني " - دون أن يناوله كتابا بيده فإنه يكفي ويغني،
وتجوز الرواية بذلك؛ لأن الإذن إنما يستفاد من اللفظ، لا من إعطائه
الكتاب، فبان أنه لا معنى للمناولة بدون إجازة، وحينئذ تعتبر
المناولة نوعاً من أنواع الإجازة.
ثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة.
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه تجوز الرواية بهما.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، ومنهم: مالك، والشافعي،
وأحمد.
وهذا هو الحق؛ لدليلين هما:
الدليل الأول: أن الطريق - وهو قول الراوي: حدثنا فلان عن
فلان - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة
الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن المجيز عدل ثقة، والظاهر
أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه
فاسقاً، وهو لا يمكن في العدل، وإذا علمت الرواية، أو ظننت
بإجازته جازت الرواية عنه.
الدليل الثاني: قياس الإجازة والمناولة على الراوي إذا قرأ على
الشيخ، بيانه:
أن الشيخ - وهو المجيز - إذا قال للراوي: " هذا كتاب مسموعي
فاروه عني "، يكون ذلك بمنزلة ما إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو
ساكت، ولا فرق بينهما بجامع: أن الشيخ فيهما لم يتكلم بما في
داخل الكتاب ومسموعاته.
стр. 735
المذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية بالإجازة والمناولة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالقاضي حسين،
والماوردي، والروياني، وبعض الظاهرية كابن حزم، وبعض أهل
الحديث كشعبة بن الحجاج، وأبي زرعة، وإبراهيم الحربي من
أصحاب الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشهادة على الشهادة لا
تجوز بالإجازة والمناولة، فيقاس عليها الأخبار، فلا تجوز بالمناولة
والإجازة، ولا فرق بينهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس غير صحيح؛
لأنه قياس مع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية في أمور
كثيرة، ومنها: أن شاهد الفرع لا يقبل مع وجود شاهد الأصل
بخلاف الرواية، فإن رواية الراوي تقبل مع وجود شيخه الذي أخبر
بهذا الخبر.
ثالث عشر: أنواع الإجازة:
تتنوع الإجازة إلى أنواع:
النوع الأول: الإجازة بمعين لمعين مثل أن يقول الشيخ:
" قد أجزت لك الكتاب الفلاني "، وهذا النوع أعلى أنواع الإجازة.
النوع الثاني: الإجازة لمعين في غير معين مثل أن يقول الشيخ:
"قد أجزت لك جميع مسموعاتي "، وهذا يجوز عند الجمهور.
النوع الثالث: إجازة معين لمعين بوصف العموم مثل أن يقول:
стр. 736
"أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني "، وهذا
جائز لمن كان موجوداً من المسلمين عند الإجازة.
النوع الرابع: إجازة المجاز مثل أن يقول الشيخ: " أجزت لك
ما أجيز لي روايته ".
النوع الخامس: الإذن في الإجازة مثل أن يقول الشيخ: " أذنت
لك أن تجيز عني من شئت ".
رابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "، أو قال:
" أخبرني فلان " وأطلق، ولم يقيد ذلك بلفظ " إجازة "، فهل هذا
يجوز؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول: " حدَّثني
فلان إجازة "، أو يقول: " أخبرني فلان إجازة ".
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي، لأنه لو قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "،
أو أخبرني فلان " بدون لفظ " إجازة " لأوهم ذلك أن الرواية
بالتحديث على الحقيقة والسماع " لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن،
ومنعاً لهذا الوهم، قلنا: لا بد من ذكر لفظ " إجازة ".
المذهب الثاني: أنه يجوز للراوي المجاز أن يقول: " حدَّثنى "،
أو " أخبرني " بدوق ذكر لفظ " إجازة ".
ذهب إلى ذلك الإمام مالك وأهل المدينة، وبعض الحنفية
كالجصاص، والبزدوي، والدبوسي، وابن عبد الشكور.
стр. 737
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الإجازة والمناولة على السماع
حيث قالوا: إن الإجازة والمناولة بمعنى إسماع الشيخ وقراءة الراوي
عليه، فكأن الشيخ لا قال للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني
هذا الكتاب " أن الراوي قرأه عليه ولا فرق.
جوابه:
يجاب عن هذا بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛
لأن الراوي المجاز لم يسمع من الشيخ شيئاً، ولم يقرأ على الشيخ
شيئاً في الحقيقة، بل أعطاه كتاباً وقال: " أجزت لك أن تروي عني
هذا الكتاب "، وليس في ذلك ما يفيد أنه سمع منه، أو قرأ عليه،
فكيف يجعل في مرتبة السماع؟!
خامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر والفا سق؟
الحق: أنه تجوز الإجازة لهؤلاء، وذلك ليروي الصبي ما أجيز به
إذا بلغ، ويروي المجنون ما أجيز به إذا عقل، ويروي الكافر ما أجيز
به إذا أسلم، ويروي الفاسق ما أجيز به إذا صلح وثبتت عدالته.
سادس عشر: إذا قال الشيخ: " - خذ هذا الكتاب وهو مسموعي "
ولم يقل: " اروه عني " فهل تجوز الرواية عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
стр. 738
الدليل الأول: أن جواز الرواية يستفاد من عبارة: " اروه عني "
فهذه العبارة علامة على الإذن، وما دام أن هذه العبارة لم ترد من
الشيخ - وهو المجيز - فهو لم يأذن بالرواية عنه؛ لأنه ليس في
الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة
الحديث نفسه، فيحتمل - احتمالاً قوياً - أن الشيخ لم يقل: " اروه
عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب أو بعضه خللاً قد منع من
إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
الدليل الثاني: قياس المناولة على الشهادة، بيان ذلك:
إن الشاهد لو قال: " عندي شهادة بكذا "، ولم يقل: " أذنت
لك أن تشهد على شهادتي " لا يجوز - حينئذٍ أن يشهد بها،
فكذلك الرواية إذا قال الشيخ: " هذا مسموعي "، ولم يقل:
"اروه عني "، فإنه لا يجوز أن يروي هذا الكتاب، ولا فرق بينهما
في ذلك.
المذهب الثاني: أنه إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب "، أو
قال: " هذا سماعي "، ولم يقل: " اروه عني "، فإنه يجوز
للراوي أن يرويه عنه.
ذهب إلى ذلك ابن الصباغ الشافعي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشيخ لو علم أن في
بعض مروياته الموجودة، في الكتاب الذي ناوله الراوي خللاً لما قال
للراوي: " خذ هذا الكتاب أو هذا مسموعي "؛ لأنه يكون بهذا
القول قد غش المسلمين ودلس عليهم.
стр. 739
جوابه:
يجاب عنه: بأن الإنسان قد يوجد منه تساهل في إلقاء الكلام،
ولكن عندما يكون هذا الكلام يترتب عليه عمل في الشريعة يتوقف
عن ذلك.
فلا يمتنع أن يقول الشيخ للراوي: " خذ سماعي "، أو أن
يقول: " هذا سماعي "، ليروي عنه، ولكن بشرط أن يتحقق حال
روايته له فيما بعد، فإذا تحقق من ذلك وقال له: " اروه عني " فإنه
حينئذٍ يجوز للراوي أن يروي عنه، أما قبل أن يتلفظ بذلك فلا يجوز.
سابع عشر: حقيقة الوجادة هي: ما أخذ من العلم من صحيفة
من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وهي عند الحدثين: أن
يجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق
بأنه خطه حياً كان الكاتب أو ميتاً.
ولا تجوز الرواية هنا، فلا يجوز أن يقول: " حدَّثني، أو حدَّثنا،
أو أخبرني، أو أخبرنا فلان إجازة ولا غيرها "؛ لأن روايته بذلك
شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً.
ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول:
" رأيت مكتوباً في كتاب بخطٍ ظننت أنه خط فلان " يقول ذلك؛
لأن الخط قد يشبه الخط.
ثامن عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا
يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "
- كما سبق - أو يكون الإذن بقريتة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
تاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر
стр. 740
سماعه، ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه
الذي توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز له روايته، والعمل به.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، كما نسبه إليه الآمدي في
"الإحكام "، والإمام أحمد كما ذكر ذلك أبو يعلى في " العدة "،
وأبو الخطاب في " التمهيد "، واختاره أبو يوسف، ومحمد بن
الحسن، كما ذكر ذلك السرخسي في " أصوله ".
وهذا هو الصحيح عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: رجوع الصحابة إلى كتب النبي ﷺ والعمل عليها، فقد كان الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - يعتمدون على كتب النبي ﷺ التي ينقلها آحاد الصحابة، وكانوا يعملون بها مثل عملهم على كتب الصدقات، وعملهم على كتاب عمرو بن حزم، وهو الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ في - الديات، وبعث به إلى أهل نجران، ثم رواه الناس عن آل عمرو بن حزم من بعده، كما ذكر ذلك النسائي، والدارقطني، فهذا من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب.
الدليل الثاني: أن الرواية قد بني أمرها على حسن الظن،
وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية
تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك
دل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه
سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه، فإنه تجوز الرواية بذلك،
والعمل به.
следующие страницы →