← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

"أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني "، وهذا جائز لمن كان موجوداً من المسلمين عند الإجازة. النوع الرابع: إجازة المجاز مثل أن يقول الشيخ: " أجزت لك ما أجيز لي روايته ". النوع الخامس: الإذن في الإجازة مثل أن يقول الشيخ: " أذنت لك أن تجيز عني من شئت ". رابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "، أو قال: " أخبرني فلان " وأطلق، ولم يقيد ذلك بلفظ " إجازة "، فهل هذا يجوز؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول: " حدَّثني فلان إجازة "، أو يقول: " أخبرني فلان إجازة ". ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق عندي، لأنه لو قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "، أو أخبرني فلان " بدون لفظ " إجازة " لأوهم ذلك أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع " لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، ومنعاً لهذا الوهم، قلنا: لا بد من ذكر لفظ " إجازة ". المذهب الثاني: أنه يجوز للراوي المجاز أن يقول: " حدَّثنى "، أو " أخبرني " بدوق ذكر لفظ " إجازة ". ذهب إلى ذلك الإمام مالك وأهل المدينة، وبعض الحنفية كالجصاص، والبزدوي، والدبوسي، وابن عبد الشكور.

стр. 737

دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الإجازة والمناولة على السماع حيث قالوا: إن الإجازة والمناولة بمعنى إسماع الشيخ وقراءة الراوي عليه، فكأن الشيخ لا قال للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب " أن الراوي قرأه عليه ولا فرق. جوابه: يجاب عن هذا بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الراوي المجاز لم يسمع من الشيخ شيئاً، ولم يقرأ على الشيخ شيئاً في الحقيقة، بل أعطاه كتاباً وقال: " أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب "، وليس في ذلك ما يفيد أنه سمع منه، أو قرأ عليه، فكيف يجعل في مرتبة السماع؟! خامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر والفا سق؟ الحق: أنه تجوز الإجازة لهؤلاء، وذلك ليروي الصبي ما أجيز به إذا بلغ، ويروي المجنون ما أجيز به إذا عقل، ويروي الكافر ما أجيز به إذا أسلم، ويروي الفاسق ما أجيز به إذا صلح وثبتت عدالته. سادس عشر: إذا قال الشيخ: " - خذ هذا الكتاب وهو مسموعي " ولم يقل: " اروه عني " فهل تجوز الرواية عنه؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق عندي؛ لدليلين:

стр. 738

الدليل الأول: أن جواز الرواية يستفاد من عبارة: " اروه عني " فهذه العبارة علامة على الإذن، وما دام أن هذه العبارة لم ترد من الشيخ - وهو المجيز - فهو لم يأذن بالرواية عنه؛ لأنه ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة الحديث نفسه، فيحتمل - احتمالاً قوياً - أن الشيخ لم يقل: " اروه عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب أو بعضه خللاً قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ". الدليل الثاني: قياس المناولة على الشهادة، بيان ذلك: إن الشاهد لو قال: " عندي شهادة بكذا "، ولم يقل: " أذنت لك أن تشهد على شهادتي " لا يجوز - حينئذٍ أن يشهد بها، فكذلك الرواية إذا قال الشيخ: " هذا مسموعي "، ولم يقل: "اروه عني "، فإنه لا يجوز أن يروي هذا الكتاب، ولا فرق بينهما في ذلك. المذهب الثاني: أنه إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب "، أو قال: " هذا سماعي "، ولم يقل: " اروه عني "، فإنه يجوز للراوي أن يرويه عنه. ذهب إلى ذلك ابن الصباغ الشافعي وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشيخ لو علم أن في بعض مروياته الموجودة، في الكتاب الذي ناوله الراوي خللاً لما قال للراوي: " خذ هذا الكتاب أو هذا مسموعي "؛ لأنه يكون بهذا القول قد غش المسلمين ودلس عليهم.

стр. 739

جوابه: يجاب عنه: بأن الإنسان قد يوجد منه تساهل في إلقاء الكلام، ولكن عندما يكون هذا الكلام يترتب عليه عمل في الشريعة يتوقف عن ذلك. فلا يمتنع أن يقول الشيخ للراوي: " خذ سماعي "، أو أن يقول: " هذا سماعي "، ليروي عنه، ولكن بشرط أن يتحقق حال روايته له فيما بعد، فإذا تحقق من ذلك وقال له: " اروه عني " فإنه حينئذٍ يجوز للراوي أن يروي عنه، أما قبل أن يتلفظ بذلك فلا يجوز. سابع عشر: حقيقة الوجادة هي: ما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وهي عند الحدثين: أن يجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه حياً كان الكاتب أو ميتاً. ولا تجوز الرواية هنا، فلا يجوز أن يقول: " حدَّثني، أو حدَّثنا، أو أخبرني، أو أخبرنا فلان إجازة ولا غيرها "؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً. ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: " رأيت مكتوباً في كتاب بخطٍ ظننت أنه خط فلان " يقول ذلك؛ لأن الخط قد يشبه الخط. ثامن عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني " - كما سبق - أو يكون الإذن بقريتة حاله في الجلوس لرواية الحديث. تاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر

стр. 740

سماعه، ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز له روايته، والعمل به. ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، كما نسبه إليه الآمدي في "الإحكام "، والإمام أحمد كما ذكر ذلك أبو يعلى في " العدة "، وأبو الخطاب في " التمهيد "، واختاره أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، كما ذكر ذلك السرخسي في " أصوله ". وهذا هو الصحيح عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: رجوع الصحابة إلى كتب النبي ﷺ والعمل عليها، فقد كان الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - يعتمدون على كتب النبي ﷺ التي ينقلها آحاد الصحابة، وكانوا يعملون بها مثل عملهم على كتب الصدقات، وعملهم على كتاب عمرو بن حزم، وهو الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ في - الديات، وبعث به إلى أهل نجران، ثم رواه الناس عن آل عمرو بن حزم من بعده، كما ذكر ذلك النسائي، والدارقطني، فهذا من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب. الدليل الثاني: أن الرواية قد بني أمرها على حسن الظن، وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك دل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه، فإنه تجوز الرواية بذلك، والعمل به.

стр. 741

المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، ولا يعمل به إلا أن يذكر سماعه. ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، كما ذكر ذلك السرخسي في " أصوله " وتبعه على ذلك بعض الحنفية. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك: كما أنه لم يجز أن تؤدى الشهادة معتمداً على خطه - ولم يذكر شهادته - فكذلك الخبر لا يجوز أن يرويه معتمداً على خطه إذا لم يذكر سماعه؛ والجامع: أن كل واحد منهما يحتاج فيه إلى معرفة المخبر عنه. جوابه: يجاب عنه: بأن دليلكم مبني على قياس الرواية على الشهادة؛ ولا نسلم هذا القياس ولا يصح؛ لأمرين هما: الأمر الأول: أنكم قستم على شيء لم يتفق عليه الخصمان؛ حيث إن المقاس عليه وهي - الشهادة - يجوز - فيها - أن يشهد إذا عرف خطه، ولم يخرج عن يده، وإن لم يذكر شهادته هذا عند بعض العلماء، ومنهم الإمام أحمد. فإذا كان هذا يجوز في الشهادة فمن باب أوْلى جوازه في الرواية؛ حيث إن الشهادة آكد من الرواية، فحينئذ إذا وجد سماعه في كتاب بخطه الذي يثق به، فإنه يجوز أن يرويه وإن لم يذكر سماعه. الأمر الثاني: على فرض أن المقاس عليه متفق عليه وهو:

стр. 742

أنه لا يشهد إذا عرف خطه، فإن قياسكم فاسد أيضاً؛ لأنه قياس مع الفارق " حيث إنه اعتبر. في الشهادة من الاحتياط والتأكد ما لم يعتبر مثله في الرواية كما سبق. عشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟ إن الراوي إذا شك في سماع حديث واحد من شيخه وتردد فيه: هل سمعه منه أو لا؛ فإنه لا يجوز له أن يرويه عنه، فلو وجد في مسموعاته عن الزهري - محمد بن مسلم المدني - حديثاً معينا شك أنه سمعه من الزهري أم لا؛ لم يجز أن يرويه عنه ويقول: "سمعت الزهري "، ولا يقول: " قال الزهري "، ولا يقول: " أخبرنا أو حدَّثنا الزهري "، أو نحو ذلك. دليل ذلك: أن روايته عنه، وقوله: " قال فلان "، أو "سمعت فلاناً "، أو نحو ذلك يعتبر شهادة عليه، والشهادة لا بد فيها من الجزم والعزم والعلم " حيث لا شهادة مع التردد والشك، ولا يوجد علم مؤكد، - بل شك في سماعه، فلا يجوز أن ينسبه إليه مع هذا الشك، فلعله سمعه من غيره، فهو كمن سمع إقراراً ولم يعلم أن المقر زيد، أو عمرو، فلا يجوز أن يجزم أنه زيد كما لا يجوز أن يجزم أنه عمرو. واحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث والتبس عليه مع غيره فما الحكم؟ إن الراوي إذا روى كتاباً عنْ بعض المحدثين فيه مائة حديث - مثلاً - وشك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع أن يعين هذا

стр. 743

الحديث ولا تميزه من مسموعاته والتبس عليه، فالحكم والحالة هذه أنه لا يجوز أن يروي شيئاً من جميع تلك الأحاديث المائة. دليل ذلك: أن الرواية عنه تعتبر شهادة عليه، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد، فهنا ما من حَديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطا. ثاني والعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من شيخه؛ إذا غلب على ظن الراوي أن حديثاً قد سمعه من شيخه - ولكنه لم يقطع بذلك، فهل يجوز أن يرويه أو لا؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: يجوز أن يرويه. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل على مقتضاه في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن، وهذا منها: فإن الراوي العدل الثقة قد غلب على ظنه أنه سمع الحديث من شيخه، فعليه أن يعمل بذلك فيرويه؛ عملاً بغلبة الظن. المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، أي: لا يجوز للراوي أن يروي حديثاً قد غلب على ظنه أنه سمعه من شيخه، بل لا بد من الجزم في ذلك وإلا يتوقف. ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الغزالي في " المستصفى".

стр. 744

دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيانه: أن الشهادة لا بد فيها من العلم والجزم، فالشاهد يجب عليه أن يتأكد ويتحقق؛ لأن تكليفه أن لا يشهد إلا على المعلوم، وكذلك الراوي لا سبيل إلى معرفة صدق الشيخ، ولكن له طريق إلى معرفة قوله بالسماع، فإذا لم يتحقق ويتأكد من السماع، فلا يروي. جوابه: يجاب عنه بجوابين: أولهما: أن هذا قياس للرواية على الشهادة، وهو قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشهادة يحتاط فيها، ويحترز منها ويتأكد منها، ويعتبر فيها أشياء لا تعتبر في الرواية كما سبق. ثانيهما: أننا قلنا إذا غلب على ظن الراوي: أن هذا الحديث قد سمعه من شيخه بأمارات وقرائن، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به؛ لأنه إذا غلب على ظنه فإنه يكون راجحاً، والعمل بالراجح متعين، وجل الأحكام الشرعية مبنية على الظنون، ولو قصرنا ذلك على القطع، لانتفت أكثر الأدلة مما يؤدي إلى تعطيل أكثر الحوادث بلا أحكام. ثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً صريحاً؟ إذا أنكر الشيخ العدلى الحديث الذي رواه عنه الفرع - وهو الراوي الفرع - إنكار جحود وتكذيب للفرع بصورة صريحة كقوله - مثلاً -: " كذب عليَّ "، أو " ما رويت له قط ": فالحكم هنا: أن الحديث لا يقبل، فيمتنع العمل بهذا الحديث اتفاقاً.

стр. 745

دليل ذلك: أن كل واحد منهما - أعني: الشيخ والفرع الراوي عنه - موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما - غير معين - كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث. لكن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك. وفائدة ذلك: تظهر في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ، هذا إذا كان الإنكار صريحاً. رابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً غير صريح وهو التوقف؟ إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً غير صريح بأن يقول - مثلاً -: "لست أذكر ذلك الحديث "، أو نحو ذلك: فقد اختلف العلماء هل يقدح ذلك الإنكار في الحديث فلا يقبل، أو لا يقدح فيقبل؛ على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يقدح في الحديث، بل يقبل ويُعمل به. ذهب إلى دلك الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه، وجمهور العلماء، وبعض الحنفية كمحمد بن الحسن. وهو الصحيح عندي، لدليلين: الدليل الأول: أن الراوي - وهو الفرع - موصوف بالعدالة والثقة، وقد روى هذا الحديث، وقد جزم بهذه الرواية عن الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه العزم، بل

стр. 746

كل ما قاله: " لست أذكره "، وهذا لا يفيد إنكاره بصراحة، فهذا كله يقتضي ترجيح صدق الراوي - وهو الفرع -، وإذا كان صادقا فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به. أما قول الشيخ، فإنه يحمل على أنه قد نسي هذا الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان، ولا يمكن لأي شخص أن يتذكر كل ما حفظ في عمره في لحظة واحدة. الدليل الثاني. ما ثبت في سن أبي داود عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن - ربيعة الرأي - عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى باليمن مع الشاهد، فذكر ذلك لسهيل فقال: "أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه، فلم ينكره أحد من التابعين، فكان ذلك إجماعاً على قبول الحديث والعمل به، إذا رواه الراوي وإن لم يذكره الشيخ. ما وجه إلى هذا الدليل من الاعترضات: الاعتراض الأول: قال المعترض فيه: إن هذه القصة لا حُجَّة فيها، لاحتمال أن سهيلاً قد ذكر الرواية لما روى ربيعة عنه، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة. جوابه: يجاب عنه بأن النص الذي ذكره أبو داود في سننه يُضعِّف هذا الاعتراض، حيث قال سهيل: " أخبرني ربيعة أني حدَّثته إياه " فلو صح ما قاله ذلك المعترض - وهو أن سهيلاً قد تذكر - لما ذكر ربيعة، إذ لا حاجة إلى ذلك، ولروى سهيل عن شيخه مباشرة كما لو نسي ثم تذكر بنفسه، ولكنه ذكر ربيعة، فهذا يقوي ما قلناه. الاعتراض الثاني: قال المعترض: إنكم قلتم بأن التابعين قد

стр. 747

أجمعوا على جواز مثل ذلك، ولا نسلم ذلك الإجماع؛ إذ لا دليل عليه، وعلى فرض صحة الإجماع، فإنه لا يلزم منه وجوب العمل بالحديث إذا أنكره الشيخ إنكار توقف؛ حيث إن سهيلاً لم ينقل ذلك عن طريق تصحيح روايته، وإنما كان يقوله على طريق حكاية الواقعة بزعمه، وهذا لا يدل على وجوب العمل، وإنما يدل على جواز قول الأصل بعد النسيان: " حدثني الفرع عني "، وهذا لا يلزم منه وجوب العمل ولا جوازه. جوابه: يجاب عنه: بأن إجماع التابعين صحيح؛ لأنه لم ينكر أحد على سهيل فيما قاله؛ إذ لو وجد إنكار لنقل، ولكن لم ينقل شيء من ذلك فيعتبر ذلك إجماعاً سكوتياً، وبناء على هذا الإجماع فإنه يلزم العمل بمقتضى الخبر. المذهب الثاني: أن إنكار الشيخ للحديث إنكاراً غير صريح يقدح في الحديث فلا يقبل. ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، ومنهم أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو زيد الدبوسي، وأبو عبد اللَّه الصيمري، والبزدوي، والنسفي، وهو ظاهر كلام السرخسي في أصوله، ونسبه إلى أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذ. االمذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك: أنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فإذا نسي شاهدا

стр. 748

الأصل الشهادة وقالا: لا نذكر ولا نحفظ شيئاً: ففي هذه الحالة لا يجوز للحاكم العمل بشهادة شاهدي الفرع، فكذلك هنا في الرواية، فإن الأصل - وهو الشيخ المروي عنه - لم يصدِّق الفرع - وهو الراوي عنه، وإنما توقف في ذلك ونسي ما رواه الفرع عنه، فلا يجوز العمل بروايته عنه بجامع: الفرعية والنسيان في كل منهما. جوابه: يجاب عنه: بأنكم قستم الرواية على الشهادة في ذلك، وهذا القياس فاسد؛ لأن قياس مع الفارق؛ حيث إنا بينا - فيما سبق - أن الشهادة تفارق الرواية وتختلف عنها في أمور كثيرة؛ فباب الشهادة أضيق من باب الرواية وأغلظ حكماً، وقد اعتبر في الشهادة من الاحتياط والشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر مع الاعتراف بتلك الفروق. ومن هذه الفروق بينهما - مما يخص الموضوع الذي نحن بصدده -: أن شهادة الفرع - وهو الذي شهد على شهادة الأصل - لا تسمع مع وجود شاهد الأصل والقدرة على سماع الشهادة منه مباشرة على مذهب جمهور العلماء. بخلاف الرواية: فإن رواية الفرع تسمع وتقبل ويعمل بها مع القدرة على السماع من الأصل وهو الشيخ. دل على ذلك ما يلي: ١ - أن النبي ﷺ كان يرسل رسله وسعاته أفراداً وجماعات إلى القبائل، وأطراف البلدان، فيخبرون المسلمين في هذه البلدان بما جد من الأحكام الشرعية، فكان هؤلاء يسمعون ذلك ويلزمون أنفسهم

стр. 749

بالعمل بتلك الأعمال أخذاً من هؤلاء الرواة، ولا يرجعون إلى النبي ﷺ مع استطاعتهم على الرجوع إليه. ٢ - أن أهل قباء تحولوا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة بقول واحد، ولم يرجعوا إلى النبي ﷺ مع استطاعتهم على ذلك. ٣ - أنه كان أبو طلحة، وأبو عبيدة، وأبي بن كعب يشربون الخمر - قبل أن تحرم - فجاء آتٍ، وقال لهم: إن الخمرة قد حرمت، فقبلوا ذلك منه، فأمروا أنساً بإراقة ما في الجرار من الخمر فهؤلاء عملوا بهذا الخمر، دون مراجعة النبي ﷺ مع القدرة على ذلك. فهذه أدلة على أن رواية الفرع تسمع ويعمل بها مع القدرة على سماع رواية الأصل. أما الشهادة على الشهادة فلا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على سماع شهادة الأصل. فإذا افترقا في ذلك، فإنهما كذلك يفترقان في هذه المسألة، وهي: أن شاهد الأصل إذا نسي الشهادة، فإنه لا يجوز العمل بشهادة شاهد الفرع. بخلاف الرواية، فإن راوي الأصل - وهو الشيخ - إذا نسي الرواية فإنه يجوز للراوي - وهو الفرع - أن يروي وتقبل روايته، وذلك لأن الرواية يتوسع فيها أكثر من الشهادة كما سبق بيانه. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، وهو واضح.

стр. 750

المسألة السابعة عشرة: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟ المسألة تحتاج إلى تفصيل: أولاً: إن كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه، بحيث لا يمكن الجمع بينهما: كانا متعارضين، ولا يمكن أن نرجح أحدهما إلا بمرجح خارجي. ثانياً: وإن كانت الزيادة غير مخالفة للمزيد عليه، بل موافقة مثل: " ما روي أن ﷺ دخل الكعبة فصلى بين العمودين اليمانيين " وما روي: " أن النبي ﷺ دخل الكعبة وكبر، ولم يصل فيها "، فهنا لا تنافي بين الروايتين، وفي ذلك تفصيل كما يلي: ١ - إن علم تعدد المجلس: قبلت الزيادة اتفاقاً؛ لأنه لا يمتنع أن يذكر النبي ﷺ الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة، أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس. ٢ - إن لم نعلم ذلك، أي: جهلنا أن المجلس متعدد، أو متحد، فإنا نقبل تلك الزيادة؛ لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه شروط الراوي، ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه وجب قبول قوله، والمعارض له لم ينف احتمال تعدد المجلس. ٣ - إن علمنا أن المجلس واحد ففيه تفصيل: (أ) فإن كان الذي نقل الزيادة واحداً، والذي نقل الخبر بدون زيادة جماعة، لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الراوي الواحد وانفرد به: فإن الزيادة - حينئذٍ - لا تقبل؛ وذلك لأن تطرق الخطأ

стр. 751

والسهو والغفلة إلى الواحد فيما نقله من الزيادة أقرب من تطرق ذلك إلى هؤلاء الجماعة. (ب) أما إن كان الذي نقل تلك الزيادة واحد، والذي نقل الخبر بدون زيادة واحد أيضاً، ففيه تفصيل: إن كان ناقل الزيادة أشهر ممن لم ينقل الزيادة بالحفظ والضبط والعدالة والثقة، فإن الزيادة تقبل لتلك الشهرة بالأوصاف السابقة. وإن كان العكس فالعكس، أي: إن كان الذي لم ينقل الزيادة أشهر ممن نقل الزيادة بالحفظ والضبط والثقة والعدالة: لم تقبل تلك الزيادة. أما إن تساويا في جميع تلك الأوصاف، أي: أن ناقل الزيادة قد تساوى مع من لم ينقل الزيادة في الحفظ والضبط والعدالة وجميع شروط الراوي، فهذا هو الذي اختلف فيه على مذهبين: المذهب الأول: أن تلك الزيادة تقبل مطلقا، سواء كانت تلك الزيادة معنوية كما سبق، أو لفظية، كما روي: أن النبي ﷺ قال في رواية: " إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد "، وروي عنه أنه قال: " ربنا لك الحمد " بحذف الواو. وهذا هو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل، فكذلك لو انفرد بزيادة ولا فرق بجامع: رواية العدل الثقة الجازم لكل منهما. الدليل الثاني: أن من أتى بالزيادة قد وصف بالعدالة والثقة، وقد جزم بتلك الزيادة، ولم يوجد له مخالف، فهذا يغلب صدقه على

стр. 752

كذبه، وإذا غلب صدقه فلا يجوز تكذيبه، وإذا لم يجز تكذيبه فيجب قبول ما أتى به من الزيادة. الدليل الثالث: أن انفراد الثقة العدل بحفظ زيادة في الحديث غير ممتنع عقلاً ولا شرعا؛ لأنه ممكن وواقع - كما سبق - وما دام أنه يمكن رواية الزيادة، فإنه يجب قبولها؛ نظراً لورودها من شخص قد اتفق على قبول كل ما رواه. المذهب الثاني: أن تلك الزيادة لا تقبل. ذهَب إلى ذلك بعض الظاهرية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه يبعد انفراد هذا الراوي بحفظ تلك الزيادة مع إصغاء الآخر للحديث واستماعه له مع اتحادهما بالثقة والعدالة والضبط والحفظ، فتكون هذه الزيادة قد توهمها من أتى بها فلا تقبل. جوابه: يجاب عن ذلك: بأن الراوي قد قطع بسماع تلك الزيادة، والآخر ما قطع بنفيها، وكون ذلك الراوي لم ينقل تلك الزيادة التي تفرد بها ذلك الراوي، فلاحتمالات كثيرة. منها: كون راوي الزيادة قد. حضر جميع المجلس، بينما الذي لم يرو الزيادة قد دخل في أثناء المجلس، ففاته ما قيل في أوله. ومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما قيل فيه، أما الذي لم يورد الزيادة، فإنه حضر أول المجلس، ثم خرج في آخره لشيء أوجب خروجه وقيامه.

стр. 753

ومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما قيل فيه، أما الآخر وهو الذي لم ترد الزيادة في حديثه، فإنه عرض له في أثناء المجلس ما يزعجه ويدهشه عن الإصغاء لكلام الشيخ. ومنها: أن الذي لم يرو الزيادة قد نسيها، بينما حفظها الآخر. وغير ذلك من الاحتمالات، وإذا تطرقت هذه الاحتمالات فلا يبعد انفراد هذا الراوي بحفظ زيادة. الدليل الثاني: أنه قد جرت عادة الراوي بتفسير الحديث، فيزيد لفظاً من أجل ذلك، فربما ظنها من سمع منهم أنها من قول النبي ﷺ فيرويها، وليست من قوله. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا بعيد جداً، لأن العدل الثقة الضابط المثبت يظهر من حاله أنه لا يدرج في كلام النبي ﷺ ما ليس فيه لما فيه من التدليس والتلبيس. ولو قبلنا مثل هذا الاحتمال فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه مثل ذلك الاحتمال، مما يؤدي إلى الشك في جميع الأحاديث أن فيها زيادات، وهذا يبطلها كلها - وهذا لا يمكن -. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي له أثره في الأحكام الفقهية، وهو واضح، فعلى مذهبنا وهو المذهب الأول، فإنه يؤخذ، ويعمل بما دلَّ عليه الخبر، وما دلت عليه الزيادة، وعلى المذهب الثاني فإنه يعمل بما دل عليه الخبر فقط، ولا يعمل بما دلت عليه الزيادة.

стр. 754

المسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه: إذا روى الراوي العدل حديثا، وروي عنه: أنه قد عمل بخلافه، فهل نعمل بالحديث، ونترك عمله المخالف له أو نترك الحديث ونعمل بما رآه وعمل به؟ الحق أن في ذلك تفصيلاً هو كما يلي: أولاً: إن علمنا مأخذه ودليله على مخالفته للحديث الذي رواه، وكان هذا المأخذ وهذا الدليل مما يوجب حمل الحديث على ما ذهب إليه وجب اتباع ذلك الدليل، وترك الحديث لأجل ذلك الدليل الذي أوجب مخالفته، لا لأن الراوي عمل به؛ لأنه ليس عمل أحد المجتهدين حُجَّة على المجتهد الآخر. ثانياً: إن جهلنا مأخذه ودليل الراوي على مخالفة الحديث الذي رواه، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنة يجب العمل بالحديث، وترك عمل الراوي مطلقا. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد جزم بروايته للحديث عن النبي ﷺ ، وهذا هو الأصل في وجوب العمل بالحديث. أما عمل الصحابي بخلاف ما روى فيتطرق إليه عدة احتمالات: ومنها: احتمال أنه قد نسى الحديث، ومنها: احتمال أنه قد حمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، ومنها: أنه قد اطلع

стр. 755

على وجود ناسخ للحديث، وقد يكون ناسخا في ظنه، ولا يكون ناسخاً عند غيره من المجتهدين، ومنها: احتمال أنه خالفه لدليل أقوى من الحديث وقد أخطأ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره مق المجتهدين كما فعل الإمام مالك، حيث ترك حديث خيار المجلس؟ لأنه خالف إجماع أهل المدينة، وإذا تردد عمل الراوي بين تلك الاحتمالات، فلا يترك ما جزم به، وهو ثبوت الحديث عن النبي ﷺ من أجل شيء دخله الشك والاحتمال. الدليل الثاني: أن قول الرسول ﷺ حُجَّة، وقول الراوي أو عمله ليس بحُجَّة، وبناءعلى ذلك لا يقدم ما ليس بحُجَّة على ما هو حُجة. المذهب الثاني: أنه يقدم عمل الراوي، ويترك الحديث الذي رواه. ذهب إلى ذلك كثير من الحنفية. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الراوي قد ترك العمل بالحديث إما لأمر أوجب الترك، أو فعل ذلك تحكماً. فإن فعل ذلك تحكماً فهذا باطل؛ لأن عدالته تمنع من ذلك. فلم يبق إلا الأول وهو: أنه قد ترك العمل بالحديث لأمر أوجب الترك، فيجب متابعته في ذلك؛ لأن حسن الظن بالراوي يقتضي تقديم ما فعله على ما رواه. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا الأمر الذي اقتضى ترك العمل بالحديث قد

стр. 756

يكون ثابتاً عنده بالاجتهاد كما قلنا في الاحتمالات السابقة، وما ثبت عنده قد يكون غير ثابت عند غيره من المجتهدين، فما ظهر في نظره لا يكون حُجَّة على غيره، وإذا احتمل هذا وهذا فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه لأمر محتمل. ويدل على حسن الظن بالراوي المخالف لروايته: أننا قد عملنا بالحديث الذي خالفه؛ إذ لو كنا نسيء الظن به لما علمنا بروايته أصلاً، أما عمله الذي خالف به ما رواه فلا نعمل به؛ نظراً لما يعتريه من الاحتمالات التي ذكرنا بعضها. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره في بعض المسائل الفقهية ومنها: ١ - هل يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً أو ثلاثا؛ على قولين: القول الأول: أنه يجب غسل الإناء من ذلك سبع مرات لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ... "، وهذا هو قول أصحاب المذهب الأول السابق وهم الجمهور. القول الثاني: أن الواجب غسل الإناء من ذلك ثلاث مرات؛ لأن أبا هريرة قد خالف ما رواه وغسل ثلاثا، وهو قول أكثر الحنفية. ٢ - هل يشترط الولي في النكاح؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يشترط الولي في النكاح. وهو مذهب أصحاب المذهب الأول السابق في المسألة مستدلين

стр. 757

بحديث عائشة وهو: أنه ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل.. ". القول الثاني: أنه لا يشترط الولي في النكاح. وهو قول أصحاب المذهب الثاني، وهم أكثر الحنفية مستدلين بأن عائشة قد زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بدون إذنه على المنذر بن الزبير، وبهذا خالفت ما روته، وبهذا يسقط الاستدلال بذلك الحديث. وقد بحثت هذه المسألة بالتفصيل في كتاب سميته " مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف " قد طبع في مجلد فارجع إليه إن شئت. *** المسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد: الحق: أنه إذا عمل أكثر الأمة بما يخالف حديثا من الأحاديث، فإنه يعمل بالحديث، ويترك عمل الأكثر؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة ظنية، وخبر الواحد وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أننا نرجح العمل به؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي ﷺ ، فيكون قولا للنبي ﷺ ، وقوله حُجَّة فيعمل به لذلك. *** المسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس: لقد اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنه إذا تعارض خبر الواحد مع القياس، فإنه يقدم خبر الواحد مطلقا.

стр. 758

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق " للأدلة التالية: الدليل الأول: حديث معاذ، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: " بِمَ تقضي؛ " قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنة رسول اللَّه ﷺ ، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فصوبه النبي ﷺ . وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقر معاذاً على تقديم السُّنَّة على العمل بالاجتهاد الذي يعتبر القياس نوعا من أنواعه من غير تفريق بين السُّنَّة المتواترة والسنَّة الآحادية، وهذا يفيد تقديم الخبر على القياس إذا تعارضا. الدليل الثاني: إجماع الصحابة السكوتي على تقدرم خبر الواحد على القياس. بيان ذلك: أن بعض الصحابة كانوا إذا حدثت حادثة فإنهم يبحثون عن حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عنه في السُّنَّة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها: القياس، فكانوا لا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصا، كان هذا فعل بعضهم، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو أنكر لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعا سكوتيا، والأمثلة على ذلك كثيرة. ومنها: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب قضى بالإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، فحكم بذلك لما عرف أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة

стр. 759

أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسا على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات، حيث إن النبي ﷺ قال فيه: " وفي كل إصبع مما هنا لك عشر من الإبل " رجع إليه هو ومن وافقه من الصحابة. ومنها: أنه كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من دية زوجها اجتهاداً؛ لأن الميراث يثبت بملكه قبل الموت، وهو لا يملك الدية قبله، فلما علم بخبر الضحاك بن سفيان وهو: أنه كتب إليه النبي ﷺ : "أن أرث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " رجع إليه، وعمل به دون إنكار من الصحابة، فهذا يدل على أن خبر الواحد مقدم على الاجتهاد مطلقاً، سواء كان قياسا أم لا. الدليل الثالث: أن خبر الواحد قول للمعصوم، وهو ﷺ وكلامه، أما القياس فإنه اجتهاد المجتهد واستنباطه، وإذا تعارض كلام المعصوم، وكلام غيره، فإنه يقدم كلام المعصوم؛ لأنه يثير غلبة الظن بصورة أبلغ وأقوى من كلام غيره، فخبر الواحد أغلب على الظن من القياس، فيجب تقديمه عليه. المذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد مطلقا. ذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والمالكية. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن القياس أقوى من خبر الواحد؛ لأن الاحتمالات تتطرق إلى الخبر أكثر من تطرقها إلى القياس، بيان ذلك:

стр. 760

أن خبر الواحد يحتمل فسق أحد الرواة، ويحتمل ذهول أحد الرواة وغفلته وسهوه، ويحتمل الخبر النسخ والتجوز والإضمار، أما القياس فلا يحتمل شيئاً من ذلك، وغير المحتمل يقدم على المحتمل، فيقدم القياس على الخبر. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أننا بينا أن الراوي المقبول خبره يشترط فيه أربعة شروط هي: (لإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فهذه الاحتمالات بعيدة جداً إذا توفرت هذه الشروط حقيقة في ذلك الراوي. الجواب الثاني: أن هذه الاحتمالات كما تتطرق إلى الخبر تتطرق - أيضاً - إلى القياس إذا كان أصله خبراً. المذهب الثالث: التفصيل بين الرواة. فإن كان الراوي فقيها كالخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، فإن خبره يقدم على القياس إذا عارضه. وإن كان الراوي غير فقيه كأبي هريرة، وأنس، وسلمان، وبلال، فإن القياس يقدم على خبره إذا تعارضا، وهذا عند الضرورة. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن الراوي نقل الحديث بالمعنى على حسب فهمه وأخطأ في ذلك، ولم يدرك مراد

стр. 761

النبي ﷺ ، فلهذا كان مخالفا للقياس من كل وجه، فلهذه الضرورة يترك الحديث ويعمل بالقياس. جوابه: يجاب عنه: بأنه هذا التفريق بين الرواة لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به. وما ذكرتموه من احتمال أن الراوي نقل الحديث بالمعنى وأخطأ فيه، وأنه لم يدرك مقصود النبي ﷺ ، فهذا بعيد جدا مع ظهور عدالة الراوي، لا سيما الصحابة الذين قد عدلهم اللَّه ورسوله - كما سبق بيانه -. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي، وقد أثر في كثير من مسائل الفقه ومنها: ١ - إذا مات زوج عن امرأته بعد العقد وقبل الدخول، فهل لها المهر أو لا؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أن لها مهر مثلها. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء مستدلين بما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه المسألة فقال: أرى أن لها مهر مثيلاتها وعليها العدة ولها الميراث، فقال معقل بن سنان الأشجعي: أشهد أنك قضيت فيها بقضاء رسول اللَّه ﷺ في بروع بنت واشق من جماعتنا. القول الثاني: أنه لا مهر لها. ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الإمام مالك ورد الحديث

стр. 762

بأنه مخالف للقياس، وذلك لأن المهر عوض عن الاستمتاع بالبضع، فلما لم يقبض المعوض - وهو البضع - لم يجب العوض؛ قياسا على البيع. ٢ - هل يجب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا قضاء عليه. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء مستدلين بقوله ﷺ : "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه ". القول الثاني: أنه يجب القضاء عليه. ذهب إلى ذلك بعض المالكية، ولم يعملوا بالحديث؛ لأنه على خلاف القياس، فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في طلب المأمورات. *** المسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى: المراد بذلك: أن يرد خبر واحد ويدل على حكم شرعي يحتاج كل أحد من المكلَّفين إلى معرفته مع كثرة تكرره ووقوعه، كان يتعلق بأحكام الوضوء، أو الصلاة، ونحو ذلك مما تشتد حاجة المكلَّفين إلى معرفة حكمه مثل: قوله ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ "، ونحوه. فإذا روى واحد خبراً تعم به البلوى هل يقبل؟ اختلف في ذلك عاى مذهبين: المذهب الأول: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول.

стр. 763

ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء. وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على ذلك: فقد قبل الصحابة ﵃ خبر الواحد فيما تعم به البلوى وعملوا به دون أن ينكر ذلك أحد منهم؛ إذ لو وقع إنكار لبلغنا ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فيكون إجماعاً سكوتيا، ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١ - أنهم قبلوا خبر عائشة وهو: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ". ٢ - أنهم قبلوا خبر رافع بن خديج: " أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة ". ٣ - أنهم قبلوا خبر الغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس. فهنا كل واحد من هذه الأحاديث مما تعم به البلوى، وانفرد بروايته واحد، ومع ذلك فقد قبلها الصحابة وعملوا بها دون نكير. الدليل الثاني: أن هذا الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل ثقة قد جزم بتلك الرواية، فهذا يغلب على الظن صدقه، وإذا كان كذلك فيجب تصديقه؛ لأن العمل بالغالب واجب، فيقبل خبره؛ قياساً على خبر الواحد فيما لا تعم به البلوى. المذهب الثاني: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يقبل، ولا يعمل به. ذهب إلى ذلك جمهور الحنفية وعلى رأسهم: أبو الحسن الكرخي

стр. 764

وعيسى بن أبان، والجصاص، وبعض المالكية كمحمد بن خويز منداد، نقله عنه الباجي في " إحكام الفصول "، واختاره أبو العباس بن سريج من الشافعية، كما نقله عنه صاحب الكبريت الأحمر. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول قالوا فيه: إن الدواعي متوفرة على نقل خبر الواحد فيما تعم به البلوى على سبيل الشهرة والاستفاضة، نظراً لحاجة عموم المكلَّفين إليه، وكثرة سؤالهم واستفسارهم عنه، وإذا كثر السؤال كثر الجواب، وإذا كثر الجواب كثر ناقليه من الرواة، فيبعد كل البعد أن يخفى حكم ما يقع للمكلفين بكثرة، فإذا لم يروه - مع ذلك - إلا واحد وانفرد به دلَّ على كذبه، وأنه لا أصل له كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق. جوابه: يجاب عنه: بأنه إنما يلزم توفر الدواعي على نقله أن لو كان لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر، وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما هو الظن، فخبر الواحد يكفي فيه، ولهذا يجوز إثبات ما تعم به البلوى بالقياس اتفاقاً. ولا نسلم ما قلتموه من أنه يلزم من كثرة الاستفسارات والأسئلة والأجوبة عنها أن يكثر النقل، بل إنه يجوز أن تكثر الأجوبة، ولا يكثر الناقلون، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: شروط البيع، وشروط النكاح، والأذان والإقامة، فإنها نقلت وثبتت بخبر الواحد وهي مما يفعل في كل يوم، ولم ينقل نقلاً عاما، والسبب في

стр. 765

ذلك: انشغال الصحابة بأمورهم الخاصة والعامة وانشغالهم بالجهاد، وإذا كان هذا جائزاً فإنه يجوز كثرة الأجوبة دون كثرة الناقلين. الدليل الثاني قالوا فيه: إن ما تعم البلوى به كخروج النجاسة من السبيلين يوجد كثيراً، ويتكرر في كل وقت، فيجب على النبي ﷺ إشاعته، وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته؛ لأن عدم إشاعته يؤدي إلى إخفاء بعض الأحكام الشرعية، وإبطال صلاة أكثر الخلق وهم لا يشعرون، ولما كان هذا الخبر مما تعم به البلوى لم ينقله إلا الواحد، فإن هذا مما يثير الشك في ثبوته، والحديث المشكوك في ثبوته لا يقبل. جوابه: يجاب عنه: بأن ما ذكرتموه إنما يصح أن لو كان الرسول ﷺ قد كلَّفه الّه تحالى بإشاعة الأحكام على لسان أهل التواتر، وهذا غير مسلم، فليس من شرط الخبر الذي تعم به البلوى أو غيره أن يشيعه الرسول ﷺ ، بل الحق في ذلك: أن النبي ﷺ مكلَّف بإشاعة بعض الأحكام، ورد الخلق في بعضها الآخر إلى خبر الواحد؛ لأن مصلحة الخلق اقتضت ذلك؛ قياساً على حديث الأشياء الستة، فقد بين فيه: أنه لا يجوز الربا في البر - فقط - فقاس العلماء عليه كل المطعومات بجامع: الطعم في كل، وكان يسهل على النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم أن يقول: " حرمت الربا في المكيل أو في المطعوم " حتى يستغنى عن الاستنباط والقياس على الأشياء الستة، وما فعل ذلك إلا لمصلحة أرادها الشارع، كذلك يقال هنا: من الجائز أن تقتضي مصلحة الخلق ردهم فيما تعم به البلوى إلى خبر الواحد.

стр. 766

- أما ما ذكروه من أنه يلزم من عدم إشاعته إبطال صلاة أكثر الخلق، فإن هذا غير صحيح؛ لأنه لا يلزم العمل بأي خبر إلا بشرط بلوغ ذلك الخبر إليهم، فمثلاً: من لم يبلغه حديث الوضوء من مس الذكر، فإنه غير ثابت في حقه. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية ومنها: - ١ - هل ترفع اليدان عند الركوع والرفع منه؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: إن المصلي يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه كما يفعل ذلك عند تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور مستدلين بحديث ابن عمر أنه قال: " كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده.. ". القول الثاني: إن المصلي لا يرفع يديه عند الركوع ولا عند الرفع منه. ذهب إلى ذلك الحنفية وبعض العلماء من غيرهم مستدلين بحديث ابن مسعود أنه قال: " لأصلين لكم صلاة رسول اللَّه ﷺ ، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرد واحدة "، ولم يعمل هؤلاء بحديث ابن عمر مع أنه في الصحيحين؛ لأنه من باب ما تعم به البلوى، فكان من حقه أن يشتهر ولم يشتهر. ٢ - هل مس الذكر باليد ينقض الوضوء؟ اختلف في ذلك على قولين:

стр. 767

القول الأول: أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور وقد استدلوا بحديث بسرة بنت صفوان: أن النبي ﷺ قال: " من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ ". القول الثاني: أن مس الذكر غير ناقض للوضوء، وهو مذهب أكثر الحنفية، وقد استدلوا بحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن عليّ أنه سأل ﷺ عن الوضوء من مس الذكر، فقال " لا، هل هو إلا بضعة منك "، ولم يأخذوا بحديث بسرة، لأنه خبر واحد فيما تعم به البلوى. المسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات: خبر الواحد إذا ورد بإيجاب حد أو نحوه مما تسقطه الشبهة، فهل يقبل ذلك الخبر، ويثبت به أصل الحد والعقوبة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن خبر الواحد الوارد بإثبات حد، أو ما يجري مجراه مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقاً. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قياس خبر الواحد في الحدود على خبر الواحد في غير ذلك، بيانه: أنه كما وجب قبول خبر الواحد فى غير الحد من سائر الأحكام الشرعية، فإنه يجب قبول خبر الواحد في الحدود وما يجري مجراها

стр. 768

مما تسقطه الشبهة، ولا فرق بينها، والجامع: أن الراوي في ذلك كله عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله. الدليل الثاني: أن أدلة حجية خبر الواحد عامة لجميع أخبار الآحاد، فلم تفرق بين ما ورد بإثبات حد، أو بغير ذلك، ولا يوجد دليل صحيح على التفريق بينهما. الدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك: أن شهادة الشهود توجب غلبة الظن، والاحتمال فيها متطرق، ومع ذلك تثبت بها - أي بالشهادة - الحدود وما يجري مجراها مما تسقطه الشبهة، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة وهي آكد، فمن باب أَوْلى قبول خبر الواحد الوارد في إثبات الحدود، قياساً عليها، ولا فرق بينهما، والجامع: إفادة الظن، وتطرق الاحتمال لكل منهما. المذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات الحدود، وما يجري مجراها مما تسقطه الشبهة. حكي هذا عن أبي الحسن الكرخي، واختاره أبو عبد اللَّه البصري، والسمرقندي في " ميزان الأصول "، وهو ظاهر كلام أبي عبد الله الصيمري في " مسائل الخلاف "، والبزدوي في " أصوله "، والسرخسي في " أصوله ". دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فهو غير مقطوع في صحته، فصار فيه شبهة الغلط، وشبهة الكذب، فلم يثبت كونه خبراً عن النبي ﷺ بطريق القطع، بل إن

стр. 769

الشبهة والحدود وضعت أصلاً على أنها تسقط بالشبهات؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ادرأوا الحدود بالشبهات "، فعلى هذا: لا يجوز إثبات الحدود وما يجري مجراها بخبر الواحد؛ نظراً لتطرق الشبهة إلى ذلك. جوابه: يجاب عن ذلك بما يلي: ١ - قولكم: " إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وما دام كذلك ففيه شبهة الغلط والكذب " ظاهر البطلان؛ لأن الحدود تثبت بما لا يفيد إلا الظن مثل " الشهادة " - كما سبق -، ومثل " القياس " فهو لا يفيد إلا الظن ومع ذلك فإن الحد يثبت به. ٢ - استدلالكم بحديث: " ادرأوا الحدود بالشبهات " لا نسلمه؛ لوجهين: الوجه الأول: أن لفظ " الشبهة "، أو " الشبهات " لم يرد في الحديث، والحديث الذي روته عائشة ﵂ ورد بلفظ: " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم " - أخرجه الحاكم في " المستدرك " وقال " صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في " مختصره "، فقال: فيه يزيد بن زياد - وهو من رواة الحديث - قال فيه النسائي: متروك، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في "سننهما" مرفوعاً، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب، وللحديث طريق آخر عن عليّ ﵁ مرفوعاً بنفس اللفظ السابق. قال الزيلعي في " نصب الراية " - لما ذكر ما سبق -: " ولكن في إسناده رجل ضعيف ". الوجه الثاني: على فرض صحته، وعلى فرض ورود لفظ

стр. 770

"الشبهة أو الشبهات " في الحديث، فإن المراد بالشبهة هنا هي: الشبهة في الفاعل كأن يكون جاهلاً للتحريم، أو زائل العقل، أو الشبهة في الفعل، كأن يطأ امرأة يظنها زوجته، أو أمَته، أو الشبهة في المفعول به، كأن تكون الموطوءة أَمَة ابنه، أو أمَة مشتركة. فتكون الشبهة - على هذا - في نفس السبب، لا في المثبت. إذن لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية، فأصحاب المذهب الثاني لا يعملون بخبر الواحد الوارد بإثبات حد بمجرده، بل يشترطون أن يؤيد بدليل آخر. أما أصحاب المذهب الأول: فإنهم يعملون بخبر الواحد الوارد بإثبات حدود وما أشبه ذلك بمجرده. المسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه تجوز رواية الحديث بالمعنى. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل بشروط هي كما يلي:. الشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما مكلفا، ضابطا عدلا - وهو شروط الراوي السابقة الذكر - مع معرفته بدلالات الألفاظ،

стр. 771

وصيغ الخطابات وأساليبها واستعمالاتها، بأن يكون مفرقا بين أقسام المنطوق، والمفهوم، ومفرقاً بين عبارة النص، وإشارته، ودلالته، واقتضائه، ومفرقاً بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر والعام والأعم، واشترطنا ذلك حتى تكون روايته لمعنى الحديث مساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فإن كان جاهلاً بذلك فلا تجوز له رواية الحديث بالمعنى. الشرط الثاني: أن يبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في هذا الترادف كأن يبدل لفظ " الجلوس " بلفظ " القعود "، ويبدل لفظ " الصب " بلفظ " الإراقة "، ولفظ " الاستطاعة " بلفظ "القدرة"، ونحو ذلك مما لا يتطرق إليه تفاوت الاستنباط والفهم بين الناس، أما إذا تفاوتت أنظار المجتهدين في هذا اللفظ، فلا يجوز قطعاً إبداله بلفظ آخر. الشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه كأحاديث الصفات، فإن كان من هذا الباب فلا يجوز نقلها بالمعنى، لأن الذي يحتمله ما أطلقه النبي ﷺ من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أم لا. الشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث مما تعبدنا بلفظه، فإن كان مما تعبدنا بلفظه كألفاظ " التشهد " والأذان، والتكبير، فهذا لا يجوز نقله بالمعنى. الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم، فإن كان منها كقوله ﷺ : "العجماء جبار "، وقوله: " البينة على المدعي "، وقوله: " لا ضرر ولا ضرار "، وقوله: " الخراج بالضمان "، فلا تجوز رواية ذلك بالمعنى، أي: لا بد من نقلها بلفظها؛ لأنه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم.

стр. 772

فإذا توفرت هذه الشروط فإنه تجوز رواية الحديث بالمعنى عندنا ولا مانع؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: القياس على ترجمة السُّنَّة بلغة العجم، بيانه: أنه يجوز شرح ونقل الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فإنه يجوز إبدال لفظة عربية بلفظة عربية أخرى ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها دون زيادة ولا نقصان. بل إن إبدال لفظة عربية بأخرى عربية ترادفها أَوْلى من إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية؛ لأن اللسان متحد في إبدال لفظة عربية بلفظة عربية، بخلاف إبدال لفظة عربية بعجمية، فإن اللسان مختلف. الدليل الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة ﵃ الذين رووا عن رسول اللَّه ﷺ هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا يكررون عليها في ذلك المجلس، بل كما سمعوها تركوها، وما ذكروها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يغلِّب على الظن أنه يتعذر روايتها على تلك الألفاظ التي سمعوها من النبي ﷺ الدليل الثالث: الوقوع من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - بيان ذلك: أن ﷺ كان يقيم الخطب في الجمع، وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام طويل فيه الأوامر والنواهي، والمواعظ والإرشادات التي تهم المسلمين، وقد رواها بعض الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر، مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو

стр. 773

كان هناك إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك مما يدل على أن نقل الحديث بالمعنى جائز. الدليل الرابع: أن النبي ﷺ كان يبعث سفراءه ورسله إلى الروم، والفرس، وأطراف البلاد، والقبائل، وكان هؤلاء يبلغون أوامر النبي ﷺ ونواهيه، وكل ما يقولونه بلغة المبعوثين إليهم بدون إنكار من النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن لغته تختلف عن لغة هؤلاء، فكان هذا إقرار منه على جواز نقل الحديث بالمعنى. المذهب الثاني: أنه لا تجوز رواية الحديث بالمعنى مطلقا، بل الواجب نقل الحديث بلفظه وصورته. ذهب إلى ذلك أكثر الظاهرية، وبعض متأخري أهل الحديث، وبعض الفقهاء كمحمد بن سيرين. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: ما رواه زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: " نضر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، فإن هذا نص في عدم جواز رواية الحديث بالمعنى، حيث إن قوله: " فوعاها فأداها كما سمعها " يدل على ذلك دلالة صريحة. جوابه: يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث حُجَّة مؤيدة لمذهبنا - وهو جواز رواية الحديث بالمعنى - وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الظاهر أن الحديث المروي حديث واحد، ولم يتكرر منه ﷺ ؛ لأن الأصل عدم التكرار، ومع ذلك فقد روي نفس

стр. 774

الحديث بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي بلفظ: " نضر اللَّه امرءاً "، وروي بلفظ: " رحم اللَّه امرءاً "، وروي بلفظ: " فرب حامل فقه غير فقيه "، وروي بلفظ: " ورب حامل فقه لا فقه له "، وكلها بمعنى واحد، فهذا يدل على جواز رواية الحديث بالمعنى. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ قد ذكر علَّة المنع من رواية الحديث بالمعنى وهي: اختلاف الناس في الفقه والفهم، لأنه هو المؤثر في اختلاف المعنى، فيكون المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من لا يفهم المعنى خوفاً من أن يبدله بما ليس في معناه، ونحن قد اشترطنا لرواية الحديث بالمعنى شروطاً، منها: أن يكون الراوي عالما مفرقاً بين صيغ الخطابات ودقائق الألفاظ ودلالتها، فإن لم يكن كذلك فلا تجوز رواية الحديث بالمعنى. الوجه الثالث: أن من نقل معنى لفظ الحديث، دون زيادة: ولا نقصان، فقد أدى الحديث كما سمعه، ولا يمكن أن يقال عنه: إنه كذب في الحديث، يؤيد ذلك: أن المترجم والشاهد يقال له: أدى ما سمع، وكذلك من بلغ إنساناً رسالة فحفظ معناها يقال له: أدى ما سمع. وهكذا بأن لك أن الحديث يدل على ما ذهبنا إليه، وهو جواز رواية الحديث بالمعنى. الدليل الثاني: قياس الحديث على القرآن وكلمات الأذان، والتشهد، والتكبير. بيان ذلك: أن حديث النبي ﷺ قول: " قد تعبدنا باتباعه " فلا يجوز تبديله بغيره كالقرآن، وكلمات الأذان، كالتشهد، والتكبير. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن

стр. 775

المقصود من ألفاظ القرآن الكريم الإعجاز، فتغييره مما يخرجه عن ذلك الإعجاز لا يجوز، بخلاف الحديث؛ حيث إن المقصود منه المعنى دون اللفظ. أما كلمات الأذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها، وذلك لا يحصل إلا بألفاظها، دون معانيها، وقد بينا ذلك في الشرط الرابع، بخلاف الحديث، فالمقصود المعنى دون اللفظ. المسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث: إذا سمع الراوي خبراً وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فالحكم في ذلك فيه تفصيل: أولاً: إن كان الحديث قد تضمن أحكاماً يتعلق بعضها ببعض كأن يكون مشتملاً على ذكر شرط، أو استثناء، أو غاية، فلا يجوز للراوي أن يحذف شيئاً منه؛ لأن فيه تغييراً للحكم وتبديلاً للشرع. مثال الشرط: قوله ﵊: " من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة ". ومثال الاستثناء: قوله ﵊: " لا تبيعوا البر بالبر ... إلا سواء بسواء مثلاً بمثل ". ومثال الغاية: " نهيه ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهى "، فهذه الأحاديث لا يجوز حذف بعضها. ثانيا: إن كان الحديث قد تضمَّن أحكاما لا يتعلق بعضها ببعض، فإن الأفضل نقل الحديث بتمامه. ولكن يجوز حذف بعضه عند الحاجة؛ قياسا على الأخبار المتعددة
следующие страницы →