← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وصيغ الخطابات وأساليبها واستعمالاتها، بأن يكون مفرقا بين أقسام المنطوق، والمفهوم، ومفرقاً بين عبارة النص، وإشارته، ودلالته، واقتضائه، ومفرقاً بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر والعام والأعم، واشترطنا ذلك حتى تكون روايته لمعنى الحديث مساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فإن كان جاهلاً بذلك فلا تجوز له رواية الحديث بالمعنى. الشرط الثاني: أن يبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في هذا الترادف كأن يبدل لفظ " الجلوس " بلفظ " القعود "، ويبدل لفظ " الصب " بلفظ " الإراقة "، ولفظ " الاستطاعة " بلفظ "القدرة"، ونحو ذلك مما لا يتطرق إليه تفاوت الاستنباط والفهم بين الناس، أما إذا تفاوتت أنظار المجتهدين في هذا اللفظ، فلا يجوز قطعاً إبداله بلفظ آخر. الشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه كأحاديث الصفات، فإن كان من هذا الباب فلا يجوز نقلها بالمعنى، لأن الذي يحتمله ما أطلقه النبي ﷺ من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أم لا. الشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث مما تعبدنا بلفظه، فإن كان مما تعبدنا بلفظه كألفاظ " التشهد " والأذان، والتكبير، فهذا لا يجوز نقله بالمعنى. الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم، فإن كان منها كقوله ﷺ : "العجماء جبار "، وقوله: " البينة على المدعي "، وقوله: " لا ضرر ولا ضرار "، وقوله: " الخراج بالضمان "، فلا تجوز رواية ذلك بالمعنى، أي: لا بد من نقلها بلفظها؛ لأنه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم.

стр. 772

فإذا توفرت هذه الشروط فإنه تجوز رواية الحديث بالمعنى عندنا ولا مانع؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: القياس على ترجمة السُّنَّة بلغة العجم، بيانه: أنه يجوز شرح ونقل الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فإنه يجوز إبدال لفظة عربية بلفظة عربية أخرى ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها دون زيادة ولا نقصان. بل إن إبدال لفظة عربية بأخرى عربية ترادفها أَوْلى من إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية؛ لأن اللسان متحد في إبدال لفظة عربية بلفظة عربية، بخلاف إبدال لفظة عربية بعجمية، فإن اللسان مختلف. الدليل الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة ﵃ الذين رووا عن رسول اللَّه ﷺ هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا يكررون عليها في ذلك المجلس، بل كما سمعوها تركوها، وما ذكروها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يغلِّب على الظن أنه يتعذر روايتها على تلك الألفاظ التي سمعوها من النبي ﷺ الدليل الثالث: الوقوع من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - بيان ذلك: أن ﷺ كان يقيم الخطب في الجمع، وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام طويل فيه الأوامر والنواهي، والمواعظ والإرشادات التي تهم المسلمين، وقد رواها بعض الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر، مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو

стр. 773

كان هناك إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك مما يدل على أن نقل الحديث بالمعنى جائز. الدليل الرابع: أن النبي ﷺ كان يبعث سفراءه ورسله إلى الروم، والفرس، وأطراف البلاد، والقبائل، وكان هؤلاء يبلغون أوامر النبي ﷺ ونواهيه، وكل ما يقولونه بلغة المبعوثين إليهم بدون إنكار من النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن لغته تختلف عن لغة هؤلاء، فكان هذا إقرار منه على جواز نقل الحديث بالمعنى. المذهب الثاني: أنه لا تجوز رواية الحديث بالمعنى مطلقا، بل الواجب نقل الحديث بلفظه وصورته. ذهب إلى ذلك أكثر الظاهرية، وبعض متأخري أهل الحديث، وبعض الفقهاء كمحمد بن سيرين. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: ما رواه زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: " نضر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، فإن هذا نص في عدم جواز رواية الحديث بالمعنى، حيث إن قوله: " فوعاها فأداها كما سمعها " يدل على ذلك دلالة صريحة. جوابه: يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث حُجَّة مؤيدة لمذهبنا - وهو جواز رواية الحديث بالمعنى - وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الظاهر أن الحديث المروي حديث واحد، ولم يتكرر منه ﷺ ؛ لأن الأصل عدم التكرار، ومع ذلك فقد روي نفس

стр. 774

الحديث بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي بلفظ: " نضر اللَّه امرءاً "، وروي بلفظ: " رحم اللَّه امرءاً "، وروي بلفظ: " فرب حامل فقه غير فقيه "، وروي بلفظ: " ورب حامل فقه لا فقه له "، وكلها بمعنى واحد، فهذا يدل على جواز رواية الحديث بالمعنى. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ قد ذكر علَّة المنع من رواية الحديث بالمعنى وهي: اختلاف الناس في الفقه والفهم، لأنه هو المؤثر في اختلاف المعنى، فيكون المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من لا يفهم المعنى خوفاً من أن يبدله بما ليس في معناه، ونحن قد اشترطنا لرواية الحديث بالمعنى شروطاً، منها: أن يكون الراوي عالما مفرقاً بين صيغ الخطابات ودقائق الألفاظ ودلالتها، فإن لم يكن كذلك فلا تجوز رواية الحديث بالمعنى. الوجه الثالث: أن من نقل معنى لفظ الحديث، دون زيادة: ولا نقصان، فقد أدى الحديث كما سمعه، ولا يمكن أن يقال عنه: إنه كذب في الحديث، يؤيد ذلك: أن المترجم والشاهد يقال له: أدى ما سمع، وكذلك من بلغ إنساناً رسالة فحفظ معناها يقال له: أدى ما سمع. وهكذا بأن لك أن الحديث يدل على ما ذهبنا إليه، وهو جواز رواية الحديث بالمعنى. الدليل الثاني: قياس الحديث على القرآن وكلمات الأذان، والتشهد، والتكبير. بيان ذلك: أن حديث النبي ﷺ قول: " قد تعبدنا باتباعه " فلا يجوز تبديله بغيره كالقرآن، وكلمات الأذان، كالتشهد، والتكبير. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن

стр. 775

المقصود من ألفاظ القرآن الكريم الإعجاز، فتغييره مما يخرجه عن ذلك الإعجاز لا يجوز، بخلاف الحديث؛ حيث إن المقصود منه المعنى دون اللفظ. أما كلمات الأذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها، وذلك لا يحصل إلا بألفاظها، دون معانيها، وقد بينا ذلك في الشرط الرابع، بخلاف الحديث، فالمقصود المعنى دون اللفظ. المسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث: إذا سمع الراوي خبراً وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فالحكم في ذلك فيه تفصيل: أولاً: إن كان الحديث قد تضمن أحكاماً يتعلق بعضها ببعض كأن يكون مشتملاً على ذكر شرط، أو استثناء، أو غاية، فلا يجوز للراوي أن يحذف شيئاً منه؛ لأن فيه تغييراً للحكم وتبديلاً للشرع. مثال الشرط: قوله ﵊: " من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة ". ومثال الاستثناء: قوله ﵊: " لا تبيعوا البر بالبر ... إلا سواء بسواء مثلاً بمثل ". ومثال الغاية: " نهيه ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهى "، فهذه الأحاديث لا يجوز حذف بعضها. ثانيا: إن كان الحديث قد تضمَّن أحكاما لا يتعلق بعضها ببعض، فإن الأفضل نقل الحديث بتمامه. ولكن يجوز حذف بعضه عند الحاجة؛ قياسا على الأخبار المتعددة

стр. 776

بيان ذلك: أن من حفظ أخباراً متعددة، فله رواية بعضها وترك بعضها الآخر عند الحاجة، فإذاً هذا جائزاً، فهذا مثله ولا فرق بجامع: أنه نقل ما يتم المعنى به. مثال ذلك: قوله ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم "، فهنا يجوز حذف بعض هذا الحديث للاستدلال به على حكم معين. *** المسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي: المقصود بذلك: أن يروى الصحابي حديثا عن ﷺ وهو لم يسمعه منه شفاها، بل سمعه من صحابي آخر. وسمي مرسلاً نظراً لعدم تقييده بذكر الواسطة بين الراوي والرسول ﷺ . واختلف العلماء في قبول مرسل الصحابي على مذهبين: المذهب الأول: أن مرسل الصحابي مقبول مطلقا، أي: سواء عرفنا أنه لا يروي إلا عن عدل أو لم نعرف بذلك، وسواء صرَّح بذلك، أو لم يصرح. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: الإجماع؛ حيث وقع أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يرسلون الأحاديث، بدون نكير من أحد، إذ لو كان هناك إنكار لبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا شيء من ذلك، فإنه يدل دلالة واضحة على إجماعهم على قبول مرسل الصحابي مطلقا، فأكثر روايات الصحابة - سواء كانوا صغاراً أم كبارا - عن ﷺ -

стр. 777

لم يسمعوها من النبي ﷺ مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، فتكون مراسيل، أيَّد ذلك أمران: الأمر الأول: ما ذكره الخطيب البغدادي في " الكفاية ": أن البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري قال: " ليس كلنا سمع حديث رسول اللَّه ﷺ ، كانت لنا صنيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون - يومئذٍ - فيحدث الشاهد الغائب "، وهذا نص فيما نحن فيه. الأمر الثاني: أنه وقع من بعض الصحابة أنه كان يروي الحديث عن النبي ﷺ ، وكأنه سمعه منه مباشرة، فإذا استكشف وسئل عنه بين أنه لم يسمعه من النبي ﷺ مباشرة، بل سمعه من صحابي آخر، ومن أمثلة ذلك: المثال الأول: أن ابن عباس ﵄ روى عن النبي ﷺ أنه قال: " لا ربا إلا في النسيئة "، ولما أخبره أبو سعيد الخدري بحديثه في الربا، قال ابن عباس: " ما سمعته من النبي ﷺ ، وإنما حدثني به أسامة بن زيد المثال الثاني: أن ابن عباس ﵄ روى أنْ النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس. المثال الثالث: أن أبا هريرة ﵁ روى - عن النبي ﷺ أنه قال: " من أصبح جنباً فلا صوم له "، فلما أخبر أن عائشة أنكرت ذلك وقالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبا ويتم صومه، ذكر أن الفضل بن عباس هو الذي حدَّثه بهذا الحديث. المثال الرابع: أن ابن عمر ﵄ روى: أن النبي

стр. 778

- ﷺ قال: " من صلى على جنازة فله قيراط "، وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة. الدليل الثاني: أن الأُمَّة قد أجمعت على قبول كل ما رواه عبد الله ابن عباس ﵄ مع إكثاره في الرواية، وهو لم يسمع أكثر الأحاديث التي يرويها من النبي ﷺ مباشرة؛ لأن النبي ﷺ توفي وابن عباس لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره، بل سمعها وأخذها من كبار الصحابة. وكذلك غير ابن عباس من صغار الصحابة كعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن والحسين ابني عليّ بن أبي طالب، وغيرهم، فقد كان الصحابة وغيرهم من التابعين يقبلون ما يروون مع علمهم بأن أكثر ما رووه لم يسمعوه من النبي ﷺ مباشرة، بل من كبار الصحابة، حيث كان هؤلاء يحرصون كل الحرص على إحضار صغارهم أماكن اجتماعاتهِم ليرووا عنهم، ولما روى هؤلاء - أعني صغار الصحابة - قبلت الأُمَّة كل رواياتهم، ولم ينكر أحد شيئاً من ذلك، ولو وقع إنكار لنقل إلينا، ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فثبت أنه يجب قبول مرسل الصحابي مطلقا. المذهب الثاني: أن مرسل الصحابي لا يقبل إلا بشرط معرفتنا: أن من عادة هذا الصحابي أنه لا يروي إلا عن صحابي آخر. ذهمب إلى ذلك قوم وصفهم بعض العلماء بانهم شواذ. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن عدالة الصحابي معلومة وثابتة، ولا نتهمه في ذلك، فلم يكن السبب في عدم قبولنا لمرسله

стр. 779

هو الشك في ذلك، ولكن لم نقبل مرسله لسبب آخر وهو: احتمال أن يروي عن شخص لم تثبت صحبته، أو عن تابعي لم تثبت عدالته. وهذا الاحتمال هو الذي سبب هذا التوقف حتى يأتي ما ينفي ذلك. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه لا يروي الحديث إلا عن شخص قد ثبتت صحبته، وقد سمع النبي ﷺ ، فاحتمال الرواية من غير الصحابي احتمال بعيد، وتصور مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد عن الدليل لا يعتمد عليه. الجواب الثاني: على فرض أن الصحابة قد روى عن بعض التابعين فإنا نجزم بأنه لا يروي إلا عن من ثبتت عدالته لديه، واحتمال أن الصحابي قد يروي عمن لم تثبت عدالته هذا احتمال بعيد جداً، وتصور غير واقع، ولا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعول عليه؛ ذلك لأن الصحابة ﵃ قد اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وقد عدلهم اللَّه في كتابه وسُنَّة رسوله، فمن كانت هذه صفته يستحيل أن يرووا عن غير العدل الثقة؛ لأن هذا فيه تلبيس وتدليس على الأُمَّة، وهذا يستحيل في حقهم. تنبيه: قال أبو الخطاب في " التمهيد "، وعبد العزيز البخاري في " كشف الأسرار ": إن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع. قلت: هذا ليس بصحيح، بل الصحيح: أن قبول مراسيل

стр. 780

الصحابة هو مذهب الجمهور، كما قلنا - هنا -؛ لأن هناك فرقة من الناس قد خالفت في ذلك، ومع ذلك فلا إجماع. اعتراض على ذلك: قال معترض على ذلك: إن الفرقة المخالفة فرقة شاذة لا يُعتد بقولها، فلا يؤثر بإجماع العلماء. جوابه: يجاب عنه: بأن العلماء قد اعتدوا بخلاف تلك الفرقة، وسردوا أدلتهم، وأجابوا عنها، ولو لم يعتد بخلاف تلك الفرقة لما ردوا عليهم ولما أبطلوا مذهبهم بالأدلة. المسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي: والمراد به: أن يقول الراوي العدل الثقة المتحرز لدينه الذي لم يدرك النبي ﷺ : "قال رسول اللَّه ﷺ كذا ". أو يقول الراوي الذي لم يدرك أبا هريرة: " قال أبو هريرة كذا". هذا تعريف المرسل عند الفقهاء وأكثر الأصوليين، وهو الحق؛ لأنه أعم من غيره. أما عند المحدثين وبعض العلماء من غيرهم، فالمرسل هو: قول التابعي: قال رسول اللَّه ﷺ . واختلف العلماء في قبول مرسل غير الصحابي على مذاهب: المذهب الأول: أنه يقبل مطلقا، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الحق؛ للأدلة التالية:

стр. 781

الدليل الأول: أن الظاهر من حال الراوي العدل الثقة أنه لا يجوز لنفسه أن يروي حديثا عن النبي ﷺ إلا إذا علم، أو غلب على ظنه أن النبي ﷺ قد قاله فعلاً، وهذا لا يكون إلا إذا كانت عدالة الشيخ الذي روى له الحديث قد ثبتت واستقرت عند ذلك الراوي الذي أرسل هذا الحديث؛ لأنه يبعد أن يظن ذلك الراوي عدم صدوره عن النبي ﷺ ، ومع ذلك يرويه؛ لأن ذلك كذب مسقط لعدالته، وإذا كان الأمر كذلك فيجب قبول ما ينسبه إلى النبي ﷺ . الدليل الثاني: أن من عادة الراوي العدل أن لا يرسل الحديث إلا إذا تيقن من ثبوت هذا الحديث، فإذا شك فيه فإنه لا يرسله، بل يذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه عادة مستمرة لهم، يؤيد ذلك ما ذكره ابن عبد البر في " التمهيد " عن إبراهيم النخعي أنه قال: " إذا رويت عن عبد اللَّه - يقصد ابن مسعود - فقد حدَّثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه "، فإذا كانت هذه عادتهم - وهي: أنهم لا يرسلون إلا ما ثبت عندهم - فيكون الحديث المرسل ثابتاً، والثابت يقبل ويعمل به. الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) . وجه الدلالة: أن هذه الآية أوجبت على الطائفة إذا رجعت إلى قومها أن تنذرهم، ولم تفرق الآية في الإنذار بين ما أرسلوه وما أسندوه، فهذا يدل على قبول الحديث المرسل كما يقبل الحديث المسند ولا فرق. الدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .

стр. 782

وجه الدلالة: أن الآية أوجبت التبين والتثبت إذا جاء فاسق بنبأ وخبر، فإن كان غير فاسق - وهو العدل - وجب قبول خبره مطلقاً، أي: سواء كان مسنداً أو مرسلاً. المذهب الثاني: أن الحديث المرسل يقبل إذا كان مرسله في العصور الثلاثة: عصر الصحابة،، وعصر التابعين، وعصر تابعي التابعين، ولا يقبل في غيرها إلا من أئمة النقل، وهو مذهب بعض الحنفية كعيسى بن أبان. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". وجه الدلالة: أن ﷺ قد شهد لأصحاب تلك القرون بالعدالة، وذلك يوجب صدقهم، فيجب قبول قولهم وخبرهم مطلقاً، سواء كان مرسلاً أو مسنداً. وقالوا: إنا نقبل الحديث المرسل من غير تلك العصور بشرط كون المرسل - بكسر السين - واحداً من أئمة النقل؛ لأن أئمة النقل قد عرفوا بالبحث والاطلاع على أحوال الرواة، فإذا أرسلوا فذلك لمعرفة من أرسلوا عنه معرفة توجب حد اطمئنان النفس إلى صدقه، بخلاف غيرهم، فلا يقبل منهم شيئاً إلا إذا تعين اسمه، فنبحث عنه. جوابه: يجاب عنه بأنكم فرقتم بين أئمة النقل وغيرهم، وهذه التفرقة لا تفيد إذا تحققت في الراوي العدالة والثقة وبقية شروط الراوي السابقة، أي: أن الراوي إذا توفرت فيه شروط الرواية - وهي الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - فإنا نقبل خبره سواء

стр. 783

كان مرسلاً أو مسند، وسواء كان من أئمة النقل أو من غيرهم، وسواء كان من العصور الثلاثة أو لا. المذهب الثالث: أن الحديث المرسل يقبل من أئمة النقل فقط، دون غيرهم، وهو اختيار ابن الحاجب. دليل هذا المذهب: أن إرسال أئمة النقل من النابعين كان مشهوراً مقبولاً، ولم ينكره أحد كإرسال سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وغيرهم، فكان إجماعاً على قبول مرسل أئمة النقل. جوابه: يجاب غنه: بأنه لا وجه للتفرقة بين أئمة النقل وغيرهم؛ لأن الراوي إذا كان عدلاً، فإنه يرجح جانب الصدق على جانب الكذب، وإن لم يكن من أئمة النقل كما قلنا في جواب دليل أصحاب المذهب الثاني. المذهب الرابع: أن المرسل يقبل إذا توفر فيه أحد الأمور التالية: ١ - أن يكون قد أسنده غير مرسله. ٢ - أن يكون قد أرسله آخر يروي عن غير شيوخ الأول. ٣ - أن يعضده قول صحابي. ٤ - أن يعضده قول أكثر العلماء. ٥ - أن يعرف من حمال الذي أرسله أنه لا يرسل عمن فيه جهالة أو غيرها، وأنه لا يرسل إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد بن المسيب. فإن انضم إلى الحديث المرسل أحد هذه الأمور قبل، وإلا: فلا.

стр. 784

ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي ﵀، واختاره بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الراوي لا يقبل خبره إلا إذا كان عدلاً، ومن أرسل عنه الراوي لم نعرف عدالته، فلا موجب لقبول خبره. وقلنا: إن المرسل عنه غير معروف العدالة، لعدم معرفة اسم المرسل عنه. وقلنا: إن المرسل يقبل عند انضمام واحد من تلك الأمور السابقة إليه، لأن الواحد من تلك الأمور يغلِّب جانب الصدق على جانب الكذب، وبذلك يقبل. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه إذا لم يذكره أنا نجهل عدالته، وذلك لأنا بينا - فيما سبق - أن الراوي لو لم تصح وتثبت عنده عدالة شيخه الذي حذَثه لا يمكن أن يروي عنه فيلزم الناس تحكما بقول فاسق أو مجهول، وهذا ينافي عدالته، فثبت بهذا أنه لا يروي إلا عن عدل. الجواب الثاني: أن رواية الراوي عمن أرسل عنه تعتببر تعديلاً له؛ لأن المرسل لو روى عن غير عدل ولم يبين لنا حاله كان غاشا ومدلساً على الأمة، وتسقط عدالته بذلك، وما دامت الرواية عنه تعديلاً له وجب قبول خبره؛ نظراً لتوفر العدالة المقتضية للقبول. الدليل الثاني: أن شاهدي الفرع إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا

стр. 785

على شاهدي الأصل من غير ذكرهما، كذلك هنا في الخبر لا يمكن أن نقبل حديثا رواه عدل إلا إذا عين الشيخ المروي عنه، ولا فرق بينهما، والجامع: أن العدالة معتبرة في كل واحد منهما. جوابه: يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق فلا يصح؛ حيث توجد فروق بينهما، ومنها: ١ - أن الشهادة آكد من الرواية - كما سبق بيانه -. ٢ - أن الشهادة تجب باللفظ ولا تقبل بالمعنى، بخلاف الرواية فتجوز بالمعنى - كما سبق -. ٣ - أن الشهادة يشترط فيها العدد، بخلاف الرواية فلا يشترط فيها ذلك. ٤ - أنه يشترط في الشهادة الذكورية، أما الرواية فلا. ٥ - أنه يشترط في الشهادة الحرية، بخلاف الرواية. ٦ - أنه في الشهادة لا تسمع شهادة الفرع إلا بعد العجز عن سماع شهادة الأصل، أما في الرواية فيجوز ذلك. ٧ - أن شهود الفرع لا يشهدون إلا بعد أن يحمِّلهم شهود الأصل تلك الشهادة، فيقولوا: " اشهدوا على شهادتنا "، بخلاف الرواية، فإن الراوي يروي الخبر من غير أن يقول له: " ارو عني ذلك ". وإذا اعترفتم بتلك الفروق بين الشهادة والرواية، فلا يصح قياسكم الرواية على الشهادة. المذهب الخامس: أن مرسل غير الصحابي لا يقبل مطلقا.

стр. 786

وهو ما ذهب إليه الظاهرية، ونسبه ابن عبد البر إلى أصحاب الحديث، وهو رواية عن الإمام أحمد. أدلة هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بالدليلين السابقين اللذين استدل بهما أصحاب المذهب الرابع، وقد سبق الجواب عنهما. وزادوا دليلاً ثالثاً وهو: أنه لو جاز العمل بالحديث المرسل لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم فائدة ولا معنى؛ حيث إن الناس قد تكلفوا حفظ الأسانيد في باب الأخبار، وضبطها، فلو لم يكن لذلك فائدة - وهي الاطلاع على عدالة جميع رواة الحديث -: لما اشتغلوا به، نظراً لتساوي الإسناد والإرسال. جوابه: يجاب عنه: بأن ذكر أسماء الرواة له فائدتان، هما: الأولى: أن المخبر قد يشتبه عليه حال من يخبره، فلا يقدم على تعديله ولا على تجريحه، فيذكره ليتفحص فيه غيره. الفائدة الثانية. الاحتياط لنفسه، أي: أن الراوي يذكر من يخبر عنه؛ لا لأنه شك في عدالته، بل يذكره مع أنه يعدله ليتمكن السامع من الاطلاع على ذلك الراوي، فقد يكون عدلاً عند من ذكره، بينما يكون مجروحاً عند غيره، فيذكره الراوي احتياطا. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا على أن مرسل العدل الثقة مقبول، وعلى أن مرسل غير العدل غير مقبول.

стр. 787

فلو دققت النظر في أدلة أصحاب المذاهب لوجدت أنهم يعنون بالمرسل المقبول هو مرسل العدل الثقة، ويكنون بالرسل غير المقبول هو مرسل من لم تثبت عدالته. دلطَّ على ذلك كلام المحققين الأصوليين كأبي الوليد الباجي في "الإحكام "، والجصاص في " أصوله "، وأبي يعلى الحنبلي في "العدة"، وابن عقيل في " الواضح "، وشيخ الإسلام ابن تيمية في " المسودة "، والأنصاري في " فواتح الرحموت ". وهو الحق عندي: فمن قال بقبول الحديث المرسل يحمل على ما إذا كان المرسل - بكسر السين - من أولئك العلماء العدول الثقات الماهرين بمعرفة شرائط قبول الرواية، الذين يعرف من حالهم أنهم لا يرسلون إلا عمن يقبل حديثه. أما من قال بعدم قبول الحديث المرسل، فيحمل على موضع غلبة الريبة والشك في المرسِل - بكسر السين -. يؤيد ذلك: أن من قال بقبول المرسل - بشروط أو بعدم شروط - تراهم قد امتنعوا من قبول المراسيل إذا لم يكن المرسل من الأئمة العدول الثقات، وذلك لغلبة الريبة والشك في المرسل. وأن من قال بعدم قبول المرسل تراهم قد قبلوا مراسيل التابعين كسعيد بن المسيب، وذلك لانتفاء غلبة الريبة في المرسل. فيكون الخلاف - بذلك - لم يتوارد على محل واحد، فيكون لفظيا. أما ما ذكره بعضهم من أن الخلاف له ثمرة وأثر في بعض الفروع الفقهية، وذكر عدداً من المسائل الفقهية التي تأثرت بهذا الخلاف،

стр. 788

فهذا غير صحيح؛ لأنك لو دققت النظر لوجدت أن الذي قبل الحديث المرسل في تلك المسائل لم يقبله لكونه مرسلاً وإنما قبله؛ لأنه غلب على ظنه صدق المرسل، أو لأن عمل الصحابة يوافقه، أو وافقه حديث آخر مسند، أو أنه لم ينكره أحد ممن يعتد بقوله، أو غير ذلك من الأدلة. وأن الذي لم يقبل الحديث المرسل لم يتركه، لكونه مرسلاً، وإنما تركه؛ لأنه شك في الراوي أو غير ذلك من الأدلة. *** المسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند: اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يقدم المسند على المرسل. ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وأكثر المالكية، وكثير من الحنفية. وهو الحق؛ لأن المسند قد اتفق على قبوله والاحتجاج به، أما المرسل فقد اختلف فيه، فالمسند له مزية فضل لموضع الاتفاق، وسكون النفس إليه أكثر من المرسل، ولذلك يقدم المسند. المذهب الثاني: أنه يقدم المرسل على المسند. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض المالكية. دليل هذا المذهب: أن من أسند فقد أحالك على البحث عن أحوال الرواة الذين سماهم لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع توفر شروط الراوي فيه، فقد قطع لك بصحة هذا الحديث وكفاك النظر.

стр. 789

جوابه: يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ حيث إن المسند تطمئن النفس إليه، نظراً لاطلاعنا على رواة الحديث وتأكدنا من عدالة كل راوٍ بأنفسنا، أما المرسل فلم نعلم عدالة الراوي الذي لم يذكر إلا من خلال الذي روى الحديث لنا، فيكون المسند أقوى. المذهب الثالث: أنهما سواء في وجوب الاحتجاج. ذهب إلى ذلك ابن جرير الطبري، والأبهري، وأبو الفرج المالكي. دليل هذا المذهب: أن السلف ﵏ قد أرسلوا، ووصلوا وأسندوا، ولم يعب واحد منهم على صاحبه شيئاً من ذلك، وعملوا بالجميع ولم يفرقوا بين مرسل ومسند. جوابه: يجاب عنه: بأنا معكم بأنه يجب العمل بالمرسل والمسند؛ إذ لا فرق بينهما في العمل، ولكن الخلاف فيما إذا تعارضا أيهما المقدم، فدليلكم ليس في محل النزاع. يؤيد ذلك: أن الدليل الظني والدليل القطعي كل واحد يجب العمل به، ولكن إذا تعارضا، فإنه يقدم القطعي على الظني. المذهب الرابع: التوقف، أي: إذا تعارض المسند مع المرسل، فإنا نتوقف ولا نرجح أحدهما على الآخر حتى يأتي دليل آخر يرجح أحدهما، وهو مذهب بعض العلماء.

стр. 790

دليل هذا المذهب: أنه لا فرق بينهما في القوة، والعمل، والاحتجاج، فليس أحدهما بأولى من الآخر. جوابه: يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنهما متساويان في القوة، حيث إنا بينا أن المسند أقوى من المرسل لذلك تسكن النفس إليه، واتفق العلماء على قبوله، أما المرسل فنظراً لضعف سكون النفس إليه فقد اختلف العلماء فيه كما سبق. المسألة الثامنة والعشرون: أفعال النبي ﷺ وأحكامها: للكلام عنها لا بد من التفصيل الآتي: أولاً: أفعاله الجبلية: وهي ما جبل الإنسان عليها وما تشترك فيها نفوس الخلق، وما فطر اللَّه عليها البشر مما لا يملك الإنسان فيه حرية التصرف كالقيام، والقعود، وهواجس النفس، وحركة اليد أثناء المشي، ونحو ذلك، فهذا لا أسوة فيه، ولا يتبع النبي في شيء منه. ثانيا: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات: مثل أحواله في مأكله ومشربه، وملبسه، وتوسده يده إذا أراد النوم، ولبس الأبيض. من الثياب، وطريقة مشيته، وطريقة كلامه، فهذا يباح منا ومنه ﷺ ؛ لأنه لم يقصد به التشريع، ولم نتعبَّد به، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.

стр. 791

ثالثا: الأفعال التي لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها قربة، أو عادة: كجلوسه ﷺ للقيام إلى ثالثة من الصلاة الرباعية، والاضطجاع بعد الفجر، ومبيته بذي طوى، ونزوله بالأبطح، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يستحب للأُمَّة اتباع النبي ﷺ في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعدم وجود الدليل الذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه، وهو الندب. المذهب الثاني: أنه يجب اتباع الأُمَّة لذلك، إلا ما دلَّ الدليل على أنه خاص بالنبي ﷺ . وهو مذهب الإمام مالك فيما حكي عنه، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الشافعية كأبي العباس ابن سريج، والأصطخري. دليل هذا المذهب: أن النبي ﷺ فعل تلك الأفعال على أنها واجبة عليه، فيجب علينا الاقتداء به فيها. جوابه: يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك لأمرين: أولهما: أنه لا يوجد دليل على أن النبي ﷺ قد فعلها وهي واجبة عليه.

стр. 792

ثانيهما: لو سلمنا أنها واجبة عليه فلا يلزم أنها واجبة علينا؛ لعدم الدليل على دخولنا فيه. المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يطلب منا الفعل على الوجه المطلوب. وهو مذهب ابن فورك، وصحَّحه كثير من العلماء. دليل هذا المذهب: أنه لما كان هذا الفعل يحتمل أن يكون للندب، ويحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل الإباحة، ويحتمل أن يكون من خصائصه: كان التوقف متعيناً؛ لأن كل واحد منها ليس أَوْلى من الآخر. جوابه: يجاب عنه: بأن الاحتمال الأول وهو كونه للندب هو الراجح؛ لأن الدليل قد قواه وهو: أن فعله أرجح من تركه كما قلنا فيما سبق، أما الاحتمالات الثلاثة الأخرى فهي احتمالات بعيدة؛ لعدم وجود أدلة عليها، فيعمل على ما ترجح بالدليل. رابعاً: أفعاله التي فعلها لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق: فإن هذا حكمه حكم المبين: فإن كان المبين واجباً فهو واجب، وإن كان المبيَّن مندوباً: فهو مندوب، وإنما كان كذلك؛ لأن البيان لا يتعدى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بياناً له، ولأن البيان ما انطبق على المبين كالتفسير ينطبق على المفسر. خامساً: الفعل الخاص به ﷺ : كالزواج بأكثر من أربع، وجواز زواجه بدون مهر، ونحو ذلك، فهذا خاص به، لا يفعله غيره، ولا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.

стр. 793

سادسا: إذا فعل فعلاً لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟ إذا فعل ﷺ فعلاً، وثبت أنه على وجه القربة، ولم يكن بيانا بالمجمل أو غيره، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمنا صفته من الوجوب أو الندب، أو الإباحة، وذلك بنصه ﷺ ، أو بغير ذلك من الأدلة، فهل نحن متعبدون بهذا الفعل والتأسي به في فعله، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحاً؟ اختلف في ذلك على مذاهب؛ ومن أهمها مذهبان: المذهب الأول: أنا متعبدون بالتأسي به. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - فقد كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله ﷺ والتأسي بذلك - وهو أن يفعلوا مثل ما فعل - كرِجوعهم إلى تزويجه ليمونة وهو حرام، وفي تقبيله للحجر الأسود، وجواز تقبيله وهو صائم، ونحو ذلك. الدليل الثاني: قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) . وجه الدلالة: أنه جعل التأسي بالنبي ﷺ من لوازم رجاء اللَّه تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي: عدم الملزوم، وهو: الرجاء لله واليوم الآخر، وذلك كفر كما هو واضح. الدليل الثالث: قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) . وجه الدلالة: أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة اللَّه الواجبة، فلو لم تكن المتابعة لازمة: للزم من عدمها عدم المحبة، وذلك حرام.

стр. 794

المذهب الثاني: أنا لسنا متعبدين بالتأسي به مطلقا. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لما كان احتمال الخصوصية قائماً في كل فعل مجرد، فلا يجوز التأسي به ومتابعته وأخذ الحكم منه؛ لاحتمال أن يكون مما يجوز له ﷺ ، ويحرم على غيره، فيكون من اقتدى به قد فعل حراماً. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن خصائصه التي ثبتت بأدلة صحيحة قليلة جداً، وقد قدرت بخمس عشرة خاصة، بينما أكثر الأحكام ثبت الاشتراك فيها كأنواع العبادات، وأركانها، وشروطها، وأسبابها، وما يستحب فيها من الأفعال والهيئات، وكذلك الآداب والمعاملات التي ثبت الاشتراك فيها، فهذه تزيد أضعافاً مضاعفة عما ثبت الاختصاص به، فلا يجوز أن تمنع دلالة الفعل المجرد في حقنا من أجل الاحتمال الذي لم يرد إلا قليلاً، وهو كونه من خصائصه ﷺ . المسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي ﷺ : ويتبين ذلك فيما يلي: أولاً: تعريفه: تقرير النبي ﷺ هو: كف النبي ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل، وستأتي الأمثلة على ذلك.

стр. 795

ثانياً: حجيته: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن التقرير حُجَّة، وهو قسم من أقسام السُّنَّة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية، ويتنزه عنها أهل التقى من الأُمَّة، فمن باب أوْلى أن يتنزه عنها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ وهو أول المسلمين وأتقاهم لله، ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأُمَّته. الدليل الثاني: أن اللَّه تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع لم يكن ناهياً عن المنكر. الدليل الثالث: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - فقد كانوا يحتجون بتقريره ﷺ على الجواز، بدون نكير من أحد منهم، ومن أمثلة ذلك: ١ - قول أبي بن كعب: " الصلاة في ثوب واحد سُنَّة كنا نفعله على عهد النبي ﷺ ، ولا يعاب علينا ". ٢ - أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه ﷺ ؛ فقال: " كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ". المذهب الثاني: أن التقرير من ﷺ ليس بحُجَّة في الشرع. ذهب إلى ذلك بعض العلماء.

стр. 796

دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه من الجائز أنه سكت؛ لأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا لا يفيد، فلم يعاود، وأقره عليه كما أقر اليهود على معتقداتهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصلح التقرير دليلاً على الجواز. جوابه: - يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الدليل خارج عن محل النزاع، فهو خارج عن الإقرار الذي يحتج به؛ لأن شرطه: أن يكون المقر مسلماً ملتزماً، واليهود والنصارى ليسوا كذلك، فكيف يترك المسلم الملتزم المطيع المتتبع يفعل المنكر فلا ينهاه عنه. الجواب الثاني: على فرض أن الإقرار على مثل هذا جائز في بعض الأحوال، فإن هذا نادر جداً، والنادر لا حكم له، والحكم للأعم الأغلب. ثالثا: أنواع الإقرار: التقرير على أنواع: النوع الأول: الإقرار على الأقوال، ومثاله: أن ماعزاً اعترف بالزنا أمام النبي ﷺ ثلاثا، كل ذلك يرده، فقال له أبو بكر: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول اللَّه ﷺ . وهو على قسمين: الأول: ما يتعلق بالدين وأصوله وفروعه، وما ينبني عليه تشريع، فتقريره يدل على صحته.

стр. 797

الثاني: ما كان قولاً يتعلق بالدنيا، والأمور المغيبة عنه، فالتقرير عليه لا يدل على صدق الخبر، وثبوت مدلوله كما في قصة المنافقين. النوع الثاني: الإقرار على الأفعال، مثاله: إقراره ﷺ خالد بن الوليد على أكل لحم الضب، فهذا النوع يدل على أنه لا حرج في ذلك. النوج الثالث: الإقرار على الترك، ومثاله: أن النبي ﷺ في حجة الوداع أمر أهل مكة بالإتمام، فقال: " يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر "، وأما ما بمِنَى وعرفة ومزدلفة، فلم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك، فقال ابن تيمية: لو كان المكيون قد قاموا فأتموا الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا لما أهمل الصحابة نقل ذلك وهذا يدل على أنهم قصروا، ولم ينكر ﷺ عليهم، ورجح بهذا: أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك. *** المسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة: السُّنَّة تنقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة هي كما يلي: أولاً: تنقسم السُّنَّة من حيث حقيقتها إلى ثلاثة أقسام: ١ - السُّنَّة القولية. ٢ - السُّنَّة الفعلية. ٣ - السُّنَّة التقريرية، وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل. ثانيا: تنقسم السُّنَّة من حيث السند إلى قسمين: ١ - المتواتر. ٢ - الآحاد. والحنفية يجعلون قسما ثالثا بينهما هو: المشهور، وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل.

стр. 798

ثالثاً: تنقسم السُّنَّة من حيث الصحة وعدم ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحديث الصحيح وهو: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى نهاية السند من غير شذوذ ولا علَّة قادحة. وهو نوعان: ١ - الصحيح لذاته، وهو الذي عرفناه فيما سبق. ٢ - الصحيح لغيره، وهو ما صحح لأمر أجنبي عنه؛ إذ لم يشتمل على صفات القبول على أعلاها كالحسن إذا روي من غير وجه. حجيته: اتفق العلماء على الاحتجاج به في الأحكام الشرعية. القسم الثاني: الحديث الحسن، وهو: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطاً غير تام عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا عِلَّة قادحة. وهو نوعان: ١ - حسن لذاته، وهو ما تقدم. ٢ - حسن لغيره، ْ وهو: ما رواه ضعيف يكون ضعفه بغير كثرة الخطأ، وبغير اتصافه بالفسق، وأن يروي هذا الحديث راو آخر عن شيخ هذا الراوي الضعيف. حجيته: لقد اتفق العلماء على أن الحسن لذاته يحتج به، ولكنه دون الصحيح في الرتبة.

стр. 799

وكذلك الحسن لغيره يحتج به بشرط: كثرة طرقه وتعددها. القسم الثالث: الحديث الضعيف، وهو ما لم توجد فيه شروط الصحة، ولا شروط الحسن. حجيته: لقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف. والحق: أن الحديث الضعيف يحتج به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب - ما لم يكن موضوعاً - ولا يحتج به إلا بشروط هي كما يلي: الشرط الأول: ألا يكون الضعف شديداً، فيخرج عن هذا: من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. الشرط الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به. الشرط الثالث: ألا يعتقد - عند العمل به - ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، بل يعتقد الاحتياط. وأما الأحكام كالحلال، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، ونحو ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن فقط.

стр. 800

المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الإجماع ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في تعريف الإجماع. المطلب الثاني: في إمكان الإجماع. المطلب الثالث: في العلم بالإجماع والاطلاع عليه. المطلب الرابع: في حجية الإجماع. المطلب الخامس: في شروط الإجماع. المطلب السادس: أقسام الإجماع. المطلب السابع: الإجماعات الخاصة.

стр. 801

المطلب الأول في تعريف الإجماع ويشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: تعريفه لغة. المسألة الثانية: تعريفه اصطلاحا.

стр. 802

المسألة الأولى: في تعريفه لغة: الإجماع: لغة يطلق على إطلاقين: الأول: العزم المؤكد، ومنه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) أي: اعزموا على أمركم، ومنه قوله ﷺ : " لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل " أي: يعزم عليه، ومنه قولهم: " جمع أمره " أي: عزم عليه. الثاني: الاتفاق، ومنه قولهم: " أجمع المسلمون على كذا " أي: اتفقوا، ومنه قوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " أي: لا تتفق. وهذا المعنى هو الذي يناسب المعنى الاصطلاحي للإجماع الذي سيأتي إن شاء اللَّه. *** المسألة الثانية: الإجماع اصطلاحا: الإجماع في اصطلاح أهل الشريعة هو: اتفاق مجتهدي العصر من أُمَّة محمد ﷺ بعد وفاته على أي أمر كان من أمور الدين. شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: " اتفاق " المراد به: الاتحاد والاشتراك في الأقوال والأفعال، والسكوت، والتقرير. قولنا: " مجتهدي العصر " المجتهد هو: كل من توفرت فيه شروط المجتهد، وهي كثيرة سيأتي التفصيل فيها إن شاء اللَّه.

стр. 803

وخرج بذلك العوام، وطلاب العلم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد. وعبَّرنا بذلك ليشمل جميع المجتهدين في عصر واحد، فلو تخلف واحد من المجتهدين فلا يسمى ذلك إجماعاً. أي: أن يتفق علماء العصر الذي حدثت فيه الحادثة التي تحتاج إلى النظر فيها، أما من بلغ درجة الاجتهاد بعد حدوث الحادثة، والحكم عليها، فلا يعتبر من أهل ذلك العصر. قولنا: " من أُمَة محمد ﷺ أخرج اتفاق المجتهدين من أتباع الشرائع السابقة كاليهود والنصارى وغيرهم، فلا يعتد بإجماعهم ولا خلافهم. قولنا: " بعد وفاته " أخرج اتفاق المجتهدين في حياة النبي ﷺ ، فإن هذا لا يسمى إجماعاً؛ لأنه لا إجماع إلا بعد اجتهاد، ولا اجتهاد في حياة النبي ﷺ . قولنا. " على أي أمر كان من أمور الدين " لبيان أن الإجماع الشرعي يشترط أن يكون متعلقاً بحكم شرعي يهم المكلَّف. وخرج بذلك اتفاق المجتهدين على أمر ليس من أمور الدين كالاتفاق على بعض مسائل اللغة، أو الحساب، أو الأمور الدنيوية، ونحو ذلك.

стр. 804

المطلب الثاني في إمكان الإجماع لا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلاً؛ لأن اتفاق المجتهدين في عصر على حكم لا يمتنع عقلاً، ولا خلاف في تصوره وإمكانه في ضروريات الأحكام. أما في غير ذلك وهو: الإجماع على الأحكام التي لا تكون معلومة بالضرورة بأن كان الإجماع عن مستند ظني، فقد اختلف العلماء في إمكانه على مذهبين: المذهب الأول: أن الإجماع ممكن، أي: إجماع المجتهدين من أُمَّة محمد ﷺ في عصر من العصور ممكن عادة. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: الوقوع، حيث إن الإجماع وقع فعلاً، ولا أدل على الإمكان من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، ومنها: ١ - الاجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه. ٢ - الإجماع على حجب ابن الابن بالابن. ٣ - الإجماع على تقديم الدَّين على الوصية. ٤ - الإجماع على أنه لا زكاة في أعيان الشجر. ٥ - الإجماع على أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء هو الفعل مرة واحدة.

стр. 805

٦ - الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة لا يجوز الوضوء منه. وغير ذلك من الأمثلة. فهذا دليل واضح على انعقاد الإجماع بالفعل فضلاً عن إمكانه. الدليل الثاني: أنه كما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب، فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما. الدليل الثالث: أن الأصل الإمكان، فيستمر هذا الأصل ويتمسك به لعدم وجود ما يمنعنا من استصحابه. المذهب الثاني: أن الإجماع مستحيل عادة، فهو غير ممكن. ذهب إلى ذلك بعض النظامية، وبعض الشيعة، وبعض الخوارج. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن أهل الإجماع قد انتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم إليهم عادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق الذي هو وقوع تساويهم في نقل الحكم إليهم. جوابه: يجاب عنه: بأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم، وهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن ينقل الحكم إلى جميعهم، ولا يخفى على واحد من المجتهدين، ثم إن أهل الإجماع يكونون عادة أهل جد وبحث، وليسوا خاملين، فالمطلوب لا يخفى على الطالب الجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره لا يبحث ولا يطلب، وهذا قد ينزله عن درجة الاجتهاد.

стр. 806

المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه الاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين: أولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدما؛ لتعذر المشاهدة. ثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر المجتهدين. ووجه الحصر في هذين الطريقين.: أنه لا يمكن أن يعلم الإجماع بالعقل، ولا يمكن أن يعلم بخبر اللَّه تعالى ولا بخبر رسوله ﷺ ، لتعذر ذلك، فتعين ما ذكرنا من الطريقين. واختلف العلماء القائلون بإمكان الإجماع ووقوعه، وهم الجمهور في إمكان العلم به والاطلاع عليه على مذاهب: المذهب الأول: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه مطلقا في جميع العصور. وهو مذهب الجمهور. وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم

стр. 807

في كثير من الأحكام التي تخصهم فمثلهم الفقهاء، بل الفقهاء أوْلى لوجود الدافع الديني. الدليل الثاني: أن ضروريات المذاهب مقطوع بالإجماع عليها من العوام وغيرهم، والعوام أكثر عدداً من غيرهم، وأقل نظراً، وقد تحقق العلم منهم، فأوْلى أن يتحقق العلم بالإجماع من الفقهاء، وهم أقل عدداً، وأكثر نظراً. المذهب الثاني: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه في زمن الصحابة فقط. وهو مذهب بعض الشافعية كالأصفهاني، وبعض الإمامية، وأهل الظاهر. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا يتعذر العلم بالإجماع في زمن الصحابة والاطلاع عليه، نظراً لقلتهم، وحصرهم، واجتماعهم في الحجاز، ومن خرج منهم فيعرف مكانه، فيمكن الرجوع إليهم جميعاً، وعليه فيمكن معرفة ما اتفقوا عليه جميعاً، وما اختلفوا فيه. أما في غير الصحابة، فإن العلم بالإجماع متوقف على معرفة أعيان المجمعين، وما غلب على ظنهم، واتفاقهم عليه في وقت واحد، وهذه الأمور غير ممكنة إلا في زمن الصحابة فقط، أما في زمن غيرهم: فلا يمكن نظراً لكثرتهم وتفرقهم. جوابه: يجاب عنه: بأن المجتهدين وإن كانوا كئيرين فإنه يمكن معرفة

стр. 808

الإجماع بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم، فيتضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة. هذا على فرض أن المجتهدين في كل عصر كثيرون، ولكن الحق: أن الذين بلغوا درجة الاجتهاد في كل عصر هم فئة قليلة جداً يمكن العلم بهم، فهم من الشهرة بحيث لا يخفون على باحث فيمكن العلم بأقوالهم ونقلها. المذهبِ الثالث: أنه يمكن معرفة الإجماع والاطلاع عليه في القرون الثلاثة الأولى، وهو اختيار بعض الحنفية، ومنهم الأنصاري. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن المجتهدين في هذه العصور وهي القرون الثلاثة يمكن معرفتهم، فيسهل معرفة الإجماع في هذه الأزمنة والاطلاع عليها. جوابه: يجاب عنه بالجواب السابق على دليل أصحاب المذهب الثاني.

стр. 809

المطلب الرابع في حجية الإجماع لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن الإجماع حُجَّة. وهو مذهب جمهور العلماء المعتد بأقوالهم. وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) . وجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول ﷺ : منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعد اللَّه بالعقاب على متابعة غير سبيل المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم مخالفتهم، ولو لم تكن مخالفتهم حراماً لما توعد عليه ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم وهو: مشاقة الرسول ﷺ في الوعيد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح. وبذلك يكون سبيل المؤمنين حُجَّة يجب اتباعه والعمل بمقتضاه.

стр. 810

ما وجه إلى هذا الاستدلال من الاعتراضات: الاعتراض الأول: أن اللَّه تعالى إنما توعد على أمرين لا بد منهما معاً، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر وهما: ١ - مشاقة الرسول ٢ - ترك اتباع سبيل المؤمنين، فيلحق الوعيد بالأمرين معاً، فثبت أنه لا يتعلق الوعيد بأحدهما على الانفراد، وبناء على ذلك: فلا يلحق الوعيد التارك لاتباع سبيل المؤمنين منفرداً؛ إذن: لا يجب اتباع الإجماع، لأنه لا وعيد عليه، فيكون الإجماع ليس بحُجَّة. جوابه: يجاب عنهْ بأن هناك قاعدة وهي: أن اللَّه تعالى إذا توعد على شيئين، فإن الوعيد يلحق بكل واحد منهما على انفراد واجتماع، لكن لا يجوز أن يلحق الوعيد بأحد الشيئين معيناً، والآخر لا يلحق به الوعيد. يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) ، فإن اللَّه لما جمع بين هذه الأفعال في الوعيد كان منصرفاً إلى كل واحد منها، فكذلك في هذه الآية وهي: " ومن يشاقق الرسول.. " قد جمع اللَّه بين هذين الفعلين، وهما: " المشاقة، ومتابعة غير سبيل المؤمنين " فينصرف الوعيد إلى كل واحد منهما بانفراد، فلو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين محرماً بانفراده، فإنه لا يمكن أن يقرن بما هو محرم وهو: " المشاقة " كسائر المباحات، ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين المحرم والمباح في باب الوعيد، فلا يجوز أن يقال: " من زنا وشرب الماء عاقبته "، وذلك لأن الزنا محرم، وشرب الماء مباح.
следующие страницы →