Полный текст (2 303 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه
الاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين:
أولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدما؛ لتعذر المشاهدة.
ثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر
المجتهدين.
ووجه الحصر في هذين الطريقين.: أنه لا يمكن أن يعلم الإجماع
بالعقل، ولا يمكن أن يعلم بخبر اللَّه تعالى ولا بخبر رسوله ﷺ ، لتعذر ذلك، فتعين ما ذكرنا من الطريقين.
واختلف العلماء القائلون بإمكان الإجماع ووقوعه، وهم الجمهور
في إمكان العلم به والاطلاع عليه على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه مطلقا في جميع
العصور.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم
стр. 807
في كثير من الأحكام التي تخصهم فمثلهم الفقهاء، بل الفقهاء أوْلى
لوجود الدافع الديني.
الدليل الثاني: أن ضروريات المذاهب مقطوع بالإجماع عليها من
العوام وغيرهم، والعوام أكثر عدداً من غيرهم، وأقل نظراً، وقد
تحقق العلم منهم، فأوْلى أن يتحقق العلم بالإجماع من الفقهاء،
وهم أقل عدداً، وأكثر نظراً.
المذهب الثاني: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه في زمن الصحابة
فقط.
وهو مذهب بعض الشافعية كالأصفهاني، وبعض الإمامية، وأهل
الظاهر.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا يتعذر العلم
بالإجماع في زمن الصحابة والاطلاع عليه، نظراً لقلتهم،
وحصرهم، واجتماعهم في الحجاز، ومن خرج منهم فيعرف
مكانه، فيمكن الرجوع إليهم جميعاً، وعليه فيمكن معرفة ما اتفقوا
عليه جميعاً، وما اختلفوا فيه.
أما في غير الصحابة، فإن العلم بالإجماع متوقف على معرفة
أعيان المجمعين، وما غلب على ظنهم، واتفاقهم عليه في وقت
واحد، وهذه الأمور غير ممكنة إلا في زمن الصحابة فقط، أما في
زمن غيرهم: فلا يمكن نظراً لكثرتهم وتفرقهم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المجتهدين وإن كانوا كئيرين فإنه يمكن معرفة
стр. 808
الإجماع بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل
كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم،
فيتضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة.
هذا على فرض أن المجتهدين في كل عصر كثيرون، ولكن الحق:
أن الذين بلغوا درجة الاجتهاد في كل عصر هم فئة قليلة جداً يمكن
العلم بهم، فهم من الشهرة بحيث لا يخفون على باحث فيمكن
العلم بأقوالهم ونقلها.
المذهبِ الثالث: أنه يمكن معرفة الإجماع والاطلاع عليه في
القرون الثلاثة الأولى، وهو اختيار بعض الحنفية، ومنهم الأنصاري.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن المجتهدين في هذه
العصور وهي القرون الثلاثة يمكن معرفتهم، فيسهل معرفة الإجماع
في هذه الأزمنة والاطلاع عليها.
جوابه:
يجاب عنه بالجواب السابق على دليل أصحاب المذهب الثاني.
стр. 809
المطلب الرابع في حجية الإجماع
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الإجماع حُجَّة.
وهو مذهب جمهور العلماء المعتد بأقوالهم.
وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .
وجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول ﷺ : منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من
قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعد اللَّه بالعقاب على متابعة غير سبيل
المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم
مخالفتهم، ولو لم تكن مخالفتهم حراماً لما توعد عليه ولما حسن
الجمع بينه وبين المحرم وهو: مشاقة الرسول ﷺ في الوعيد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح.
وبذلك يكون سبيل المؤمنين حُجَّة يجب اتباعه والعمل بمقتضاه.
стр. 810
ما وجه إلى هذا الاستدلال من الاعتراضات:
الاعتراض الأول: أن اللَّه تعالى إنما توعد على أمرين لا بد منهما
معاً، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر وهما:
١ - مشاقة الرسول
٢ - ترك اتباع سبيل المؤمنين، فيلحق الوعيد بالأمرين معاً،
فثبت أنه لا يتعلق الوعيد بأحدهما على الانفراد، وبناء على ذلك:
فلا يلحق الوعيد التارك لاتباع سبيل المؤمنين منفرداً؛ إذن: لا يجب
اتباع الإجماع، لأنه لا وعيد عليه، فيكون الإجماع ليس بحُجَّة.
جوابه:
يجاب عنهْ بأن هناك قاعدة وهي: أن اللَّه تعالى إذا توعد على
شيئين، فإن الوعيد يلحق بكل واحد منهما على انفراد واجتماع،
لكن لا يجوز أن يلحق الوعيد بأحد الشيئين معيناً، والآخر لا يلحق
به الوعيد.
يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) ،
فإن اللَّه لما جمع بين هذه الأفعال في الوعيد كان منصرفاً
إلى كل واحد منها، فكذلك في هذه الآية وهي: " ومن يشاقق
الرسول.. " قد جمع اللَّه بين هذين الفعلين، وهما: " المشاقة،
ومتابعة غير سبيل المؤمنين " فينصرف الوعيد إلى كل واحد منهما
بانفراد، فلو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين محرماً بانفراده، فإنه لا
يمكن أن يقرن بما هو محرم وهو: " المشاقة " كسائر المباحات، ألا
ترى أنه لا يجوز الجمع بين المحرم والمباح في باب الوعيد، فلا
يجوز أن يقال: " من زنا وشرب الماء عاقبته "، وذلك لأن الزنا
محرم، وشرب الماء مباح.
стр. 811
الاعتراض الثاني: أن اللَّه تعالى قد توعد على ترك سبيل المؤمنين
فيما صاروا به مؤمنين وهو التوحيد، والتصديق، وفعل الإيمان.
يؤيد ذلك: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) التي أتت بعد تلك الآية المستدل بها، ومعروف
أن الشرك مقابل التوحيد، ويؤيد ذلك: سبب نزول هذه الآية،
حيث إنه قيل: إن الآية نزلت في بشير بن أبيردتى المنافق لما سرق ثم
رمى بذلك لبيد بن سهيل، ولما كشف أمره هرب إلى مكة، ولحق
بالمشركين، فأنزل اللَّه تلك الآيات.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا حمل الآية على صورة واحدة، وهذا تأويل
لا دليل عليه، والتأويل الذي لا دليل عليه باطل.
الاعتراض الثالث: أن التوعد قد لحق جميع - المؤمنين إلى قيام
الساعة، وأهل العصر ليسوا كل المؤمنين، ودليل ذلك: أن لفظ
"المؤمنين " جمعٌ معرف بـ " أل "، فتكون عامة لجميع المؤمنين، وجميع
المؤمنين كل من آمن بالله إلى يوم القيامة، وذلك لا يدل على أن ما
وجد من الإجماع في بعض الأعصار حُجَّة؛ لأمرين:
أولهما: أن المجمعين - في عصر واحد هم بعض المؤمنين.
ثانيهما: أن المخالف في حجية الإجماع من جملة المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المقصود بلفظ " المؤمنين " الوارد في الآية هم
أهل العصر الذي حدثت فيه الحادثة - كما قلنا في تعريف الإجماع
السابق - فتحمل لفظة " المؤمنين " على ذلك.
стр. 812
الاعتراض الرابع: أن حجية الإجماع مسألة علمية لا تفيد فيها إلا
الأدلة القطعية، ودلالة الآية ظنية للاحقمالات التي ذكرت، فهي من
قبيل الظاهر، فلا تثبت حجية الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الآية وإن كانت ظنية الدلالة إلا أنها تثبت حجية
الإجماع، ويكون حُجَّة ظنية كخبر الواحد هذا على قول.
أما على القول بأن الإجماع حُجَّة قطعية فإنا نقول: إن هذه الآية
وإن كانت ظنية فقد احتفت بقرائن صيرتها قطعية، والقرائن هي ما
سيأتي من السُّنَّة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد وصف الأُمَّة بأنهم أُمَّة وسطا،
والوسط: الخيار العدل، دلَّ على ذلك قوله تعالى:
(قال أوسطهم ألم أقل لكم) أي: أعدلهم، فالله عدلهم
بقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حُجَّة، إذ لا معنى لقبول
شهادته إلا كون قوله حُجَّة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن
إجماع الأُمَّة يجب العمل بمقتضاه.
وكون الوسط: العدل هو الذي ذكره الجوهري في الصحاح،
وذكره القرطبي في تفسيره.
الاعتراضات التي وجهت إلى الاستدلال بهذا الآية:
الاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن العدالة تنافي الخطأ في الاجتهاد،
بل إنما تنافي الكبائر، فاحتمال الخطأ في الكبائر باق.
стр. 813
جوابه:
يجاب عنه بأن ما قلتم مسلم بالنسبة لتعديل الأُمَّة بعضها لبعض،
وأما بالنسبة لتعديل اللَّه للأُمَّة فينافي الخطأ مطلقا؛ لأنه لم يعدلهم إلا
لكونهم يصيبون الحق في الواقع مطلقاً لقبول شهادتهم، والشهادة
إنما تقبل لموافقتها الصواب، فلزم أنهم معصومون عن الخطأ.
الاعتراض الثاني: أن الآية قد قيدت عدالة الأُمَّة في يوم القيامة
فقط؛ لأن التعديل من اللَّه للأُمَّة معلل بقبول شهادتها يوم القيامة
على الأكل م السابقة، والعدالة تعتبر وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن من دقق النظر في الآية فإنه يتبين له أن اللَّه قد ميَّز
الأُمَّة الإسلامية على غيرها من الأمم السابقة بهذه الميزة المذكورة فيها،
فلو جعلت عدالتها خاصة بيوم القيامة لما كانت لها ميزة على الأمم
السابقة؛ لأن الأمم جميعها يوم القيامة عدول فلا داعي لذكر هذا
الأمر، يؤيد ذلك قوله: " وجعلناكم " بلفظ الماضي، ولم يقل
سنجعلكم، فتكون العدالة محققة في الدنيا.
الاعتراض الثالث: سلمنا أن العدالة لهم في الدنيا، ولكن
العدالة التي وردت في الآية إنما هي لجميع الأُمَّة، وعلى هذا فلا
خصوصية للمجتهدين منهم، إذن: لا تثبت حجية الإجماع إلا
بانتهاء الأُمَّة، وبانتهائها لا تحتاج إليه، فلا تصلح الآية للاستدلال
بها على حجية الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بانا بيَّنَّا أن المجتهدين هم الذين يعتبر قولهم فقط،
وبيَّنا أن المقصود اجتهادهم في عصر من العصور، هذا كله سبق.
стр. 814
ونزيد هنا: أن المقصود من حجية قولهم: العمل بمقتضاه،
وليست الآخرة دار عمل، وإلا لقال تعالى: " سنجعلكم " فتعبيره
بالماضي يدل على أن قولهم حُجَّة.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
وجه الاستدلال: أن اللَّه تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمَّة بأنهم
يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وهذا يقتضي كون
قولهم حقاً وصوابا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما
اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقاً لكان ضلالاً، فإذا اجتمعوا
على مشروعية شيء يكون ذلك الشيء معروفاً، وإذا اجتمعوا على
عديِم مشروعية شيء يكون ذلك الشيء منكراً، فيكون إجماعهم
حُجة.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل
الجزم، ومن أمر اللَّه بطاعته على سبيل الجزم لا بد أن يكون معصوما
عن الخطأ؛ لأنه لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه
على الخطأ يكون قد أمر اللَّه بطاعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك
الخطأ، فثبت أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا
معصومين.
وهؤلاء المعصومون اما مجموع الأفة، أو بعضها، ولا ثالث
لهما.
стр. 815
لا يجوز أن يكونوا كل الأُمَّة، لأنا قد بيَّنا أن اللَّه قد أوجب طاعة
أولي الأمر في هذه الآية، وهم أهل الحل والعقد من الأُمَّة وهم
المجتهدون؛ لأن إيجاب طاعتهم مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين
على الوصول إليهم والاستفادة منهم؛ لأنه: " لا يكلف اللَّه نفسا إلا
وسعها "، وهذا هو الراجح في المراد من " أولي الأمر ".
الدليل الخامس: من السُّنَّة:
١ - قوله ﷺ : " ... فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد ".
٢ - قوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتيهم أمر
الله وهم ظاهرون ".
٣ - قوله: " فإن يد اللَّه على الجماعة، وإن الشيطان مع من
فارق الجماعة يركض ".
٤ - قوله: " لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة،
ومن شذ شذ في النار "،
وفي رواية: " إن اللَّه لا يجمع هذه الأُمَّة على ضلالة أبداً، وأن اللَّه مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإن من شذ شذ في النار "،
وفي رواية: " إن أُمَّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم "،
وفي رواية: " سألت ربي أن لا تجتمع أُمَّتي على ضلالة فأعطانيها ".
٥ - قوله: " ومن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ".
٦ - قوله: " إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو
عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا تجتمعوا على ضلالة ... ، إلخ.
стр. 816
إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة، البالغة مبلغ التواتر
المعنوي، لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة والتابعين لم يدفعها
أحد من أئمة النقل من سلف الأُمَّة وخلفها، بل هي مقبولة من
الجميع -، ومعمول بها، ولم ينكوها أحد، ولم تزل الأُمَّة تحتج بها
في أصول الدين وفروعه.
وجه الاستدلال من تلك الأحاديث على حجية الإجماع من
طريقين:
الطريق الأول: حصول العلم الضروري، فكل واحد من تلك
الأحاديث وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الاحتمال إليه، إلا أنه
حصل لنا بمجموعها علما ضرورياً بأن النبي ﷺ قد عظم شأن هذه الأُمَّة وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة عليّ، وكرم حاتم، وإذا عصمت الأُمَّة عن الخطأ فيكون إجماعهم
حُجَة؛ لأنه حق.
الطريق الثاني: حصول العلم الاستدلالي، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن تلك الأحاديث الآحادية لم تزل ظاهرة مشهورة
بين الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، وقد تمسكوا بها فيما
بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها، ولم يزالوا على ذلك
حتى وقت النظام وغيره من المخالفين، ويستحيل عادة توافق الأمم
في عصور مختلفة على التسليم لما لم تقم الحُجَّة بصحته مع اختلاف
الطباع وتفاوت الأفهام والهمم والمذاهب والآراء.
فهذا يدل على عدم اختلاف هؤلاء في استدلالهم بتلك الأحاديث
على ثبوت الإجماع، وأنه حُجَّة.
الوجه الثاني: أن الذين احتجوا بتلك الأخبار الآحادية أثبتوا بها
стр. 817
أصلاً مقطوعا به، وهو الإجماع الذي يقدم على النص من الكتاب
والسنَّة، والعادة تحيل أن يسلم لخبر يرفع به النص إلا إذا كان مستنداً
إلى مستند مقطوع به، وهو مجموع تلك الأخبار الآحادية؛ حيث
أفادتنا العلم الضروري بأن الأُمَّة لا تجتمع على خطأ.
الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الاستدلال:
الاعتراض الأول: أنه ربما خالف واحد وردها، ولكنه لم ينقل إلينا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا خلاف العادة؛ لأن الإجماع من أعظم
الأدلة، فلو خالف فيه أحد لاشتهر كما اشتهرت مخالفة الصحابة
في كثير من المسائل الفقهية.
الاعتراض الثاني: يحتمل أنهم أثبتوا الإجماع بغير تلك الأخبار.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الظاهر أن الصحابة والتابعين قد تمسكوا بتلك
الأخبار على إثبات الإجماع، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل.
الاعتراض الثالث: أن هذا إثبات الإجماع بالإجماع؛ لأنكم
استدللتم بالإجماع على صحة الخبر، والخبر على صحة الإجماع،
وهذا باطل.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل استدللنا على الإجماع بمجموع تلك
الأخبار؛ بناء على أنها تفيد التواتر المعنوي، فيكون استدلالنا
بالمتواتر وهو مقطوع به على إثبات الإجماع.
стр. 818
المذهب الثاني: أن إجماع الصحابة حُجَّة فقط، أما إجماع غيرهم
فليس بحجة.
وهو مذهب كثير من الظاهرية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .
وجه الدلالة: أن الله قد أثنى على الصحابة في القرآن الكريم،
والثناء يدل على أن أقوالهم معتبرة، لصدقها يقينا، فدل على أن
اجتماعهم حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الآية ليست خاصة بالصحابة، بل هي شاملة لهم
ولغيرهم بدليل قوله: (والذين اتبعوهم) ، فهذا شامل لجميع
المتبعين بإحسان من بعد الصحابة إلى آخر المسلمين، فيلزمهم أن
تكون دالة أيضاً على حجية إجماع غيرهم لاشتراكهم جمبعا في المدح.
ثانيهما: إذا كان الثناء والمدح يدل على أن أقوال الممدوحين
معتبرة، فالله تعالى كما أثنى على الصحابة فقد أثنى على الأُمَّة
الإسلامية بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) أي:
اختاركم لدينه ونصرته، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
أي: عدولاً، وقال: (كنتم خير أُمَّةٍ) ، وغير ذلك من الآيات،
فيدل على أن اللَّه قد أثنى على الأُمَّة - أيضاً - فيلزم أن الإجماع ليس
خاصا بالصحابة، بل هو عام لكل عصر.
стр. 819
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حفظ القرآن بحفظ الصحابة له، ونقلهم
إياه، وإجماعهم عليه، والآية تدل على صدق إجماعهم، فيكون حجة.
جوابه:
يجاب عنه: أن الآية عامة، فإنها كما دلَّت على صدق إجماع
الصحابة دلَّت أيضاً على صدق إجماع من جاء بعد الصحابة، حيث
إن من جاء بعد الصحابة من التابعين، وتابعيهم إلى يومنا هذا قد
حفظوا ذلك القرآن وكتبوه وعملوا به.
الدليل الثالث: قوله ﷺ :
" يأتي على الناس زمان فيغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول اللَّه ﷺ ؛ فيقولون:
نعم، فيفتح لهم، ثم يغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من
رأى من صحب رسول اللَّه ﷺ ؛ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.. "
كذلك ما روي عن ﷺ أنه قال:
" إن اللَّه اختار أصحابي على العالمين سوي النبيين "،
ونحو ذلك من الأحاديث.
وجه الدلالة: أن الشارع قد أثنى على الصحابة بالعدالة، وأنهم
اختارهم على العالمين، فدل على أنهم قد فضلوا على غيرهم، فدل
على أن إجماعهم حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن غير الصحابة ممن جاء بعدهم قد وردت
الأحاديث بعصمتهم عند الاتفاق وهي الأحاديث التي ذكرناها في
стр. 820
استدلالنا على حجية الإجماع، فلا اختصاص للصحابة - رضي الله
عنهم - بالإجماع.
المذهب الثالث: أن الإجماع ليس بحُجَّة مطلقا.
وهو مذهب بعض الخوارج، وبعض النظامية، وبعض الشيعة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول لهم قالوا فيه: إنه لا دليل على كون الإجماع حُجَّة،
لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، فإذا لم يدل عليه شيء
وجب القطع بنفي كونه حُجَّة؛ لعدم ما يدل عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنه لا دليل عليه، بل دلَّت الأدلة النقلية
على أن الإجماع حُجَّة، وهي التي ذكرناها فيما سبق من الآيات
والأحاديث.
فإن أنكر أحد بعضها، فلا يمكنه أن ينكرها جميعها، ومن أنكرها
جميعا فهو معاند ومكابر، والمعاند لا يعتد بقوله.
ثم إن منكر ذلك جاء بعد تحقق الإجماع والاحتجاج به، فإنكاره
مكابرة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
وجه الدلالة: أن الآية بيَّنت أنه إذا حدث تنازع في حكم حادثة
فإنه يجب أن يؤخد حكمها من الكتاب والسُّنَّة فقط، والإجماع
ليس بكتاب ولا سُنَّة، فلا يصح حُجَّة..
стр. 821
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم بالإجماع هو حكم بالكتاب والسُنَّة؛ لأن المجمعين لا بد أن يستندوا في اجتهادهم إلى نص الكتاب والسُنَّة
أو ما فهم منهما.
الجواب الثاني: أنه يجب أن نعمل بما جاء في الكتاب والسُنَّة،
وقد جاءت آيات في الكتاب، وأحاديث في السُنَّة تدل على أن
الإجماع حُجَّة فيجب أن نعمل بها.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، وقوله: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أن الآيتين تفيدان أن الكتاب قد ورد فيه حكم كل
شيء، فلا حاجة إلى الإجماع، فالمرجع هو الكتاب والسُّنَّة، أما
الإجماع فنظراً لعدم الحاجة إليه فلا يصلح أن يكون مرجعا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الكتاب قد بين كل شيء ومما بيَّنه أن الإجماع
حُجة، وذلك بالآيات التي ذكرناها ودلَّت على حجية الإجماع،
وكذلك بيَّن أن السُّنَّة حُجَّة بقوله: (وما أتاكم الرسول فخذوه..)
وغيرها، والسُّنَّة بيَّنت أن الإجماع حُجَّة بالأحاديث التي ذكرناها.
الدليل الرابع: قوله ﷺ لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: " إذا عرض عليك قضاء فبِمَ تقضي؟
قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟
قال: بسُنَة رسول اللَّه، قال: فإن لم تجد؟
قال: أجتهد رأيى ولا آلو، فصوبه النبي ﷺ ".
стр. 822
وجه الدلالة: أن معاذاً ذكر الأدلة المعمول بها، فأقره النبي ﷺ ، ولم يذكر الإجماع معها، فهذا يدل على أنه ليس بدليل، إذ لو كان دليلاً لما تركه مع الحاجة إليه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الإجماع لا يكون دليلاً في عصر النبي ﷺ ، وبناء على ذلك فليس فيه تأخير عن وقت الحاجة.
الجواب الثاني: أن الإجماع هو حكم بالكتاب والسُّنَّة ولا يخرج
عنهما؛ لأن مستنده: إما الكتاب، أو السُّنَّة، أو شيء يقاس على
ما ثبت بهما.
الدليل الخامس: قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ".
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على جواز خلو العصر عمن
تقوم الحُجَّة بقوله.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الحديث لا يدل على ما ذكرتم، بل إن ما
دلَّ عليه الحديث هو: أن أهل الإسلام سيكونون هم الأقلين، لا أنه
لا يبقى من تقوم به الحُجَّة.
الدليل السادس: أن الإجماع لا يمكن في ذاته، ولا يمكن العلم
به، ولا يمكن نقله - وقد سبق ذلك -.
جوابه:
يجاب عنه: بانا قد أثبتنا فيما سبق أن الإجماع يمكن في ذاته،
ويمكن العلم به، ويمكن نقله.
стр. 823
الدليل السابع: القياس على الأمم السابقة، فكما أنه لم يعتبر
إجماع الأمم السابقة ولم يكن حُجَّة، فكذلك إجماع هذه الأُمَّة لا
يكون حُجَّة ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إجماعنا قد وردت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على
اعتباره، بخلاف إجماعهم فإنه لم ترد الأدلة على أنه حُجَّة، وهذا
هو الفرق، إذن قياسكم لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق.
стр. 824
المطلب الخامس في شروط الإجماع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العمر إلا اثنان من المجتهدين فهل
يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل يعتبر قوله
إجماعا؟
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم باصول الفقه
دون فزوعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل
اتفاقهم فهل يعتد بقوله وفاقا وخلافا؟
المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين أو هل
ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟
стр. 825
المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخد به؟
المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته أن يكون
له مستند ودليل؟
المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستنداً
للإجماع؟
المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستنداً
للإجماع؟
المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.
المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى الإجماع
فهل يجب تعيينه مستنداً للإجماع؟
المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس.
المسألة الثامنة عشرهْ: هل يشترط نقل الإجماع بالتواتر؟
стр. 826
المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد
المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة
السابقة الذكر وردت مطلقة، وبناء على ذلك فإنه مهما كان عدد
الإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ " المؤمنين " ولفظ
"الأُمة"، فإذا قالوا قولاً كانت الحُجَّة فى قولهم؛ لأن الأدلة السمعية
- كما سبق - موجبة لعصمتهم عن الخطأ، فإذا لم يكن على وجه
الأرض سوى هؤلاء البالغين درجة الاجتهاد فهم على الحق قطعا
- مهما كانوا قلة أو كثرة - فيجب اتباعهم، صيانة لهم عن الاتفاق
على الخطأ.
المذهب الثاني: أنه يشترط أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليلِ هدا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الجمع الكثير لا يتصور
تواطؤهم على الخطأ، لأن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، ولا
تحكم العادة بالقطع في غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العدد الكثير إذا لم يكونوا كل المجتهدين فإنه
стр. 827
لا يصدق عليهم أنهم كل الأُمَّة، ولم تثبت العصمة إلا للكل، ولا
تلازم بين إحالة العادة تواطؤهم على الكذب، وبين إحالة تواطؤهم
على الخطأ المستفاد من الإجماع، حيث لم يكونوا كل الأُمَّة، وإنما
ثبتت عصمتهم بشهادة النصوص، لا بالعادة، ولذلك وجب بهذه
النصوص أن تثبت العصمة للمجمعين، سواء بلغوا حد التواتر أو
لا، نظراً لثبوت الصفة فيهم متى كانوا كل المجتهدين.
***
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين
فهل يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق: أن اتفاقهما يعتبر إجماعا؛ لدليلين:
الأول: أن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما، لأن الاتفاق أقل
ما يصدق باثنين.
الثاني: أنه يصدق عليهما أنهما كل الأُمَّة، وكل المؤمنين الذين
معه يعتبرون في الإجماع.
وعلى هذا، فإن اتفاقهما على حكم يصبح إجماعا لا يجوز لهما
مخالفته، ولا لغيرهما ممن يأتي بعدهما.
***
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل
يعتبر قوله إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن قول هذا الواحد لا يعتبر إجماعا، ولكنه يعتبر حُجة.
-
стр. 828
وهو مذهب ابن سريج، وهو قول كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الأول: أن الأدلة النقلية الدالة على عدم خروج الحق عن الأُمَّة
تتناوله ويدخل ضمنها.
الثاني: أن الأدلة على كون قوله حُجَّة عليه وعلى غيره من
العوام، كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
تتناوله.
الثالث: حفظ دين اللَّه حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه
الحادثة من حكم فيها؛ لذلك يكون قوله حُجَّة على غيره ممن لم
يبلغ الاجتهاد وليس إجماعاً؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.
المذهب الثاني: أن قوله حُجَّة وإجماع.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه عند الانفراد يصدق عليه
لفظ الأُمَّة؛ لقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أُمَّة) ، فأطلق لفظ
"الأُمَّة " عليه وهو واحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فكذلك
أصبح المجتهد وحده أُمَّة، فتناولته الأدلة الدالة على عصمة الأُمَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إطلاق الأُمَّة على إبراهيم ﵇
مجاز؛ للقطع بأن إطلاقها على الجماعة حقيقة، والأصل عدم
الاشتراك، ولا يلزم من إطلاقها على إبراهيم - نظراً لتعظيمه -
стр. 829
إطلاقها في حق غيره، لذلك فإن لفظ " الأُمَّة " لا تطلق على
الواحد أبداً.
المذهب الثالث: أنه لا يعتبر حُجَّة ولا إجماعا.
وهو مذهب بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العصمة عن الخطأ ثبتت
لجماعة المجتهدين في العصر الواحد، وأقل ما يكون ذلك يتكون من
اثنين فصاعداً، وهذا منتف في الواحد؛ لأنه ليس له اجتماع،
وليس هو بكل المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الدليل دلَّ على أن قول المجتهد الواحد لا
يعتبر إجماعاً، ولكن هذا الدليل لم ينف كون قوله حُجَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه يترتب على المذهب الأول - وهو كون
قوله حُجَّة وليس بإجماع -: أنه لا يمنع من رجوعه عن فتواه متى
ظهرت له الحُجَّة في غيره، ولا يمنع من مخالفة غيره له من
المجتهدين، سواء كان في عصره، أو بعد ذلك.
ولكن يجب على العوام أن يعملوا على ما أفتى به.
ويترتب على المذهب الثاني - وهو كون قوله حُجَّة وإجماعا - أنه
لا يجوز له الرجوع عن قوله، لكونه إجماعا، ولا يجوز لمن جاء
بعده أن يخالفه؛ لأن مخالفة الإجماع لا تجوز، سواء كان في
عصره ممن بلغ درجة الاجتهاد، أو بعد عصره.
стр. 830
أما على المذهب الثالث فلا يترتب عليه شيء إلا أنه يجب عليه أن
يعمل باجتهاده، ويجب على مقلده أن يعمل على ذلك الاجتهاد.
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه تشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، فلا
يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقاً، سواء كان فسقه من
جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل.
وهو مذهب كثير من العلماء، ونسبه بعضهم إلى الجمهور.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس،
وحُجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولاً، والوسط هو العدل
- كما تقدم -، فلما لم يكن الفاسق متصفا بهذه الصفة - وهي
العدالة - لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يعتد بقوله
في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية؛ وذلك لاتهامه في
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب التوقف في أخبار غير العدل،
واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فوجب التوقف في قبوله، وإذا وجب
التوقف في قبول إخباره لم يحكم بقبول خبره.
стр. 831
الدليل الثالث: أن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو
منفرد، نظراً لفسقه، واتهامه في الدين جعله غير مؤتمن فيقاس على
ذلك أنه لا يقبل قوله مع الجماعة ولا فرق " حيث إن الاتهام في
الدين لا زال موجوداً.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) .
وجه الدلالة: أن سبيل أهل الفسق والضلال لم يكن سبيلاً للمؤمنين.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، أي:
أنه يعتبر قول العدل والفاسق في الإجماع بشرط بلوغهم درجة
الاجتهاد.
وهو مذهب إمام الحرمين، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني،
والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب
الحنبلي.
دليل هذا المذهب: أن أدلة حجية الإجماع عامة، لم تشترط
عدالة المجتهد، فالفاسق يدخل في عموم " المؤمنين "، وعموم
"الأُمَّة "، فاشتراط العدالة في ذلك تخصيص بلا دليل،
والتخصيص الذي لا دليل عليه لا يقبل.
جوابه:
بأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع السابقة ليست عامة، يدخل فيها
كل أحد، بل هي مخصصة بأن المراد بالأُمَّة وبالمؤمنين هم العدول
منهم، وقد خصص ذلك أدلتنا الأربعة السابقة الذكر، ويضاف إلى
ذلك: أن هذا الفاسق يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه في الإجماع
كما يعصي في غيره، وما دام أنه يجوز ذلك فلا يمكن الاعتداد به،
والاعتماد عليه في أمرٍ يهمُّ الإسلام والمسلمين حالاً ومستقبلاً.
стр. 832
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، ويتضح فيما إذا اتفق مجتهدو العصر إلا
واحداً قد خالف، فإنا ننظر في هذا الواحد: إن كان عدلاً فإنه لا
ينعقد الإجماع، لمخالفة واحد معتبر في الإجماع.
وإن كان المخالف فاسقاً فإنه ينعقد الإجماع - بناء على المذهب
الأول - لأن المخالفة ليس من أهل الإجماع، فينعقد الإجماع بدونه.
أما على المذهب الثاني فإنه لا ينعقد الإجماع، لأن المخالف من
أهل الإجماع، فلا ينعقد الإجماع لمخالفة واحد معتبر في الإجماع
عندهم.
***
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق في ذلك: أن الكافر لا يعتد بقوله في الإجماع مطلقاً،
أي: سواء كان كافراً أصلياً - وهم اليهود والنصارى ونحوهم - أو
كان كافراً متأولاً - وهو الذي كفر بسبب بدعة، أو شبهة مثل
الخوارج والجهمية ونحوهم -.
والدليل على ذلك:
أنا لم نقبل قول الكافر الأصلي في الإجماع، لعدم دخوله في
لفظ " الأُمَّة "، ولفظ: " المؤمنين ".
أما الكافر المتأول فلم نعتد بقوله في الإجماع؛ لأمرين:
أولهما: القياس على الفاسق: فإذا لم نعتد بقول الفاسق في
стр. 833
الإجماع، فمن باب أوْلى لا نعتد بقول الكافر المتأول؛ لأن الكفر
فسق وزيادة.
ثانيهما: القياس على الكافر الأصلي بجامع: الكفر في كل
منهما، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.
***
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يعتبر قول العامي في الإجماع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ،
وقوله ﷺ : " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العي
السؤال ".
وجه الدلالة: أن هذين النصين بينا أن العامي يلزمه المصير إلى
أقوال العلماء، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.
الدليل الثاني: أن المجتهدين من الأمَّة إنما كان قولهم حُجَّة؛ لأن
قولهم مستند إلى دليل؛ لأنه لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل،
والعامي ليس أهلاً للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله
معتبراً لذلك.
الدليل الثالث: القياس على الصبي " المجنون: فكما أن الصبي
والمجنون لا يعتبر خلافهما ولا وفاقهما في الإجماع، فكذلك العامي
ولا فرق، والجامع: نقصان الأهلية في كل، فكيف يساوى مع
كاملي الأهلية وهم المجتهدون.
стр. 834
الدليل الرابع: أن الرسول ﷺ لما بين أن الأُمَّة معصومة عن الخطأ
بالأحاديث السابقة الذكر، فإنه لم يفهم من ذلك إلا عصمة العلماء
المجتهدين الذين تتصور منهم إصابة الحكم الشرعي الصحيح؛ نظراً
لأهليتهم ومعرفتهم بالاستدلال، أما العامي، فلا نتصور ثبوت
العصمة في حقه؛ لأنه يقول الحكم بلا دليل.
المذهب الثاني: أن قول العامي معتبر في الإجماع، أي: أن
موافقة العوام معتبرة في انعقاد الإجماع، وكذلك مخالفتهم.
وهو ما اختاره بعض المتكلمين كما حكاه ابن الصباغ وابن برهان،
ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي
بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب: عموم لفظ " المؤمنين "، ولفظ " الأُمَّة "
للعالم، والعامي، إذن اسم " المؤمنين "، و " الأُمَّة " يتناول
الجميع، فلا يخرج العوام إلا بدليل، ولا دليل، وعلى ذلك يعتبر
قول العامي كغيره من الأُمَّة في انعقاد الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين.
الجواب الأول: أن العوام وإن كانوا من الأُمَّة ومن المكلَّفين إلا
أنهم ليسوا من أهل النظر، فأشبهوا غير المميزين في عدم الفهم،
فهم مقلدون للمجتهدين الذين هم من أهل النظر، ولا يتصور
عصمة الأُمَّة عن الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة هو وحده أو
مع غيره؛ لكونه أهلاً لها، فوجب أن يراد من الأدلة الدالة على
عصمة الأُمَّة: عصمة مجتهديهم فقط، وهذا هو دليل إخراجهم من
عموم تلك الألفاظ.
стр. 835
الجواب الثاني: أن هذا المذهب - وهو أن قول العوام معتبر في
الإجماع - يؤدي إلى تعطيل دليل يعتبر من أقوى الأدلة الشرعية
وهو: الإجماع، وذلك من وجهين:
أولهما: أنه لا يركن أن يتصور عاقل أن جميع الأُمَّة العلماء
والعوام يتفقون كلهم على قول واحد في حادثة واحدة.
ثانيهما: أنا لو فرضنا - مع الفرض الممتنع - تصور اجتماع
جميع الأُمَّة على قول واحد في حادثة واحدة، فمن الذي يقوم بنقل
هذا القول وجمعه من كل فرد من أفراد الأمَّة مع كثرة هؤلاء وتفرقهم
في مدن، وقرى، وبوادي، وهجر، ووديان العالم الإسلامي؛
هذا مستحيل.
بيان نوع هذا الخلاف:
إن الخلاف في هذه المسألة لفظي من وجه، ومعنوي من وجه آخر.
أما وجه كون الخلاف لفظياً فهو أنه لم يؤثر في الفروع الفقهية،
فمن قال: أجمعت الأُمَّة على كذا يريد: أجمع علماء الأُمَّة
ومجتهدوهم، ومن قال: أجمع العلماء على ذلك فقد صرح به.
أما وجه كون الخلاف معنوياً فهو: أن هذا الخلاف قد أثر في
مسألتين من مسائل أصول الفقه هما:
١ - مسألة: " هل فقدان أهلية الاجتهاد تخل بأهلية الإجماع؛ "
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون - إن العوام لا يعتبر قولهم
في الإجماع - قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد تخل بالإجماع.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العوام يعتبر
стр. 836
قولهم فيه - فقد قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد لا تخل بأهلية
الإجماع.
٢ - مسألة: " قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعاً "؟ فمن قال: إن العوام يعتبر قولهم في الإجماع
- وهم أصحاب المذهب الثاني - قال: إذا لم يوجد في العصر إلا
مجتهد واحد فهم داخلون معه، فيكون إجماعا، وإلا: فلا؛ لأن
الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعداً، وقد سبق أن بيَّنا هذه
المسألة، وذكرت أن الحق هو: أن قول الواحد لا يكون إجماعاً إذا
لم يوجد غيره في العصر، ولكنه يكون حُجَّة يجب على العوام
اتباعه؛ لئلا يخلو العصر من حكم في الحادثة النازلة.
***
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم بأصول
الفقه دون فروعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يعتبر قول العالم بأصول الفقه، دون الفقيه،
ولا يمكن أن ينعقد الإجماع بدون العالم بأصول الفقه.
وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وإمام
الحرمين، وابن السبكي، والمحلي.
وهو الحق عندي؛ لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة
الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب من
غيره إلى الاجتهاد فيها؛ وذلك نظراً لعلمه بمدارك الأحكام على
اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها
стр. 837
ومفهومها ومعقولها، ونظراً لعلمه الشامل الدقيق بالأصول التي
يستدل بها المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة،
فمن هذه صفته، فهو ممن يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، وإذا كان
كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر، وإذا ظهرت عِلَّة
اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق، فلا يشترط فيمن ينعَقد
به الإجماع حفظ الفروع يؤيد ذلك أمران:
أولهما: أن بعض الصحابة كالعباس، وطلحة، والزبير، وسعد
ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح،
ونحوهم ممن لم يشتهروا بالفتوى كان يعتد بخلافهم ووفاقهم في
انعقاد الإجماع، فلا ينعقد الإجماع بدونهم، وهم يتساوون مع أهل
الفتوى من الصحابة المشهورين - كابن عباس، وابن عمر، ومعاذ،
وزيد، والخلفاء الأربعة - فلم يفرق بين هؤلاء وأولئك في انعقاد
الإجماع، مع أن الأوَّلين لم يكونوا من الحافظين للفروع، وما كان
ذلك إلا لأن الأولين أهل لفهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويعرفون
طرق استنباط الأحكام منهما، ومن هذه صفته فلا يمكن أن ينعقد
الإجماع بدونه.
ثانيهما: أن العالم بأصول الفقه يعتبر قوله في الإجماع، دون
الفقيه، لأن الفقيه الحافظ للفروع يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات
الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو
الطلاق، أو الحدود، أو دقائق أي باب من أبواب الفقه، أما
الأصولي فلا يحتمل، ذلك فيه؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي
تندرج تلك الفروع تحتها.
المذهب الثاني: أنه يعتبر قول الفقيه في الإجماع، دون الأصولي.
وهو مذهب بعض العلماء.
стр. 838
دليل هذا المذهب:
أن الفقيه عالم بجزئيات الفروع، وأنه يحفظها فهو أعلم بحكم
النازلة بقياسها على نازلة أخرى، فرأيه محتاج إليه في الإجماع،
دون الأصولي الذي لا يحفظ تفاصيل الفروع.
جوابه:
إن احتمال فوات بعض الفروع والجزئيات على هذا الفقيه هو الذي
منعنا من قبول قوله في الإجماع، ثم إن القياس ودقائقه وشروطه
مختص به الأصولي، والمسألة مفروضة في " الفقيه الذي لا يعرف
الأصول، والأصولي الذي لا يعرف الفقه ".
المذهب الثالث: أنهما يعتبران معا، فلا ينعقد الإجماع بدونهما،
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن كل واحد منهما قد توفرت فيه أهلية النظر، ولدخولهما في
عموم لفظ " الأُمَّة "، و " المؤمنين ".
جوابه:
إنا نسلم أنهما يدخلان في عموم " الأُمَّة "، و " المؤمنين " أيضا،
ولكن خصصنا ذلك بأن المقبول قوله من الأُمَّة والمؤمنين هم المجتهدون.
والأصولي وهو العالم بدقائق أصول الفقه قد بلغ درجة الاجتهاد
بمعرفته بالقواعد الأصولية التي يندرج تحتها عدد لا يحصى من
الجزئيات - كما فصلناه فيما سبق - فهو عنده أهلية النظر.
أما الفقيه الذي لا يعلم أصول الفقه، فلا نسلم أن عنده أهلية
النظر؛ حيث إنه لا يمكنه الاستدلال على ما يقول لعدم معرفته لطرق
стр. 839
الاستدلال التي هي وظيفة الأصولي، ومن لا يعرف الاستدلال فلا
يمكن أن يقبل قوله.
المذهب الرابع: أنهما لا يعتبران معا، فيمكن انعقاد الإجماع
بدونهما.
وهو مذهب أكثر العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنهما ليسا من أهل النظر، ولم تتحقق الأهلية المعتبرة في أئمة
أهل الحل والعقد من المجتهدين من الأئمة الأربعة، ومن سار على
نهجهم ممن عرفوا الأصول والفروع معا.
جوابه:
إنا نسلم أن الفقيه لم تتحقق فيه الأهلية للنظر؛ لعدم علمه بطرق
الاستدلال كما قلنا فيما سبق.
أما العالم في أصول الفقه فلا نسلم لكم أنه لم تتحقق فيه أهلية
النظر، بل توفرت تلك الأهلية؛ نظراً لمعرفته بطرق الاستدلال وهي
القواعد التي يندرج تحتها ما لا يحصى من الجزئيات - كما بيَّنا ذلك
فيما سبق -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث إنه قد أثر فى بعض المسائل،
ومنها:
١ - قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعا؟
فمن قال يعتبر قول الفقيه والأصولي أو أحدهما في الإجماع - وهم
أصحاب المذهب الأول والثاني والثالث -: قال: إذا لم يوجد في
العصر إلا مجتهد واحد فهما داخلان معه فيكون إجماعا.
стр. 840
ومن قال لا يعتبر قولهما في الإجماع - وهم أصحاب المذهب
الرابع - قال: إذا لم يوجد إلا مجتهد واحد في العصر، فلا
يدخلان معه، فلا يكون إجماعاً؛ لأن الإجماع لا يصدق إلا من
اثنين فصاعداً.
٢ - لو وجد في هذا العصر خمسة مجتهدين قد علموا الفروع
والأصول، ووجد معهم في هذا العصر عالم بأصول الفقه دون
فروعه، وعالم بالفقه دون أصوله، واتفق الخمسة على حكم شرعي
وخالف الفقيه، والأصولي.
فعلى المذهب الرابع: يكون اتفاق الخمسة إجماعاً؛ لأن مخالفة
الفقيه والأصولي لا تعتبر.
وعلى المذهب الأول والثاني والثالث: لا يكون اتفاق الخمسة
إجماغا؛ لأن مخالفة الفقيه والأصولي معتبرة أو أحدهما.
٣ - لو اتفق هؤلاء الخمسة، وخالف الأصولي فقط.
فعلى المذهب الأول والثالث لا يكون اتفاقهم إجماعاً؛ لأن
مخالفة الأصولي معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الأصولي عند أصحابه غير معتبرة.
٤ - لو اتفق هؤلاء الخمسة وخالف الفقيه فقط.
فعلى المذهب الأول والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن مخالفة
الفقيه غير معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والثالث: لا يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الفقيه معتبرة.
стр. 841
المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المراد من انقراض عصر المجمعين: موتهم جميعاً بعد اتفاقهم على
الحكم في الحادثة التي نشأت في عصرهم.
وقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط في انعقاد الإجماع على
مذاهب:
المذهب الأول: أن انقراض أهل العصر - وهو موت جميع
المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقا، أي: سواء
كان صريحاً أو سكوتياً، إجماع صحابة أو غيرهم.
وهو مذهب جمهور انعلماء منهم الأئمة الثلاثة: " أبو حنيفة،
ومالك، والشافعي " وأكثر أتباعهم، وهو ورواية عن الإمام أحمد
وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وغيره، وهو اختيار بعض المعتزلة.
وبناء على ذلك فإنه لو اتفق جميع مجتهدي الأُمَّة على حكم
شرعي لمسألة معينة: ولو في لحظة واحدة مهما قصرت - انعقد
الإجماع وأصبح حُجَّة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة التي ذكرناها في
حجية الإجماع - توجب أن الإجماع حُجَّة بمجرد اتفاق مجتهدي
العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس
الاتفاف؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا
دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
الدليل الثاني: أن التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في
أواخر عصر الصحابة، فقد حكي عن الحسن البصري ﵀ -
стр. 842
أنه قد احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك ﵁ كان
حيًّا، وغيره فعل ذلك فقد زاحمهم كثير من التابعين، واحتجوا
بإجماعهم وهم - أي: الصحابة بين أظهرهم - والاحتجاج
بإجماعهم مع وجودهم قد وقع، ولم ينكره أحد، فعلم أن شرط
الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطا لما احتج التابعون
بإجماع الصحابة؛ لأنه لم يكن قد زم لفقد شرطه.
الدليل الثالث: قياس الحكم الثابت بالإجماع على الحكم الثابت
بالنص، فكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت،
فكذلك الثابت بالإجماع ولا فرق.
الدليل الرابع: أن اشتراط انقراض العصر يؤدي إلى تعذر الإجماع
وعدم تحققه، وامتناع انعقاده مطلقا مع كونه حُجَّة متبعة، وكل شرط
أدى إلى إبطال المشروط المتفق على تحققه كان باطلاً، بيان ذلك:
أن من اشترط انقراض العصر في صحة الإجماع جوز من جاء من
التابعين - وهو من أهل الاجتهاد - مخالفة من أدركهم من
الصحابة، وشرط في صحة إجماع الصحابة موافقة ذلك التابعي،
وإذا صار التابعي من أهل الإجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى
يأتي تابع التابعي - وهو من أهل الاجتهاد - ويخالفهم، وهكذا
إلى يوم القيامة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في عصر من
العصور، ولا يكون ثابتا.
المذهب الثاني: أن انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع
المعتبرين في الإجماع - شرط لصحة انعقاد الإجماع مطلقا، أى:
سواء كان صريحا أو سكوتيا، في عصر الصحابة أو غيرهم، أي:
لا يسمى الاتفاق إجماعا إلا بعد موت المجمعين.
стр. 843
وهو رواية ظاهرة للإمام أحمد، وهو اختيار بعض الشافعية كابن
فورك، وسليم الرازي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن
عقيل، والحلواني، وبعض المعتزلة، ورواية عن الخوارج.
وبناء على هذا المذهب فلا تحرم مخالفتهم للإجماع في عصرهم،
فيصح أن يرجع بعضهم، أو يرجعوا جميعاً عن الحكم، ولا يكون
اتفاقهم إجماعا ولا حُجَّة إلا إذا ماتوا، وإذا أدركهم من جاء بعدهم
- وبلغوا درجة الاجتهاد - وخالفوهم في ذلك الحكم فإنه يعتد
بخلافهم.
أدلة هذا المذهب؛
الدليل الأول: أنه لو كان اتفاق المجتهدين حُجَّة قبل انقراض
العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده؛ إذا ظهر له أنه أخطأ فيه،
وهذا مخالف لإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على وجوب رجوع
المجتهد عند ظهور الدليل الموجب لذلك، فبطل كون الاتفاق قبل
الانقراض حُجَّة، وبناء على ذلك: وجب اشتراط الانقراض في
الحجية.
جوابه:
إن العلماء قد أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور
موجبه إذا كان الاجتهاد انفرادياً، أما إذا كان الاجتهاد جماعياً، فلا
يجوز لأي مجتهد أن يرجع عن اجتهاده، ولو ظهر له موجب،
فيكون هذا الموجب مؤول، أو منسوخ، فلم يكن موجبا للرجوع؛
لأن الإجماع قاطع، فيدل على بطلان مقابله، أو تأويله.
الدليل - الثاني: قياس الإجماع على السُّنَّة، بيان ذلك:
إن وفاة ﷺ شرط في استقرار الحُجَّة فيما يقوله، فكذلك
стр. 844
وفاة المجمعين - وهو: المراد بانقراض العصر - شرط في استقرار
قول الجماعة وصحته.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ فلا نسلم أن
وفاة ﷺ شرط في حجية سُنَته، ولا في استقرارها، بل هي حُجَّة بمجرد ورودها، ولو لم تكن حُجَّة بمجرد ورودها لما وجبت
طاعته فيها، والإجماع حاصل في طاعته ﷺ ، وكذا يجب اعتقاد استقرار حجية السُّنَّة بمجرد ورودها حتى يظهر المغير، ولو لم يكن كذلك لارتفعت الثقة بالقرآن والسُّنَّة، وهذا باطل.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن الأصل المقاس عليه صحيح - وهو
اشتراط وفاته في استقرار حجية السُّنَّة - فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين قول النبي ﷺ وبين إجماع الأُمَّة، وهو: أن قول ﷺ إنما لم يستقر قبل موته؛ لاحتمال نسخه وهو متوقع، وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع بطريق الوحي جائز في عهده ﷺ ، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد، فإنه لا ينسخ.
المذهب الثالث: أن انقراض المجمعين شرط في إجماع الصحابة
فقط.
وهو اختيار ابن جرير الطبري وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع رجوع بعض الصحابة عن
إجماع الصحابة في مسألة معينة، فلو لم يشترط انقراض عصر
стр. 845
الصحابة لم يصح رجوع بعضهم؛ نظراً لاستلزام الرجوع مخالفة
الإجماع، وإليك بعض أمثلة رجوع بعض الصحابة.
فمنها: أنه أجمع عمر وعليّ ﵄ على أن أم
الولد لاتباع، ثم خالف علي هذا بعد وفاة عمر، ورأى أن يبعن،
قال عليّ ﵁: " اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات
الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن "، فقال له عبيدة
السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "،
فهنا عليّ ﵁ أظهر الخلاف بعد الإجماع، وأقر عليه،
فلو كان لا يشترط انقراض عصر الصحابة ما جاز له الخلاف، ولما
أقر عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بانا لا نُسَلِّمُ بأن مخالفة عليّ ﵁
كان لإجماع سابق، حيث لم يتم إجماع في زمن عمر - على عدم
بيع أم الولد - يدل على ذلك قول جابر: " بعناهن على زمن النبي
ﷺ ، وأبي بكر، وشطر من زمن عمر "،
وهو قول ابن عباس، فهنا جابر وغيره قد خالفوا في ذلك.
أما قول عبيدة السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك
وحدك "، فلم يُرد به أن موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد به: أن
رأيك في زمان الألفة، والجماعة والاتفاق، والطاعة للإمام أحب
إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة.
بيان نوع الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف هنا معنوي، يظهر أثره في أمرين هما:
следующие страницы →