← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟ المراد من انقراض عصر المجمعين: موتهم جميعاً بعد اتفاقهم على الحكم في الحادثة التي نشأت في عصرهم. وقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط في انعقاد الإجماع على مذاهب: المذهب الأول: أن انقراض أهل العصر - وهو موت جميع المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقا، أي: سواء كان صريحاً أو سكوتياً، إجماع صحابة أو غيرهم. وهو مذهب جمهور انعلماء منهم الأئمة الثلاثة: " أبو حنيفة، ومالك، والشافعي " وأكثر أتباعهم، وهو ورواية عن الإمام أحمد وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وغيره، وهو اختيار بعض المعتزلة. وبناء على ذلك فإنه لو اتفق جميع مجتهدي الأُمَّة على حكم شرعي لمسألة معينة: ولو في لحظة واحدة مهما قصرت - انعقد الإجماع وأصبح حُجَّة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم. وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة التي ذكرناها في حجية الإجماع - توجب أن الإجماع حُجَّة بمجرد اتفاق مجتهدي العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس الاتفاف؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به. الدليل الثاني: أن التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في أواخر عصر الصحابة، فقد حكي عن الحسن البصري ﵀ -

стр. 842

أنه قد احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك ﵁ كان حيًّا، وغيره فعل ذلك فقد زاحمهم كثير من التابعين، واحتجوا بإجماعهم وهم - أي: الصحابة بين أظهرهم - والاحتجاج بإجماعهم مع وجودهم قد وقع، ولم ينكره أحد، فعلم أن شرط الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطا لما احتج التابعون بإجماع الصحابة؛ لأنه لم يكن قد زم لفقد شرطه. الدليل الثالث: قياس الحكم الثابت بالإجماع على الحكم الثابت بالنص، فكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت، فكذلك الثابت بالإجماع ولا فرق. الدليل الرابع: أن اشتراط انقراض العصر يؤدي إلى تعذر الإجماع وعدم تحققه، وامتناع انعقاده مطلقا مع كونه حُجَّة متبعة، وكل شرط أدى إلى إبطال المشروط المتفق على تحققه كان باطلاً، بيان ذلك: أن من اشترط انقراض العصر في صحة الإجماع جوز من جاء من التابعين - وهو من أهل الاجتهاد - مخالفة من أدركهم من الصحابة، وشرط في صحة إجماع الصحابة موافقة ذلك التابعي، وإذا صار التابعي من أهل الإجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يأتي تابع التابعي - وهو من أهل الاجتهاد - ويخالفهم، وهكذا إلى يوم القيامة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في عصر من العصور، ولا يكون ثابتا. المذهب الثاني: أن انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع المعتبرين في الإجماع - شرط لصحة انعقاد الإجماع مطلقا، أى: سواء كان صريحا أو سكوتيا، في عصر الصحابة أو غيرهم، أي: لا يسمى الاتفاق إجماعا إلا بعد موت المجمعين.

стр. 843

وهو رواية ظاهرة للإمام أحمد، وهو اختيار بعض الشافعية كابن فورك، وسليم الرازي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن عقيل، والحلواني، وبعض المعتزلة، ورواية عن الخوارج. وبناء على هذا المذهب فلا تحرم مخالفتهم للإجماع في عصرهم، فيصح أن يرجع بعضهم، أو يرجعوا جميعاً عن الحكم، ولا يكون اتفاقهم إجماعا ولا حُجَّة إلا إذا ماتوا، وإذا أدركهم من جاء بعدهم - وبلغوا درجة الاجتهاد - وخالفوهم في ذلك الحكم فإنه يعتد بخلافهم. أدلة هذا المذهب؛ الدليل الأول: أنه لو كان اتفاق المجتهدين حُجَّة قبل انقراض العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده؛ إذا ظهر له أنه أخطأ فيه، وهذا مخالف لإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور الدليل الموجب لذلك، فبطل كون الاتفاق قبل الانقراض حُجَّة، وبناء على ذلك: وجب اشتراط الانقراض في الحجية. جوابه: إن العلماء قد أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور موجبه إذا كان الاجتهاد انفرادياً، أما إذا كان الاجتهاد جماعياً، فلا يجوز لأي مجتهد أن يرجع عن اجتهاده، ولو ظهر له موجب، فيكون هذا الموجب مؤول، أو منسوخ، فلم يكن موجبا للرجوع؛ لأن الإجماع قاطع، فيدل على بطلان مقابله، أو تأويله. الدليل - الثاني: قياس الإجماع على السُّنَّة، بيان ذلك: إن وفاة ﷺ شرط في استقرار الحُجَّة فيما يقوله، فكذلك

стр. 844

وفاة المجمعين - وهو: المراد بانقراض العصر - شرط في استقرار قول الجماعة وصحته. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ فلا نسلم أن وفاة ﷺ شرط في حجية سُنَته، ولا في استقرارها، بل هي حُجَّة بمجرد ورودها، ولو لم تكن حُجَّة بمجرد ورودها لما وجبت طاعته فيها، والإجماع حاصل في طاعته ﷺ ، وكذا يجب اعتقاد استقرار حجية السُّنَّة بمجرد ورودها حتى يظهر المغير، ولو لم يكن كذلك لارتفعت الثقة بالقرآن والسُّنَّة، وهذا باطل. الجواب الثاني: لو سلمنا أن الأصل المقاس عليه صحيح - وهو اشتراط وفاته في استقرار حجية السُّنَّة - فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين قول النبي ﷺ وبين إجماع الأُمَّة، وهو: أن قول ﷺ إنما لم يستقر قبل موته؛ لاحتمال نسخه وهو متوقع، وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع بطريق الوحي جائز في عهده ﷺ ، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد، فإنه لا ينسخ. المذهب الثالث: أن انقراض المجمعين شرط في إجماع الصحابة فقط. وهو اختيار ابن جرير الطبري وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع رجوع بعض الصحابة عن إجماع الصحابة في مسألة معينة، فلو لم يشترط انقراض عصر

стр. 845

الصحابة لم يصح رجوع بعضهم؛ نظراً لاستلزام الرجوع مخالفة الإجماع، وإليك بعض أمثلة رجوع بعض الصحابة. فمنها: أنه أجمع عمر وعليّ ﵄ على أن أم الولد لاتباع، ثم خالف علي هذا بعد وفاة عمر، ورأى أن يبعن، قال عليّ ﵁: " اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن "، فقال له عبيدة السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "، فهنا عليّ ﵁ أظهر الخلاف بعد الإجماع، وأقر عليه، فلو كان لا يشترط انقراض عصر الصحابة ما جاز له الخلاف، ولما أقر عليه. جوابه: يجاب عنه: بانا لا نُسَلِّمُ بأن مخالفة عليّ ﵁ كان لإجماع سابق، حيث لم يتم إجماع في زمن عمر - على عدم بيع أم الولد - يدل على ذلك قول جابر: " بعناهن على زمن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وشطر من زمن عمر "، وهو قول ابن عباس، فهنا جابر وغيره قد خالفوا في ذلك. أما قول عبيدة السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "، فلم يُرد به أن موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد به: أن رأيك في زمان الألفة، والجماعة والاتفاق، والطاعة للإمام أحب إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة. بيان نوع الخلاف في هذه المسألة: الخلاف هنا معنوي، يظهر أثره في أمرين هما:

стр. 846

أولهما: هل يجوز رجوع المجمعين أو بعضهم عما أجمعوا عليه أو لا؟ اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة. فعلى المذهب الأول - وهو: أن انقراض العصر لا يشترط لصحة الإجماع مطلقاً -: لا تجوز مخالفة المجمعين لما أجمعوا عليه، ولا تجوز مخالفة بعضهم له أيضاً. أما على المذهب الثاني - وهو: أن الانقراض شرط لصحة الإجماع مطلقاً -: فإنه يجوز أن يرجع جميع المجتهدين المجمعين عن إجماعهم، ويجوز رجوع بعضهم، فيبطل إجماعهم. أما على المذهب الثالث - وهو: أن الانقراض شرط لصحة إجماع الصحابة - فإنه يجوز رجوع المجمعين الصحابة أو بعضهم، ولا مانع من ذلك دون إثم، أما غير الصحابة فلا يجوز للمجمعين كلهم ولا لبعضهم الرجوع عن الإجماع. ثانيهما: هل يُعتد بخلاف الناشئ إذا بلغ درجة الاجتهاد بعد أن أجمع العلماء على تلك المسألة وبعض المجمعين على قيد الحياة؛ اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة. فعلى المذهب الأول - وهو عدم اشتراط انقراض العصر لصحة الإجماع - مطلقاً، لا يعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا، سواء كان من الصحابة أو غيرهم. أما على المذهب الثاني - وهو: اشتراط انقراض العصر مطلقا - فإنه يُعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا. أما على المذهب الثالث - وهو اشتراط الانقراض لصحة إجماع

стр. 847

الصحابة - فإنه يُعتد بخلاف الناشئ التابعي البالغ درجة الاجتهاد في عصر الصحابة فقط، أما غير التابعي فلا يعتد بخلافه إذا بلغ درجة الاجتهاد بعد اتفاق علماء عصره. *** المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل اتفاقهم، فهل يُعتد بقوله وفاقاً وخلافاً؟ لقد قلنا في المسألة السابقة: إنه لا يشترط انقراض عصر المجمعين مطلقاً، أي: سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وترتب على هذا القول: إنه لا يُعتد بخلاف من خالفهم بعد انعقاد الإجماع منهم مطلقا، سواء كان تابعياً بلغ درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد إجماعهم أو لا. لكن هذه المسألة تختلف عن تلك فهي مفروضة فيمن بلغ درجة الاجتهاد من التابعين في عصر الصحابة، وقبل انعقاد إجماع الصحابة على مسألة معينة، فهل يُعتد بقوله وفاقا وخلافا أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنه يُعتد بقوله. أي: إذا حضر المجتهد من التابعين مع الصحابة في وقت حدوث الحادثة فخالفهم، لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفتة، وتكون المسألة مختلف فيها. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدلبل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، وهي التي ذكرناها من الآيات والأحاديث، فإنها دلَّت على أن المتبع هم كل

стр. 848

المجتهدين من " المؤمنين " ومن " الأمة " الموجودين حين حدوث الحادثة في عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي المجتهد من الأمة ومن المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها، فإنه لا يقال: " أجمع جميع مجتهدي أمة محمد ﷺ "، فالحجة إجماع الكل، وما دام الأمر كذلك فإنه يعتد بقول التابعي مع الصحابة. الدليل الثاني: الوقوع، حيث إن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك، ولو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلاً لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به، والرجوع إليه، وإليك أمثلة على ذلك: ١ - أن كبار أصحاب ابن مسعود ﵁ كعلقمة النخعي، والأسود النخعي، وغيرهما كانوا يفتون الناس مع وجود ابن مسعود وغيره من الصحابة بدون نكير. ٢ - أن سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة المنورة، وفيها خلق كثير من الصحابة، وكذلك فقهاء التابعين المعاصرين لبعض الصحابة يفعلون ذلك كسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري. ٣ - أن أنساً سُئل عن مسألة فقال: " سلوا مولانا الحسن - يعني الحسن البصري - فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. ٤ - أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب قد وليا شريحا بن الحارث التابعي القضاء وأمراه بالاجتهاد إن لم يجد حكم الحادثة في النص ولم يعترضا - أي: عمر وعليّ - على ما قضي به شريح فيما

стр. 849

خالفهما فيه، وحكم على عليّ في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي عليّ، ولم ينكر عليه. ٥ - أن رجلاً سأل ابن عمر عن فريضة، فقال: سل سعيد بن جبير، فإنه يعلم منها ما أعلم، ولكنه أحسب مني. وغير ذلك من الأمور التي دلَّت على أن الصحابة قد أجازوا وسوغوا للتابعين الاجتهاد معهم، وأخذ رأيهم، وكيف لا يعتبر قولهم، وقد أقر الصحابة لهم بالفضل والعلم والفهم للشريعة، ولم ينكروا عليهم؟! ولو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يصح شيء من ذلك. المذهب الثاني: أنه لا يُعتد بقول التابعي المجتهد مع الصحابة. أي:. أن الصحابي إذا بلغ درجة الاجتهاد وأدرك عصر الصحابة، فحدثت حادثة في ذلك العصر، فإنه لا يُعتدُّ بقوله: فإذا أجمع الصحابة على رأي في تلك الحادثة وخالفهم ذلك التابعي، فإنه ينعقد الإجماع بدون النظر في مخالفة التابعي. وهو مذهب بعض المالكية كابن خويز منداد، وبعض الشافعية كابن برهان، وبعض الحنابلة كأبي يعلى. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الصحابة ﵃ قد تميزوا عن غيرهم بالصحبة، وهذا الوصف يقتضي أن الموصوف به قد شاهد التنزيل، وعلم التأويل، وعلم الشرع من فيِّ النبي ﷺ مباشرة، وعرف مقاصد الشريعة، فإذا كان الصحابة يتميزون بذلك في حين أن هذه المميزات معدومة في التابعين، فإنه يتبين لك ان الحق معهم،

стр. 850

ولا يكون مع مخالفهم، وأن مرتبة الصحابة بالنسبة للتابعين كمرتبة العلماء مع العوام، فكما أن العامي لا يعتد بقوله في إجماع العلماء، نظراً لعدم العلم، فكذلك التابعي لا يعتد بخلافه في إجماع الصحابة، نظراً لتلك المميزات التي تميز بها الصحابة. جوابه: إننا نسلم بأن الصحابة يفضلون على التابعين بفضيلة الصحبة، ولكن فضيلة الصحبة لا تجعل الإجماع مختص بهم، وأنه لا يُعتد بقول غيرهم ممن عاصرهم من مجتهدي التابعين؛ وذلك لأن شرط الإجماع الأساسي هو: كون المجمعون قد بلغوا درجة الاجتهاد مطلقا، فكون الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد لا ينفي وجود من يعلم ذلك من مجتهدي التابعين، إذن مجتهدو العصر الواحد قد تساووا في الاجتهاد، فيقبل قول كل واحد من المجتهدين سواء كان صحابيا أو غير صحابي. أما قولكم: إن الصحابة مع التابعين كالعلماء مع العامة، فهذا لا نسلمه لكم مطلقاً؛ لأن هذا القول مخالف للحقيقة، فقياس التابعين على العوام قياس فاسد؛ لأن مجتهدي التابعين قد وصلوا إلى درجة من العلم والفقه والفهم قد تساوي ما علمه الصحابي إن لم تزد عليه. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع إنكار بعض الصحابة على بعض التابعين ولو كان التابعي المجتهد يُعتد بخلافه مع الصحابة لما وقع هذا الإنكار، والإنكار ورد في قصة عائشة ﵂ مع أبي سلمة؛ حيث روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كنا نتذاكر أنا، وابن عباس، وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: تعتد بأقصى الأجلين، فقلت: بل

стр. 851

عدتها: أن تضع حملها، فأنكرت عائشة ﵂ على أبي سلمة ذلك، وقالت: مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها. وروى الإمام مالك في " الموطأ ": أن عائشة قالت ذلك لأبي سلمة في الغسل من التقاء الختانين، قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي ﷺ : ما يوجب الغسل؛ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ : مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان فقد وجب الغسل. فلو كان قول التابعي - وهو هنا أبو سلمة - معتبرا مع الصحابة: لما أنكرت عائشة على أبي سلمة مجاراته للصحابة، وكلامه واجتهاده معهم، ولما زجرته عن ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يسوغوا خلاف التابعين معهم. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن إنكار عائشة على أبي سلمة قد وقع، ولكن هذا الإنكار اجتهاد منها ﵂ خالفها فيه ابن عباس وأبو هريرة ﵃ حيث إن أبا سلمة لما قال - في القصة السابقة -: " وقلت: أنا عدتها أن تضع حملها ": قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها، قالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول اللَّه ﷺ . فهنا لم ينكر ابن عباس وأبو هريرة مخالفة أبي سلمة في هذه المسألة، مما يدل على تسويغ بعض الصحابة لذلك، وعدم فعله ما

стр. 852

ينكر عليه، لأنه مجتهد ناظر مجتهدين، إذن: إنكار عائشة على أبي سلمة يقابل بموافقة هذين الصحابيين، والوافقة مقدمة على الإنكار، فيثجت أن التابعي المجتهد يُعتد بقوله مع الصحابة. الجواب الثاني: أن إنكار عائشة لا يدل على مذهبكم وهو: أن التابعي المجتهد لا يعتد بقوله في إجماع الصحابة؛ حيث إن إنكارها ورد على شخص معين في قضية معينة، وهذا يحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: أن عائشة قد أنكرت على أبي سلمة؛ لأنه يبلغ درجة الاجتهاد - من وجهة نظرها - ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يؤخذ برأيه في المسائل الفقهية. الاحتمال الثاني: أن أبا سلمة قد يكون من البالغين درجة الاجتهاد، ولكن عائشة أنكرت عليه لعدم تأدبه مع ابن عباس حبر هذه الأُمَّة حال المناظرة من رفع صوت ونحوه، وقولها: " يصيح " يشعر بذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، له أثره وهو واضح، فلو اتفق الصحابة على حكم معين وخالفهم تابعي مجتهد، فهل يكون الإجماع صحيحا؟ اختلف في ذلك: والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة. فعلى المذهب الأول: لا يكون اتفاق الصحابة إجماعاً، بل تكون المسألة مختلف فيها، لأنه يُعتد بخلاف التابعي المجتهد مع الصحابة. وبناء على المذهب الثاني: يكون اتفاق الصحابة إجماعاً،

стр. 853

ولا عبرة بخلاف التابعي، وتكون المسألة مجمعا عليها، لا تجوز مخالفته. *** المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين؟ أو هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فلا ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، فلو اتفق علماء العصر على حكم حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن النصوص السابقة - وهي التي ذكرناها في حجية الإجماع - دلَّت على عصمة الأُمَّة عن الخطأ، ولفظ الأُمَّة إنما يُطلق حقيقة على جميع الأُمَّة، ولا يُطلق على أكثر الأُمَّة، وإن أطلق على أكثر الأُمَّة فإطلاق مجازي لا يصح إلا بقرينة، وحيث لا توجد قرينة، فإنا نحمل لفظ " الأُمَّة " على كل الأُمَّة وجميعها، فينتج: أن العصمة عن الخطأ يكون بجميع الأُمَّة، أما أكثر الأُمَّة فلا عصمة لهم، ونظراً إلى أنه لا عصمة لأكثر الأُمَّة، فلا ينعقد الإجماع باتفاقهم. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق الأكثر منهم على حكم من الأحكام، ومخالفة الأقل، بل تفرد الواحد منهم برأيه في مسألة معينة مع اتفاق الأكثر على رأي آخر، فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعاً للزم الأقل أو الواحد منهم أن

стр. 854

يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفة ذلك الإجماع، وعلى ذلك أمثلة: ١ - مخالفة ابن عباس لاكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة، ومسألة العول. ٢ - مخالفة ابن مسعود لأكثر الصحابة في بعض مسائل الفرائض. ٣ - مخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة. وغير ذلك من الأمثلةْ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولو وجد إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك. وما نقل من الإنكار على بعض الصحابة لم يكن إنكار تخطئة، وإنما هو إنكار في الدليل والمأخذ فقط، كما يجري ذلك مع مجتهد حينما يناظر مجتهداً آخر. ومما يؤيد أن اتفاق الأكثر لا يُسمَّى إجماعا: أن الرأي الذي ذكره الأقلون من الصحابة أو الواحد منهم بقي إلى زماننا هذا، وسمِّيت المسألة خلافية، وربما كان الرأي الذي ذهب إليه الأقل منهم كان هو المعمول به عند بعضهم، فلو كان ذلك مخالفاً للإجماع لما كان ذلك جائزاً. المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فينعقد الإجماع بقول الأكثر، فلو اتفق علماء العصر على حكم معين وخالفهم الواحد أو الاثنين منهم، فإنه ينعقد الإجماع. وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وأبو بكر الجصاص، وأبو الحسن الخياط من المعتزلة، وابن حمدان من الحنابلة، وأبو محمد الجويني من الشافعية.

стр. 855

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأُمَّة على مبايعة "أبي بكر ﵁ بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك، وخالف في ذلك بعض الصحابة كعليّ وغيره، فلو لم يكن اتفاق الأكثر إجماعاً لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع. جوابه: لا نسلم ما ذكرتم، بل إن خلافة أبي بكر ﵁ قد اتفق عليها جميع الصحابة: فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم ينكر ذلك، ولو أنكر لنقل، ولكن لم ينقل شيء من ذلك، وما قيل من مخالفة علي ﵁ في ذلك غير صحيح، ولكنه تأخر في البيعة لعذر خاص به، فلما علم بتلك البيعة وافق وقال: " رضيه رسول اللَّه ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا! ". الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد الإجماع أصلاً؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين جوابه: إنه إذا اتفق جميع المجتهدين في العصر على حكم معين، فإن ذلك يكون إجماعاً، ويحتج به، وتحرم مخالفته، واتفاق هؤلاء يعلم إما بصريح القول، أو بقرائن تدل على موافقته، وذلك ممكن كما سبق. أما إذا خالف واحد أو اثنان - ممن بلغوا درجة الاجتهاد - هؤلاء الأكثر، فإنه لا إجماع، بل تكون المسألة مختلف فيها - كما قلنا ذلك فيما سبق.

стр. 856

الدليل الثالث: أن الإجماع حُجَّة في العصر الذي هِم فيه، وذلك يقتضي أن يكون منهم مخالف ليكون ذلك الإجماع حُجَّة عليه. جوابه: أن الإجماعِ حُجَّة على من خالف منهم بعد انعقاد الوفاق في زمنهم، وحُجة على من يوجد بعدهم. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي، وهو واضح، فلو اتفق أكثر علماء العصر على حكم معين، وخالف واحد ممن بلغ درجة الاجتهاد، فهل يسمى هذا الاتفاق إجماعا أو لا؟ فعلى المذهب الأول: لا يُسمَّى هذا الاتفاق إجماعا، فتجوز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويتخير المكلََّف بين رأي الأكثر والاءقل. أما على المذهب الثاني، فإنه يسمى هذا الاتفاق إجماعا، فلا تجوز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويلزم المكلََّف المقلد بما اتفق عليه الأكثر. *** المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخذ به؟ لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم القائلون: إن اتفاق الأكثر لا يعتبو إجماعا - فيما بينهم هل يكون اتفاق الأكثر حُجَّة. والحق: أن اتفاق أكثر العلماء ليس بحُجَّة، فيجوز مخالفة ما

стр. 857

اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع الأكثر، وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين. والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل، لا للكثرة، وكثيراً ما ظهر أن الحق في جانب قول الأقل. *** المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل ومأخذ يوجب ذلك الإجماع. وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قياس علماء الأمَّة على النبي ﷺ ، بيانه: أنه كما أن النبي ﷺ لا يقول شيئاً ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا وحي يوحى) ، فكذلك علماء الأُمَّة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه. الدليل الثاني: أن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم الوصول إلى الحق، مما يؤدي ويفضي إلى جواز الخطأ، فلذلك قلنا: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند؛ سدا لهذا الاحتمال. الدليل الثالث: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد فيمن يُعتدُّ به في الإجماع معنى؛ لأننا لم نشترط

стр. 858

بلوغ درجة الاجتهاد لكل واحد من المجمعين إلا من أجل أن ينظر في المسألة عن استدلال، وأن يعتمد فيما يقول على دليل وأمارة، ولو كان الإجماع ينعقد بلا مستند لدخل المجتهد وغير المجتهد. المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع أن يكون له مستند، فيجوز انعقاد الإجماع عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب من غير أن يكون لهم مستند أو دليل يستندون إليه، وهو مذهب طائفة شاذة، وقيل: إنه مذهب بعض أهل الأهواء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع، فقد وقع الإجماع عن غير دليل وغير مستند، والوقوع دليل الجواز، وذلك كإجماع العلماء على جواز عقد الاستصناع، وأجرة الحمام، وبيع المعاطاة أو المراضاة. جوابه: لا نسلم أن هناك أحكاماً شرعية قد أجمع العلماء عليها بدون مستند. أما ما ذكرتموه من الأمثلة والصور، فلم يقع الإجماع عليها إلا عن دليل ومستند، وإليك بيان ذلك: أما عقد الاستصناع، فقد كان في زمن النبي ﷺ ، ولم ينكره - مع علمه به - فكان ثبوته عن طريق السُّنَّة التقريرية. أما أجرة الحمام فهي مقدرة بالعادة والعرف، وهو دليل شرعي؛ لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) . أما بيع المراضاة - وهو ما حصل بتراضي الجانبين - بلا لفظ -

стр. 859

فلا نسلم أنه صحيح - بإجماع العلماء، بل خالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀. الدليل الثاني: لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستند ودليل، لكان ذلك الدليل هو الحُجَّة في المسألة، فلا يكون للإجماع فائدة. جوابه: لا نسلم ذلك، بل إن فائدة الإجماع هي: أنه يكفينا مؤنة الرجوع إلى أدلة المجمعين، وكيفية دلالة كل دليل على مدلوله ونحو ذلك. فإذا قيل: إن العلماء أجمعوا على حكم تلك المسألة نكتفي بذلك، ولا نسأل عن أدلة المجمعين. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأنه لا يعمل بالإجماع الذي لا مستند له، وقيل: إن الخلاف لفظي؛ لعدم اختلاف عمل المكلف على المذهبين. *** المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؟ أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة - وهم القائلون: لا بد للإجماع من مستند - اختلفوا فيما بينهم في جواز كون الدليل القطعي مستنداً للإجماع على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلاً قاطعاً من كتاب أو سُنَّة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق لدليلين: الدليل الأول: أنه لا مانع من ذلك، فهو يكون من تضافر

стр. 860

الأدلة؛ قياساً على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب والسُّنَّة المتواترة، كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان الإسلام، وما دام أنه لا يمتنع: إذن هو جائز. الدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع من العلماء - أنهم يستدلون على بعض الأحكام الثابتة بالكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع مع أن مستند الإجماع آيات من الكتاب، وبعض الأحاديث المتواترة، فيقولون - مثلاً -: ثبت تحريم الأمهات والجدات والبنات بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، وهكذا، والوقوع دليل الجواز. المذهب الثانى: أن الإجماع لا ينعقد عن الدليل القطعي من الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، أي: لا يكون مستند الإجماع دليلاً قطعياً. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه إذا وجد الدليل القطعي من الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، فإنه لا يُحتاج إلى الإجماع، نظراً لثبوت الحكم بهما، فلا فائدة - إذن - من الإجماع. جوابه: لا نسلم أنه إذا دلَّ على الحكم دليل قطعي من الكتاب أو السُّنَّة المتواترة، فإنه يصبح الإجماع لا فائدة فيه، بل فيه فائدة وهي: أن المستدل بالإجماع لا يطالب بمستند سواه؛ وهذه الفائدة تكفي المجتهدين مؤنة البحث عن مستند الإجماع من الأدلة القطعية، وكيفية دلالته، ثم إن الإجماع يكون من الأدلة القطعية مؤكدا لما أفادته من القطع.

стр. 861

بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن الحكم واحد، ولكن أصحاب المذهب الأول قالوا: إنه ثبت بالإجماع المستند إلى أدلة قطعية، وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إنه ثبت بذلك المستند القطعي نفسه، لا بالإجماع. المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الدليل الظني يصلح أن يكون مستنداً للإجماع، فيجوز انعقاد الإجماع عن أي دليل ظني. وهو مذهب الجمهور. وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أنه لا مانع من انعقاد الإجماع عن دليل ظني؛ قياساً على انعقاد الإجماع عن دليل قطعي ولا فرق، والجامع: أن كلاً من الدليل القطعي والظنى يوجب العمل، ولذلك يستند إليهما الإجماع. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن أكثر الإجماعات الموجودة لدينا قد ثبتث وانعقدت وهي مستندة إلى أدلة ظنية، كالعموم والظاهر والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد، والوقوع دليل الجواز. الدليل الثالث: أن النصوص - السابقة الذكر - المثبتة لحجية الإجماع جاءت عامة، لم تفصل بين الإجماع المستند لدليل قطعي أو

стр. 862

ظني، فلا يجوز اشتراط كون الدليل قطعيا؛ لأنه تقييد بلا دليل صحيح وهو باطل. الدليل الرابع: أنا وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر قد أجمعوا على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا ظني، فجواز انعقاد الإجماع عن الدليل الظني الظاهر أوْلى. المذهب الثاني: أن الدليل الظني لا يصلح أن يكونا مستنداً للإجماع، فلا ينعقد الإجماع إلا عن دليل قطعي من كتاب أو سُنَّة متواترة، وهو مذهب أكثر الظاهرية، وكثير من الشيعة، وابن جرير الطبري. دليل هذا المذهب: قالوا: إن الدليل الظني لا يوجب العلم القطعي، فلا يجوز أن يصدر عنه الإجماع؛ لأن الإجماع يوجب العلم القطعي، فالقطعي لا يثبته إلا القطعي، والظني لا يقوى على إثبات القطعي. جوابه: يجاب عنه بأجوبة.: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الإجماع يكون قطعيا دائماً، بل إن أكثر الإجماعات ظنية. الجواب الثاني: أن ما قلتموه في المستند الظني ينطبق تماما على المستند القطعي؛ حيث إن المستند القطعي يحتمل النسخ، أو غيره، فالإجماع عليه قد رفع عنه هذا الاحتمال، ولم تقولوا: إن الإجماع حينئذ أقوى من مستنده فيمتنع، بل جوزتم الإجماع عنه. الجواب الثالث: الوقوع؛ حيث وقع أن أكثر الإجماعات قد

стр. 863

استندت إلى دليل ظني - كما سبق ذكر ذلك - والوقوع هذا يخالف ما ذكرتموه. بيان نوع الخلاف: يفهم من الخلاف السابق أنه معنوي إذا عرفنا مستند الإجماع، فإن كان مستند الإجماع قطعياً، فاتفق أصحاب المذهبين على أنه يسمى إجماعاً تحرم مخالفته. أما إن كان مستند الإجماع ظنياً، فعلى المذهب الأول: أنه يُسمَّى إجماعاً كالمستند على الدليل القطعي ولا فرق. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يُسمى إجماعاً، نظراً لاستناده إلى دليل لا يصلح مستنداً للإجماع، وعليه فإنه لا تحرم مخالفته. المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد: لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن خبر واحد. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق " لما يلي: الدليل الأول: أن النصوص المثبتة لحجية الإجماع قد وردت عامة وشاملة للإجماع المستند إلى قطعي، والمستند إلى دليل ظني، فلم تفرق بينهما، وما دام أن خبر الواحد يفيد الظن، فيكون صالحاً لأن يستند عليه الإجماع. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث ثبت أن أكثر الإجماعات مستندة إلى خبر واحد مثل:

стр. 864

١ - الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين مع أن مستنده خبر عائشة ﵂. ٢ - إجماع العلماء على حرمة بيع الطعام قبل القبض مع أن مستنده خبر واحد، وهو حديث ابن عمر وهو أن رسول اللَّه ﷺ قال: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفية "، ونحو ذلك، والوقوع دليل الجواز. المذهب الثاني: عدم جواز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد. وهو مذهب أكثر الظاهرية، والشيعة، وابن جرير الطبري. دليل هذا المذهب: هو دليل أصحاب المذهب الثاني في المسألة السابقة، وقد سبق قريباً. جوابه: قد سبق جوابه فراجعه من هناك. بيان نوع الخلاف: هو نفسه نوع الخلاف في المسألة السابقة. المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى الإجماع، فهل يجب تعيينه مستندا للإجماع أو لا؟ اختلف أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة في هذه المسألة على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجب تعيينه، فالحديث الذي وافقه حكم

стр. 865

الإجماع يجوز أن يكون مسنداً للإجماع، ويجوز أن لا يكون هو مستند الإجماع، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق، لأن هذا الخبر يحتمل أن يكون هو المستند للإجماع، ويحتمل أن يكون مستند الإجماع دليلاً آخر، ومع الاحتمال، فلا جزم. وإذا صح هذا الخبر كان دليلاً آخر للحكم المجمع عليه، ويجوز توارد دليلين وأكثر على حكم واحد. المذهب الثاني: أن الحديث الذي وقع الإجماع على مقتضاه يجب أن يتعين سنداً للإجماع، وهو اختيار أبي حنيفة، وحكي عن الشافعي، وهو مذهب بعض الأشاعرة. دليل هذا المذهب: قالوا: إن الإجماع لا بد له من مستند، وقد تيقنا صلاحية هذا الحديث لأن يكون مستنداً لذلك الإجماع؛ لأنه لم ينقل إلينا مستند لهذا الإجماع، فنتج من ذلك: تعين أن يكون الحديث المذكور مستنداً للإجماع، ولو لم نجعل ذلك مستنداً له لخلا الإجماع عن مستند، وهذا لا يجوز. جوابه: إن تيقن استناد الإجماع لذلك الخبر؛ نظراً لموافقته له، وصلاحيته له هذا لا يسلَّم؛ لجواز أن يكون هناك خبر آخر، أو دليل آخر استندوا إليه في إجماعهم ولم ينقل؛ استغناء بالإجماع عنه، ونظراً لهذا الاحتمال فلا يمكن القطع والتيقن، بل ولا يغلب على الظن.

стр. 866

بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي هنا؛ لأنه يترتب على المذهب الأول: أن الإجماع لا يصلح أن يكون دليلاً على صحة الخبر الذي وافقه؛ لأنا لم نجزم بأن العلماء أجمعوا على ذلك الحكم، وكان مستند ذلك الإجماع هو الخبر، فيطلب تصحيحه من جهة أخرى. ويترتب على المذهب الثاني: أن ذلك الإجماع يصلح أن يكون دليلاً على صحة الخبر الذي وافقه. *** المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس: لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن القياس. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: الوقوع، حيث وقع أن الصحابة والسلف قد أجمعوا على أحكام، وكان مستند ذلك الإجماع هو القياس مثل: ١ - إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، وكان مستند ذلك القياس فقاسوا: الإمامة الكبرى - وهي الخلافة - على الإمامة الصغرى - وهي الإمامة في الصلاة. ٢ - إجماعهم على تحريم شحم الخنزير؛ قياساً على تحريم لحمه. ٣ - إجماعهم على كتابة المصحف؛ قياساً على حفظه في الصدور. ٤ - إجماعهم على قتال مانعي الزكاة؛ قياسا على تارك الصلاة.

стр. 867

وغير ذلك، والوقوع دليل الجواز. الدليل الثاني: القياس على خبر الواحد، بيانه: أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر واحد، فكذلك يجوز أن يكون مستند الإجماع القياس ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن. الدليل الثالث: أنه لا يستحيل عقلاً، فلا يبعد اتفاق مجتهدي الأُمَّة على أن النبيذ في معنى الخمر، فيكون حكمهما واحداً، وهو: التحريم؛ لاتفاقهما في العِلَّة وهي الإسكار. الدليل الرابع: أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع عامة وشاملة للإجماع المستند إلى دليل القطعي، والمستند إلى الظني، فلم تفرق بينهما، والقياس يفيد الظن، فهو يصلح أن يكون مستنداً للإجماع. المذهب الثاني: الفرق بين أن يكون القياس جليا، فيصح أن يكون مستنداً، وبين أن يكون القياس خفياً، فلا يصلح. وهو ما اختاره بعض الشافعية. دليل هذا المذهب: قالوا: إن القياس الجلي يفيد القطع، فيصلح أن يكون مستنداً للإجماع " لأن الإجماع لا يستند إلا إلى قطعي، أما القياس الخفي فإنه يفيد الظن، والظن وأي دليل ظني لا يصلح أن يكون مستنداً للإجماع. جوابه: إن هذا التفريق لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد عليه، ثم إنه مخالف لعموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، حيث

стр. 868

إنها شاملة للإجماع المستند لدليل قطعي، والدليل ظني ولم تفرق بينهما. المذهب الثالث: أنه لا يجوز عقلاً انعقاد الإجماع، وهو مستند للقياس، وهو اختيار بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قالوا: إن القياس تجوز مخالفته اتفاقاً، والإجماع لا تجوز مخالفته اتفاقا، فلو استند الإجماع إلى القياس، مع قولنا بأن القياس تجوز مخالفته: للزم من ذلك جواز مخالفة الإجماع؛ لأن مخالفة الأصل - وهو القياس - تجوِّز مخالفة الفرع - وهو الإجماع -، وعلى هذا فتجوز مخالفة الإجماع باعتبار سنده وهذا باطل. جوابه: إن القياس تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، وأما بعد الإجماع عليه، فلا تجوز مخالفته؛ لظهور صحته من الإجماع عليه، فلا يصح قولكم: " إن مخالفة الأصل تجوّز مخالفة الفرع "؛ لأن الأصل أصبح غير جائز المخالفة بالإجماع عليه. المذهب الرابع: أن انعقاد الإجماع عن القياس يجوز عقلاً، ولكنه لم يقع، ونسب إلى بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قالوا: إنه لا يمتنع عقلاً استناد الإجماع إلى القياس؛ لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلاً، ولكن بعد تتبع واستقراء النصوص لم نجد إجماعا استند إلى قياس، فدل على عدم وقوعه.

стр. 869

جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ ما زعمتم من أنه لم يقع إجماع مستند إلى قياس، بل وقع، وهو كثير جداً، وقد مثلنا لذلك فيما سبق، فيكون كلامكم إما مكابرة ومعاندة، أو أنه استقراء ناقص، وكلاهما لا يعتد به. بيان نوع الخلاف: هو نفس نوع الخلاف في مسألة: " الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؟ "، وهي المسألة الرابعة عشرة. المسألة الثامنة عشرة: هل يُشترط نقل الإجماع بالتواتر؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يشترط، فالإجماع يثبت بخبر الواحد، ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنيا، ويجب العمل وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب، وجماعة من الشافعية. وهو الحق؛ لأن الآحاد إذا نقل الدليل الظني كخبر الواحد، فإنه يوجب العمل به اتفاقا، فنقل الدليل القطعي الدلالة بخبر الواحد أَوْلى بأن يوجب العمل؛ لأن الضرر في مخالفة المقطوع أكثر، واحتمال الغلط والخطأ في نقله أقل. المذهب الثاني: أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد، بل يشترط فيه أن يكون منقولاً عن طريق التواتر، فالإجماع المنقول عن طريق الآحاد لا يوجب العمل.

стр. 870

وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض الخوارج. دليل هذا المذهب: قالوا: إن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسُّنَّة، وخبر الواحد دليل ظني، فكيف يثبت الدليل القطعي بالدليل الظني. جوابه: إن الإجماع مسألة شرعية طريقها طريق بقية المسائل المعمول بها التي يكفي في ثبوتها الظن، فإذا غلب على الظن شيء: يجب العمل به ما لم يمنع منه مانع، والإجماع هنا نقل إلينا بطريق يغلب على الظن ثبوته وهو خبر الواحد، فيكون ذلك الإجماع إجماعا ظنيا؛ نظراً لطريق ثبوته، وعلى ذلك يجب العمل به كنقل القراءة الشاذة، ونقل قول الرسول ﷺ بخبر الواحد. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، كما ظهر من المذهبين، حيث لو أجمع العلماء على حكم معين، ونقل هذا الإجماع بخبر الواحد، فإنه يُعمل به عند أصحاب المذهب الأول، أما عند أصحاب المذهب الثاني فلا يعمل به، ولكني أستبعد ذلك عن أصحاب المذهب الثاني.

стр. 871

المطلب السادس في أقسام الإجماع ينقسم الإجماع إلى قسمين: القسم الأول: الإجماع القطعي. القسم الثاني: الإجماع الظني.

стр. 872

القسم الأول الإجماع القطعي وهو: أن يتوفر فيه ما يلي: أولاً: أن تتوفر جميع شروط الإجماع السابقة - على التفصيل المذكور -. ثانيا: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن يصرح بعضهم، ويعمل البعض الآخر على وفق هذا القول المصرح ثالثا: أن ينقل هذا القول وهذا التصريح إلينا نقلاً متواتراً. إذا توفرت هذه الأمور، فإن الإجماع يكون حُجَّة قاطعة.

стр. 873

القسم الثاني الإجماع الظني وهو: ما اختل فيه أحد الأمور الثلاثة السابقة في القسم الأول، ويشتمل الكلام عن هذا القسم على مسائل كثيرة، منها المسألة الثامنة عشرة - من مسائل شروط الإجماع - وهي: " هل يشترط نقل الإجماع بالتواِتر؟ " فإذا نقل الإجماع الصريح بالآحاد صار إجماعاً ظنياً، وقد بينت ذلك في موضعه، ومما يدخل في ذلك ما يلي من المسائل: المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون، على قولين، فأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما، فهل يكون ذلك إجماعاً؟ المسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟ المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ المسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا تأويلاً، ولم يصرحوا بشيء فهل لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟ المسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين فهل لمن بعدهم التفريق بينهما؟ المسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء الأمَّة على عدم العلم به؟

стр. 874

المسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولاً، وسكت الباقون سكوتا لا يفهم منه الرضا ولا السخط فهل يعتبر هذا إجماعا وحجة؟ " الإجماع السكوتي ". المسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة فهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل؟

стр. 875

المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون على قولين، فأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما، فهل يكون ذلك إجماعا؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يكون إجماعاً، وبناء على ذلك فإنه تحرم مخالفته، مثل مسألة " بيع أم الولد "، فإن الصحابة اختلفوا فيها على قولين - الجواز وعدم الجواز - ثم اتفقوا على قول واحد وهو: عدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعا تحرم مخالفته ويجب العمل به. وهو مذهب أكثر الحنفية، والمعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر القفال، وأبي إسحاق الشيرازي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب. وهو الحق عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: أن النصوص الدالة على حجية الإجماع - السابقة الذكر - تدل على حجية أيِّ إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه اختلاف في العصر الذي سبقه، أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء العصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين فيجب اتباعه. الدليل الثاني: أن إجماع التابعين أو علماء العصر المتأخر، هو: اتفاق من أهل العصر على حكم فقهي معين، فلم يجز خلافه، كما لو اختلفوا - أنفسهم - في حكم معين في عصرهم، ثم اتفقوا عليه في عصرهم، فهو اتفاق عقيب اختلاف، فيقطع الاتفاق الاختلاف، فيكون إجماعا.

стр. 876

المذهب الثاني: أنه لا يكون إجماعاً، أي: أن اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة لا يعتبر إجماعاً، ولا تحرم مخالفته، بل يجوز الأخذ بما اتفق عليه التابعون، ويجوز الأخذ بالقول الآخر للصحابة. وهو مذهب بعض الشافعية كإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والصيرفي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إلى اللَّه تعالى عند التنازع. فلو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني: للزم الرد إلى الإجماع، وهو خلاف مقتضى الآية. جوابه: إن وجوب الرد إلى اللَّه تعالى مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل الإجماع زال وجوب الرد إلى اللَّه لزوال شرطه وهو: التنازع، ثم إن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا على هذا الحكم أو ذاك استناداً إلى كتاب اللَّه أو سُنَّة رسوله، أو المفهوم منهما. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". وجه الدلالة: هذا الحديث دلَّ على أن كل واحد من الفريقين حجة، فلو أخذنا بأحد القولين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.

стр. 877

جوابه: إن الخطاب الوارد في الحديث موجه إلى العوام الذين في عصرهم، ولا خلاف في جواز تقليدهم إياهم، وإنما النزاع في أن قول بعضهم هل يكون مانعاً من انعقاد الإجماع بعدهم، بخلاف ما قالوه؛ وما ذكرتموه في دليلكم لا يدل على ذلك. الدليل الثالث: أن اختلاف الصحابة على القولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين فإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع الأول. جوابه: لا نسلم أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان؛ لأن كلًّا من الفريقين لا يجوز الأخذ إلا بقولهم فقط، دون قول الفريق الآخر. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي له أثره وهو واضح، فلو اتفق التابعون أو المتأخرون على أحد قولي الصحابة أو المتقدمين، فإنه على المذهب الأول يكون إجماعا يأثم من خالفه، أما على المذهب الثاني فلا يكون إجماعا، فلا يأثم من خالفه؛ حيث يعتبر ترجيح لأحد القولين فقط. *** المسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم.

стр. 878

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه واقع، والوقوع دليل الجواز: فقد أجمعت الأُمَّة على خلافة أبي بكر ﵁ بعد الخلاف فيها. المذهب الثاني: أنه لا يجوز اتفاق علماء العصر على حكم بعد اختلافهم فيه. وهو مذهب أبي بكر الصيرفي وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن اختلاف الأُمَّة في الحكم إجماع منهم على جواز الأخذ بأي قول كان إذا أدَّى إليه اجتهاد مجتهد، فلو جاز الإجماع بعده امتنع الأخذ بغير ما أجمعوا عليه فيلزم منه: رفع ما أجمعوا عليه أولاً، وهو باطل. جوابه: إن الإجماع الأول كان مشروطا بعدم الاتفاق على واحد، فلما اتفقوا زال شرط الإجماع الأول، فزال الإجماع الأول بزوال شرطه. بيان نوع الخلاف: الخلاف كما هو واضح معنوي؛ حيث إنه لو اتفق العلماء بعد اختلافهم، فإنه يكون إجماعا تحرم مخالفته هذا بناء على المذهب الأول، أما على المذهب الثاني فإنه لا يكون إجماعاً، ولا ينطبق عليه شروط الإجماع، فتجوز مخالفته.

стр. 879

المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ أو تقول: إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم أحداث قول ثالث؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن القول الثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه، فلا يجوز. وإن لم يلزم منه ذلك، فإنه يجوز إحداثه ويُعمل به. مثال الأول: " الجد مع الأخ في الإرث " اختلف في ذلك على قولين: " قيل المال للجد "، و " قيل المال للجد والأخ يتقاسمانه " فالقول بحرمان الجد قول ثالث خارق للإجماع فلا يجوز القول به. مثال الثاني: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة - وهي: الجذام، والجنون، والبرص، والرتق، والعنَّة - اختلف في ذلك على قولين: " قيل: يفسخ بجميعها "، و "قيل: لا يفسخ بشيء منها "، فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولاً، فيجوز ذلك. وهذا مذهب الإمام فخر الدين الرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي، وروي عن الإمام الشافعي، وهو اختيار القرافي، وتاج الدين ابن السبكي. وهو الحق عندي؛ لأن القول الثالث المحدث إذا كان رافعا لما اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفا للإجماع؛ لأن اختلاف الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا تجوز، ولذلك منعنا من إحداثه.

стр. 880

أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعا لما اتفق عليه الأولون، فلا يكون إحداثه مخالفا للإجماع، فلا مانع منه، ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية؛ فالمحذور وهو مخالفة الإجماع لم يقع. المذهب الثاني: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقا. وهو مذهب كثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن اختلافهم على القولين اتفاق منهم على عدم القول الثالث، فلم يجز إحداثه، وإلا لزم مخالفة الإجماع. جوابه: إن القول الثالث المحدث إن لم يرفع القولين، فلا يلزم منه مخالفة الإجماع، وإذا لم يخالف ما اتفق عليه، فلا مانع منه، كما قلنا فيما سبق. الدليل الثاني: لو جاز إحداث القول الثالث: للزم تخطئة الفريقين القائلين للقولين، وهم كل الأُمَّة، فيلزم من ذلك تخطئة كل الأُمَّة، وهو غير جائز. جوابه: إن الممتنع تخطئة كل الأُمَّة فيما اتفقوا عليه على قول واحد، أما ما اختلفوا فيه فغير ممتنع، ونحن لما فصَّلنا في مذهبنا لم نخرج عن القولين السابقين، لذلك لا يعتبر القول الثالث المحدث تخطئة مطلقا. المذهب الثالث: أن إحداث قول ثالث يجوز مطلقا. وهو مذهب بعض الظاهريهّ، وبعض الشيعة.
следующие страницы →