← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المذهب الثاني: أنه لا يكون إجماعاً، أي: أن اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة لا يعتبر إجماعاً، ولا تحرم مخالفته، بل يجوز الأخذ بما اتفق عليه التابعون، ويجوز الأخذ بالقول الآخر للصحابة. وهو مذهب بعض الشافعية كإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والصيرفي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إلى اللَّه تعالى عند التنازع. فلو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني: للزم الرد إلى الإجماع، وهو خلاف مقتضى الآية. جوابه: إن وجوب الرد إلى اللَّه تعالى مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل الإجماع زال وجوب الرد إلى اللَّه لزوال شرطه وهو: التنازع، ثم إن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا على هذا الحكم أو ذاك استناداً إلى كتاب اللَّه أو سُنَّة رسوله، أو المفهوم منهما. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". وجه الدلالة: هذا الحديث دلَّ على أن كل واحد من الفريقين حجة، فلو أخذنا بأحد القولين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.

стр. 877

جوابه: إن الخطاب الوارد في الحديث موجه إلى العوام الذين في عصرهم، ولا خلاف في جواز تقليدهم إياهم، وإنما النزاع في أن قول بعضهم هل يكون مانعاً من انعقاد الإجماع بعدهم، بخلاف ما قالوه؛ وما ذكرتموه في دليلكم لا يدل على ذلك. الدليل الثالث: أن اختلاف الصحابة على القولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين فإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع الأول. جوابه: لا نسلم أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان؛ لأن كلًّا من الفريقين لا يجوز الأخذ إلا بقولهم فقط، دون قول الفريق الآخر. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي له أثره وهو واضح، فلو اتفق التابعون أو المتأخرون على أحد قولي الصحابة أو المتقدمين، فإنه على المذهب الأول يكون إجماعا يأثم من خالفه، أما على المذهب الثاني فلا يكون إجماعا، فلا يأثم من خالفه؛ حيث يعتبر ترجيح لأحد القولين فقط. *** المسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم.

стр. 878

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه واقع، والوقوع دليل الجواز: فقد أجمعت الأُمَّة على خلافة أبي بكر ﵁ بعد الخلاف فيها. المذهب الثاني: أنه لا يجوز اتفاق علماء العصر على حكم بعد اختلافهم فيه. وهو مذهب أبي بكر الصيرفي وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن اختلاف الأُمَّة في الحكم إجماع منهم على جواز الأخذ بأي قول كان إذا أدَّى إليه اجتهاد مجتهد، فلو جاز الإجماع بعده امتنع الأخذ بغير ما أجمعوا عليه فيلزم منه: رفع ما أجمعوا عليه أولاً، وهو باطل. جوابه: إن الإجماع الأول كان مشروطا بعدم الاتفاق على واحد، فلما اتفقوا زال شرط الإجماع الأول، فزال الإجماع الأول بزوال شرطه. بيان نوع الخلاف: الخلاف كما هو واضح معنوي؛ حيث إنه لو اتفق العلماء بعد اختلافهم، فإنه يكون إجماعا تحرم مخالفته هذا بناء على المذهب الأول، أما على المذهب الثاني فإنه لا يكون إجماعاً، ولا ينطبق عليه شروط الإجماع، فتجوز مخالفته.

стр. 879

المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ أو تقول: إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم أحداث قول ثالث؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن القول الثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه، فلا يجوز. وإن لم يلزم منه ذلك، فإنه يجوز إحداثه ويُعمل به. مثال الأول: " الجد مع الأخ في الإرث " اختلف في ذلك على قولين: " قيل المال للجد "، و " قيل المال للجد والأخ يتقاسمانه " فالقول بحرمان الجد قول ثالث خارق للإجماع فلا يجوز القول به. مثال الثاني: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة - وهي: الجذام، والجنون، والبرص، والرتق، والعنَّة - اختلف في ذلك على قولين: " قيل: يفسخ بجميعها "، و "قيل: لا يفسخ بشيء منها "، فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولاً، فيجوز ذلك. وهذا مذهب الإمام فخر الدين الرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي، وروي عن الإمام الشافعي، وهو اختيار القرافي، وتاج الدين ابن السبكي. وهو الحق عندي؛ لأن القول الثالث المحدث إذا كان رافعا لما اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفا للإجماع؛ لأن اختلاف الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا تجوز، ولذلك منعنا من إحداثه.

стр. 880

أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعا لما اتفق عليه الأولون، فلا يكون إحداثه مخالفا للإجماع، فلا مانع منه، ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية؛ فالمحذور وهو مخالفة الإجماع لم يقع. المذهب الثاني: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقا. وهو مذهب كثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن اختلافهم على القولين اتفاق منهم على عدم القول الثالث، فلم يجز إحداثه، وإلا لزم مخالفة الإجماع. جوابه: إن القول الثالث المحدث إن لم يرفع القولين، فلا يلزم منه مخالفة الإجماع، وإذا لم يخالف ما اتفق عليه، فلا مانع منه، كما قلنا فيما سبق. الدليل الثاني: لو جاز إحداث القول الثالث: للزم تخطئة الفريقين القائلين للقولين، وهم كل الأُمَّة، فيلزم من ذلك تخطئة كل الأُمَّة، وهو غير جائز. جوابه: إن الممتنع تخطئة كل الأُمَّة فيما اتفقوا عليه على قول واحد، أما ما اختلفوا فيه فغير ممتنع، ونحن لما فصَّلنا في مذهبنا لم نخرج عن القولين السابقين، لذلك لا يعتبر القول الثالث المحدث تخطئة مطلقا. المذهب الثالث: أن إحداث قول ثالث يجوز مطلقا. وهو مذهب بعض الظاهريهّ، وبعض الشيعة.

стр. 881

دليل هذا المذهب: أن اختلاف الأولين في الحكم دليل على أن المسألة اجتهادية، والمسألة الاجتهادية لا يمنع النظر فيها، حيث لم يوجد فيها إجماع من السابقين، والقول الثالث حدث عن اجتهاد فيجوز. جوابه: إن الذي منعنا من ذلك هو: قول يلزم منه إبطال ما اتفقوا عليه من القولين كما في مسألة: " الجد والأخ "، وما اتفقوا عليه ليس من صور الخلاف، فلا يجوز فيه الاجتهاد، فتسويغ المختلفين للاجتهاد في المسألة مقيد بأن لا يخرج الاجتهاد عن دائرة القولين المتفق عليهما؛ لأن ما خرج عنهما باطل. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، وهو ظاهر من الأمثلة السابقة: فمن أحدث قولاً ثالثاً، فإنه على المذهب الأول يجوز الأخذ به بشرط: أن لا يلزم منه رفع القولين، فإن لزم منه رفع القولين، فلا يجوز الأخذ به والعمل به. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز أخذ القول الثالث والعمل به مطلقاً، سواء رفع القولين أم لا. أما على المذهب الثالث: فإنه يجوز أخذ القول الثالث والعمل به مطلقا، سواء كان رافعا للقولين أم لا. * * *

стр. 882

المسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا تأويلاً ولم يصرحوا بشيء، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر بشرط: أن لا يلزم من هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا عليه. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: القياس على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها أو أُولت، كذلك هنا يجوز إحداث دليل أو تأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في إجماع قد سبق. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعاً. المذهب الثاني: أنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر مطلقاً. ذهب إلى ذلك بعض العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .

стр. 883

وجه الدلالة: أن لفظ " المعروف " عرف بـ " أل " المستغرفة للجنس، أي: يأمرون بكل معروف، ولو كان الدليل أو التأويل الثاني معروفا لأمروا به، وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكراً. جوابه: إن الآية مشتركة؛ حيث إن قوله: (وتنهون عن المنكر) يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق، ولو كان الدليل أو التأويل الثاني منكراً لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون منكراً. الدليل الثاني: قوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على الخطأ ". وجه الدلالة: أن علماء الأُمَّة إذا ذهبوا عن الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ، ولو كان دليلاً أو تأويلاً صحيحا لكان الذهاب خطأ، وهو محال. جوابه: إن ذهاب علماء الأُمَّة عن الدليل أو التأويل الثاني مع صحته، إنما يكون خطأ أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم الأول. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن اتفاق علماء الأُمَّة على الحكم يُسمى إجماعا عند أصحاب المذهبين، لكن أصحاب المذهب الأول استندوا على دليل واحد، أما أصحاب المذهب الثاني فقد جعلوا الإجماع هذا مستنداً إلى دليلين، أو تأويلين.

стр. 884

المسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين، فهل لمن بعدهم التفريق بينهما؟ اختلفت في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: التفصيل. إن كان علماء العصر قد نصوا على عدم الفرق بين المسألتين فهنا لا تجوز مخالفتهم، لأنهم أجمعوا على عدم الفرق، فالقائل بالفرق مخالف لذلك الإجماع، وهو حرام. أما إن كان علماء العصر لم ينصوا على عدم الفرق، فلا يخلو من حالتين: الأولى: إن علمنا اتحاد المسألتين في الجامع كتوريث العمة والخالة؛ حيث إن العلماء اتفقوا على أنه لا فرق بينهما في التوريث وعدمه بجامع كونهما من ذوي الأرحام: ففي هذه الحالة لا يجوز الفصل والتفريق بينهما؛ لأنه يلزم من التفريق بينهما رفع مجمع عليه. الثانية: إن لم نعلم اتحاد المسألتين في الجامع، فإنه يجوز الفصل بينهما؛ لأنه لايلزم من ذلك رفع شيء مجمع عليه. ولو لم يجز - لمن بعدهم الفصل بين المسألتين في هذه الحالة - لوجب على من وافق مجتهدأ في حكم الدليل: أن يوافقه في جميع الأحكام، وهو باطل بالاتفاق؛ حيث إن من وافق الإمام أحمد، أو الشافعي - مثلاً - في مسألة لا تجب عليه موافقته في جميع المسائل. وهذا المذهب هو اختيار كثير من العلماء منهم: أبو الوليد

стр. 885

الباجي، والباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، والإمام فخر الدين الرازي، وأبو الحسين البصري، وأبو الخطاب، وكثير من الحنابلة. وهذا هو الحق عندي؛ لما سبق من الدليل والتعليل. المذهب الثاني: لا يجوز التفريق بينهما مطلقاً. وهو مذهب القاضي عبد الجبار، وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الأوَّلين اتفقوا على اتحادهما في الحكم، فلو قلنا بجواز التفريق بينهما: لزم مخالفة الإجماع، وهذا باطل. جوابه: إن عنيتم بقولكم: " اتحادهما ": أن العلماء نصُّوا على ذلك الاتحاد، فنحن معكم في أنه لا تجوز المخالفة في تلك الحالة. وإن عنيتم: أن فتواهم وافق في المسألتين من غير تعرض لشيء آخر: فلا نسلم أن لا تجوز مخالفتهم، وهو محل النزاع. المذهب الثالث: أنه يجوز التفريق بينهما مطلقا. وهو مذهب أبي الطيب الطبري وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الإمام الثوري وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، قال: الجماع ناسيا يفطر، والأكل ناسياً لا يفطر، مع أن علماء الأُمَّة الذين قبله لم يفصلوا بينهما؛ لأنه قد جمعتهما طريقة واحدة. جوابه: إن هذا موافق لما قلناه - فيما سبق - في مذهبنا الأول، وهو

стр. 886

التفصيل، لأن الأُمَّة - هنا - لم ينصوا على عدم الفرق بين المسألتين ولم تتحد المسألتان بجامع معين، فجاز للثوري الفصل بينهما. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأنه بناء على المذهب الثاني يعتبر عدم التفريق بين المسألتين إجماعاً لا تجوز مخالفته، فلا يجوز التفريق بينهما. أما على المذهب الثالث: فإن عدم التفريق بين المسألتين لا يعتبر إجماعاً وعليه فيجوز التفريق، ويقبل الاجتهاد كغيره من المسائل الاجتهادية. أما على المذهب الأول: ففيه التفصيل الذي قلناه. المسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء الأمة على عدم العلم به؟ فيه تفصيل: أولاً: إن كان عمل علماء الأمَّة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو الدليل، ففيه مذهبان: المذهب الأول: أنه يجوز ذلك، وهو مذهب بعض العلماء. وهو الصحيح " لأن علماء الأُمَّة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون خطأ، لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل أو الخبر ليعلم.

стр. 887

المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن علماء الأُمَّة لو اشتركوا في عدم العلم به: لكان ذلك سبيلاً لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه وعدم تحصيل العلم به؛ لقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) . جوابه: إن عدم العلم لا يكون سبيلاً للمؤمنين؛ لأن السبيل: الذي يختاره الإنسان من قول أو فعل، وعدم علمهم لم يختاروه، فلا يكون سبيلاً لهم. بيان نوع الخلاف: يفهم من الخلاف هنا أنه لفظي؛ لأن العمل لا يختلف سواء علم بالدليل أو الخبر، أو لم يعلم بهما. ثانياً: أما إن كان عمل علماء الأُمَّة على خلاف الخبر أو الدليل، فهذا محال بالاتفاق؛ لأنه يلزم منه إجماع الأُمَّة على الخطأ، - وهذا مخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر. المسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولاً وسكت الباقون، أو أعلن بعض المجتهدين قولاً وسكت بقية أهل العصر من المجتهدين سكوتا لا يستدل منه على رضا ولا على سخط، فهل هذا يعتبر إجماعاً أو لا؟ " الإجماع السكوتي ": لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها ثلاثة: المذهب الأول: أنه يعتبر إجماعا وحُجَّة.

стр. 888

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد منهم على رأيه بصراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛ لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه؛ ل قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعاً وحُجَّة. الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن المجتهدين من التابعين إذا حدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكماً لها في نص، ووجدوا قولا فيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر، وسكت بقية الصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يجوزون العدول عن ذلك القول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه. الدليل الثالث: قياس المسائل الاجتهادية على المسائل الاعتقادية، بيان ذلك: أنه قد ثبت أن العلماء قد أجمعوا على أن السكوت معتبر في المسائل الاعتقادية، أي: سكوت الساكت في العقيدة يدل على رضاه؛ لأنه لا يحل السكوت فيها على باطل، فيقاس عليها المسائل الاجتهادية، والجامع: أن الحق واحد، فلا يحل له السكوت في الأمور الاجتهادية إذا كان عنده بخلاف ما أعلن؛ لأن الساكت - عن الحق شيطان أخرس؛ لأن الحكم لو كان عنده بخلافه: لكان سكوته تركاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا بخلاف ما شهد اللَّه به لهذه الأمَّة من أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،

стр. 889

فلو تصور منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأدَّى ذلك إلى الخلف في كلامه ، وهو محال، فوجب أن نحمل سكوت الساكت على أنه موافق لما أعلنه ذلك المجتهد، وهو الذي تدل عليه عدالته. المذهب الثاني: أن ذلك ليس بإجماع ولا حُجَّة. وهو مذهب داود الظاهري، وابنه محمد، وابن حزم، والمرتضى، وينسب إلى القاضي الباقلاني وعزاه للشافعي، وممن نسبه إلى الإمام الشافعي أيضاً كثير من الشافعية كالآمدي، وفخر الدين الرازي، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي، واختاره الغزالي في " المستصفى "، والرازي في " المحصول "، والبيضاوي في " المنهاج "، وغيرهم. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت لكونه راضيا بالحكم الذي أعلنه ذلك المجتهد. ويحتمل أنه سكت، لأنه لم يجتهد في المسألة الحادثة، بل تركها. ويحتمل أنه اجتهد فيها، ولكنه سكت؛ لأنه لم يتوصل إلى حكم معين فيها. ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم معين مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه لم يظهره، تقية ومخافة. ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا.

стр. 890

ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت، لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب. ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت، لأنه يرى أن قول ذلك المجتهد جائزاً، وإن لم يكن هو موافقاً عليه، بل كان يعتقد خطأه. وإذا كان السكوت يحتمل هذه الاحتمالات، فلا يدل السكوت على الرضا لا قطعاً، ولا ظاهراً، وهو معنى قول الإمام الشافعي ﵀: " لا ينسب لساكت قول "، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون سوتهم مع انتشار قول المجتهد المعلن له إجماعاً ولا حُجَّة. جوابه: إنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد الآخر رأيه مدة يستطيع من خلالها التفكر في المسألة، فإن سكوته يدل على رضاه بذلك الرأي المعلن، فيكون إجماعاً وحُجَّة. أما الاحتمالات التي ذكرتموها فلا نسلمها، وإليك بيان ذلك: أما الاحتمال الأول - وهو أنه سكت لعدم اجتهاده في المسألة - فلا يقبل ولا يجوز؛ لأمرين: أولهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة خلاف عادة العلماء عند نزول الحوادث. ثانيهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة يؤدي إلى خلو العصر من حُجَّة اللَّه - تعالى -، لأنا إذا جوزنا أن يكون المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ، والمجتهد الساكت لم يجتهد فقد خلا العصر من حُجَّة، وقد قال ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرد عليّ ".

стр. 891

أما الاحتمال الثاني - وهو: أنه اجتهد، ولكن لم يتوصل فيها إلى حكم -. فهذا بعيد؛ لأمرين هما: الأمر الأول: أنه يبعد عدم وصول المجتهد إلى حكم معين في تلك الحادثة مع توفر الدواعي للاجتهاد، وظهور الدلائل. الأمر الثاني: أن احتمال عدم وصول المجتهد إلى حكم معين يؤدي إلى خلو العصر عن القائم بحُجَة اللَّه تعالى؛ لأنا إذا فرضنا أن يكون المجتهد المعلن لمذهبه قد أخطأ فيه، والجتهد الساكت لم يصلِ إلى حكم معين فيها، فإنه يخلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته. أما الاحتمال الثالث - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم يظهره تقية - فهو بعيد؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه عرف من عادة المجتهدين الذين يفعلون مثل ذلك أن يظهر قوله ورأيه عند ثقاته وخاصته، ثم بعد مدة قصيرة ينتشر القول ويعرف. الأمر الثاني: أنه إذا سكت حتى ينقرض العصر، فإما أن يموت من يتقيه، أو يموت هو قبل من يتقيه. فإن مات من يتقيه قبل الساكت، فيجب - حينئذ - على الساكت أن يظهر قوله ورأيه، كما قال ابن عباس - حين توفي عمر -: إن المال لا يعول "، فقيل له: لِمَ لم تقل ذلك في زمن عمر؛ فقال: "هبته ". وإن مات الساكت قبل من يتقيه فينعقد الإجماع.

стр. 892

أما الاحتمال الرابع - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم يظهره لعارض - فهو بعيد - أيضاً -؛ لأمرين: الأمر الأول: أن هذا خلاف الظاهر من عادة العلماء وأهل الحق. الأمر الثاني: أن سكوت المجتهد من أجل عارض غير معروف: يؤدي إلى خلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته؛ لأن هذا المجتهد إذا سكت، وذاك المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ في رأيه، فإنه يخلو العصر من حُجَّة. أما الاحتمال الخامس - وهو: أنه سكت؛ لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب -. والاحتمال السادس - وهو: أنه سكت؛ لأنه لا يرى الإنكار في المجتهدات - فهما بعيدان - أيضا -؛ لأمرين: الأمر الأول: أن من عادة من يعتقد أن كل مجتهد مصيب يأخذ بمذهب، ويخالف غيره فيه، ويناظر غيره، ويبين أن مذهبه هو الصحيح بخلاف مذهب غيره. الأمر الثاني: أن هذا لم يقع ولم يوجد في عصر الصحابة، ولم ينقل إلينا أن واحداً من الصحابة سكت عن الإنكار لهذين الفرضين، حيث إن الصحابة ﵃ ومن سار على نهجهم من العلماء الذين سلكوا طريق النصح، وتركوا الغش كانوا ينكر بعضهم على بعض، ويتناظرون، ويتجادلون لتحقيق الحق، وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسألة " الجد والإخوة " حتى أن ابن عباس ﵁ قال: " ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، وقال معاذ لعمر - حين عزم على جلد الحامل -: " إن جعل اللَّه لك على ظهرها سبيلاً، فما جعل الله

стр. 893

لك على ما في بطنها سبيلاً "، ومناقشاتهم في مسألة: " العول "، و" التحريم "، و " دية الجنين "، وغيرها لا تخفى على أحد، فكل هذا يدل دلالة واضحة على أن المجتهد لا يسكت عن شيء هو يعلم خلافه، بل. يبين رأيه فيها دون إلزام. فإذا كانت تلك الاحتمالات للسكوت بعيدة: فإن احتمال: أنه سكت لموافقته ورضاه للقول المعلن هو الأقرب للصواب، فيكون ذلك إجماعا، وإذا كان إجماعاً فهو حُجَّة. الدليل الثاني: أنه لما قال ذو اليدين للنبي ﷺ : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عن الجميع - وقال: " أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟ ". وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلاً على الموافقة لاكتفى به رسول اللَّه ﷺ ، ولما طلب من أبي بكر وعمر بيان ذلك بالنطق من غير حاجة، فدل ذلك على أن السكوت لا يدل على رضا الساكت، فلا يكون إجماعاً ولا حُجَّة. جوابه: إن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إنما سكتوا اكتفاء منهم بكلام ذي اليدين؛ نظراً لكونهم مثله في عدم علمهم أيهما الذي وقع أهو قصر الصلاة، أو النسيان؛، فلما نفى رسول اللَّه ﷺ ذلك بقوله: " كل ذلك لم يكن "، وطلب منهما الجواب: كان لهم الكلام. المذهب الثالث: أنه حُجَّة، وليس بإجماع. وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، وصححه الصيرفي، واختاره الآمدي، وهو أحد القولين عن الإمام الشافعي. -

стр. 894

دليل هذا المذهب: أن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة فيكون قول ذلك المجتهد المعلن مع سكوت الباقي من المجتهدين عن الإنكار - مع قدرتهم على ذلك - حُجَّة يجب العمل به كخبر الواحد والقياس. وإنما لم نقل إنه إجماع، لأن سكوت الباقي من المجتهدين يحتمل تلك الاحتمالات الستة السابقة الذكر فأثرت على وصوله إلى درجة الإجماع. جوابه: إن هناك قاعدة وهي: " أن كل احتمال لا يُعضد بدليل صحيح فلا يُعتبر "، والاحتمالات الستة السابقة الذكر قد بينا بُعْدَها، وعدم صحتها، فثبت من إبطالها: أن سكوتهم يدل على رضاهم بالقول الذي أعلنه ذلك المجتهد - لا سيَّما وأنه لا مانع من إعلان مخالفتهم - وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك إجماعاً وحُجَّة. تنبيه: هناك مذهب رابع وهو: التفصيل بين الفتوى والحكم: فإن كان السكوت إثر فتوى مجتهد - فقط -: فهو إجماع؛ لعدم سلطته، وإن كان السكوت إثر حكم حاكم فليس بإجماع. وهناك مذهب خامس وهو: عكس الرابع. وهناك مذهب سادس، وهو: التفصيل بين ما يفوت استدراكه، وبين ما لا يفوت: فإن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو استباحة فرج: كان سكوت الساكتين إجماعا، وإن وقع في غير ذلك: كان سكوتهم حُجَّة فقط.

стр. 895

الجواب عن ذلك: إن هذا التفريق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به " وذلك لما قلناه فيما سبق. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في كثير من الفروع الفقهية، حيث إنه لو أعلن مجتهد رأيه في مسألة معينة، ثم سكت بقية المجتهدين - بدون عذر - ومضى وقت يمكنهم فيه النظر في المسألة، فإن هذا يدل على أنهم موافقون على ذلك الرأي المعلن، فيكون إجماعاً تحرم مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد في تلك المسألة بعد ذلك، حيث إن ذلك الرأي يكون ملزماً للجميع، هذا بناء على المذهب الأول. أما على المذهب الثاني، فتجوز مخالفة ذلك الرأي المعلن؛ لأنه اجتهاد فرد أو جماعة لم يجمع عليه، ويجوز الاجتهاد في تلك المسألة، لأنه رأي غير ملزم لأحد من المجتهدين. أما على المذهب الثالث فهو حُجَّة يُقدَّم على غيره من الأدلة إذا عارضه، ولكنه غير ملزم، فإن وجد دليل أقوى منه: قدم عليه؛ قياساً على الاحتجاج بخبر الواحد والقياس. المسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة، فهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل؛ وهي " الأخذ بأقل ما قيل ": لقد اختلف في ذلك على مذهبين:

стр. 896

المذهب الأول: أنه لا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكا بالإجماع. مثل اختلاف العلماء في دية الكتابي على ثلاثة أقوال هي: ١ - " أن ديته مثل دية المسلم ". ٢ - أن ديته نصف دية المسلم. ٣ - أن ديته ثلث دية المسلم، وهو مذهب الإمام الشافعي. فظن بعض الفقهاء أن الإمام الشافعي قال ذلك متمسكا في ذلك بإجماع الأقوال الثلاثة عليه. وهذا ليس بصحيح، أي: لا يصح أن يتمسك في إثبات أقل ما قيل بالإجماع. هذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن أقل ما قيل - وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين: أولهما: إثبات الثلث، وثانيهما: نفي الزيادة. أما الأول - وهو إثبات الثلث - فهو مجمع عليه. وأما الثاني - وهو نفي الزيادة - فهو مختلف فيه؛ حيث إن أصحاب القولين: الأول والثاني قد زادوا دية الكتابي على الثلث، وأصحاب القول الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف، وبناء على هذا لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قال بعض العلماء: إنه الاستصحاب والبراءة الأصلية. المذهب الثاني: أنه يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: أن الآخذ بأقل ما قيل متمسك بالإجماع.

стр. 897

وهو اختيار بعض الفقهاء. دليل ذلك: إن دية الكتابي إما مثل دية المسلم، أو نصفه، أو ثلثه بالإجماع، والكامل والنصف مشتمل على الئلث، فالقول بالثلث ثابت بالإجماع. جوابه: أنا معكم أن الثلث مجمع عليه، ولكن نفي الزيادة على الثلث لم يكن مجمعا عليه، فالمجموع - من إثبات الثلث، ونفي الزيادة - لم يكن مجمعا عليه فلا تصح دعوى الإجماع. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إن التمسك بأقل ما قيل قد انبنى عليه خلاف في بعض الفروع الفقهية ومنها دية الكتابي، جيث إن الإمام الشافعي لما قال: إن دية الكتابي: ثلث دية المسلم قد تمسك بالأخذ بأقل ما قيل، وهو المجمع عليه بين الأقوال الثلاثة السابقة الذكر في دية الكتابي. وكذلك فعل في دية المجوسي.

стр. 898

المطلب السابع في الإجماعات الخاصة ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو حُجَّة؟ المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟ المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟ المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟

стр. 899

المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو إجماع وحُجَّة؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن اتفاق الخلفاء الأربعة - وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - لا يعتبر إجماعا ولا حُجَّة. وهو مذهب كثير من العلماء، ونسب إلى الجمهور، وهو الحق؛ لأن الخلفاء الأربعة بعض الأُمَّة، والأدلة التي ذكرناها من الكتاب والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأُمَّة كلها، لا بعضها، فلا تتناول تلك الأدلة الخلفاء الأربعة؛ لأنهم بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، وبناء على ذلك يكون اتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع يُحتج به على من خالفهم. المذهب الثاني: أن اتفاق الخلفاء الأربعة يعتبر إجماعا يحتج به على من خالفهم. وهو مذهب أبي خازم من الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ". وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد أوجب اتباع سُنَّتهم، كما أوجب اتباع سُنَّته، ومعروف أن المخالف لسُنَّته ﵇ لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسُنَّتهم لا يعتد بقوله، وبناء على ذلك: يكون قولهم إجماعاً لا تجوز مخالفته. ولذلك ردَّ القاضي أبو خازم مذهب زيد بن ثابت وهو: عدم

стр. 900

توريث ذوي الأرحام، وقال: إن ذوي الأرحام أَوْلى من بيت المال - وذلك في عهد الخليفة المعتضد بالله المتوفى عام ٢٨٩ هـ - فلما قيل: إن هذه المسألة اختلف فيها الصحابة قال: لا أعد خلاف زيد خلافا على الخلفاء الأربعة. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أن الحديث عام في كل الخلفاء الراشدين، ولا دلالة فيه على الحصر في الخلفاء الأربعة. الجواب الثاني: على فرض أنه يدل على الحصر في الخلفاء الأربعة، فإنه معارض بحديث آخر وهو: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحد الخبرين أوْلى من الآخر. الجواب الثالث: أن هذا الحديث المستدل به لا يدل بصراحة على أن اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع وحُجَّة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد: أن إجماع الخلفاء حُجَّة إذا لم يظهر خلاف ما قالوه في بقية الصحابة، وهذا لا يخالف فيه أحد؛ لأنه إجماع كل الصحابة. ويحتمل أن يكون المراد به: الفتيا، وخصهم بالذكر لكونهم أعلم من غيرهم في وقتهم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. ثم إن الإمامة والخلافة لا تأثير لها في الإجماع، وإنما التأثير للاجتهاد والعلم، وغير الخلفاء في الاجتهاد مثلهم ولا فرق.

стр. 901

بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إنه إذا وجد حكم قد اتفق عليه الخلفاء الأربعة فقط، فإنه لا يكون إجماعا بناء على المذهب الأول، وبالتالي تجوز مخالفته، وتكون المسألة قابلة لاجتهاد المجتهدين. أما على المذهب الثاني فإنه يكون إجماعا، فتحرم مخالفته من قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم، لذلك لم يأخذ القاضي أبو خازم برأي زيد في عدم توريث ذوي الأرحام؛ لأنه خالف رأي الخلفاء الأربعة. *** المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن إجماعهما لا يعتبر حُجَّة. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما قلناه سابقا وهو: أن النصوص من الكتاب والسُّنَّة تدل على حجية قول جميع الأُمَّة، وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، فلا ينعقد الإجماع بهم. المذهب الثاني: أن إجماعهما يعتبر حُجَّة. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر ". جوابه: يجاب عنه بجوابين:

стр. 902

الجواب الأول: أن الحديث لا يدل إلا على أن أبا بكر وعمر قد توفر فيهما أهلية الاجتهاد مما يوجب اتباع المقلدين لهم، ولا يدل على أن إجماعهما حُجَّة. الجواب الثاني: أنه معارض بحديث آخر وهو: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحدهما أوْلى من العمل بالآخر. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، وهو مماثل لما قلناه في المسألة السابقة، حيث إنه لو وجد أن أبا بكر وعمر قد اتفقا على حكم معين، لنإنه تجوز مخالفته عند أصحات المذهب الأول؛ وتكون المسألة عندهم اجتهادية. أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن اتفاقهما يكون إجماعا وحُجة لا تجوز مخالفته من قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم. *** المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن إجماعهم وحدهم لا يكون حُجَّة على من خالفهم. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرنا في المسألتين السابقتين وهو: أن أهل المدينة بعض الأُمَّة والأدلة التي ذكرناها من الكتاب والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت لجميع الأُمَّة، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الإدلة أهل المدينة؛ لأنهم بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، وعليه: فلا يكون اتفاق أهل المدينة حُجَّة.

стр. 903

المذهب الثاني: أن إجماع أهل المدينة حُجَّة. وهو مذهب الإمام مالك وجل أصحابه. دليل هذا المذهب: أن المدينة المنورة هي معدن العلم، ودار الهجرة، ومهبط الوحي، ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة وأولادهم، ويوصف أهلها بأنهم شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول ﷺ من غيرهم، فيستحيل - والأمر كذلك - اتفاق أهلها على خلاف الحق، أي: يجب أن لا يخرج الحق عن قول أهلها. جوابه: يجاب عن ذلك بأجوبة: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن أهل المدينة أعلم من غيرهم "؛ لأن كثيراً ممن خرج من المدينة وسكن غيرها كان أعلم ممن بقي فيها، أو مثلهم كعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس -، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وغيرهم مما بلغ ثلاثمائة ونيف انتقلوا إلى الكوفة، والبصرة، والشام، والطائف، فكيف يعتبر إجماعا من أهل المدينة إذا خالف هؤلاء الذين خرجوا وهم أكثر علماء الصحابة، فكان لا ينعقد الإجماع بدون هؤلاء لما كانوا من سكان المدينة، فكيف ينعقد الإجماع بدونهم لما خرجوا منها، فالحُجة لا تختلف بالمكان والزمان كقول اللَّه تعالى، وكقول رسوله. الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن الحق يستحيل أن يخرج عنهم؛ لأن هذا القول تحكم لا دليل عليه؛ حيث إنه لا يستحيل

стр. 904

أن يسمع رجل حديثاً من النبي ﷺ ، ثم يسافر ويترك المدينة، قبل أن يعلم أحد من أهل المدينة بهذا الحديث، فهنا أمكن خروج الحق عنهم. الجواب الثالث: أن اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها لا يدل على أن إجماع أهلها حُجَّة على غيرهم؛ لأن مكة أفضل منها ومع فضلها لم يقل أحد بأن إجماع أهلها حُجَّة على مخالفيهم. وسبب ذلك: أن البقاع لا أثر لها في انعقاد الإجماع، وإنما الاعتبار في بلوغ هذا الشخص أو ذاك درجة الاجتهاد في أي زمان وأي مكان. تنبيه: اختلفت عبارات العلماء في ترجمة هذه المسألة، فمنهم من ترجمها بما ذكرنا، ومنهم من ترجمها بقوله: " عمل أهل المدينة"، ومنهم من عبَّر عنها بقوله: " قول أهل المدينة "، واختلف في مراد الإمام مالك، وبعضهم دافع عن الإمام مالك، وبعضهم أقر هذا القول له، وقد تكلمت عن بعض هذه الأمور في كتابي "إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، وبعضها موسع في كتب كثيرة، وتحقيق ذلك ليس هذا مكانه. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني إذا وجدوا أهل المدينة قد اتفقوا على شيء، فإنهم يجعلون ذلك حُجَّة، ويعملون به ويتركون ما عداه ممن خالفه، فبنى الإمام مالك على ذلك فروعا منها: قوله في الحامل إذا رأت الدم فإنها تترك الصلاة، وذلك لأن الحامل تحيض، وحجته في ذلك إجماع أهل المدينة. وهذا مخالف

стр. 905

لرأي الحنفية والحنابلة، وذلك لأن الحامل عندهم لا تحيض، فإذا رأت الحامل دماً، فإنه دم استحاضة، لا يجوز ترك الصلاة لأجله. ومنها: أن رأي الإمام مالك أن البكر يزوجها أبوها من غير استئمار، واحتج بما كان عليه العمل في المدينة، وعلى ذلك الإمام الشافعي وأحمد، ولكن دليلهما ليس عمل أهل المدينة كما هو عند الإمام مالك، أما أبو حنيفة وأكثر الحنفية، فإنهم يذهبون إلى وجوب الاستئمار، وأنه شرط في صحة النكاح وهو الذي تميل إليه النفس. *** المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن إجماعهم ليس بحُجَّة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرناه في المسائل الثلاث السابقة من أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة لا تدل إلا على حجية قول جميع الأُمَّة، وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين فلا ينعقد الإجماع بهم. المذهب الثاني: أن إجماعهم حُجَّة. وهو ما ذهب إليه الشيعة الإمامية والزيدية، ويقصدون بأهل البيت والعترة: عليّ بن أبي طالب وولديه: الحسن والحسين، وزوجته فاطمة - رضي اللَّه عن الجميع -. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)

стр. 906

وجه الدلالة: أن الخطأ رجس، والرجس منفي عنهم، فيجب أن يكون أهل البيت مطهرين عنه، وإذا كان أهل البيت مطهرين عن الخطأ فيكون إجماعهم حُجَّة. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد: الخطأ الاجتهادي؛ لأن الرجس لغة: القذر والعقاب والغضب، والخطأ الاجتهادي ليس منها. الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بهؤلاء الأربعة - وهم: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين - حيث إنه يحتمل احتمالاً قوياً أن المراد بأهل البيت هم زوجات الرسول ﷺ ، كما يدل على ذلك سياق الآية، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ". وجه الدلالة: أن القرآن معصوم، وكذلك العترة: أهل البيت. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يعمل به عند الشيعة. الجواب الثاني: وعلى فرض جواز العمل به، فإن المراد منه: ما إن تمسكتم بإفاء حقوقهما، وحق القرآن الإيمان به والعمل بمقتضاه، وحق العترة تعظيمهم وصلتهم.

стр. 907

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، وهو واضح كما سبق أن قلنا في المسائل الثلاث السابقة؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني قد بنوا على إجماع أهل البيت فروعاً كثيرة، فإذا وجدوا اتفاق أهل البيت على حكم شرعي، فإنه يكون حُجَّة، ولا تجوز مخالفته بأي حال. أما عندنا - وأصحاب المذهب الأول - فإنه لا يعتبر إجماعا ولا حُجَّة لذلك تجوز مخالفته، وتكون المسألة اجتهادية.

стр. 908

المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المتفق علها إجمالاًَ - وهو: القياس وهو: إثبات مثل حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في علَّة الحكم عند المثبت كقياس النبيذ على الخمر، وقياس الأرز والذرة على البر في تحريم الربا، وسيأتي ذكره بالتفصيل في الباب الخامس؛ لأن مرتبته بعد الكتاب والسُّنَّة ودلالة ألفاظهما على الأحكام، لذلك قدمت عليه الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام الشرعية. ولكني أشرت إليه هنا؛ لأنه من الأدلة المتفق عليها إجمالاً. هذا آخر المجلد الثاني من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه المقارن " لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله، ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثالث إن شاء الله وأوله " الأدلة المختلف فيها " وهو الفصل الثاني من الباب الثالث

стр. 909

الجزء الثالث الفصل الثاني في الأدلة المختلف فيها ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في الدليل الأول وهو: الاستصحاب. المبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: شرع من قبلنا. المبحث الثالث: في الدليل الثالث وهو: قول الصحابي. المبحث الر ابع: في الدليل الرابع وهو: الاستحسان. المبحث الخامس: في الدليل الخامس وهو: المصلحة المرسلة. المبحث السادس: في الدليل السادس وهو: سد الذرائع. المبحث السابع: في الدليل السابع وهو: العرف. المبحث الثامن: في الدليل الثامن وهو: الاستقراء.

стр. 910

المبحث الأول في الدليل الأول - من الأدلة - المختلف فيها - الاستصحاب - تعريفه: الاستصحاب لغة: استفعال من الصحبة، وهي الملازمة، وكل شيء لازم شيئاً فقد استصحبه. والاستصحاب اصطلاحاً هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير. أو تقول - بعبارة أخرى -: إنه استدامة إثبات ما كان ثابتا، أو نفي ما كان منفياً حتى يقوم دليل على تغيير الحالة، أي: بقاء ما كان على ما كان نفياً وإثباتاً حتى يثبت دليل يغير الحالة. *** أنواعه: الاستصحاب يتنوع إلى خمسة أنواع هي كما يلي: النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية. وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم يقم دليل: بقى ما كان على ما كان، وهو أن كل شيء مباح

стр. 911

للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن ذكرناه في "المباح "، ويسميه بعضهم: " عدم الدليل دليل على البراءة ". ومن أمثلته من الشرع: أن لا ينتقض الوضوء بشيء يخرج من غير السبيلين؛ لأن الأصل عدم النقض، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل خلافه، ولم يثبت، فيبقى على الأصل من عدم - النقض. مثال آخر: أن الوتر ليس بواجب، لأن طريق وجوبه الشرع، وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب. النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه كالحل إن ثبت مرتبطاً بأمر ثابت، فإن ذلك يستمر حتى يقوم دليل يُغيِّر ذلك كاستصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منها أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت خلافه وهو الحدث. ومثل: الكفالة، فإنه وصف شرعي يستمر ثابتا حتى يؤدي الدين، أو يؤديه الأصيل، أو يبرئه المدين. ومثل الحياة بالنسبة للمفقود، فإنها تستمر ثابتة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره. مثل: انشغال الذمة بدفع قيمة الشيء المتلف وضمانه عند وجود سببه - وهو الإتلاف - فإن هذه الذمة تكون مشغولة ويستمر ذلك حتى يوجد ما يزيله، وهو: دفع قيمة المتلف، أو إسقاطه من قِبَل المالك.

стр. 912

مثال آخر: إن ملك الإنسان لأرض - بسبب عقد الشراء - يستمر حتى يوجد ما يزيله. النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه. النوع الخامس: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وهو: أن يجمع العلماء على حكم في حالة ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثاله: أنه انعقد الإجماع على صحة صلاة المتيمم الفاقد للماء، فإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وبذلك لا تصح صلاته. لكن إذا لم يجد الماء قبل الدخول في الصلاة، ثم تيمم، ودخل في الصلاة، فهل تصح صلاته استصحابا للأصل وهو: فقد الماء قبل الدخول في الصلاة، أم لا تصح الصلاة لتغير الحال الذي كان من فقد الماء قبل الدخول في الصلاة إلى وجوده أثناء صلاته؟ لقد اختلف في هذا النوع على قولين: القول الأول: أن هذا النوع من الاستصحاب ليس بحُجَّة. وهو مذهب كثير من العلماء، منهم: الغزالي، والقاضي الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن عقيل، وأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم. وهو الحق، لأن الإجماع كان قائما حالة فقد الماء على صحة

стр. 913

الصلاة بالتيمم، لكن بشرط ألا تتغير حالة فقدان الماء بحالة وجود هذا الماء؛ لأن الحالة التي أجمعوا عليها تخالف الحالة الأخرى وليست مثلها، فالحالة التي انعقد عليها الإجماع كانت حالة عدم وجود، وهذه حالة وجود فاختلفا. القول الثاني: أن هذا النوع من الاستصحاب حُجَّة. وهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي، وأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي الحسين القطان. دليل هذا القول: أن المتيمم إذا رأى الماء أثناء الصلاة، فإنه يمضي في الصلاة؛ لأن الإجماع قد انعقد على صحة صلاته ودوامها بذلك التيمم، فطريان وجود الماء كطريان هبوب ريح، فنحن نستصحب دوام الصلاة المجمع عليه إلى أن يثبت دليل يزيلنا عن هذا المستصحب. جوابه: إن هذا مخالف لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما كان حتى يأتي دليل يغير الحالة. فالمجمع عليه هو: صحة الصلاة بالتيمم إذا استمر عدم وجود الماء من أول الصلاة إلى آخرها ولم يوجد مغير. ولكن هنا قد وجد شيء مزيل لهذا وهو وجود الماء، وعلى هذا: فلا يبقى ما كان على ما كان، بل تغير من العدم إلى الوجود. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، فعلى المذهب الأول يجب قطع الصلاة، وإعادتها بعد الوضوء بالماء الذي رآه.

стр. 914

أما على المذهب الثاني: فلا يجب قطع الصلاة، بل تجزئه وإن وجد الماء. *** حجية الاستصحاب: لقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء في كتب الأصول والفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما يخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه. أما النوع الخامس - وهو: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع - فقد اختلف فيه وقد سبق. أما ما عدا ذلك من أنواع الاستصحاب فقد اختلف فيه على مذاهب: المذهب الأول: أن الاستصحاب حُجَّة في ثبوت الأحكام وعدمها. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن استصحاب الحال يفيد ظن بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به. الدليل الثاني: أن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في خصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، وليس هناك من فرق بينهما، إلا أنْ الأول قد استصحب فيه الحالةْ الموجودة قبل الشك - وهي عدم الزوجية وحصول العقد -. أما الثاني، فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - أيضا -

стр. 915

وهي العقد عليها، فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، ولوجب أن يكون الحكم فيهما واحداً، وهو: حرمة الوطء أو إباحته وهو باطل بالإجماع. الدليل الثالث: أن الحكم حين ثبت شرعا، فالظاهر دوامه لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية، ولا تتغير المصلحة في زمان قريب، وإنما تحتمل التغيير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل المزيل ولم يظفر به، فالظاهر عدمه، وهذا نوع اجتهاد، وإذا كان البقاء ثابتاً بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله بلا ترجيح. المذهب الثاني: أنه ليس بحُجَّة مطلقاً، لا في ثبوت الأحكام ولا عدمها. وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين، والمشهور من الحنفية: أنه ليس بحُجَّة في الإثبات، وهو حُجَّة في النفي والعدم. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الأحكام الشرعية كالطهارة والحل لا تثبت إلا بدليل منصوب من قبل الشارع، وأدلة الشرع هي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس إجماعا، فما لا يكون منها لا يكون دليلاً شرعياً، والاستصحاب ليس بواحد منها، فلا يكون دليلاً شرعياً يحتج به. جوابه: يجاب عنه بجوابين:
следующие страницы →