← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن ذكرناه في "المباح "، ويسميه بعضهم: " عدم الدليل دليل على البراءة ". ومن أمثلته من الشرع: أن لا ينتقض الوضوء بشيء يخرج من غير السبيلين؛ لأن الأصل عدم النقض، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل خلافه، ولم يثبت، فيبقى على الأصل من عدم - النقض. مثال آخر: أن الوتر ليس بواجب، لأن طريق وجوبه الشرع، وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب. النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه كالحل إن ثبت مرتبطاً بأمر ثابت، فإن ذلك يستمر حتى يقوم دليل يُغيِّر ذلك كاستصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منها أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت خلافه وهو الحدث. ومثل: الكفالة، فإنه وصف شرعي يستمر ثابتا حتى يؤدي الدين، أو يؤديه الأصيل، أو يبرئه المدين. ومثل الحياة بالنسبة للمفقود، فإنها تستمر ثابتة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره. مثل: انشغال الذمة بدفع قيمة الشيء المتلف وضمانه عند وجود سببه - وهو الإتلاف - فإن هذه الذمة تكون مشغولة ويستمر ذلك حتى يوجد ما يزيله، وهو: دفع قيمة المتلف، أو إسقاطه من قِبَل المالك.

стр. 912

مثال آخر: إن ملك الإنسان لأرض - بسبب عقد الشراء - يستمر حتى يوجد ما يزيله. النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه. النوع الخامس: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وهو: أن يجمع العلماء على حكم في حالة ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثاله: أنه انعقد الإجماع على صحة صلاة المتيمم الفاقد للماء، فإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وبذلك لا تصح صلاته. لكن إذا لم يجد الماء قبل الدخول في الصلاة، ثم تيمم، ودخل في الصلاة، فهل تصح صلاته استصحابا للأصل وهو: فقد الماء قبل الدخول في الصلاة، أم لا تصح الصلاة لتغير الحال الذي كان من فقد الماء قبل الدخول في الصلاة إلى وجوده أثناء صلاته؟ لقد اختلف في هذا النوع على قولين: القول الأول: أن هذا النوع من الاستصحاب ليس بحُجَّة. وهو مذهب كثير من العلماء، منهم: الغزالي، والقاضي الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن عقيل، وأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم. وهو الحق، لأن الإجماع كان قائما حالة فقد الماء على صحة

стр. 913

الصلاة بالتيمم، لكن بشرط ألا تتغير حالة فقدان الماء بحالة وجود هذا الماء؛ لأن الحالة التي أجمعوا عليها تخالف الحالة الأخرى وليست مثلها، فالحالة التي انعقد عليها الإجماع كانت حالة عدم وجود، وهذه حالة وجود فاختلفا. القول الثاني: أن هذا النوع من الاستصحاب حُجَّة. وهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي، وأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي الحسين القطان. دليل هذا القول: أن المتيمم إذا رأى الماء أثناء الصلاة، فإنه يمضي في الصلاة؛ لأن الإجماع قد انعقد على صحة صلاته ودوامها بذلك التيمم، فطريان وجود الماء كطريان هبوب ريح، فنحن نستصحب دوام الصلاة المجمع عليه إلى أن يثبت دليل يزيلنا عن هذا المستصحب. جوابه: إن هذا مخالف لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما كان حتى يأتي دليل يغير الحالة. فالمجمع عليه هو: صحة الصلاة بالتيمم إذا استمر عدم وجود الماء من أول الصلاة إلى آخرها ولم يوجد مغير. ولكن هنا قد وجد شيء مزيل لهذا وهو وجود الماء، وعلى هذا: فلا يبقى ما كان على ما كان، بل تغير من العدم إلى الوجود. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، فعلى المذهب الأول يجب قطع الصلاة، وإعادتها بعد الوضوء بالماء الذي رآه.

стр. 914

أما على المذهب الثاني: فلا يجب قطع الصلاة، بل تجزئه وإن وجد الماء. *** حجية الاستصحاب: لقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء في كتب الأصول والفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما يخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه. أما النوع الخامس - وهو: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع - فقد اختلف فيه وقد سبق. أما ما عدا ذلك من أنواع الاستصحاب فقد اختلف فيه على مذاهب: المذهب الأول: أن الاستصحاب حُجَّة في ثبوت الأحكام وعدمها. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن استصحاب الحال يفيد ظن بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به. الدليل الثاني: أن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في خصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، وليس هناك من فرق بينهما، إلا أنْ الأول قد استصحب فيه الحالةْ الموجودة قبل الشك - وهي عدم الزوجية وحصول العقد -. أما الثاني، فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - أيضا -

стр. 915

وهي العقد عليها، فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، ولوجب أن يكون الحكم فيهما واحداً، وهو: حرمة الوطء أو إباحته وهو باطل بالإجماع. الدليل الثالث: أن الحكم حين ثبت شرعا، فالظاهر دوامه لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية، ولا تتغير المصلحة في زمان قريب، وإنما تحتمل التغيير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل المزيل ولم يظفر به، فالظاهر عدمه، وهذا نوع اجتهاد، وإذا كان البقاء ثابتاً بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله بلا ترجيح. المذهب الثاني: أنه ليس بحُجَّة مطلقاً، لا في ثبوت الأحكام ولا عدمها. وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين، والمشهور من الحنفية: أنه ليس بحُجَّة في الإثبات، وهو حُجَّة في النفي والعدم. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الأحكام الشرعية كالطهارة والحل لا تثبت إلا بدليل منصوب من قبل الشارع، وأدلة الشرع هي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس إجماعا، فما لا يكون منها لا يكون دليلاً شرعياً، والاستصحاب ليس بواحد منها، فلا يكون دليلاً شرعياً يحتج به. جوابه: يجاب عنه بجوابين:

стр. 916

الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالاستصحاب: البقاء، والبقاء لا يكون حكماً شرعيا، فلا يحتاج إلى دليل شرعي. الجواب الثاني: لو سلمنا أن البقاء حكم شرعي، فالاستصحاب دليل شرعي؛ لما بيناه من أنه يفيد الظن، وما يفيد الظن: يكون دليلاً شرعيا. الدليل الثاني: لا يوجد ظن في بقاء الشيء على ما كان مع جواز القياس، فإنه يجوز أن يقع قياس بنفي حكم ما كان. جوابه: إنا نقول بأن الاستصحاب لا يستدل به ولا يفيد ظن الحكم عندنا إلا بعد استقراء الأدلة المتفق عليها وهي: الكتاب، والسّنَّة، والإجماع، والقياس، وعدم وجدان ما يعارض الأصل. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي؛ حيث أثر في كثير من الفروع الفقهية، ومنها: ١ - ما خرج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء؟ اختلف على قولين: القول الأول: إنه لا ينقض الوضوء، واستدل أكثر أصحاب هذا القول بالاستصحاب، حيث قالوا: إن الأصل عدم النقض، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل بخلافه. القول الثاني: إنه ينقض الوضوء، ولم يستدل أصحاب هذا القول بالاستصحاب، بل استدلوا بنصوص ثبتت عندهم، ومنها: ما روي أن النبي ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل ".

стр. 917

والمسألة فيها تفصيلات أخرى ليس هذا مكانه. ٢ - المفقود هل يرث ويورث؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: إن المفقود يرث غيره ولا يورث؛ لأن المفقود قبل فقده كان حياً، فيجب استصحاب حياته حتى يظهر خلافها، والحي يرث غيره، ولا يرثه غيره. القول الثاني: إنه لا يرث ولا يورث؛ لأن كونه حيا قبل فقده لا يلزم حياته بعد فقده، فلا يثبت الإرث بذلك، وكذلك لا يورث؛ لأن الأصل عدم الإرث، والعدم الأصلي لا يحتاج إلى الإرث. ٣ - هل تجب الدية في الشعور؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: إنه لا تجب الدية في الشعر؛ لأن الأصل عدم وجوب الدية إلا بتفويت النفس، فيستصحب هذا الأصل حتى يأتي دليل بخلاف ذلك. القول الثاني: إنه تجب الدية في الشعر؛ واستدل أصحاب هذا القول بقياس الشعر على الأعضاء التي تجب في ذهابها الدية كالإذن بجامع: أن كل منها. فيه تفويه ت منفعة. *** مسألة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل؟ إن هذا الموضوع له علاقة بدليل الاستصحاب؛ لأن بعض المذاهب فيه قد استدل ببعض أنواع الاستصحاب، لذلك جعله الأصوليون هنا. ولكي نبين ذلك نقول: لقد اتفق العلماء على أن المثبت للحكم يلزمه الدليل.

стр. 918

ولكن اختلفوا فيما إذا نفى بعض المجتهدين حكما من الأحكام، فقال: هذا الحكم لا يثبت عندي فهل يطالب بدليل على هذا؛ على مذاهب: المذهب الأول: أنه يطالب بالدليل، ويلزم الدليل مطلقاً. وهو مذهب جمهور العلماء. وهو: الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وجه الدلالة: أن اليهود والنصارى لما نفوا وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن: أمر اللَّه - تعالى - بأن يطالبهم بالدليل على هذا النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل. الدليل الثاني: أن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا بدليل. الدليل الثالث: أنه لو لم يلزم النافي الدليل للزم من ذلك: أن لا يطالب أحد بأي دليل على دعواه، مما يؤدي إلى دعوى أحكام بلا أدلة، بيان ذلك: أن المثبت للحكم يمكنه أن يعبر عن المقصود الذي يريد إثباته بعبارة نافية، فإذا أراد - مثلاً - إثبات أن فلانا قادر يقول - بدل ذلك -: " فلان ليس بعاجز "، فيستطيع كل مدع للعلم، وأهل الأهواء أن يدخلوا مع هذا الباب، فلا يذكروا أدلة على ما يقولون فتختل الشريعة، وإذا كان هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال للأحكام فهو باطل " لأن ما أدى إلى الباطل فهو باطل، فثبت: أنه لا بد للنافي للحكم من دليل سداً لذلك.

стр. 919

المذهب الثاني: أن النافي للحكم لا يلزمه الدليل مطلقا. وهو مذهب داود الظاهري، وبعض العلقاء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله ﷺ : "البينة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر ". وجه الدلالة: أن الشارع جعل على المدعي البينة والدليل، ولم يجعل على المدعى عليه بينة، والسبب في ذلك: أن المدعي مثبت للحكم، والمدعي عليه ناف لذلك الحكم. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المدعي عليه لا يطالب بالدليل، بل قد طالبه الشارع بالدليل، وقد ورد ذلك بنص الحديث، فألزم الشارع المنكر باليمين، واليمين دليل على نفيه، وإنما خص المدعي عليه - وهو النافي - باليمين؛ لأن معه ظاهراً يدل على صدقه من براءة الذمة إن كان المدعى عليه ديناً حتى يظهر ما يشغلها، ومن ثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عيناً. واحتمال الكذب في هذه اليمين لا يمنع ولا يبطل كونها دليلاً يستدل بها على نفي وإنكار هذه الدعوى؛ لأن الكذب يحتمل في قول الشاهدين أيضا. الجواب الثاني: سلمنا أن الشارع أسقط عن المنكر - وهو النافي - الدليل، ولكن لم يسقطه عنه؛ لأن النافي لا يلزمه الدليل، وإنما أسقطه عنه إن ادعى عليه عينا في يده بسبب وجود اليد على هذه

стр. 920

العين وتصرفه المطلق فيها، فاليد دليل الملك، قال كثير من الفقهاء: " وإذا لم يكن للمدير بيِّنة، فالعين للمدعى عليه مع اليمين؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه ". الدليل الثاني: أن الأصل هو النفي الأصلي، فالعدم والانتفاء ثابت؛ لأنه الأصل، فكيف يكلف النافي للحكم بالإتيان بالدليل على هذا النفي وهو متعذر، فلا يمكن إقامة الدليل على براءة الذمة من التكاليف؛ لأنها هي الأصل. جوابه: لا نسلم تعذر إقامة الدليل على النفي، بل يمكن إقامة الدليل على النفي في الشرعيات والعقليات، بيان ذلك: أولاً: إن كان النزاع في الشرعيات فيمكن إقامة الدليل على نفي الحكم الشرعي من إجماع العلماء مثل: نفي وجوب صوم شوال، أو نفي وجوب صلاة الضحى، فهذا النفي دليله الإجماع. أو نفي الحكم لدليل من النص كقوله ﷺ : " لا زكاة في الحلي " فهذا النفي دليله السُّنَّة. أو نفي الحكم لدليل من مفهوم النص كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة "، فإن مفهومه هو: نفي الزكاة عن الغنم المعلوفة. أو نفي الحكم لدليل من القياس مثل: نفي وجوب الزكاة في الخضروات؛ قياساً على الرمان والبطيخ. وإن عدمت الأدلة على نفي الحكم، فإنا نبحث عن مدارك الإثبات، فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي، وهو دليل عند عدم ورود السمع كما سبق أن ذكرناه.

стр. 921

ثانياً: أما إن كان النزاع في العقليات فيمكن إقامة الدليل على الحكم فيه فنقول في الاستدلال في ذلك: إن إثباتها يفضي إلى المحال، وكل ما أفضى إلى المحال فهو محال. ويمكن الدليل عليه بالقياس الشرطي، وهو طريق التلازم الذي سبق ذكره في المقدمة المنطقية، حيث إن كل إثبات له لوازم، فانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان. المذهب الثالث: التفصيل. وهو إن كان الحكم عقلياً فيلزم النافي له الدليل. وإن كان الحكم شرعياً فلا يلزمه الدليل. حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر، وابن فورك. جوابه: إن هذا التفصيل لا دليل عليه. ثم إنا بينا فيما سبق أنه يمكن إقامة الدليل على النفي في الشرعيات، وفي العقليات بالأمثلة. المذهب الرابع: التفصيل من وجه آخر، وهو: أن النافي إن ادعى أن نفي الحكم ثابت عنده بالضرورة، فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأن عدالته توجب صدقه، والضروري شأنه أن لا يكون محل شبهة، وإن ادعى أنه ثابت عنده بالعلم النظري، أو بطريق الظن فإنه يطالب بالدليل، لأن النظري أو الظني قد يشتبه فيه، فالدليل يبين هل هو مثبت للعدم أو غير مثبمسا له لنزول الشبهة.

стр. 922

جوابه: أن نفي الحكم إن كان ضروريا فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأن الضرورة دليل، وهذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا نفى حكما لم يستدلْ على نفيه بالضرورة، فأنتم متفقون معنا على أنه يلزمه الدليل، فالخلاف لفظي. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث إن الفروع الفقهية لم تتأثر بهذا الخلاف.

стр. 923

المبحث الثاني الدليل الثاني - من الأدلة المختلف فيها - شرع من قبلنا تعريفه: المراد به: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانوا مكلفين بها على أنها شرع لله تعالى. حجيته: ما أورده اللَّه في كتابه، أو أورده رسوله ﷺ في سُنَّته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل دليل على أنها منسوخة عنا مثل قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) ، فهل هذه الأحكام شرع لنا ملزمون بها أم لا؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون حُجَّة. ذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاروه أكثر الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة. الدليل الأول: قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)

стр. 924

وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر النبي ﷺ باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون هو متعبداً بشرع من قبله، فيجب ذلك في كل ما ثبت عنهم إلا ما قام الدليل على أنه منسوخ. الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) . وجه الدلالة: أنه عئر بلفظ "- يحكم بها النبيون " بصيغة الجمع، فيعم جميع الأنبياء ﵈ ومحمد ﷺ من جملة الأنبياء فوجب عليه الحكم بالتوراة، فيكون متعبداً بشرع من قبله. الدليل الثالث: قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) . وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد ﷺ مثل شرع غيره من الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة. الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن من لم يحكم بما أنزل اللَّه فقد خرج عن الملَّة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل اللَّه، فَيجب العمل بها. الدليل الخامس: قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر نبينا محمداً ﷺ باتباع مِلَّة إبراهيم ﵇، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيكون متعبداً بشرع من قبله.

стр. 925

اعتراض على تلك الأدلة الخمسة: قال المعترض: إن تلك الآيات الخمس لا تصلح للاستدلال بها على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المراد من تلك الآيات إنما هو التوحيد، والأصول الكلية المعلومة في أصول الدين، ودلالة الأدلة على وحدانيته وصفاته، ونحو ذلك، وهذه الأمور مشتركة بين جميع الشرائع، وأما الأحكام الفرعية فإن الشرائع فيها مختلفة، فلا يمكن اتباع الجميع فيها، خاصة أن فيها الناسخ والمنسوخ. جوابه: إن ألفاظ تلك الآيات عامة وشاملة لأصول الدين وفروعه، فيجب حملها على هذا العموم، ولا يجوز تخصيص لفظ إلا بدليل ولا دليل صحيح هنا، فينتج: أن شرع من قبلنا شرع لنا في الفروع والأصول. ونعمل بالحكم الناسخ منها، ونترك العمل بالحكم المنسوخ كما نفعل بشريعتنا. الدليل السادس: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) وجه الدلالة: أن الآية خطاب مع موسى ﵇ فلو لم يكن نبينا محمد ﷺ متعبداً بما كان عليه موسى ﵇ لما صح استدلاله بتلك الآية. الدليل السابع: أن اللَّه تعالى إذا شرع حكما شرعيا فى حق أُمَّة من الأمم السابقة فإن هذا يدل على أمرين:

стр. 926

أولهما: أن اللَّه سبحانه لم يشرعه إلا لأن مصلحة هذه الأُمَّة قد اقتضت هذا الحكم. ثانيهما: أنه لم يشرعه إلا لأنه قد اعتبره لكل زمان، ولكل مكان، ولكل مكلَّف؛ حيث إنه شرع مطلق فيدخل فيه كل مكلَّف. ونظراً إلى هذين الأمرين فإن الحكم الذي أنزله اللَّه تعالى في أي شريعة يجب أن يستمر من حين نزوله إلى أن ينسخ، وبناء على ذلك فيجب العمل بما جاء في الشرائع السابقة حتى يرد دليل على نسخه وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي ﷺ ما يوجب نسخ الأحكام التي قبله؛ لأن النسخ إنما يكون عند التنافي، ولم يوجد تنافي فلا نسخ إذن، فيكون شرع من قبلنا شرع لنا. المذهب الثاني: أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وليس بحُجَّة. وهو اختيار الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) . وجه الدلالة: أن معنى الشرعة: الشريعة، والمنهاج: الطريق الواضح، وهذا يقتضي أن يكون كل نبي داعيا إلى شريعته - فقط -؛ لاختصاصه بها لا يشاركه في هذه الشريعة غيره من الأنبياء، فتكون كل أمَّة مختصة بالشريعة التي جاء بها نبيهم - فقط -. جوابه: إن الشريعتين قد تتشاركان في بعض الوجوه إلا أن هذه المشاركة لا تمنع من اختصاص كل نبي بشريعته، ونسبة هذه الشريعة إلى النبي

стр. 927

المبعوث بها؛ لأن أكثر الشريعة قد أتى بها ذلك النبي، وقد تتفق في بعض الأحكام القليلة مع شريعة نبي آخر، فلا ينظر إلى هذا الأقل، وإنما الحكم للأكثر. مثل قولهم: " لحية زيد سوداء "، فهذا صحيح مع أن بها عدداً من الشعيرات البيضاء، فأطلق عليها بأنها سوداء نظراً إلى الأكثر. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لو كان متعبداً بشرائع من قبله للزمه البحث عنها، والعمل بها، ولوجب ألا ينتظر الوحي ولا يتوقف في حكم الظهار، واللعان، والمواريث؛ لأن هذه الحوادث أحكامها في التوراة ظاهرة، ولكنه - مع ذلك - لم يرجع إليها مما يدل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا. جوابه: إن تلك الشرائع السابقة لو كانت ثابتة بطريق يوثق به لرجع إليها النبي ﷺ ، ولكن الحق: أن تلك الشرائع السابقة لم تصلنا بطريق موثوق به، بل قد بُدِّلت، وغيِّرت، وقد أخبر اللَّه تعالى بذلك، ويستحيل خلاف خبر اللَّه تعالى. الدليل الثالث: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلاً من أدلة الأحكام التي يجب أن يرجع إليها لكان تعلمه، والاطلاع عليه، وحفظه، ونقله، والحرص على سنده، والاهتمام به فرضاً من فروض الكفاية كغيره من الأدلة الشرعية مثل القرآن والسُّنَّة. جوابه؛ هو نفس الجواب عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه لو كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق موثوق به بدون تغيير ولا تبديل لجاز أن نتعلمها ونهتم بها كما نهتم بأي دليل آخر.

стр. 928

الدليل الرابع: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلاً من أدلة الأحكام لوجب على الصحابة - رضي اللَّه غنهم - أن يرجعوا إلى تلك الشرائع، ويبحثوا عنها، ويسألوا ناقليها عند حدوث الحوادث المختلف فيها فيما بينهم مثل: مسألة الجد والإخوة، والعول، والمشركة، وغيرها، ولكن الواقع يخالف ذلك، فلم يرجع أي واحد من الصحابة إلى شرع من قبلنا لمعرفة حكم شرعي مع إسلام كثير ممن يوثق به من اليهود والنصارى. جوابه: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه لو كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق يوثق به بدون تغيير لرجع إليها الصحابة. الدليل الخامس: أن ﷺ قد غضب لما رأى بيد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة وقال: " ما هذا؟ ألم آت بها بيضاء نقية؛ لو أدركني موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ". وجه الدلالة: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا لما أنكر النبي ﷺ ذلك. جوابه: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه لو كانت تلك الشرائع السابقة وصلتنا سليمة بدون تحريف ولا تبديل لأقرَّه النبي ﷺ ، ولكنه يعلم أن اليهود قد حرَّفوا ما جاء في التوراة، ولهذا أنكر عليه. الدليل السادس: أن النبي ﷺ قد صوَّب معاذاً لما ذكر أن الأدلة

стр. 929

التي يجب أن يرجع إليها هي: الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد، فلو كان شرع من قبلنا شرع لنا لذكر مع تلك الأدلة. جوابه: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث إنه لو كانت تلك الشرائع السابقة غير محرفة لذكرت مع تلك الأدلة، ثم إن شرع من قبلنا نوع من أنواع الاجتهاد كالقياس، وقول الصحابي، والمصلحة. الدليل السابع: قوله ﷺ : "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود ". وجه الدلالة: أن هذا صريح في أن كل نبي يُبعث إلى قومه فقط، وشريعته اختصت بهم، ولو قلنا: إن شرعهم هو شرع لنا: للزم من ذلك أنا نشاركهم في شرعهم، وهذا يناقض الاختصاص؛ حيث إن مشاركتنا لهم تمنع ذلك الاختصاص. جوابه: إن هذا لا يفيد أن كل نبي يختص شرعه قومه فقط - كما زعمتم - بل قد يبعث النبي ﷺ بشرع قد يشوبه شيء من شرع من قبله، أو بعض شرع من قبله، وهذا لا يمنع من ذلك الاختصاص، كما قلنا في جوابنا عن دليلكم الأول. الدليل الثامن: أن الأُمَّة قد أجمعت على أن هذه الشريعة هي شريعة رسول اللَّه ﷺ التي أوحى بها إليه اللَّه تعالى، فلو كان الرسول ﷺ متعبداً باتباع شرع من قبله في الجملة لما نسب إليه شيء

стр. 930

من شرعنا، ولكان مخبراً عنها، وناقلاً لشرائع من قبله فقط، لا شارعاً لها ابتداء. جوابه: إن اللَّه تعالى إذا تعبد نبينا بشرع من قبلنا لم يكن في ذلك نقص، ولا إقلال من منصبه، ولا جعله تابعاً لغيره؛ لأنه في ذلك قد أطاع الله، واتبعه، ولم يتبع غيره من الأنبياء السابقين. بيان نوع الخلاف: لقد اختلف في الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو معنوي؟ على قولين: القول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة وهو الصواب؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قد استدلوا بشرع من قبلنا وجعلوه من أدلتهم في إثبات أحكام شرعية، منها: أنهم استدلوا به على قتل الرجل بالمرأة، حيث إن قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) يدل على ذلك مع أنه خطاب من قبلنا. كذلك استدلوا به على جواز الجعالة - وهي: الإجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة المعلم - على حذق المتعلم - وقالوا: إن قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير..) يدل على ذلك مع أنه وارد في شرع من قبلنا. وكذلك استدلوا به على ضمان ما تفسده الدواب المرسلة في الليل؛ حيث إن قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا في الليل.

стр. 931

أما أصحاب المذهب الثاني - وهو القائلون: إنه ليس بحجة - وإن كانت بعض تلك الأحكام جائزة عندهم إلا أنهم لم يستدلوا بشرع من قبلنا، بل استدلوا بأدلة أخرى. القول الثاني: إن الخلاف لفظي، لا ثمرة له؛ حيث إنا نجد أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إنه حُجَّة - لا يحتجون به لوحده على إثبات حكم شرعي، بل يذكرونه مع عدد من الأدلة الشرعية الثابتة بشرعنا، فهو ليس العمدة عندهم في إثبات الحكم، فهم بذلك موافقون أصحاب المذهب الثاني في أنه ليس بحجة يعتمد عليه لوحده. جوابه: إنا نسلم أن أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن شرع مَن قبلنا حُجَّة - لا يستدلون به على إثبات الحكم لوحده، بل يعضدونه بأدلة أخرى ثابتة بشرعنا، ولكنهم اعتمدوه دليلاً معاضداً ومقويا للأدلة الأخرى، ولو لم يوجد في المسألة إلا هو لاستدلوا به لوحده، ولكنهم يذكرونه مع غيره من باب تعاضد الأدلة كما يفعل كثير من المجتهدين حينما يريدون الاستدلال على حكم معين. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا - فإنهم لا يذكرونه مع الأدلة الثابتة بشرعنا، ولو لم يوجد إلا هو لما استدلوا به على إثبات حكم شرعي، فهذا هو الخلاف بين المذهبين، وما دام أنه وجد خلاف، إذن الخلاف معنوي.

стр. 932

المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المختلف فيها قول الصحابي تعريفه: هو: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول اللَّه ﷺ من فتوى، أو قضاء أو رأي أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع. حجيته: أولاً: إذا قال الصحابي رأيا في مسألة مخالفا لرأي صحابي آخر، فليس بحُجَّة إجماعا. ثانيا: إذا قال الصحابي قولا، ثم ثبت أنه رجع عنه فليس بحُجَّة إجماعاً. ثالثا: إذا قال الصحابي قولاً ثم انتشر بين بقية الصحابة، ولم ينكره أحد، فهذه حُجَّة لمن قال بأن الإجماع السكوتي حُجَّة، وقد سبق. رابعا: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة اجتهادية ولم يتحقق فيه ما سبق فقد اختلف العلماء هل هو حُجَّة أو لا؛ على مذاهب: من أهمها ما يلي:

стр. 933

المذهب الأول: أن قول الصحابي حُجَّة مطلقا، أي: سواء وافق القياس، أو لم يوافقه، وسواء كان الصحابي من الخلفاء الراشدين، أو من غيرهم. وهو مذهب أكثر الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وكثير من الشافعية، وهو مذهب الإمام الشافعي في الجديد والقديم كما ثبت عنه في كثير من فروعه. وهو الحق عندي بشرط: أن يكون الصحابي المحتج بقوله وبفعله هو: الصحابي الذي عرفته فيما سبق، وذكرته في كتابي " مخالفة الصحابي للحديث "، وهو الذي لقي النبي ﷺ ، واختص به اختصاص المصحوب متبعا إياه مدة يثبت معها إطلاق: " صاحب فلان " عليه عرفاً، بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة مثل: الخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزوجات النبي ﷺ ، ومعاذ، وزيد، وأنس، وأبي هريرة، ونحوهم ممن جمع إلى الإيمان والتصديق ملازمة النبي ﷺ ، فوعوا أقواله، وشهدوا أفعاله، وعملوا على التأسي والاقتداء به، أما غير ذلك الصحابي - وهو من رأى النبي ﷺ مرة أو مرتين، فلا يمكن أن يحتج بقوله؛ لعدم ملازمته للنبي ﷺ ، فلا يمكن أن يكون مثل هذا عالما يرجع إليه. وقد اخترت هذا؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وجه الدلالة: أن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به معروف، والمعروف يجب القول به. الدليل الثاني: أن قول الصحابي إن كان صادراً عن رأي واجتهاد،

стр. 934

فإنه يرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده، فرأيه أقرب إلى إصابة الحق وأبعد عن الخطأ، وذلك لأنه شاهد التنزيل، وحضر مع النبي ﷺ ، وسمع كلامه مباشرة، وعرف طريقته في بيان الأحكام، ووقف من أحوال النبي ﷺ ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحِق، والقيام بما هو تثبيت لقوام الدين، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار في ذلك كقوله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ". كل ما سبق له أثره في جعل الصحابة أعلم بتأويل النصوص، وأعرف بمقاصد الشريعة، وبهذا ترجح رأي الصحابي على رأي غيره، فقوله أوْلى بالاتباع من قول غيره. الدليل الثالث: أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه أحد كان حُجَّة، فكذلك يكون قوله حُجَّة مع عدم الانتشار كقول النبي ﷺ ولا فرق. المذهب الثاني: أن قول الصحابي ليس بحُجَّة مطلقا. وهو مذهب كثير من الأشاعرة والمعتزلة، وبعض الحنفية كأبي الحسن الكرخي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو القول الجديد - عن الإمام الشافعي، كما قال بعض الشافعية، ولكن الحق: أن مذهب الإمام الشافعي هو المذهب الأول، وقد حققت ذلك في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ". أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الصحابي لم تثبت عصمته عن الخطأ والسهو والغلط، فقد يجتهد في مسألة ويخطئ فيها، فإذا كان غير معصوم

стр. 935

عن الخطأ فيكون قوله متردداً بين الخطأ والصواب، ومحتملاً لهما، فكيف نأخذ به وهو كذلك؟! جوابه: إن عدم عصمة الصحابي عن الخطأ والسهو والغلط لا يمنع من اتباعه وتقليده، والاحتجاج بقوله، بدليل: أن المجتهد غير معصوم عن الخطأ والسهو، ويلزم العوام تقليده. الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا - فيما بينهم - في مسائل كثيرة، ومنها: مسألة " الجد والإخوة"، و" العول "، و " التحريم "، و " بيع أمهات الأولاد " وغيرها، وقد أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة انجتهدين للآخر، فلم ينكر بعضهم على بعض تلك المخالفة، وهذا يدل على أن قول الصحابي ليس بحُجَّة؛ إذ لو كان حُجَّة للزم كل واحد منهم اتباع الآخر. جوابه: إن هذا الدليل ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا - هناك -: إن قول الصحابي اذا كان مخالفا لراي صحابي آخر فليس بحُجَّة إجماعاً. المذهب الثالث: أن الحُجَّة في قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي اللَّه عن الجميع -. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي ". وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر باتباع سُنَته وسُنَّة الخلفاء

стр. 936

الراشدين - أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - وهو أمر مطلق، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فاتباع أقوال الرسول ﷺ وأقوال الخلفاء الأربعة واجب، فيكون حُجَّة. جوابه: إن الأمر بسُنَّة الخلفاء الأربعة لا يدل على أن قول هؤلاء حُجَّة، بل إن تخصيص هؤلاء بالذكر يحتمل احتمالين هما: الاحتمال الأول: أنه أراد اتباع سيرتهم، وعدلهم، وسياستهم للرعية، والصبر على الدعوة، وتحمل الأذى، وإذا كان الأمر كذلك فإن جميع الصحابة يتميزون بذلك، فهم كغيرهم من الصحابة في ذلك. الاحتمال الثاني: يحتمل أنه أراد أن قولهم حُجَّة. وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال. المذهب الرابع: أن قول أبي بكر حُجَّة، وقول عمر حُجَّة فقط دون غيرهما. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ". وجه الدلالة: كما سبق في الحديث السابق. جوابه: هو نفس الجواب عن دليل أصحاب المذهب الثالث.

стр. 937

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي له ثمرة؛ حيث إن من قال: إن قول الصحابي حُجَّة - وهو المذهب الأول - أضافوا هذا الدليل إلى أدلتهم؛ فاستدلوا به على إثبات أحكام شرعية لبعض الحوادث فقالوا - مثلاً -: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مستدلين بقول عمر ﵁: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة "، وبفعل عائشة ﵂ حيث كانت تلي يتيماً اسمه عبد الرحمن بن القاسم فتخرج عنه وعن أخيه زكاة مالهما. وكذلك استدلوا بهذا الدليل - أعني قول الصحابي - على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ حيث إن ابن عمر كان لا يخرج على حلي بناته وجواريه الزكاة. كذلك استدلوا به على أن سجود التلاوة سُنَّة؛ حيث إن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فاستعد الناس للسجود فقال: على رسلكم، إن اللَّه لم يكتبها علينا إلا أن نشاء فلم يسجد. كذلك استدلوا به على إثبات أحكام شرعية كثيرة. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن قول الصحابي ليس بحُجَّة - فلم يجعلوا قول الصحابي أو مذهبه أو فعله من الأدلة المعتبرة. فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنهم لم يأخذوا بما ورد عن عمر، ولا بما ورد عن عائشة، وقالوا: إن الزكاة عبادة يشترط فيها التكليف.

стр. 938

وأوجبوا الزكاة في الحلي، ولم يعملوا بما ورد عن ابن عمر، واستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وبغير ذلك من الأدلة. وكذلك أوجبوا سجود التلاوة، ولم يعملوا بما ورد عن عمر، واستدلوا بما روي عن ﷺ أنه قال: " السجدة على من سمعها وعلى من تلاها ". وعلى ذلك فقس قول أصحاب المذهب الثالث والرابع. *** مسألة: إذا اختلف صحابيان في مسألة على قولين، فهل يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؟ سبق أن علمنا أن الصحابي إذا قال قولاً في مسألة اجتهادية ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة، فإن هذا القول يكون حُجَّة، وهو المذهب الأول الذي رجحناه. وعلى هذا يجوز العمل به بدون دليل يعضده. لكن إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فهل يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل، بل لا بد من دليل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صوابا، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة

стр. 939

القول الصواب، والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن لا يمكن الأخذ بأحد القولين بلا دليل، بل لا بد من الدليل. الدليل الثاني: القياس على قول اللَّه تعالى، وقول الرسول ﷺ ، بيان ذلك: أنه إذا تعارضت آيتان في نظر المجتهد، إحداهما تفيد الجواز، والأخرى تفيد المنع، فإنه لا يمكن أن يرجح أحد الحكمين إلا بدليل ومرجح خارجي، كذلك لو تعارض حديثان في نظر المجتهد، فلا يمكن أن يرجح أحدهما ويعمل به إلا بمرجح آخر ودليل خارجي. فإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسُّنَّة، فكذلك قول الصحابي إذا تعارض مع قول صحابي آخر: فإذا تعارض قول صحابي مع قول صحابي آخر في نظر المجتهد، فإنه لا يرجح أحدهما ويعمل به إلا بدليل خارجي عنهما. المذهب الثاني: أنه يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل بشرط: أن يظهر هذا القول المأخوذ به، ولم ينكر منكر القائل به. وهو اختيار بعض الحنفية. أما بعض المتكلمين كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، فقد قالوا: إن كان هذان القولان قد حدثا للصحابة قبل وقوع الفرْقة بينهم، واختلاف الديار بهم: جاز الأخذ بقول أحدهما من غير اجتهاد في صحته، وإن كان قد حدث بعد وقوع الفرْقة بينهم لم يجز الأخذ إلا أن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع أن امرأة غاب عنها زوجها،

стр. 940

ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: احبسوها حتى تضع، فوضعت غلاما له ثنيتان، فلما رآه أبوه قال: ابني، فبلغ ذلك عمر، فقال عمر: " عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر ". وجه الدلالة: أن عمر رجع إلى قول معاذ ﵄ في هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره، مع وجود بعض الصحابة الذين هم من أهل الاجتهاد، فهذا يدل على جواز الأخذ بأحد قولي الصحابة بدون دليل. جوابه: إن عمر ﵁ قد أخذ بقول معاذ؛ لأنه ظهر له رجحان قول معاذ واجتهاده - لما ذكر أن ما في البطن لا ذنب له حتى تعاقبه، حيث إن العقوبة تخص المذنب فقط - فصار قول معاذ هو الحق - وذلك بالدليل، لا أنه رجع إلى قول معاذ تقليداً بلا دليل، فعمر قد اتبع الدليل المرجح، ولم يتبع قول معاذ المجرد. الدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين في مسألة معينة هو إجماع ضمني بينهم على صحة القولين، وهذا يجوز الأخذ بكل واحد منهما بلا دليل بالاتفاق. جوابه: إن اختلاف الصحابة على قولين لا يدل على ما ذكرتم، بل يدل على أنهم سوَّغوا وأجازوأ الأخذ بالأرجح منهما، ولا يمكن أن يتبين الراجح منهما إلا بالاجتهاد في القولين معا، ولا يمكن الاجتهاد إلا بالأدلة.

стр. 941

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه إذا اختلف صحابيان في مسألة معينة: أحدهما قال: يجوز فيها كذا، والآخر قال: لا يجوز، ولم يوجد دليل يرجح أحدهما على الآخر، فبناء على المذهب الأول فإنه لا يجوز الأخذ بالقولين معا ويتساقطا، ويجتهد في المسالة وكأنها حادثة جديدة. أما على المذهب الثاني: فإنه لا يجتهد في المسألة، بل يؤخذ بأحد القولين ويستدل به على المسألة.

стр. 942

المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المختلف فيها - الاستحسان تعريفه لغة: الاستحسان لغة: استفعال من الحسن، وهو: عدُّ الشيء واعتقاده حسنا، سواء كان حسيا كالثوب، أو معنويا كالرأي. ولفظ " الاستحسان " يجوز استعماله بالاتفاق؛ لوروده في الكتاب كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ، وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) ، ولوروده في السُّنَّة كما روي عن النبي ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن "، ولأن هذا اللفظ يستعمله الفقهاء كثيراً كقول الإمام الشافعي: " أستحسن ترك شيء من نجوم الكتابة للمكاتب ". وكقول كثير منهم: " استحسن شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه ". تعريفه اصطلاحا وحجيته: لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الاستحسان، إليك ذكر أهم تلك التعريفات، وبيان المراد منه، وموقف العلماء في ذلك فأقول: التعريف الأول: أن الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن

стр. 943

نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول، وهذا هو تعريف جمهور العلماء، وهو الحق، ومعناه: أن القياس يقتضي حكما عاماً في جميع المسائل، لكن خُصّصت مسألة وعُدل بها عن نظائرها وصار لها حكم خاص بها نظراً لثبوت دليل قد خصصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من المقتضي العموم في نظر المجتهد. وهذا القياس قد يكون هو القياس الأصولي، وقد يكون بمعنى القاعدة، أو الأصل العام، أو بمعنى الدليل العام. *** أنواع الاستحسان بناء على هذا التعريف: الاستحسان يتنوع - بناء على التعريف السابق - إلى أنواع خمسة: النوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب والسُّنَّة. من أمثل ذلك: ١ - أن القياس لا يجوِّز السلم؛ لأنه عقد على معدوم وقت العقد، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: الجواز، لدليل ثبت بالسُّنَة، وهو قول الراوي: " ورخص بالسلم " فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً. ٢ - إذا ضرب وجل جمطن امرأة فالقت جنينا ميتا، فحكم القياس: أنه لا يجب شيء على الضارب؛ لأنه لم يتيقن بحياته، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أنه يجب على الضارب غرة، وهي: " نصف عشر الدية "؛ لدليل قوي ثبت في

стр. 944

هذا، وهو قوله ﵇: " في الجنين غرة عبد أو أمَة قيمته خمسمائة "، فتركنا القياس لهذا الخبر استحسانا. النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع مثل: عقد الاستصناع - وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع شيئا له نظير - مبلغ معين بشروط معينة - فالقياس يقتضي عدم جواز مثل ذلك العقد؛ لأنه بيع معدوم من كل وجه، لكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظراً لتعامل الأُمَّة به من غير نكير، فصار إجماعاً. النوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظراً لجريان العرف بذلك، وعملاً بما اعتاده الناس، مثل لو قال شخص: " والله لا أدخل بيتا "، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتا لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: عدم حنثه إذا دخل المسجد، لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد. النوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة مثل: جواز الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح؛ لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام.

стр. 945

النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر هو: أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حُجَّة، وأسد نظراً، وأصح استنتاجا منه، مثل: عدم قطع يد من سرق من مدينه، بيان ذلك: أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن يستوفيها فلا تقطع يده، أما إذا كان الدين مؤجلاً، فالقياس يقتضي قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة دارئة وإن كان لا يلزمه الإعطاء الآن، فعدم قطع اليد هنا ثبت استحساناً. بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف: الاستحسان بهذا المعنى حُجَّة باتفاق العلماء؛ حيث لم ينكره أحد، وإنما الخلاف في تسميته استحسانا، فبعضهم سماه بهذا الاسم وبعض آخر لم يسمه بذلك. وهو راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه. التعريف الثاني: أن الاستحسان هو: ما يستحسنه المجتهد بعقله. وهو محكي عن أبي حنيفة ﵀. والمراد منه: ما سبق إلى الفهم العقلي، دون أن يكون له دليل شرعي يستند إليه من كتاب أو سُنة أو إجماع أو قياس، أو أي دليل آخر معتمد شرعا.

стр. 946

بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف: هل الاستحسان حُجَّة بناء على هذا التعريف " التعريف الثاني "؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الاستحسان بهذا التعريف ليس بحُجَّة. وهو المذهب الحق عندي؛ لأدلة ثلاثة: الدليل الأول: حديث معاذ، وهو: أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: " إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ " قال: بسُنَةَ رسول اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي ﷺ . وجه الدلالة: أن معاذاً ذكر الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد، ولم يذكر الاستحسان، فأقره النبى ﷺ على ذلك، فالاستحسان ليس بدليل، فلا يعتبر. فإن قال قائل: إن الاجتهاد عام وشامل يضم القياس، والمصلحة والاستحسان، فيدخل الاستحسان ضمن الأدلة. فإنا نقول - في الجواب عن ذلك -: إن المقصود بالاجتهاد هو الاجتهاد بالأدلة الشرعية، والاستحسان على تعريفكم إياه - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لا يدخل ضمن الأدلة المجتهد فيها؛ لعدم استناده إلى الأدلة الشرعية. الدليل الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لا ضابط له، كما أنه ليس له مقاييس يقاس بها الحق من الباطل، فلو جاز لكل شخص أن يستحسن بعقله كيفما شاء؛ لأدى ذلك إلى وجود أحكام مختلفة في النارلة الواحدة لا ضابط لها، ولا معيار يبين الحق فيها.

стр. 947

الدليل الثالث: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لو كان يصلح طريقا لإثبات الأحكام الشرعية لما احتيج إلى الأدلة الشرعية، وحفظها، والاهتمام بها، والحرص عنى دراستها دراسة دقيقة متانية من الكتاب والسُّنَّة، ولما كان هناك فرق بين المجتهد العارف بتلك الأدلة، والعامي العاقل الذي لا يعرف شيئاً عن تلك الأدلة، ويلزم منه أيضا: عدم اشتراط أهلية النظر. المذهب الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني حُجَّة. وهو مذهب أبي حنيفة، وتبعه أكثر الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) . وجه الدلالة: أن الآية وردت في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، والقرآن كله حسن، ثم أمر باتباع الأحسن، ولولا أن الاستحسان حُجَّة لما أورد ذلك. وكذلك قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) . وجه الدلالة: أن اللَّه أمر باتباع أحسن مأ أنزل، فدل على ترك بعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو: معنى الاستحسان، فدل على أن الاستحسان حُجَّة. جوابه: يجاب عنه باجوبة: الجواب الأول: أن اللفظ عام فيدخل "فيه استحسان - العوام

стр. 948

والصبيان، فيلزم من ذلك اتباع استحسانهم، وهذا باطل، ولا يقوله أحد، إذن الآيتان لا تصلحان للاستدلال بهما على حجية الاستحسان. الجواب الثاني: أن اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة، وهذا واجب، فبينوا أولاً أن هذا مما أنزل إلينا فضلاً عن أن يكون من أحسنه. الجواب الثالث: أنا نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن هذا حُجَّة عليهم. الدليل الثاني: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن ". وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن ما رآه الناس في عاداتهم ونظر عقولهم مستحسنا فهو حق؛ لأن الذي ليس بحق فليس بحسن عند الله تعالى، وما هو حق وحسن عند اللَّه فهو حُجَّة، ولولا أنه حُجَّة لما كان عند اللَّه حسنا. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذا الخبر مرفوع، بل هو موقوف على ابن مسعود كما قال الزيلعي في " نصب الراية "، والسخاوي في " المقاصد الحسنة "، وغيرهما. الجواب الثاني: على فرض أن الحديث مرفوع، فإنه خبر واحد، وخبر الواحد لا تثبت به قاعدة أصولية مثل " حجية الاستحسان ". الجواب الثالث: أن المراد به ما رآه جميع المسلمين؛ لأنه لا يخلو: إما أن يريد به جميع المسلمين، أو يريد به آحادهم.

стр. 949

فإن كان الأول - وهو: أن المراد به جميع المسلمين - فهو صحيح؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل، والإجماع حُجَّة، وهذا لا يخالف فيه أحد. وإن أراد به الآحاد من المسلمين لزم منه استحسان العوام والصبيان، وهذا لا يمكن. فإن قال قائل - معترضا -: إنا نقصد استحسان من هو أهل للنظر في الأدلة الشرعية، أما من ليس أهلاً للنظر كالصبيان والعوام فلا يقبل استحسانهم. فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن المجتهد إذا استحسن الشيء وحكم به بعقله دون النظر إلى الأدلة الشرعية، فلا فائدة في اشتراط أهلية النظر في الأدلة؛ لأن الذي عنده الأهلية للنظر في الأدلة، ولكنه لا ينظر هو مثل العامي والصبي الذي لا أهلية له أصلا في النظر فيها سواء بسواء، فلا فرق بينهما، والجامع: الاستحسان بالعقل المجرد دون النظر في الأدلة الشرعية. الدليل الثالث: أن الأُمَّة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة، ولا تقدير للماء المصبوب، ولا تقدير لمدة اللبث في الحمام، واستحسنت - أيضا - شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير العوض، ولا سبب لعدم تقدير ذلك إلا أن التقدير في مثل هذه الأمور قبيح في العادة، فاستحسن الناس تركه، ووقع هذا دليل على جوازه. جوابه: يجاب عنه: بأن عدم تقدير أجرة دخول الحمام، وعدم تقدير

стр. 950

الماء واللبث، وعدم تقدير العوض لمن شرب من أيدي السقائين يحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك السنة التقريرية؛ حيث إن النبي ﷺ كان يرى الصحابة يفعلون ذلك ولا ينكر عليهم، وهذا من رخص الإسلام، وسبب هذه الرخصة هو: المشقة في تقدير الماء، والعوض؛ حيث إن الناس يختلفون في كمية الماء المستعمل، وفي الوقت الذي يمكثون فيه بالحمام، ويختلفون في كمية الماء المشروب. الاحتمال الثاني: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك: القياس؛ حيث إن داخل الحمام مستبيح، فإذا أتلف ماء حمامي فعليه ثمن المثل، وذلك لأن قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما يبذله في الغالب، وما يبذله يكون ثمن المثل فيقبله الحمامي إن رضي به، وإن لم يرض به: طالبه بالمزيد إن شاء، فليس هذا أمرا جديدا، ولكنه مقاس، والقياس حُجَّة. وكذلك يقال في شارب الماء من السقاء، فإن عليه ثمن المثل، فإن رضي السقاء، وإلا طالبه بالمزيد إن شاء. فثبت إن عدم تقدير الماء والأجرة يثبت عن طريق السنة، أو القياس، فقولكم: إنه ثبت عن طريق الاستحسان تحكم لا دليل عليه. التعريف الثالث للاستحسان: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه. وهو لبعض الحنفية المتقدمين.
следующие страницы →