← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف: هل الاستحسان حُجَّة بناء على هذا التعريف " التعريف الثاني "؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الاستحسان بهذا التعريف ليس بحُجَّة. وهو المذهب الحق عندي؛ لأدلة ثلاثة: الدليل الأول: حديث معاذ، وهو: أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: " إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ " قال: بسُنَةَ رسول اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي ﷺ . وجه الدلالة: أن معاذاً ذكر الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد، ولم يذكر الاستحسان، فأقره النبى ﷺ على ذلك، فالاستحسان ليس بدليل، فلا يعتبر. فإن قال قائل: إن الاجتهاد عام وشامل يضم القياس، والمصلحة والاستحسان، فيدخل الاستحسان ضمن الأدلة. فإنا نقول - في الجواب عن ذلك -: إن المقصود بالاجتهاد هو الاجتهاد بالأدلة الشرعية، والاستحسان على تعريفكم إياه - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لا يدخل ضمن الأدلة المجتهد فيها؛ لعدم استناده إلى الأدلة الشرعية. الدليل الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لا ضابط له، كما أنه ليس له مقاييس يقاس بها الحق من الباطل، فلو جاز لكل شخص أن يستحسن بعقله كيفما شاء؛ لأدى ذلك إلى وجود أحكام مختلفة في النارلة الواحدة لا ضابط لها، ولا معيار يبين الحق فيها.

стр. 947

الدليل الثالث: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما يستحسنه المجتهد بعقله - لو كان يصلح طريقا لإثبات الأحكام الشرعية لما احتيج إلى الأدلة الشرعية، وحفظها، والاهتمام بها، والحرص عنى دراستها دراسة دقيقة متانية من الكتاب والسُّنَّة، ولما كان هناك فرق بين المجتهد العارف بتلك الأدلة، والعامي العاقل الذي لا يعرف شيئاً عن تلك الأدلة، ويلزم منه أيضا: عدم اشتراط أهلية النظر. المذهب الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني حُجَّة. وهو مذهب أبي حنيفة، وتبعه أكثر الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) . وجه الدلالة: أن الآية وردت في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، والقرآن كله حسن، ثم أمر باتباع الأحسن، ولولا أن الاستحسان حُجَّة لما أورد ذلك. وكذلك قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) . وجه الدلالة: أن اللَّه أمر باتباع أحسن مأ أنزل، فدل على ترك بعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو: معنى الاستحسان، فدل على أن الاستحسان حُجَّة. جوابه: يجاب عنه باجوبة: الجواب الأول: أن اللفظ عام فيدخل "فيه استحسان - العوام

стр. 948

والصبيان، فيلزم من ذلك اتباع استحسانهم، وهذا باطل، ولا يقوله أحد، إذن الآيتان لا تصلحان للاستدلال بهما على حجية الاستحسان. الجواب الثاني: أن اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة، وهذا واجب، فبينوا أولاً أن هذا مما أنزل إلينا فضلاً عن أن يكون من أحسنه. الجواب الثالث: أنا نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن هذا حُجَّة عليهم. الدليل الثاني: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن ". وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن ما رآه الناس في عاداتهم ونظر عقولهم مستحسنا فهو حق؛ لأن الذي ليس بحق فليس بحسن عند الله تعالى، وما هو حق وحسن عند اللَّه فهو حُجَّة، ولولا أنه حُجَّة لما كان عند اللَّه حسنا. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذا الخبر مرفوع، بل هو موقوف على ابن مسعود كما قال الزيلعي في " نصب الراية "، والسخاوي في " المقاصد الحسنة "، وغيرهما. الجواب الثاني: على فرض أن الحديث مرفوع، فإنه خبر واحد، وخبر الواحد لا تثبت به قاعدة أصولية مثل " حجية الاستحسان ". الجواب الثالث: أن المراد به ما رآه جميع المسلمين؛ لأنه لا يخلو: إما أن يريد به جميع المسلمين، أو يريد به آحادهم.

стр. 949

فإن كان الأول - وهو: أن المراد به جميع المسلمين - فهو صحيح؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل، والإجماع حُجَّة، وهذا لا يخالف فيه أحد. وإن أراد به الآحاد من المسلمين لزم منه استحسان العوام والصبيان، وهذا لا يمكن. فإن قال قائل - معترضا -: إنا نقصد استحسان من هو أهل للنظر في الأدلة الشرعية، أما من ليس أهلاً للنظر كالصبيان والعوام فلا يقبل استحسانهم. فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن المجتهد إذا استحسن الشيء وحكم به بعقله دون النظر إلى الأدلة الشرعية، فلا فائدة في اشتراط أهلية النظر في الأدلة؛ لأن الذي عنده الأهلية للنظر في الأدلة، ولكنه لا ينظر هو مثل العامي والصبي الذي لا أهلية له أصلا في النظر فيها سواء بسواء، فلا فرق بينهما، والجامع: الاستحسان بالعقل المجرد دون النظر في الأدلة الشرعية. الدليل الثالث: أن الأُمَّة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة، ولا تقدير للماء المصبوب، ولا تقدير لمدة اللبث في الحمام، واستحسنت - أيضا - شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير العوض، ولا سبب لعدم تقدير ذلك إلا أن التقدير في مثل هذه الأمور قبيح في العادة، فاستحسن الناس تركه، ووقع هذا دليل على جوازه. جوابه: يجاب عنه: بأن عدم تقدير أجرة دخول الحمام، وعدم تقدير

стр. 950

الماء واللبث، وعدم تقدير العوض لمن شرب من أيدي السقائين يحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك السنة التقريرية؛ حيث إن النبي ﷺ كان يرى الصحابة يفعلون ذلك ولا ينكر عليهم، وهذا من رخص الإسلام، وسبب هذه الرخصة هو: المشقة في تقدير الماء، والعوض؛ حيث إن الناس يختلفون في كمية الماء المستعمل، وفي الوقت الذي يمكثون فيه بالحمام، ويختلفون في كمية الماء المشروب. الاحتمال الثاني: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك: القياس؛ حيث إن داخل الحمام مستبيح، فإذا أتلف ماء حمامي فعليه ثمن المثل، وذلك لأن قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما يبذله في الغالب، وما يبذله يكون ثمن المثل فيقبله الحمامي إن رضي به، وإن لم يرض به: طالبه بالمزيد إن شاء، فليس هذا أمرا جديدا، ولكنه مقاس، والقياس حُجَّة. وكذلك يقال في شارب الماء من السقاء، فإن عليه ثمن المثل، فإن رضي السقاء، وإلا طالبه بالمزيد إن شاء. فثبت إن عدم تقدير الماء والأجرة يثبت عن طريق السنة، أو القياس، فقولكم: إنه ثبت عن طريق الاستحسان تحكم لا دليل عليه. التعريف الثالث للاستحسان: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه. وهو لبعض الحنفية المتقدمين.

стр. 951

ومرادهم من هذا: أن الاستحسان دليل يستدل به المجتهد، وهذا الدليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يستطيع أن يظهره بعبارة أو لفظ. بيان فساد هذا الثعريف: أن هذا التعريف فاسد؛ لأن الدليل الذي لا يستطيع المجتهد أن يفصح عنه - ويظهره، ويعبر عنه بلفظ لا يعلم هل هو وهم توهم المجتهد أنه دليل، أو ليس كذلك، فلا بد للمجتهد من إظهاره، والتعبير عنه بلفظ مفهم حتى نسبره ونختبره بواسطة الأدلة الشرعية الأخرى، فإما أن نصححه، ويكون دليلاً معتبراً، أو نبطله فلا يعتبر، أما الحكم بما لا يدرى ما هو فمن أين يعلم جوازه أبضرورة العقل، أو نظره، أو بسمع متواتر أو آحاد، ولا وجه لدعوى شيء من ذلك. بيان نوع الخلاف: الخلاف في الاستحسان خلاف لفظي، بيان ذلك: أن متأخري الحنفية لما رأوا هذا الإنكار الشديد على التعريف الثاني، والتعريف الثالث للاستحسان اللذين نقلا عن بعض الحنفية المتقدمين حاولوا أن يصححوا هذين التعريفين بسبب استقرائهم وتتبعهم للفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين، فأتوا بتعريفات تناسب الاستحسان الذي كان يطبقه المتقدمون منهم. فقال أبو الحسن الكرخي: إن لفظ الاستحسان عندهم ينبئ عن ترك حكم إلى حكم هو أوْلى منه، لولاه لكان الحكم الأول ثابتا. ويقرب من ذلك قول بعض الحنفية: " الاستحسان: ترك طريقة للحكم إلى أخرى أوْلى منها لولاها لوجب الثبات على الأولى ".

стр. 952

ويقرب منه - أيضاً - تعريف الجصاص له بقوله: " بأنه ترك القياس إلى ما هو أوْلى منه "، وكذلك فعل الدبوسي، والسرخسي وغيرهما من أئمة الحنفية. ثم جاءت الطبقة التي بعد هؤلاء من علماء الحنفية مثل الكمال بن الهمام وابن عبد الشكور فلاحظوا تعريفات المتقدمين للاستحسان، وتعريفات المتأخرين منهم له كالكرخي ومن معه، فجمعوا بينهما بقولهم: إن الاستحسان قسمان: " عام " و " خاص ". أما العام فهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر يقتضي العدول عن القياس من نص، أو إجماع، أو ضرورة، أو غيرها. أما الخاص فهو القياس الخفي في مقابلة القياس الجلي. وإذا دققت في تعريفما الجمهور للاستحسان - وهو التعريف الأول له - وما ذكرناه من أنواع له، ودققت في كلام الحنفية المتقدمين، وما ذكره الحنفية المتأخرون من تعريفات وشروح وتفسيرات: لوجدت أن التعريف الأول - وهو: " العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول "، قد اتفق عليه الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنفية قد عبروا عنه بلفظ يخالف تعبير الجمهور. ومن تتبع واستقرأ ما ورد عن الحنفية من تعريفات، وشروح وتفسيرات وتطبيقات، لثبت أنهم لا يقولون بأن الاستحسان هو: "ما يستحسنه المجتهد بعقله "، ولا يقولون بأنه: " دليل ينقدح في نفس المجتهد يعجز عن التعبير عنه "، ولثبت أنهم يقولون: إن الاستحسان: العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه، وهذا مما لا ينكره الجمهور. فكان الخلاف لفظياً.

стр. 953

وهذا ما أشار إليه ابن السمعاني ﵀؛ فإنه حينما ذكر أن الخلاف في هذه المسألة لفظي: علل ذلك بأن تفسير الاستحسان بما يشنع عليهم - أي: على الحنفية - لا يقولون به، والذي يقولون به أنه العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا مما لا ننكره.

стр. 954

المبحث الخامس في الدليل الخامس - من الأدلة المختلف فيها - وهو: المصلحة المرسلة تعريفها: المصلحة لغة بمعنى: الصلاح، كالمنفعة بمعنى: النفع. المصلحة اصطلاحا: هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسلهم، فكل ما يضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول أو أحدها فهو مفسدة، ودفعها مصلحة. والمنفعة تحصيلا أو إبقاء: فالمراد بالتحصيل: جلب اللذة مباشرة، والمراد بالإبقاء: الحفاظ عليها بدفع المضرة، وأسبابها. والمراد بالمرسلة: هي المطلقة، وهي التي لم يقيدها الشارع باعتبار ولا بإلغاء، أي: لم يرد دليل من أدلة الشرع يشهد بإبطالها، ولم يرد دليل من أدلة الشرع يعتبرها. فيكون تعريف المصلحة المرسلة هو: كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الخمسة السابقة الذكر، دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء. وبيانه: أن المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها

стр. 955

ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص، ولا في إجماع، ولا في قياس، ووجدنا فيها أمرا مناسبا لتشريع الحكم، أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضررا، أو يحقق نفعا، فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يسمى المصلحة المرسلة. *** تقسيمات المصالح: التقسيم الأول: تنقسم المصالح باعتبار أهميتها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الضروريات، وهي المصالح التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا فقدت أو فقد بعضها، فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة على المصالح الضرورية شرع اللَّه حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال. فشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل عن هذا الدين، وقتل المرتد الداع إلى ردته، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، وشرع الجهاد. وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب الأكل والشرب عند الضرورة ولو كان صائما، كذلك: شرع اللبس والمسكن، مما يتوقف عليه بقاء الحياة وصون الأبدان من التلف، أو أي ضرر. وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، ووجوب الأكل والشرب الذين يتوقف عليهما بقاء العقل وسلامة فهمه.

стр. 956

وشرع لحفظ النسل والأنساب: عقوبة الزنا، وأحكام الحضانة، والنفقات.. وشرع لحفظ المال: عقوبة السرقة، والقواعد المنظمة للمعاملات المختلفة بين الناس لصيانة الحقوق. ولا يمكن - بأي حال - تفويت هذه الأصول الخمسة، فلا بد إذن من مراعاتها؛ لكون كل واحد منها يعتبر ركنا من الأركان التي لا تقوم الحياة البشرية إلا بها. القسم الثاني: الحاجيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إذا تركناها لا تختل ولا تفسد الحياة الإنسانية، فالحياة تتحقق بدون تلك الحاجيات، ولكن مع الضيق. فهي أعمال وتصرفات شرعت لحاجة الناس إلى التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة. مثل: التوسع في بعض المعاملات كالسلم، والمساقاة، والقصر في السفر، والرخص المناطة في المرض، هذه الأمثلة في الأمور العامة. ومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج البنت الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن - استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح لتحصيل هذا الكفء خوفا من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في المستقبل والماَل، ويحصل بفواته بعض الضرر. القسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال

стр. 957

والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل، فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات، وبدون أي ضيق فيها، فهي من قبيل التزيين والتجمل والتيسير، ورعاية أحسن المناهج وأحسن الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا يليق من المدنسات التي تألفها العقول الراجحة. ومن أمثلة ذلك: المنع من بيع الماء والكلأ، والمنع من بيع النجاسات، والابتعاد عن الإسراف والتقتير، ومجانبة ما استخبث من الطعام، وآداب الأكل والشرب، هذه أمثلته العامة. ومن أمثلة ذلك في الأمور الخاصة: اشتراط الشارع للولي في النكاح؛ صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها: لكان ذلك مشعراً بتوقانها إلى الرجال، وحبها لهم، ومشعراً - أيضا - بقلة حيائها، وأنه لا مروءة لها، وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب، ونظراً لذلك فقد مُنعت المرأة من عقد نكاحها بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ تزيينا للمرأة وتحسينا في نظر الخاطب، وحملاً للخلق على أحسن المناهج، وأجمل السير. ويمكن أن يكون ذلك مثالا للحاجيات - أيضا - إذا قلنا: إن اشتراط الولي في النكاح كان لعلة أخرى وهي: أن رأي المرأة قاصر في اختيار وانتقاء الأزواج، وأنها تغتر بالمظاهر، ونظراً لذلك مُنعت من مباشرة ذلك بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ لأن الولي أعلم بمعادن الرجال منها - ويستطيع - في الغالب - معرفة الصالح من غيره.

стр. 958

بيان أنه لا يجوز للمجتهد التمسك بالمصالح الحاجية والتحسينية إلا بدليل شرعي: هذا بالإجماع؛ لأنه لو جاز التمسك بالمصلحة الحاجية أو التحسينية بدون دليل أو أصل شرعي: للزم من ذلك أمور باطلة، وهي كما يلي: الأمر الأول: أنه يلزم وضع الشرع بالرأي المجرد، وهذا باطل. الأمر الثاني: أنه لا يحتاج إلى بعثة الرُّسُل والأنبياء ليعلموا الناس شرع ربهم، ولكان الخلق يشرعون ما يريدون بعقولهم، فما يحسنه العقل أثبتوه، وما قبحه العقل اجتنبوه، وهذا ظاهر البطلان؛ لأن العقل لا مدخل له في الشرعيات. الأمر الثالث: أنه يلزم من ذلك: عدم الفرق بين المجتهد والعامي، وأن كل واحد منهما يساوي الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعرف مصلحة نفسه فيما يقع موقع الحاجة والتحسين، وهذا باطل. التقسيم الثاني: تنقسم المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وأثبتها وشهد بذلك، وأقام دليلاً على رعايتها، فهذه المصالح حُجَّة لا إشكال في صحتها، ويرجع حاصلها إلي القياس، فإن الشارع إذا نص على حكم في واقعة معينة، واستنبط المجتهد العلَّة التي شرع الحكم لأجلها؛ لأن الأحكام الشرعية مصلحية، أي: أن اللَّه لا يشرع حكما إلا وفيه جلب مصلحة للعباد، أو دفع مضرة عنهم، فإنا إذا وجدنا واقعة أخرى وجدت فيها تلك العلَّة، فإنا نلحقها بالحكم الوارد في الواقعة الأولى؛ لأن المصلحة واحدة. فمثلاً قال ﷺ : " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ".

стр. 959

فهنا: منع القاضي من القضاء في حالة الغضب، والعلَّة هي: اشتغال قلبه عن الفكر، والنظر في أدلة الخصمين، وتغيرَ طبعه عن السكون والتلبث والاجتهاد، فيقاس على ذلك: كل ما يشغله عن النظر في الدليل والحكم، وكل ما يغير طبعه مثل: كونه جائعا، أو حاقنا، أو خائفا. وهذا كله فيه مصلحة واضحة للخصمين. والمصلحة المقصودة بهذا القياس تسمى: المصلحة المعتبرة من الشارع. القسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي المصالح التي شهد الشارع بردها وإلغائها، وعدم اعتبارها. فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة استأثر بعلمها، وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعا، أو يدفع ضرراً، فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي توهمها قد ألغاها الشارع، ولم يلتفت إليها. مثال ذلك: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في نهار رمضان، وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر الإعتاق - تمشيا مع نص حديث الأعرابي - ولكن جاء الفقيه: يحيى بن يحى الليثي المالكي، فأفتى بأن عليه صوم ستين يوما كفارة، وعلل ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا على هذا الملك العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد أخرى - كما حصل منه - لذلك نوجب عليه الصيام زجراً له، وظن أن في ذلك مصلحة.

стр. 960

لكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو حديث الأعرابي؛ حيث إن الكفارة مرتبة على حسب الاستطاعة: فيجب عليه أولاً العتق، فإن لم يستطع فعليه صيام ستين يوماً، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا. القسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي المطلقة التي لم يقيدها الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة اصطلاحا، وقد عرفنا ذلك. حجية المصلحة المرسلة: لقد بيَّنا أن المصلحة التي شهد لها الشرع بالاعتبار حُجَّة بالاتفاق؛ وأن المصلحة التي شهد لها الشرع بالإلغاء ليست بحُجَّة بالاتفاق، وأن المصلحة الحاجية والتحسينية لا يمكن أن يتمسك بها في إثبات حكم إلا إذا كانت مستندة إلى دليل وأصل شرعي من الأصول المعتبرة وهذا بالإجماع أيضا. أما ما عدا ذلك وهي: المصلحة التي يراها المجتهد، ولم يرد دليل من أدلة الشرع يشهد لها، ولا دليل منه يلغيها، فهذه التي اختلف العلماء هل هي حُجَّة أو لا: على مذاهب: المذهب الأول: أن المصلحة المرسلة حُجَّة بشروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو: ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها. الشرط الثاني: أن تكون المصلحة كلية عامة حتى تعم الفائدة جميع المسلمين. الشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة، فلا تكون غريبة.

стр. 961

الشرط الرابع: أن تكون المصلحة المرسلة قطعية، أي: يقطع بوجودها، ولم يختلف في ذلك. وهو مذهب كثير من الأصوليين، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: الاستقراء والتتبع، بيان ذلك: أنا لما تتبعنا واستقرأنا النصوص من الكتاب والسُّنَّة، وقرائن الأحوال، والقواعد الشرعية المجمع عليها وجدنا الأدلة العديدة المتضافرة على أن الشريعة الإسلامية قد راعت مصالح العباد؛ حيث إنها قائمة على أساس توفير السعادة لهم. فالأخذ بالمصالح المرسلة - بالشروط السابقة - هو الذي يتفق مع روح الشريعة الإسلامية التي جاءت برعاية مصالح العباد، فطلبت منهم - أو أباحت لهم - كل ما يجلب لهم النفع، وحرمت عليهم - أو كرهت لهم - كل ما يجلب لهم مفسدة، أو ضرراً. الدليل الثاني: أنه لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلاً من الأدلة للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث بلا أحكام، وذلك لقلة الأصول المعتمدة وندرتها، وكثرة الحوادث، فقد يطرأ للأمة اللاحقة طوارئ لم تطرأ للأُمَّة السابقة، وكذلك قد يؤدي تغير أخلاق الناس وأحوالهم إلى أن يصير مفسدة ما كان مصلحة، وقد يكون مصلحة في مجتمع ما هو مفسدة في مجتمع آخر، فلو لم نجعل المصلحة حُجَّة لضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا خلاف القاعدة الشرعية المعروفة، وهي: أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

стр. 962

الدليل الثالث: أن من تتبع الفتاوى الصادرة عن الصحابة واجتهاداتهم علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد فكان إجماعا. هذه الأدلة دلَّت على أن المصلحة حُجَّة، فإذا أضفنا إليها تلك الشروط فإنه يترجح اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا، فيجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب. المذهب الثاني: أن المصلحة المرسلة حُجَّة مطلقا، وهو مذهب الإمام مالك. أدلة هذا المذهب: هي نفس أدلتتا في المذهب الأول، ولكن بدون إضافة تلك الشروط. جوابه: إنه لا يمكن الأخذ بالمصلحة المرسلة إلا بتلك الشروط التي ذكرناها في المذهب الأول؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع لفتاوى الصحابة، ومن جاء بعدهم من علماء الأمَّة وجدناهم يستدلون بالمصلحة، وهم قد راعوا تلك الشروط والقيود. وكذلك فإن تلك الأدلة دلَّت على حجية المصلحة المرسلة التي أخذ بها هؤلاء، حيث إنها منضبطة، ولم تدل على حجية المصلحة المرسلة مطلقا؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم انضباط من أخذ بها، مما يفتح مجال الأهواء والشهوات، فيقع في الزلل. المذهب الثالث: أن المصلحة المرسلة ليست بحُجَّة مطلقا.

стр. 963

وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وبعض المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن المصالح إما أن تكون معتبرة، وإما أن تكون ملغاة، والمصلحة المرسلة مترددة بينهما، وليس جعلها مع المعتبر بأوْلى من جعلها مع الملغى، فيمتنع الاحتجاج بها حتى يشهد لها شاهد يدل على أنها من قبيل المعتبر. جوابه: أنا لم نجعل المصلحة المرسلة مع المصالح المعتبرة مطلقا، وبدون أدلة، بل جعلناها مع المصالح المعتبرة وأنه يحتج بها بأدلة وبشروط قد رجحت اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا، والعمل بالظن واجب. الدليل الثاني: أنا لم نعلم أن الشارع قد حافظ على تحصيل المصلحة بأبلغ الطرق، فلم تشرع المثلة في القاتل عمداً وعدوانا مع أن المصلحة تقتضيها؛ لأنها أبلغ في الزجر عن القتل ولم يشرع القتل في السرقة، وشرب الخمر والقذف مع أن المصلحة تقتضيه؛ لأنه أبلغ في الزجر عن العود لمثله. فلو كانت المصلحة حجَّة لحافظ الشرع على تحصيلها بأبلغ الطرق، ولكن لم يفعل شيئاً من ذلك، فلا تكون حجَّة. جوابه: إن المصلحة حُجَّة بالشروط والقيود السابقة الذكر في مذهبنا الأول، وما ذكرتم من الأمثلة وما بينتم فيها أن الشارع لم يحافظ عليها مع أنها أبلغ هذا لا يدخل في المصلحة المرسلة، بل إن كل ما

стр. 964

قلتم هو من المصالح الملغاة؛ حيث إنه قد نص على تلك الحدود، ولا اجتهاد مع النص، أما لو لم ينص على شيء: فإن المصلحة تدخله ألا ترى أنه إذا رأى الحاكم أن يعزِّر بالقتل، فإنه يجوز له إذا رأى المصلحة في ذلك. الدليل الثالث: أن الحكم الشرعي هو: المستند إلى دليل، أو أي أصل شرعي كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، ونحو ذلك، فلو أثبت المجتهد حكما مستنداً إلى مصلحة بدون دليل شرعي: كان حكما بالعقل المجرد، ووضعا للشرع بالرأي والتشهي، وهذا ظاهر البطلان. جوابه: أنا قلنا بأن المصلحة المرسلة حُجَّة بسبب: أن هناك أدلة قد دلَّت على ذلك بصراحة، وقد ذكرناها، وتلك الأدلة وهي: استقراء النصوص الشرعية، واستقراء فتاوى الصحابة وعلماء الأُمَّة، وكون أننا لو لم نحتج بالمصلحة لخلت كثير من الحوادث بلا أحكام. وهذه الأدلة شرعية قد أثبتنا عن طريقها كثيراً من القواعد الأصولية كحجية القياس، ونجبر الواحد، وصيغ العموم، ونحو ذلك، فلو كانت تلك الأدلة لا تصلح لإثبات المصلحة والاحتجاج بها للزم أنها لا تصلح لإثبات أي قاعدة أصولية، وهذا باطل. ثم إننا قد اشترطنا للعمل بالمصلحة شروطا تبين أن حكمنا بالمصلحة ليس حكمل بالعقل المجرد، ولا وضعا للشرع بالتشهي والرأي، بل هو حكم بالشرع، ولا يخرج عن الشرع بأي حال.

стр. 965

بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول والثاني جعلوا المصلحة المرسلة من أدلتهم المعتبرة إلا أن أصحاب المذهب الثاني قد توسعوا في الاستدلال بها بخلاف أصحاب المذهب الأول، فقد ضيقوا فيها على حسب تلك الشروط والقيود - وهو ما رجحناه. أما أصحاب المذهب الثالث فلم يجعلوا المصلحة المرسلة من أدلتهم. وقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية. فمثلاً: استدل المحتجون بها على قتل الجماعة بالواحد؛ حيث قالوا: إنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى إلى اتساع القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر، فاقتضت المصلحة قتلهم به. أما من لم يأخذ بالمصلحة فلم يرى ذلك، بل قال: لا تقتل الجمامحة بالواحد مستدلأ بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) حيث إنها دلَّت على أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة. كذلك استدل بالمصلحة الإمام مالك على أن المرأة البكر لا تغرب إذا زنت؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، فإذا غربت بغير محرم: كان ذلك إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وذلك ينافي قصد الشارع من وجوب الحد؛ لأنه ما شرع إلا زجراً عن الزنا -. وإن غربت المرأة بمحرم أدى ذلك إلى عقاب من لم يجرم ومن لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها.

стр. 966

أما بعض العلماء، فلم يأخذ بالمصلحة هنا، وأوجب التغريب على المرأة كغيرها مستدلاً بعموم حديث عبادة: " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ". تنبيه: الحق: أنه بعد تتبع واستقراء وتفقد كتب الفقه على المذاهب الأربعة، فإنه ثبت أن جميع العلماء يستدلون بالمصالح المرسلة، ولكن تختلف هذه المذاهب في التوسع والتضييق في الأخذ بها، فبعضهم اشترط للأخذ بها شروطا كما هو في المذهب الأول الذي قلناه، وبعضهم استدل بها مطلقا كما هو في المذهب الثاني، قال القرافي ﵀: " أما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا تفقدت وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي إذن في جميع المذاهب ". وقال ابن دقيق العيد: " إنه لا يخلو أي مذهب من اعتباره في الجملة، ولكن الإمام مالك قد توسع في الأخذ بها، ويليه الإمام أحمد".

стр. 967

المبحث السادس في الدليل السادس - من الأدلة المختلف فيها - سد الذرائع تعريفه: الذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: كل ما يتخذ وسيلة وطريقاً إلى شيء غيره، وسدها: منعها، وحسم مادتها. وهي في الاصطلاح: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى المفسدة أو لم يقصد التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. فسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها. أو تقول هي: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة. حجية سد الذرائع: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن سد الذرائع حُجَّة يعمل به، ويستدل به على إثبات بعض الأحكام الشرعية. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد حرم سب الأصنام التي يعبدها

стр. 968

المشركون - مع كون السب حمية لله، وإهانة لأصنامهم - لكون ذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه - تعالى -، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك يسب أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سب اللَّه تعالى: وهذا هو سد الذرائع. الدليل الثاني: أنه أشير على ﷺ بقتل من ظهر نفاقه فقال: " أخاف أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه "، فلم يرغب النبي ﷺ في قتل المنافقين مع قيام الداعي لذلك، وذلك سداً للذرائع؛ حيث إنه سيقال: إن محمداً بدأ يقتل أصحابه، فيوجب ذلك النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل. الدليل الثالث: إجماع الصحابة ﵃؛ حيث إنه ثبت في وقائع أنهم استدلوا بسد الذرائع، من ذلك: أن عمر بن الخطاب نهى عن الصلاة تحت شجرة بيعة الرضوان، ثم قطعها سداً للذرائع؛ حتى لا يعود الناس إلى أعمال الجاهلية. وأن بعض الصحابة كعمر، وعليّ، وابن عباس أفتوا بقتل الجماعة بالواحد، وإنما فعلوا ذلك لئلا يكون عدم القصاص منهم ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، كل ذلك فعلوه من غير نكير، فكان إجماعا. المذهب الثاني: أن سد الذرائع ليس بحُجَّة. وهو لبعض الشافعية وبعض المتكلمين.

стр. 969

دليل هذا المذهب: أن الأدلة قد حُصرت في حديث معاذ وهي: الكتاب، والسُنَّة، والإجماع المبني عليهما، والاجتهاد، ولا يصح من الاجتهاد إلا القياس الذي يتضمن المصلحة، وهو مقاس على ما ثبت بالأصول الثلاثة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما سد الذرائع فلم يكن مع تلك الأدلة، إذن لا يحتج به. جوابه: إن الأخذ بسد الذرائع راجع إلى الأخذ بالمصلحة المرسلة - يؤيد ذلك تعريفنا لسد الذرائع - والمصلحة المرسلة التي أخذنا بها هي المصلحة الملائمة في الجملة لمقاصد الشارع - ولا تخرج عنها كما قلنا في شروطها - هناك -، وإذا كان سد الذرائع لا تخرج عن مراعاة المصلحة، والمصلحة حُجَّة، فإنه يجوز الأخذ بسد الذرائع. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه انبنى على الخلاف في اعتبار الذرائع والقول بسدها، وعدم اعتبارها، وعلى التوسع بالأخذ بها، والتضييق في اعتبارها خلاف بين الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية، ومنها: ١ - أن الإمام مالك قد استدل بسد الذرائع على أن الشخص لو مات وعليه زكاة لم يؤدها ولم يوص بإخراجها من الثلث، فإنه لا يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته، لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاة ماله طول عمره اعتماداً على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم. وخالف في ذلك الإمام أحمد والشافعي، حيث ذهبا إلى أنه يلزم الورثة إخراجها وإن لم يوص المورث بذلك؛ قياسا على دَين

стр. 970

الآدميين؛ حيث إن الزكاة حق مالي واجب، فلا تسقط بموت من هو عليه كالدَّين ولا فرق، ولم يأخذ بسد الذرائع؛ لأن القياس أقوى منه. ٢ - أنه لو اشترك جماعة في الصيد، فإن الإمام مالك قال: إنه يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، واستدل بسد الذرائع، حيث إنه إذا سقط جزاء جملة، ووجب جزاء واحد: كانت العقوبة سهلة، واتخذ ذلك ذريعة إلى قتل المحرم من الصيد؛ إذ يلجأ كل من أراد ذلك وهو محرم إلى الاشتراك مع غيره؛ لتخفيف الجزاء عن نفسه. أما الإمام الشافعي وأحمد فقد ذهبا إلى أنه يجب جزاء واحد على الجميع مستدلين بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ، فأوجب اللَّه المثل، والجماعة قتلت صيداً واحداً، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عنه، فلا يجب، وهو - أيضا - مروي عن بعض الصحابة، فهذا الاستدلال هو مفهوم الآية، وعمل بعض الصحابة أقوى من الأخذ بسد الذرائع. ٣ - أنه لو تزوج المريض مرض الموت، فإن النكاح غير صحيح عند الإمام مالك، واستدل بسد الذرائع، لأنه يتهم بقصد الإضرار بالورثة بإدخال وارث جديد فيمنع منه، حتى لا يتخذ ذريعة للتشفي من الورثة، وإدخال الضرر عليهم. أما الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، فإنهم ذهبوا إلى أن النكاح صحيح، إلا أنه يكون بمهر المثل فيما إذا أصدقها أكثر من مهر المثل، واحتج هؤلاء بالقياس، حيث قاسوا النكاح على البيع والشراء، فكما أن بيعه وشراءه صحيح، فكذلك نكاحه، وقوى بعضهم ذلك بفعل بعض الصحابة، فهذا أقوى من سد الذرائع.

стр. 971

المبحث السابع في الدليل السابع - من الأدلة المختلف فيها - وهو: العرف تعريفه: العرف في اللغة: بمعنى المعرفة، وهو ضد النكرة، وهو: كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه. والعرف في الاصطلاح: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه، ولا إثباته دليل شرعي. *** تقسيمات العرف: ينقسم العرف إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة من أهمها ما يلي: التقسيم الأول: ينقسم العرف باعتبار من يصدر منه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: العرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في أحذية وألبسة، ونحو ذلك.

стр. 972

القسم الثاني: العرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في بعض البلدان مثل: إطلاق لفظ الدابة على الفرس عند أهل العراق، بينما ذلك يختلف في مصر. القسم الثالث: العرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله الشارع مريداً منه معنى خاصا، مثل " الصلاة "، فإنها في الأصل: الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئاً مخصوصا. التقسيم الثاني: ينقسم العرف باعتبار سببه ومتعلقه إلى قسمين: القسم الأول: العرف القولي وهو اللفظي، وهو: أن يتعارف أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعا له بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماعه من غير قرينة، ولا علاقة عقلية، مثل لفظ "الدابة "، فإنه في اللغة يطلق على كل ما يدب على الأرض، وقد خصصه بعضهم بالفرس، وبعضهم بالحمار. القسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم، مثل: بيع المعاطاة - وهو: أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف. حجية العرف: لقد اختلف في العرف على مذهبين: المذهب الأول: أن العرف حُجَّة، ودليل شرعي تثبت عن طريقه الأحكام الشرعية. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. وهو الحق، ولكن ليس على إطلاقه، بل هو حُجَّة بشروط هي كما يلي:

стр. 973

الشرط الأول: أن يكون العرف عاما أو غالبا. الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثريا. الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف. الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزما، أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس. الشرط الخامس: أن لا يعارضه تصريح بخلافه. الشرط السادس: أن لا يخالف العرف دليلاً شرعيا معتمداً. فإن توفرت هذه الشروط في العرف كان حُجَّة، أما إن تخلفت أو تخلف واحد منها فلا يكون حُجَّة. وقلنا: إنه حُجَّة للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه بعد الاستقراء والتتبع لأحكام اللَّه وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي وقوع المسببات عن أسبابها العادية - ورتب عليها أحكاما شرعية، فشرع القصاص والنكاح والتجارة؛ لأنها أسباب للانكفاف عن القتل، وبقاء النسل، ونماء المال عادة وعرفا. الدليل الثاني: أن ورود التكاليف بميزان واحد في الخلق يدل على أن الشارع اعتبر العادات والأعراف المطردة فيهم، ولو لم يعتبرها لما كان هناك مانع من اختلاف التشريع، واختلاف الخطاب. المذهب الثاني: أن العرف ليس بحُجَّة، ولا يصلح أن يكون دليلاً تُبنى عليه الأحكام، وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: هو نفس دليل القائلين: إن سد الذرائع ليس بحُجَّة، وهو أن

стр. 974

العرف ليس من الأدلة المعتمدة في حديث معاذ، فلا يكون دليلاً شرعا. جوابه: إن العرف راجع إلى الاستحسان الذي سبق حيث قلنا: إن جميع الأئمة قد أخذوا به على التعريف الأول الذي ذكرناه هناك، وهو: العدول بحكم المسألة عن نظائرها" لدليل خاص، وقلنا: إن من أنواعه: الاستحسان بالعرف والعادة، فإذا قلنا: إن الاستحسان حُجة فينبغي أن نقول: إن العرف حُجَّة ولا فرق بين الموضعين. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن اعتبار العرف دليلاً شرعيا كان له أثره في بعض المسائل الفقهية، ومنها: ١ - أن بيع المعاطاة - وهو: دفع ثمن المبيع للبائع وأخذ المبيع عن تراض بينهما، دون أن يتلفظ أحدهما بشيء - جائز عند أكثر العلماء، ودليلهم: العرف؛ لأن البيع قد ورد الشرع بحله مطلقا، ولم يشترط فيه شيء من الألفاظ، ولم يبين كيفيته، فيرجع ذلك إلى العرف. وخالف في ذلك الكثير من الشافعية، وقالوا: لا يجوز بيع المعاطاة؛ لأن الشارع شرط الرضى لصحة البيع، وهو أمر خفي لا يعرف إلا بالإيجاب والقبول. ٢ - أن الأجير الصانع لعمل ما يستحق أجرة المثل وإن لم تذكر الأجرة عند العقد إذا كان منتصبا للعمل، هذا عند الإمام أحمد

стр. 975

وأبي حنيفة مستدلين بالعرف؛ لأن العرف الجاري في هذا يقوم مقام القول عملاً بالقاعدة: " المعروف عرفا كالمشروط شرطا ". بينما خالف بعض العلماء في ذلك وقالوا: لا يستحق الأجير شيئا إذا لم تذكر الأجرة عند العقد، ويعتبر متبرعا؛ لأن صاحب الثوب مثلاً لم يلتزم للصانع عوضا باللفظ.

стр. 976

المبحث الثامن في الدليل الثامن - من الأدلة المختلف فيها - - الاستقراء - تعريفه: الاستقراء في اللغة: مأخوذ من قولهم: " قرأت الشيء قرآنا " أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، وهو يرجع إلى التتبع، يقال: " استقرأت الأشياء " إذا تتبعت أفرادها. تعريفه في الاصطلاح: وهو في الاصطلاح: تصفح وتتبع الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها. أو تقول هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في الأمر الكلي الجامع لتلك الجزلْيات. هذا عند المناطقة. أما الأصوليون فيعرفونه بأنه: تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة. * * * أنواعه: الاستقراء نوعان: النوع الأول: استقراء تام، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح بجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.

стр. 977

النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع. حجيته: النوع الأول من نوعي الاستقراء، وهو الاستقراء التام اتفق العلماء على حجيته؛ لكونه يفيد القطع؛ حيث إنه ثبت عن طريق استقراء جميع الجزئيات. وأما النوع الثاني - وهو: الاستقراء الناقص - فقد اختلف العلماء في حجيته على مذهبين: المذهب الأول: أنه حُجَّة، أي: أن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن تصفح وتتبع أكثر الجزئيايت مع تماثلها في الأحكام يوجد ظنا غالبا بأن حكم ما بقي من الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق بالكثير الغالب والعمل بالظن الغالب واجب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر "، وهذا وإن كان واردأ في صيغة الخبر، لكن المراد به الأمر، فالحديث أثبت أن العبرة بالظاهر، والظاهر هو: أن حكم الباقي الذي لم يتتبع ولم يستقرأ كحكم غيره مما تتبع واستقرئ، وعلى هذا يجب اعتبار الاستقراء حُجَّة عملاً بهذا الظاهر، فكان حجة يجب العمل به. وانما قلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا، ولا يفيده قطعا؛ لجواز أن يكون حكم ما لم يستقرأ بخلاف حكم ما استقرئ، فنظراً إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظنا.

стр. 978

المذهب الثاني: أن الاستقراء ليس بحُجَّة، فلا يفيد الحكم قطعا ولا ظنا، وهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه يجوز اختلاف الجزئيات في الأحكام، واستقراء بعض الجزئيات - وإن كثرت - وترك بعض الجزئيات الآخر يعتبر استقراء جزئي، لا يثبت ذلك الحكم في الباقي المتروك؛ نظرا لجواز أن يكون حكم الأجزاء التي لم تستقرأ مخالفا لما استقرئ، فينتج: أن الحكم على الباقي بواسطة هذا الاستقراء باطل. جوابه: إن هذا الاحتمال الذي ذكرتموه هو الذي جعلنا نقول: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا؛ إذ لولا هذا لقلنا: إنه يفيده قطعا، فالباقي الذي لم يستقرأ قليل، والذي تم استقراؤه كثير، والقليل النادر ملحق بالغالب الكثير - كما قلنا - فهذا يوجد ظنا عند المجتهد بأن حكم الباقي يماثل حكم ما استقرئ، فنحن نظرنا إليه من هذه الحيثية. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث إنه انبنى على اعتماد الاستقراء وكونه حُجَّة خلاف في بعض الفروع، منها: ١ - أن أكثر مدة النفاس ستون يوما، وهو مذهب الإمام الشافعي وكثير من أصحابه، ودليلهم: الاستقراء؛ حيث إنه قد وجد - بعد الاستقراء والتتبع - أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة، والاعتماد في هذا الباب على الوجود.

стр. 979

وخالف في ذلك أبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وكثير من أتباعهم، فذهبوا إلى أن أكثر النفاس أربعون يوما، ولم يحتج هؤلاء بالاستقراء، بل احتجوا بما صح عن أم سلمة أنها قالت: "كانت النفساء تجلس على عهد النبي ﷺ أربعين يوما وليلة ". ٢ - أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وهو مذهب جمهور العلماء، ودليلهم الاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على حكمه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنوات كنساء بني عجلان. وخالف في ذلك أبو حنيفة وكثير من أصحابه، حيث ذهبوا إلى أن أكثر مدة الحمل سنتان، وحجتهم قول الصحابي؛ حيث روي عن عائشة قولها: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، ولو فلكة مغزل.

стр. 980

الباب الرابع في الألفاظ ودلالتها على الأحكام ويشتمل على الفصول التالية: الفصل الأول: في اللغات. الفصل الثاني: في الدلالة، وتقسيم اللفظ. الفصل الثالث: في الاشتقاق. الفصل الرابع: في الاشتراك. الفصل الخامس: في الترادف. الفصل السادس: في التأكيد والتابع. الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز. الفصل الثامن: في تعارض ما يخل بالفهم. الفصل التاسع: في النص، والظاهر، والمجمل، وما يتعلق بها. الفصل العاشر: في حروف المعاني. الفصل الحادي عشر: في الأمر والنهي. الفصل الثاني عشر: في العموم والخصوص. الفصل الثالث عشر: في المطلق والمقيد. الفصل الرابع عشر: في المنطوق والمفهوم.

стр. 981

الفصل الأول في اللغات ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في تعريف اللغة، واللفظ، والكلام، والنطق، والقول، وسبب وضع اللغات. المبحث الثاني: دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع، أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى؟ المبحث الثالث: في مبدأ اللغات، أي: اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية؟ المبحث الرابع: هل يجري القياس في اللغة؟

стр. 982

المبحث الأول في تعريف اللغات، واللفظ، والكلام، والنطق والقول، وسبب وضع اللغات أولاً: تعريف اللغات: اللغات جمع لغة، واللغة أصلها لغوة على وزن فعله، من لغوت إذا تكلمت. وهي: اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني بحكم الوضع. وإنما شرطنا كونها حروفا ودلالتها بحكم الوضع؛ لأن هناك أمورا تدل على شيء ولا يسمى ذلك لغة؛ نظراً لعدم وجود الحروف فيها كالضحك، فإنه يدل على الفرح، والبكاء يدل على الحزن، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، وكل ذلك لا يُسمَّى لغة. واللغة العربية تختلف عن بقية اللغات من الإنجليزية، والهندية، والتركية باختلاف ترتيب تلك الحروف؛ حيث إن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبا مخالفا للآخر، وتركيبا مباينا لتركيب الآخر. ثانيا: تعريف الكلام: الكلام مأخوذ من الكلم، وهو: الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه ومقصده، فيسمى ذلك كلاما. ثالثاً: تعريف اللفظ: اللفظ، أصله: الرمي لغة، يقال: " لفظت الناقة " إذا رمت ما في فمها، فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمي قوله لفظا.

стр. 983

وهو في الاصطلاح: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف؛ لأن الصوت كالشيء المرمي به؛ نظراً لخروجه من الفهم، فهو ملفوظ. رابعا: تعريف النطق: النطق: إحكام العبارة، سُمِّيت " المنطَقَة "، و "المنطَق "، و"النِّطاق " بذلك؛ لأنه حزام يشد به الرجل وسطه ويحكمه. خامسا: تعريف القول: القول لغة: مجرد النطق، وهو في الاصطلاح: لفظ وضع لمعنى ذهني. وهو أخص من اللفظ؛ لأن اللفظ يشمل اللفظ المهمل، واللفظ المستعمل فالقول لما عرفناه بأنه وضع لمعنى أخرج المهمل؛ لأنه لا معنى له. سادسا: سبب وضع اللغات: لما خلق اللَّه الإنسان الواحد، فإنه غير مستقل بمصالح معاشه، فيحتاج إلى مشاركة شخص آخر من نوعه يجري بينهما تعارف وتعاون على جلب غذاء، ولباس، ومسكن، وصناعة، ولا يمكن هذا من غير تفاهم بينهما، فاحتاجا إلى لغة يتفاهمان عليها، ويعرف كل واحد منهما غرض الآخر بواسطة هذه اللغة، فكان لا بد من لغة ولفظ. وقلنا ذلك؛ لأن اللفظ أفيد شيء من الأمور التي قد يتفاهم بها بعضهم كالمثال والإشارة، ذلك لعموم اللفظ؛ حيث يمكن أن يعبر باللفظ عن الشاهد، والغائب، والموجود، والمعدوم، والمحسوس، والمعقول. أما الإشارة والمثال، فإنه لا يكون فيهما ذلك؛ حيث لا يمكن الإشارة إلى الغائب والمعقول، والمعدوم، وليس لكل شيء مثال.

стр. 984

المبحث الثاني في دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى ؟ لقد اتفق العلماء في أن الالفاظ المتداولة المستعملة في اللغة دالة على معانيها. ولكن اختلفوا في هذه الدلالة - أي: دلالة اللفظ على المعنى - هل هي بالوضع أو لمناسبة بين اللفظ والمعنى؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن دلالة الألفاظ على معانيها بالوضع. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأنا نعلم أنه ليس بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية تقتضي اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى في الدلالة، ومما يؤيد ذلك: أن اللفظ الواحد قد يطلق على معنيين كل واحد منهما ضد للآخر وقد وقع، فلفظ " الجون " يطلق على الأسود والأبيض، ولفظ (القرء) يطلق على الحيض، والطهر، ولفظ " الجلل " يطلق على الكبير والصغير. ولو كان بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية لما جاز إطلاق اللفظ الواحد على إطلاق كل واحد منهما ضد الآخر؛ لأن اللفظ الواحد لا يكون مناسبا بطبعه لشيء ولضده. المذهب الثاني: أن دلالة اللفظ على معناه؛ لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه.

стр. 985

وهو مذهب عبَّاد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت ٢٥٠ هـ) . دليل هذا المذهب: أنه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية لكان اختصاص اللفظ بالمعنى المخصوص من بين سائر الألفاظ، واختصاص المعنى المخصوص بذلك اللفظ من بين سائر المعاني تخصيصا بلا مخصص. وهذا لا يجوز، لذلك لا بد أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية. جوابه: إن الواضع قد خصص بعض الألفاظ ببعض المعاني والمدلولات؛ نظراً إلى الإرادة المخصصة، فعلى هذا: يكون تخصيص اللفظ بمعناه، أو المعنى بذلك اللفظ بمخصص وهو: الإرادة فلم يصح ما قاله. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لم تتأثر الأحكام الفقهية بذلك.
следующие страницы →