← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

روى يحيى بن سلام عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: دار المؤمن درة مجوفة (١) وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال: بأصبعيه سبعين حلة منضمة باللؤلؤ والزبرجد (٢) والمرجان (٣). [أخرجه ابن المبارك (٤) بهذا السند عن حماد عن أبي المهزم قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن دار المؤمن في الجنة من لؤلؤة فيها أربعون بيتًا، في وسطها شجرة تنبت الحلل، فيذهب فيأخذ بأصبعيه سبعين حلة منضمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان] (٥). وقد تقدم (٦) هذا المعنى. وأبو المهزم ضعيف. [وروي عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن ولي الله يلبس حلة ذات وجهين يتجاوبن بصوت تقول التي تلي جسده: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أمس بدنه وأنت لا تمسيه (٧)، وتقول التي تلي وجهه: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أرى وجهه وأنت محجوبة لا تري وجهه] (٨). وقد تقدم (٩): "أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، صححه أبو عمر ﵀ وقال: "هذا عندي على نحو المعنى الذي نزعنا به في شارب الخمر" (١٠) أنه إذا دخل الجنة لا يشرب فيها خمرًا ولا يذكرها ولا يراها ولا تشتهيها نفسه، فكذلك لابس الحرير في الدنيا إن لم يتب منه.

стр. 1017

قلت: وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة ولم يتب من استعمالها. وقد روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين، فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: قراء أهل الجنة"، خرجه الترمذي أبو عبد الله في نوادر الأصول (١). وقد قيل: إن حرمانه للخمر، ولباسه للحرير، وشربه في إناء الذهب والفضة، واستماعه للروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار، ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة (٢)، أدخل الجنة ولم يحرم شيئًا منها، لا خمرًا ولا حريرًا ولا غيره؛ لأن حرمان الشيء من لذات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى ﵁ يرد هذا القول وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها، ولا يكون ذلك عقوبة والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وقال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ﴾ [الإنسان: ٢١]، وقرئ (٣): ﴿عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق﴾، الإستبرق: الديباج الصفيق الكثيف، والسندس: الخفيف الرقيق (٤). وخص الأخضر؛ لأنه الموافق للبصر؛ لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يورم، والخضرة لون بين البياض السواد، وذلك يجمع الشعاع والله أعلم.

стр. 1018

قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، [الأرائك] (١) جمع أريكة: وهي السرر في الحجال، وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]. [وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الرجل (٢) ليتزوج في شهر واحد ألف حوراء يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا" (٣)] (٤). وروي عن ابن عباس ﵄ قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها بكرًا، وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته فيجامعها بقوة سبعين رجلًا، لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها (٥). وقال المسيب بن شريك ﵁: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦] قال: "هن عجائز الدنيا أنشأهن الله خلقًا جديدًا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارًا، فلما سمعت عائشة ﵂ ذلك (٦) قالت: وا وجعاه، فقال النبي ﷺ : ليس هناك وجع" (٧). وذكر يحيى بن سلام عن صاحب له عن أبان بن أبي عياش عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم مع زوجته في تكأة واحدة سبعين عامًا، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد، فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول أن من اللاتي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، فيتحول إليها فيتنعم معها سبعين عامًا تكأة في واحدة، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد، فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا

стр. 1019

يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، فيتحول إليها فيتنعم معها في تكأة واحدة سبعين عامًا، فهم كذلك يدورون. وقال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] الحور: البيض في قول قتادة (١) والعامة، العين: العظام العيون. وقال قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٥] يعني في الآخرة، ﴿فِي شُغُلٍ﴾، يعني (٣) افتضاض العذارى فاكهون (٤): قال الحسن: مسرورون (٥). ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٦] قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ [الصافات: ٤١] فيه قولان: أحدهما: حين يشتهونه، قاله مقاتل (٦). الثاني: بمقدار الغداة والعشي، قاله ابن السائب. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، قال العلماء (٧): ليس في الجنة ليل ولا نهار وهو في نور أبدًا (٨)، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق (٩) الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج [ابن] (١٠) الجوزي (١١)، وخرّج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (١٢) من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة ليل؟ قال: "وما هيَّجك على هذا؟ قال سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي، فقال رسول الله ﷺ : ليس هناك ليل

стр. 1020

[ولا نهار] (١) وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدو، ويأتيهم طرف الهدايا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها وتسلم عليهم الملائكة". قوله تعالى: ﴿فَوَاكِهُ﴾ [فواكه] (٢) جمع فاكهة، قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢] وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، قاله ابن عباس، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] يعني ظلال الشجر، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ أي ذللت ثمارها يتناولون منها كيف شاؤوا إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت إليه، وإن اضطجع تدلت إليه حتى ينالها (٣). وذكر ابن المبارك (٤) أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ قال: أهل الجنة يأكلون الثمار (٥) في الشجر كيف شاؤوا جلوسًا ومضطجعين، وكيف شاؤوا، وواحد القطوف قِطف بكسر القاف. وذكر ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن خلق أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ستون ذراعًا كالنخلة السحوق يأكلون [من] (٦) ثمار الجنة قيامًا". وذكر يحيى بن سلام عن عثمان عن نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فرشهم فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدل الله تعالى مكانها أخرى". قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]،

стр. 1021

[وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي يقوم على رأسه عشرة ألف (١) خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة من ذهب وأخرى فضة (٢)، في كل واحدة لون لا يشبه الآخر" (٣)، ذكره القتبي في عيون الأخبار] (٤). قال المفسرون: يطوف على أدناهم منزلة سبعون ألف خادم بسبعين ألف صحفة من ذهب يغدى عليها بها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضًا (٥)، يراح عليه بمثلها ويطوف على أرفعهم درجة كل يوم سبع مائة ألف غلام مع كل غلام صحفة من ذهب فيها ألوان من الطعام ليس في صاحبتها يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها] (٦) لا يشبه بعضه بعضًا (٧)، وأكواب أي يطاف عليهم بأكواب كما قال: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: ١٥]. قال قتادة: الكوب: المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق: المستطيل الطويل العنق الطويل العروة (٨). وقال ابن عزيز (٩): أكواب: أباريق لا عرى لها ولا خراطيم، واحدها: كوب، وقاله الأخفش وقطرب. وقال الجوهري في الصحاح (١٠): الكوب كوز لا عروة له ونحوه. قال مجاهد (١١) والسدي (١٢): وهو مذهب أهل اللغة أنها التي لا آذان لها

стр. 1022

ولا عرى، ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]، أي اجتمع فيها صفاء القوارير مع بياض (١) الفضة وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير، وأن تراب الجنة فضة فهو قوارير من فضة قاله ابن عباس (٢)، وقال هي في صفة (٣) الفضة، وفي ذلك دليل على أن أرض الجنة من فضة؛ إذ المعهود في الدنيا اتخاذ الآنية من الأرض، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها كالقوارير يرى الشراب من وراء جدر القوارير، وهذا لا يكون في فضة الدنيا ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] أي في أنفسهم فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط هذا تفسير قتادة (٤). وقال ابن عباس (٥) ومجاهد (٦): أتوا بها على قدر رتبهم بغير زيادة ولا نقصان، والمعنى قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم، ويسقون فيها كأسًا أي من كأس، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] يعني الخمر، قال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ [الصافات: ٤٥] أي خمر، والمعين الماء الجاري الظاهر ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي لا تغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها صداع، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أي لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول للحلم (٧)، الحرب غول للنفوس، أي تذهب بها. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿يُنْزَفُونَ﴾ بكسر الزاي (٨) من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر، كما يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه وأركب المهر إذا حان ركوبه. وقيل: المعنى لا ينزفون شرابهم؛ لأنه دأبهم، والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغًا فليس بكأس، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا

стр. 1023

كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] قال الكلبي كافورًا عينًا في الجنة يشرب بها أي منها (١). وقيل: الباء زائدة، والمعنى: يشربها، ومنه: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي تنبت الدهن. وقال تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] وكانت العرب تستطيب الزنجبيل، وتضرب به المثل وبالخمر ممتزجين (٢)، فخاطبهم الله بما كانوا يعرفون (٣) ويستحبون كأنه يقول: لكم في الآخرة مثل (٤) ما تستحبون في الدنيا إن آمنتم، ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٨]، السلسبيل: اسم العين، والسلسبيل في اللغة: صفة لما كان غاية في السلاسة. وقال تعالى ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ [المطففين: ٢٥] يعني الشراب وهو الخمر مختوم ختامه مسك. قال مجاهد: يختم به آخر جرعة (٥). وقيل: المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففني ما في الكأس وانقطع الختم ذلك بطعم المسك (٦). وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ خلطه ليس بخاتم يختم، ألم تر إلى قول المرأة من نسائكم أن خلطه من الطيب كذا وكذا، إنما خلطه مسك ليس بخاتم يختم، ذكره ابن المبارك (٧) وابن وهب واللفظ لابن وهب.

стр. 1024

وذكر المبارك (١) عن أبي الدرداء ﵁: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل فيه يده (٢) ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها. ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، أي: في الدنيا بالأعمال الصالحة. قال: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ [المطففين: ٢٧]، أي: ومزاج ذلك الشراب من تسنيم، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٨] قال قتادة: يشرب بها المقربون صرفًا وتمزج لسائر أهل الجنة (٣)، وتسنيم أشرف شراب في الجنة، وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء يجري من علو إلى أسفل. ومنه: سنام البعير: لعلوه من بدنه (٤)، وكذلك تسنيم القبور، قد تسنم العيون والمياه، وشرف عليهم تجري من أعلا العرش، يحقق ذلك ما رواه أبو مقاتل عن صالح بن سعيد عن أبي سهل عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع عيون في الجنة: عينان تجريان من تحت العرش: إحداهما التي ذكر الله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، الأخرى نضاختان من فوق العرش: إحداهما التي ذكر الله ﴿سَلْسَبِيلًا﴾، والأخرى التسنيم، ذكره الترمذي الحكيم [في الأصل التاسع والثلاثين من نوادر الأصول (٥)] (٦) وقال: التسنيم للمقربين خاصة شرابًا لهم، والكافور للأبرار شرابًا لهم يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل السلسبيل فللأبرار منها مزاج، هكذا ذكره

стр. 1025

في التنزيل، وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب فما كان للأبرار منها مزاج فهو للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج. والأبرار [هم] (١) الصادقون، والمقربون [هم] (٢) الصديقون. قال الحسن (٣): خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن. وفي التنزيل: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٦] أي لذيذة، يقال: شراب لذّ إذا كان طيبًا. قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨]، أي نساء قد قصر طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. قال ابن زيد: إن المرأة منهن لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك (٤). ﴿عِينٌ﴾ عظام العيون، الواحدة منهن عينًا ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات: ٤٩] أي مصون. وقال الحسن (٥) وابن زيد (٦): شبههن (٧) ببيض النعام تكنها النعامة بريشها (٨) من الريح والغبار، فلونه أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء. وقيل: المراد بالبيض: اللؤلؤ (٩) كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] أي في أصدافه. وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠] يعني النساء، الواحدة خيرة وأصله خيرات فخفف: كهين ولين. ابن المبارك (١٠): حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن عامر

стр. 1026

قال: لو أن خيرة من خيرات حسان اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها. النصيف: القناع، وقوله: حسان أي حسان الخلق، وإذا قال الله تعالى: ﴿حِسَانٌ﴾ فمن يقدر [أن] (١) يصف حسنهن، جواري بيض مقصورات أي محبوسات في الخيام: جمع خيمة، وقد تقدم (٢) صفتها. وقال ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، ذكره ابن المبارك (٣) أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. وذكر عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابًا كلها در (٤). وعن أبي الأحوص (٥): ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، قال بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلًا، وليس لها باب حتى إذا حلّ (٦) ولي الله تعالى بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة (٧) قد قصر بها عن أبصار المخلوقين والله أعلم. وذكر الدارقطني في كتاب المديح عن المعتمر بن سليمان قال: إن في الجنة نهرًا ينبت الجواري الأبكار، والله أعلم (٨).

стр. 1027

والرفرف (١): المحابس (٢) قاله قتادة (٣): وقيل: فضول المحابس (٤). وقال أبو عبيد: الرفرف: الفرش (٥). وذكر الترمذي الحكيم (٦) أن الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف وأهوى به المرجاج يمينًا وشمالًا ورفعًا وخفضًا يتلذذ به مع أنيسه، فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل في السماع، فيروى في الخبر أنه ليس أحد من خلق الله تعالى أحسن صوتًا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم، فإذا ركبوا الرفارف وأخذ إسرافيل في السماع بألوان الأغاني تسبيحًا وتقديسًا للملك القدوس، فلم تبق شجرة في الجنة إلا وردت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة على باب إلا طنت بألوان طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع لهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها والطير بألحانها، ويوحي الله ﵎ للملائكة أن جاوبوهم واسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله ذكره: يا داود قم عند ساق العرش فمجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة، وأهل الخيام من تلك الرفارف تهوي بهم وقد حفت بهم أفانين اللذات والأغاني، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥].

стр. 1028

[وعن يحيى بن أبي كثير (١) في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾] (٢) قال: الروضة: اللذة والسماع. قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] العبقري: الفرش، قاله ابن عباس ﵁، الواحدة عبقرة وهي النمارق أيضًا في قوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ [الغاشية: ١٥]، والزرابي البسط مبثوثة معناه: مبسوطة، وقيل: أي منسوجة بالدر والياقوت، قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة ٢٧] يعني أهل الجنة من غير السابقين، وأصحاب الجنة كلهم أصحاب يمين: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ [الواقعة: ٢٨] الذي نزع شوكه وقد تقدم (٣)، ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] أي بعضه على بعض، وقال المفسرون: الطلح شجر الموز هاهنا وهو عند العرب شجر حسن اللون لخضرته، وإنما خص بالذكر؛ لأن قريشًا كانوا يعجبون من وج (٤) وكثرة ظلاله من طلح وسدر فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله، قاله مجاهد وغيره. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] قال مجاهد: مطهرة من الحيض والغائط والبول [والنخام] (٥) والبصاق والمني والولد، ذكره ابن المبارك] (٦)، أخبره أبو جريج (٧) عن مجاهد فذكره. ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]، أي باقون لا خروج لهم منها، وقد تقدم (٨). وقال مجاهد أيضًا في قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]

стр. 1029

قال: "لا ينظر بعضهم في قفا" (١) بعض تواصلًا وتحاببًا. وقيل: الأسرة تدور كيف شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد (٢). وقال ابن عباس ﵁: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، والسرير: ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة، وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد. والله أعلم. باب ما جاء في أطفال المسلمين والمشركين ذكر أبو عمر في كتاب التمهيد (٣) والاستذكار (٤)، وأبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول (٥)، والمفسرون (٦) عن علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] قال: هم أطفال المسلمين، زاد الترمذي: لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. قال أبو عمرو (٧): الجمهور من العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى الوقف في أطفال المسلمين وأولاد المشركين أن يكونوا في جنة أو نار، منهم: حماد بن زيد وابن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٨)، هكذا قال: الأطفال، لم يخص طفلًا من طفل.

стр. 1030

[قال الحليمي في كتاب منهاج الدين (١): وقد توقف في ولدان المسلمين من توقف في ولدان المشركين، وقال إذا كان كلًّا منهم يعامل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين، واحتج بأن صبيًا صغيرًا مات لرجل من المسلمين، فقالت إحدى نساء النبي ﷺ : طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ : وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا"، قال: فهذا يدل على أنه لا يمكن أن يقطع في أطفال المسلمين بشيء، قال الحليمي (٢): وهذا الحديث يحتمل أن يكون إنكار النبي ﷺ على التي قطعت بأن الصبي في الجنة؛ لأن القطع بذلك قطع بإيمان أبويه، وقد يحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافرين (٣)، فيخرّج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار، وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك؛ لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء، ثم أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٤)﴾ وقد قرئ: "واتبعناهم (٥) ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم (٦) " (٧)، فأخبر تعالى أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا، وجعل ذرياتهم أتباعًا لهم في الإيمان وأنه يُلحق بهم ذرياتهم في الآخرة، فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة، وقال النبي ﷺ : "سألت ربي أن يريني أهل الجنة وأهل النار، فجاءني جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام في النوم، فقالا: انطلق يا أبا القاسم، إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم تكفل بهم إبراهيم ﵇ حتى يلحق آباؤهم"، فدل أنهم في الجنة.

стр. 1031

قال الشيخ ﵁: الحديث الذي احتجوا به خرّجه أبو داود الطيالسي (١) قال: حدثنا قيس بن الربيع عن يحيى بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : "أُتي بصبي من الأنصار ليصلي عليه، فقلت: يا رسول الله: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوء قط، ولم يدره، فقال: يا عائشة أو لا تدرين أن الله ﵎ خلق الجنة وخلق لها أهلًا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم (٢) "] (٣). وقال طائفة: أولاد المسلمين في الجنة وأولاد المشركين في النار، واحتجوا بحديث سلمة بن يزيد الجعفي قال: "أتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلنا: يا رسول الله إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، وتفعل وتفعل فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: لا، قال: فقلنا: إن أمنا وأدت (٤) أختًا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فهل ذلك نافع أختنا، فقال رسول الله ﷺ : أرأيتم الوائدة والموؤدة فإنهما في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها" (٥). قال أبو عمرو (٦): هذا الحديث صحيح من جهة الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين مقصودة فكانت الإشارة إليها. والله أعلم. [وفي بعض طرق حديث سلمة بن يزيد: "فلما رأى ما قد دخل علينا،

стр. 1032

فقال: وأمي مع أمكما" (١)، خرجه ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢) عن سلمة بن يزيد قال: "سألت النبي ﷺ فقلت: أمي مات وكانت تقرئ الضيف، وتطعم الجار، وكانت وأدت وأدًا في الجاهلية، ولي سعة من المال أينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا ينفع الإسلام إلا من أدركه، إنها وما وأدت في النار، ورأى ذلك قد شق علي فقال: وأم محمد معهما ما فيهما خير". وخرج أبو نعيم (٣) الحافظ وغيره عن ابن مسعود قال: جاء أبناء مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله، إن أمنا كانت تكرم الزوج، وتعطف على الولد، وذكر الضيف، غير أنها وأدت في الجاهلية، فقال: أمكما في النار، فأدبرا والشر يرى في وجوههما، فأمر بهما فردوا والبشرى في وجوههما رجاء أن يكون حدث شيء، قال: أمي مع أمكما" وذكر الحديث] (٤). وروى بقية بن الوليد عن محمد بن يزيد الألهاني قال: سمعت عبد الله بن قيس يقول: سمعت عائشة ﵂ تقول: "سألت النبي ﷺ عن ذراري المؤمنين، فقال: هم مع آبائهم، قلت: بلا عمل، قال الله أعلم (٥) بما كانوا عاملين، وسألته عن ذراري المشركين، فقال هم مع آبائهم، قلت: بلا عمل، قال: الله أعلم (٦) بما كانوا عاملين" (٧). قال أبو عمر (٨): "عبد الله بن قيس هذا شامي تابعي ثقة. وأما بقية بن الوليد فضعيف وأكثر حديثه مناكير". ولكن هذا الحديث قد روي مرفوعًا عن

стр. 1033

عائشة ﵂ من غير هذا الوجه، قالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين أين هم (١)؟ قال: في الجنة، قالت وسألته عن ولدان المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: في النار، فقلت مجيبة له: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام، قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" (٢). قال أبو عمر (٣): "في طريقه أبو عقيل صاحب بُهيّة (٤) لا يحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل". [قال المؤلف ﵀: كذا ذكر أبو عمر هذا الحديث بهذا اللفظ، وكذلك (٥) ذكره أبو أحمد بن عدي (٦) فيما ذكر أبو محمد عبد الحق، وذكر أبو داود الطيالسي (٧) قال: حدثنا أبو عقيل عن بهية عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين؟ قال: "هم في النار يا عائشة، قالت: فقلت: فما تقول في أطفال المسلمين؟ قال: هم في الجنة يا عائشة قالت: قلت: وكيف ولم يدركوا الأعمال، ولم تجر عليهم الأقلام؟ قال ربك أعلم بما كانوا عاملين"، قال أبو محمد: يحيى بن المتوكل: ضعيف، وبهية لم يرو عنها إلا أبو عقيل] (٨). وقالت طائفة: إن الأطفال يمتحنون في الآخرة، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: "يقول الهالك في الفترة: لم يأتيني كتاب ولا رسول ثم تلا:

стр. 1034

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤] الآية، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: رب لم أدرك العمل، فترفع لهم نار فيقول لهم: ردوها وادخلوها، قال: فيردوها أن يدخلها من كان من علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، [ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل] (١)، فيقول الله تعالى: إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم؟ " (٢). قال أبو عمر (٣): "من الناس من يوقف هذا الحديث على أبي سعيد ولا يرفعه منهم: أبو نعيم الملائي (٤). قلت: ويضعفه من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء ثواب وعقاب، والله أعلم. [وقال الحليمي (٥): وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين؛ لأن الآخرة ليست بدارٍ للامتحان، فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة؛ ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء، فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة فلا يليق بأحوالهم المحنة، وإن كانوا غير عقلاء فهم من المحنة أبعد (٦)] (٧). قال أبو عمر (٨): "هذه الأحاديث من أحاديث الشيوخ وفيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث

стр. 1035

ضعيف في العلم والنظر مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيبًا (١) [منها] (٢) ". ذكر البخاري (٣) من حديث أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ الحديث الطويل حديث الرؤيا وفيه قوله ﵇: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال رسول الله ﷺ : وأولاد المشركين". وخرج البخاري (٤) أيضًا في رواية أخرى عن أبي رجاء: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله أولاد الناس". وهذا يقتضي عمومه جميع الناس. قلت: ذهب إلى هذا جماعة من العلماء وهو أصح شيء في الباب، قالوا: أولاد المشركين إذا ماتوا صغارًا في الجنة واحتجوا أيضًا بحديث عائشة ﵂ ذكره أبو عمر في التمهيد (٥)، قال: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: "هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال: هم على الفطرة (٦) أو قال في الجنة". قلت: هذا الحديث مرتب مفسر في غاية البيان، وهو يقضي على ما روي عن النبي في أحاديث صحاح من قوله في الأطفال، الله أعلم بما كانوا عاملين، فكان ذلك منه قبل أن يعلم أن أولاد المشركين في الجنة وقبل أن ينزل عليه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. [وقد كان ﵇ أنزل عليه بمكة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا

стр. 1036

يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، ولم يكشف له (١) عاقبة (٢) أمره وأمر المشركين، ثم أنزل الله عليه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] الآية، فأنزل عليه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وأنزل عليه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، فأعلمه أن الله يفعل به أن يظهره عليهم] (٣). وقد ذكر ابن سنجر واسمه: محمد بن سنجر قال: حدثنا هودة قال: ثنا عوف عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، [والوئيد في الجنة] (٤) " (٥) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم" (٦). قال أبو عمر (٧): "إنما قيل للأطفال اللاهين لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن الشيء أي: لم أعتقده، كقوله: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. وقالت طائفة: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، وحجتهم ما رواه الحجاج بن نصير عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" ذكره أبو عمر (٨).

стр. 1037

قلت: وإسناد هذا الحديث ليس بالقوي، لكن يدل على صحة هذا القول أعني: أنهم في الجنة أو أنهم خدم أهل الجنة ما ذكره جماعة من العلماء بالتأويل أن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة (١) الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٢) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بأنه الله لا إله غيره (٣)، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيًا أو سعيدًا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيًا عمَّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدًا عمَّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيدًا، ومن مات صغيرًا أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار؛ لأنهم ماتوا على الميثاق [الأول] (٤) الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقضوا الميثاق. قلت: وهذا أيضًا حسن؛ فإنه جمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﵇: لما سئل عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين يعني لو بلغوا بدليل حديث البخاري وغيره مما ذكرناه، وقد روي عن أنس (٥) ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "لم يكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن له سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا في النار فهم خدم لأهل الجنة" (٦)، ذكره يحيى بن سلام في

стр. 1038

التفسير له (١)، [وأبو داود الطيالسي (٢) في مسنده، وأبو نعيم (٣) الحافظ (٤) عن أنس قال: "سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين لم تكن لهم ذنوب يعاقبون (٥) عليها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون (٦) من ملوك الجنة، فقال النبي ﷺ : من خدم الجنة (٧) "] (٨). وقد روى أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٩) قال: ثنا أبو طالب الهروي قال: ثنا يوسف بن عطية عن قتادة قال: ثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد من ولد كافر أو مسلم وإنما يولدون على الفطرة على الإسلام كلهم ولكن الشياطين أتتهم فاجتالتهم (١٠) عن دينهم فهوَّدتهم ونصَّرتهم ومجَّستهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا". وخرّج (١١) من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال في خطبته: "إن الله أمرني أن أعلمكم وقال إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا يشركوا بي وحرمت عليهم ما أحللت لهم". قال أبو عبد الله الترمذي (١٢): "وهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار، فلما عملت (١٣)

стр. 1039

أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية (١) فذهبت (٢) بأهوائهم يمينًا وشمالًا". قلت: وهذا أيضًا يقوي ما اخترناه من [أن] (٣) أطفال المشركين في الجنة، وحديث عياض بن حمار خرجه مسلم في صحيحه (٤) وحسبك، وللعلماء في الفطرة أقوال ذكرناها (٥) في كتاب جامع أحكام القرآن (٦) من سورة الروم، والحمد لله. [باب منه وفي ثواب (٧) من قدّم ولدًا مسلم (٨) أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة ﵁: إنه مات لي ابنان فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه، أو قال: أبويه فيأخذ بثوبه، أو قال: بيده، كما آخذ أنا بصَنِفة (٩) ثوبك هذا فلا يتناهى أو قال: ولا ينتهي حتى يدخله الله وأبويه (١٠) الجنة (١١) ". وخرج أبو داود الطيالسي (١٢) قال: حدثنا شعيب عن معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي ﷺ كان يختلف إليه رجل من الأنصار معه ابن له، فقال له

стр. 1040

رسول الله ﷺ ذات يوم: "أتحبه يا فلان؟ فقال نعم يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه (١)، ففقده النبي ﷺ فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله مات ابنه، فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أو لا ترضى أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى حتى (٢) يفتحه لك؟ فقالوا (٣): يا رسول الله أله وحده أم لكلنا (٤)؟ فقال رسول الله ﷺ : بل لكلكم (٥) "، ذكره أبو في التمهيد (٦) أيضًا، وقال: هذا حديث ثابت صحيح (٧). وخرج أبو داود الطيالسي (٨) أيضًا في مسنده قال: ثنا هشام عن قتادة عن راشد (٩) عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "والنفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة". فصل هذا الباب يدل على أن صغار أولاد (١٠) المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم كما بينا (١١). قيل: وهو مقتضى ظاهر قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ (١٢) بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (١٣)﴾ كما تقدم، وقد ذكر (١٤) بعض العلماء

стр. 1041

الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء فإنه قد تقرر بالإجماع (١) على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري (٢). ودعاميص: جمع دعموص، هو دويبة تغوص في الماء، والجمع دعاميص، ودعامص، قال الأعشى (٣): فما ذنبًا إن جاش لي (٤) بحر عمكم … وبحرك ساج لا يواري الدعامصا (٥) وقد قيل: إن الدعموص يراد به: الآذن على الملوك المصرف بين يديه، قال أمية بن أبي الصلت (٦): دعموص أثواب الملوك وجانب للخرق فاتح وهذا هو المراد بالحديث، والله أعلم. وفي صحيح البخاري (٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة (٨) ". قال الشيخ ﵁: قوله ﵊: "لم يبلغوا الحنث"، معناه عند أهل العلم: لم يبلغوا الحلم، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث.

стр. 1042

وقد روى الترمذي (١) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٢) كانوا له حصنًا حصينًا من النار، قال أبو ذر: قدمت اثنين، قال: واثنين، قال أبي بن كعب سيد القراء: قدمت واحدًا، قال: وواحدًا ولكن إنما ذلك عند الصدمة الأولى"، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، خرجه ابن ماجه (٣) أيضًا، وفي هذا كله "دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة؛ لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم" (٤). قال أبو عمر بن عبد البر (٥): وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة، ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط، إلا ما روي عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد الثقات العدول، وأنه قوله ﷺ : "الشقي من شقي في بطن أمه" (٦)، وأن الملك ينزل فيكتب أجله ورزقه الحدث، مخصوص، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشق، بدليل الأحاديث والإجماع، وكذلك قوله ﷺ لعائشة: "إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم" (٧)، ساقط ضعيف مردود بالإجماع والآثار (٨)، وطلحة بن يحيى الذي

стр. 1043

يرويه: ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به ولا يعرج عليه (١) "] (٢). باب ما جاء في نزل أهل الجنة وتحفتهم إذا دخلوها روى البخاري (٣) ومسلم (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة. قال: فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزةً واحدةً كما قال النبي ﷺ قال: فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه، قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى، قال: إدامهم بالأم ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما (٥) سبعون ألفًا". وخرّج مسلم (٦) عن ثوبان مولي رسول الله ﷺ قال: "كنت قاعدًا عند رسول الله ﷺ فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعةً كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله، فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمد الذي سمَّاني به أهلي، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: سل، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ : في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أول الناس إجازة، قال: فقراء المهاجرين، فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال زيادة كبد النون، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلًا، قال صدقت وذكر الحديث.

стр. 1044

فصل قلت: هذا الحديث انفرد به مسلم وهو أبين من الحديث الذي قبله؛ لأنه من قول النبي ﷺ جوابًا لليهودي، والحديث الذي قبله آخر من قول اليهودي وهو يدخل في المسند لإقرار النبي ﷺ ، والجبار اسم من أسماء الله تعالى قد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١)، ويكفؤها: يقلبها ويميلها، من قولك كفأت الإناء إذا كببته، وقد تقدم (٢) أن أرض الحشر كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد، والنزل ما يعد للضيف من الطعام والشراب، ويقال: نزل أو نزل بتخفيف الزاي وتثقيلها، وقرئ بذلك قوله: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، قال أهل اللغة: النزل: ما يهيأ للنزيل، والنزيل الضيف، قال الشاعر: نزيل القوم أعظمهم حقوقا … وحق الله في حق النزيل وحظ النزيل مجتمع، والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنةً وملاطفةً، وزيادة كبد النون قطعة منه كالإصبع، وبالأم قد جاء مفسرًا في متن الحديث أنه الثور ولعل اللفظة عبرانية، والنون: الحوت وهو عربي، وفي الخبر عن النبي ﷺ قال: "سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم" (٣)، ذكره أبو عمر في التمهيد (٤). وذكر ابن المبارك (٥) قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير أخبره أن أبا العوام مؤذن إيليا أول رجل أذن بإيليا، أخبره أنه سمع كعبًا يقول: إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورًا، وأني أجزركم اليوم حوتًا وثورًا فيجزر لأهل الجنة.

стр. 1045

باب ما جاء أن مفتاح الجنة لا إله إلا الله [والصلاة (١) أبو داود الطيالسي (٢) قال: حدثنا سليمان بن معاذ الضبي عن يحيى (٣) القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الوضوء، ومفتاح الجنة الصلاة"] (٤). البيهقي عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي أهل الكتاب فيسألونك عن مفاتيح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلا الله" (٥). وفي البخاري (٦): وقيل لوهب: أليس مفاتيح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح [لك] (٧). فصل قلت: الأسنان عبارة عن توحيد الله تعالى وعبادته جميعًا، وعن توحيده أيضًا فقط. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]، وهو في القرآن كثير الإيمان مع العمل.

стр. 1046

[وهو مقتضى الحديث الأول حديث جابر وعن توحيد فقط كما] (١) في الصحيحين (٢) عن أبي ذر وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: وإن زنا وإن سرق، قال: وإن زنا وإن سرق". وذكر الطبراني (٣) من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حضر ملك الموت ﵇ رجلًا فنظر في كل عضو من أعضائه فلم يجد فيه حسنة، ثم شق عن قلبه فلم يجد فيه شيئًا، ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقًا بحنكه يقول: لا إله إلا الله، فقال: وجبت لك الجنة بقولك (٤) كلمة الإخلاص". كمل كتاب الجنة ولله الحمد والفضل والمنة، ويتلوه كتاب الفتن والأشراط بعون الله تعالى.

стр. 1047

بسم الله الرحمن الرحيم (١) وبه ثقتي (٢) كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة أول أبواب الفتن باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". باب ما جاء أن المؤمن حرام دمه وماله وعرضه وفي تعظيم حرمته عند الله تعالى ابن ماجه (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أن أحرم الأيام (٥) يومكم هذا، وإن أحرم الشهور شهركم هذا، وإن أحرم البلد بلدكم هذا، ألا [و] (٦) إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (٧) كحرمة يومكم هذا في شهركم (٨) هذا في بلدكم هذا، قالوا: نعم،

стр. 1048

قال: اللهم اشهد"، أخرجه (١) مسلم من حديث أبي بكرة (٢) وجابر (٣) بمعناه. وخرج ابن ماجه (٤) أيضًا (٥) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب رائحتك (٦)، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده (٧) لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك: ماله، ودمه، وأن يظن به إلا خيرًا". مسلم (٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه". النسائي (٩) عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا". الترمذي (١٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أشار على أخيه (١١) بحديدة لعنته الملائكة"، قال: حديث حسن صحيح غريب. باب ما جاء في قتل المؤمن والإعانة على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ (١٢)﴾

стр. 1049

الآية (١)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. وروى عبد العزيز بن يحيى المدني قال: حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن خارجة بن يزيد عن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يعظنا ويحدثنا ويقول: "والذي نفسي بيده ما عمل على وجه الأرض قط عمل أعظم عند الله بعد الشرك من سفك دم حرام، والذي نفسي بيده إن الأرض لتضج إلى الله تعالى من ذلك ضجيجًا تستأذنه فيمن عمل ذلك على ظهرها لتخسف به"، ذكره أبو نعيم (٢). قال: ثنا شافع بن محمد عن (٣) أبي عوانة الإسفرائيني قال: ثنا أحمد بن عبد الجوهري قال: ثنا علي بن حرب قال: ثنا عبد العزيز بن يحيى قال: ثنا مالك، فذكره. أبو داود (٤) عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره (٥) إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا". وعنه (٦) عن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال المؤمن مُعْنِقًا (٧) صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بَلَحَ". قال الهروي (٨): بَلَحَ، أي أعيا وانقطع به، يقال: بلح الفرس إذا انقطع جريه وبلحت الركية إذا انقطع ماؤها.

стр. 1050

وذكر أبو بكر النيسابوري قال: [ثنا زكريا بن يحيى قال: ثنا عمرو قال] (١): ثنا الفزاري عن زياد بن أبي زياد الشامي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعان في قتل مسلم (٢) بشطر كلمة لقي الله تعالى يوم القيامة مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله" (٣). قال الهروي (٤) وفي الحديث: "من أعان على مؤمن (٥) بشطر كلمة، قال شقيق: هو أن يقول في أقتل (أن) " (٦). أو كما قال ﵇: "كفى بالسيف شا" (٧) معناه: شافيًا. باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر والظلل ومن أين تجيء والتحذير منها وفضل العبادة عندها قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، ففي هذا تنبيه بالغ على التحذير من الفتن. مسلم (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا". وعن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: "خرج رسول الله ﷺ يومًا

стр. 1051

فزعًا محمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه (١) الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" (٢). وعن أسامة (٣) ﵁: "أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني أرى (٤) مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر" أخرجه البخاري (٥). [البيهقي] (٦) عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: سأل رجل النبي ﷺ : هل للإسلام من منتهى؟ فقال رسول الله ﷺ : "أيما أهل بيت من العرب والعجم (٧) أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم (٨) الإسلام، فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم تقع الفتن كالظلل، فقال الرجل: كلا والله إن شاء الله، قال: بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صُبًّا يضرب بعضكم رقاب بعض". قال الزهري (٩): أساود صبَّا: الحية السوداء إذا أراد أن تنهش ارتفع هكذا ثم انصب [[خرجه أبو داود الطيالسي (١٠) أيضًا.

стр. 1052

قال أبو دحية بن الخطاب الحافظ: هذا الحديث (١) لا مطعن في صحة إسناده، رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن كرز. قرأته بجامع قرطبة ومسجد العزيز، وبمسجد أبي علاق على المحدث العدل المؤرخ أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري قال: سمعت جميع هذا الكتاب وهو جامع الخير للإمام سفيان بن عيينة على الشيخين الجليلين الثقة المفتي أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب والوزير الكاتب الثقة أبي الوليد رحيم بن عبد الله (٢) بن طريف قالا: قرأناه على العدل أبي القاسم حاتم بن محمد التميمي فحق سماعه على الثقة الفاضل أبي الحسن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس بمكة بالمسجد الحرام فحق سماعه على الثقة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم الديبلي فحق سماعه على الثقة الصالح أبي عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي فحق سماعه من الإمام أبي محمد بن سفيان بن عيينة. قال الشيخ ﵀: وقد حدثني بهذا السند (٣) الفقيه القاضي أبو عامر يحيى (٤) إجازة عن أبي بشكوال (٥) والحمد لله. وكرز هو كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي أسلم يوم الفتح وعُمّر طويلًا، وهو الذي نصب أعلام الحرم في خلافة معاوية ﵄ وأمارة مروان بن الحكم، وفيه: "ثم مه قال ثم تعود الفتن" بدل: "قال ثم ماذا قال ثم (٦) تقع الفتن"، ولم يذكر قول الزهري إلى آخره. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قول الرجل: "ثم مه"، هي ها هنا (٧) على الاستفهام، أي ثم ما يكون، و "مه" في غير هذا (٨) الموضع زجر وإسكات

стр. 1053

كقوله ﵊: "مه إنكن صواحب يوسف" (١). وقوله: "كأنها الظلل (٢) "، الظلل: السحاب، والظلة السحابة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وقول الرجل بجهله (٣): كلا والله، معناها الجحد بمعنى: لا والله، وقيل هي بمعنى الزجر، فقال رسول الله ﷺ : "بلى والذي نفسي بيده"، وبلى: رد (٤) للنفي استفهامًا كان أو خبرًا أو نهيًا، فالاستفهام: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] و ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٢٠] جوابه: بلى هو قادر، ومثال الخبر: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] جوابه: بلى تمسكم، ومثال النهي: لا تلق زيدًا، جوابه: بلى لألقينه. قال الحافظ ابن دحية (٥): وقوله (٦) "صُبّا" هكذا قيدناه (٧) بضمة الصاد وشد الباء على مثال: غُرّى. والأساود: نوع من الحيّات عِظَامٌ، فيها سواد وهو أخبثها، والصَبُّ منها: التي تنهش ثم ترتفع، ثم تنصب. شبههم فيما يتلونه من الفتن والقتل والأذى بالصب من الحيات. قال الشيخ ﵁: الأساود: جمع أسود وهو الحية، وصبا: جمع صاب، كغازٍ وغزا، وهو الذي يميل ويتلوى وقت النهش؛ ليكون أنكى في اللدغ، وأشد صبًا للسم، ويجوز أن يكون جمع أصب وهو الذي كأنه ينصب عند النهش (٨) أيضًا، فالأول من صاب إذا مال (٩) والثاني من صبّ إذا سكب والله أعلم]] (١٠).

стр. 1054

مسلم (١) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعًا يقول: سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات (٢) يريد أزواجه لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة". وعن عبيد بن عمير قال: خرج رسول الله ﷺ فقال: "يا أصحاب الحجرات سعرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٣). قال أبو الحسن القابسي: هذا وإن كان مرسلًا فإنه من جيد المراسيل، وعبيد بن عمير من أئمة المسلمين. مسلم (٤) عن سالم بن عبد الله قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵃ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا، وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال له (٥): ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. وعن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ" (٦).

стр. 1055

فصل قوله: "ويل للعرب من شر قد اقترب"، قد تقدم (١) معنى الويل والمراد به (٢) هنا الحزن، قاله: ابن عرفة (٣)، فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب، وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة فصار ذلك في غيرهم من التُرك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته ﵇ وما جاءهم به من الدين والإسلام، فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضًا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم، كما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. ولهذا لما قالت زينب في سياق الحديث: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث". فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قولها: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"، دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون". فأما إذا كثر المفسدون وقلَّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا بالمعروف (٤) ويكرهوا ما صنع المفسدون (٥)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره [على ما نبينه] (٦).
следующие страницы →