← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فزعًا محمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه (١) الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" (٢). وعن أسامة (٣) ﵁: "أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني أرى (٤) مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر" أخرجه البخاري (٥). [البيهقي] (٦) عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: سأل رجل النبي ﷺ : هل للإسلام من منتهى؟ فقال رسول الله ﷺ : "أيما أهل بيت من العرب والعجم (٧) أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم (٨) الإسلام، فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم تقع الفتن كالظلل، فقال الرجل: كلا والله إن شاء الله، قال: بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صُبًّا يضرب بعضكم رقاب بعض". قال الزهري (٩): أساود صبَّا: الحية السوداء إذا أراد أن تنهش ارتفع هكذا ثم انصب [[خرجه أبو داود الطيالسي (١٠) أيضًا.

стр. 1052

قال أبو دحية بن الخطاب الحافظ: هذا الحديث (١) لا مطعن في صحة إسناده، رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن كرز. قرأته بجامع قرطبة ومسجد العزيز، وبمسجد أبي علاق على المحدث العدل المؤرخ أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري قال: سمعت جميع هذا الكتاب وهو جامع الخير للإمام سفيان بن عيينة على الشيخين الجليلين الثقة المفتي أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب والوزير الكاتب الثقة أبي الوليد رحيم بن عبد الله (٢) بن طريف قالا: قرأناه على العدل أبي القاسم حاتم بن محمد التميمي فحق سماعه على الثقة الفاضل أبي الحسن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس بمكة بالمسجد الحرام فحق سماعه على الثقة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم الديبلي فحق سماعه على الثقة الصالح أبي عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي فحق سماعه من الإمام أبي محمد بن سفيان بن عيينة. قال الشيخ ﵀: وقد حدثني بهذا السند (٣) الفقيه القاضي أبو عامر يحيى (٤) إجازة عن أبي بشكوال (٥) والحمد لله. وكرز هو كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي أسلم يوم الفتح وعُمّر طويلًا، وهو الذي نصب أعلام الحرم في خلافة معاوية ﵄ وأمارة مروان بن الحكم، وفيه: "ثم مه قال ثم تعود الفتن" بدل: "قال ثم ماذا قال ثم (٦) تقع الفتن"، ولم يذكر قول الزهري إلى آخره. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قول الرجل: "ثم مه"، هي ها هنا (٧) على الاستفهام، أي ثم ما يكون، و "مه" في غير هذا (٨) الموضع زجر وإسكات

стр. 1053

كقوله ﵊: "مه إنكن صواحب يوسف" (١). وقوله: "كأنها الظلل (٢) "، الظلل: السحاب، والظلة السحابة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وقول الرجل بجهله (٣): كلا والله، معناها الجحد بمعنى: لا والله، وقيل هي بمعنى الزجر، فقال رسول الله ﷺ : "بلى والذي نفسي بيده"، وبلى: رد (٤) للنفي استفهامًا كان أو خبرًا أو نهيًا، فالاستفهام: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] و ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٢٠] جوابه: بلى هو قادر، ومثال الخبر: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] جوابه: بلى تمسكم، ومثال النهي: لا تلق زيدًا، جوابه: بلى لألقينه. قال الحافظ ابن دحية (٥): وقوله (٦) "صُبّا" هكذا قيدناه (٧) بضمة الصاد وشد الباء على مثال: غُرّى. والأساود: نوع من الحيّات عِظَامٌ، فيها سواد وهو أخبثها، والصَبُّ منها: التي تنهش ثم ترتفع، ثم تنصب. شبههم فيما يتلونه من الفتن والقتل والأذى بالصب من الحيات. قال الشيخ ﵁: الأساود: جمع أسود وهو الحية، وصبا: جمع صاب، كغازٍ وغزا، وهو الذي يميل ويتلوى وقت النهش؛ ليكون أنكى في اللدغ، وأشد صبًا للسم، ويجوز أن يكون جمع أصب وهو الذي كأنه ينصب عند النهش (٨) أيضًا، فالأول من صاب إذا مال (٩) والثاني من صبّ إذا سكب والله أعلم]] (١٠).

стр. 1054

مسلم (١) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعًا يقول: سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات (٢) يريد أزواجه لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة". وعن عبيد بن عمير قال: خرج رسول الله ﷺ فقال: "يا أصحاب الحجرات سعرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٣). قال أبو الحسن القابسي: هذا وإن كان مرسلًا فإنه من جيد المراسيل، وعبيد بن عمير من أئمة المسلمين. مسلم (٤) عن سالم بن عبد الله قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵃ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا، وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال له (٥): ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. وعن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ" (٦).

стр. 1055

فصل قوله: "ويل للعرب من شر قد اقترب"، قد تقدم (١) معنى الويل والمراد به (٢) هنا الحزن، قاله: ابن عرفة (٣)، فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب، وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة فصار ذلك في غيرهم من التُرك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته ﵇ وما جاءهم به من الدين والإسلام، فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضًا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم، كما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. ولهذا لما قالت زينب في سياق الحديث: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث". فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قولها: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"، دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون". فأما إذا كثر المفسدون وقلَّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا بالمعروف (٤) ويكرهوا ما صنع المفسدون (٥)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره [على ما نبينه] (٦).

стр. 1056

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب [وقرئ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ (١) الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وعلى هذه القراءة يكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة، وهي قراءة علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود] (٢). فالجواب (٣): أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره [إما بيده فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه قد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. روي الأئمة (٤) عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وروي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرًا لا يستطيع النكير فليقل ثلاث مرات: اللهم هذا منكر لا أرضاه، فإذا قال ذلك فقد أدّى ما عليه] (٥)، فأما إذا سُكِت عليه فكلهم عاصٍ هذا بفعله وهذا برضاه [كما ذكرنا] (٦)، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة. دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. فأما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى

стр. 1057

وتبرؤوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سَلِموا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقال ابن عباس ﵄: قد أخبرنا الله (١) عن هذين ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وروى سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال: بلغني أن مَلَكًا أُمِرَ أن يخسف بقرية (٢) فقال: يا رب فيها فلان (٣) العابد، فأوحى الله تعالى إليه أن به فابدأ؛ فإنه لم يتمعَّر (٤) وجهه في ساعة قط (٥). وقال وهب بن منبه: لما أصاب داود ﵇ الخطيئة قال: يا رب اغفر لي، قال: قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل، قال: كيف يا رب وأنت الحكم العدل الذي لا يظلم أحدًا. أعمل أنا الخطيئة ويلزم عارها غيري، فأوحى الله تعالى إليه يا داود أنك لما اجترأت علي بتلك المعصية لم يعجلوا عليك بالنكرة. وروى أبو داود (٦) عن العرس بن عميرة الكندي ﵁ عن النبي ﷺ

стр. 1058

قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، وقال (١) مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"، وهذا نص في الفرض (٢). وحسّن رجلٌ عند الشعبي قتل عثمان ﵁ فقال الشعبي: قد شركت في دمه (٣). وفي صحيح الترمذي (٤): "أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده (٥) ". فالفتنة إذا عُمِلت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نساكنكم، وبهذا قال (٦) السلف ﵃. روى ابن وهب عن مالك قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها، واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرجه أهل الصحيح (٧). وقال مالك في موضع آخر: إذا أظهر الباطل على الحق كان الفساد في الأرض، وقال: إن لزوم الجماعة نجاة، وإن قليل الباطل وكثيره هلكة، وقال:

стр. 1059

ينبغي للناس أن يغضبوا لأمر الله تعالى في أن تنتهك فرائضه وحرمه، والذي أتت به كتبه وأنبياؤه، أو قال: يخالف كتابه. قال أبو الحسن القابسي: الذي يلزم الحق ويغضب لأمر الله تعالى على بينة من النجاة، قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم (١) أمر الله" (٢). قال أبو عمر: وروى أشهب بن عبد العزيز قال: قال مالك: لا ينبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير الحق والسب للسلف. قال أبو عمر: أما قول مالك هذا فمعناه: إذا وجد بلدًا يُعْمَلُ فيه (٣) بالحق في الأغلب. وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: فلان بالمدينة وفلان بمكة (٤) وفلان: باليمن وفلان بالعراق وفلان بالشام امتلأت الأرض والله جورًا وظلمًا (٥). قال أبو عمر (٦): فأين المهرب إلا إلى السكوت ولزوم البيوت والرضى بأقل قوت. [وكان سفيان الثوري يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين، هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن. ويحكى عنه (٧) أنه قال: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة، وآراء فاسدة، فقيل له: الشام. قال يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة، فقيل له: فالعراق، قال: بلد الجبابرة، فقيل له: فمكة، قال: تذيب الكيس والبدن.

стр. 1060

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال لي شيخي في العبادة لا يذهب لك الزمان في مصاولة الأقران، ومواصلة الإخوان، ولم أر للخلاص شيئًا أقرب من طريقين: إما أن يغلق المرء على نفسه بابه، وإما أن يخرج إلى موضع يعرف فيه، فإن اضطر إلى مخالطة الناس (١) فليكن معهم ببدنه وليفارقهم بقلبه ولسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ولا يفارق السكوت. أنشدني محمد بن عبد الملك الصوفي قال: أنشدني أبو الفضل الجوهري (٢)] (٣) وقال منصور بن الفقيه أحسن (٤): الخير أجمع في السكوت (٥) … وفي ملازمة البيوت فإذا استوى لك ذا وذا … فاقنع له بأقل قوت قال (٦) القاضي (٧): ولي في هذا المعنى شعر: حاز السلامة مسلم … يأوي إلى سكن وقوت ماذا يؤمل بعد ما (٨) … يأوي إلى بيت وقيت قال المؤلف ﵀: ولأبي سليمان الخطابي في هذا المعنى شعر (٩): أنست بوحدتي ولزمت بيتي … فدام الأنس لي ونما السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هُجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيًا … أسار الخيل أم ركب الأمير

стр. 1061

والشعر في هذا المعنى كثير (١) وسيأتي (٢) للعزلة له مزيد بيان (٣) من السنة إن شاء الله تعالى. (وكثرة الخبث): ظهور الزنا، وأولاد الزنا. وذكر ابن وهب عن يُحَنَّس (٤) مولى الزبير أنه ذكر أن في زمن رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق فقال بعض الناس: يا رسول الله يخسف بالأرض وفيها المسلمون فقال: "إذا كان أكثر أهلها الخبث (٥) " (٦). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي فيكون طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين لقوله ﵊: "ثم بعثوا (٧) على نياتهم" (٨)، وفي رواية: "أعمالهم" (٩). وقد تقدم (١٠) هذا المعنى (١١) فمن كانت نيته صالحة أثيب عليها، ومن كانت نيته سيئة جوزي عليها، وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩] فاعلمه.

стр. 1062

باب في (١) رحى الإسلام ومتى تدور (٢) أبو داود (٣) عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا، قال: قلت: أمما بقي؟ قال: مما مضى". فصل قال الهروي (٤) في تفسير هذا الحديث (٥): قال الحربي: يروى تزول، وكأن (تزول) أقرب؛ لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها، وتدور يكون بما يحبون ويكرهون، فإن كان الصحيح سنة خمس (٦) فإن فيها قام أهل مصر وحصروا (٧) عثمان ﵁، وإن كانت الرواية سنة ست ففيها خرج طلحة (٨) والزبير إلى الجمل، وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفين غفر الله لهم أجمعين. وقال الخطابي (٩): "يريد ﵊ أن هذه المدة إذا انقضت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله ذلك (١٠) الهلاك يقال للأمر إذا تغير واستحال دارت رحاه، وهذا والله أعلم إشارة إلى انقضاء مدة (١١) الخلافة وقوله: (يقم لهم دينهم): أي ملكهم وسلطانهم، وذلك من لدن بايع

стр. 1063

الحسن ﵁ معاوية إلى انقضاء بني أمية من المشرق من نحو (١) سبعين سنة وانتقاله إلى بني العباس، و (الدين): الملة والسلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي في سلطانه". وقوله: (تدور رحى الإسلام) دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن، ما (٢) يكون فيها من قبض الأرواح وهلاك الأنفس والله أعلم. باب ما جاء أن عثمان ﵁ (٣) لما قتل سل سيف الفتنة الترمذي (٤) عن ابن أخي عبد الله بن سلام (٥) قال (٦): لما أريد عثمان ﵁ جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني (٧) فإنك خارج خير لي من داخل (٨)، قال (٩): فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: "أيها الناس إنه كان (١٠) اسمي في الجاهلية فلان فسماني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت (١١) في آيات (١٢) من كتاب الله نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ (١٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] ونزلت فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] إن الله سيفًا مغمودًا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم

стр. 1064

هذا الذي نزل (١) فيه نبيكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، ولتسلن سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة، قال فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قلت: ومثل هذا من عبد الله بن سلام لا يكون إلا عن علم علمه (٢) من الكتاب (٣) أو سمعه من النبي ﷺ . [[فصل قال العلماء بالسير والأخبار: أنه دخل على عثمان (٤) في الدار جماعة من الفجار منهم كنانة بن بشر (٥) التجيبي فأشعره مشقصًا، أي قتله (٦) به، فانتضح الدم على المصحف ووقع على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (٧)﴾، وقيل: ذبحه رجل من أهل (٨) مصر يقال له: حماد، وقيل: ذبحه رومان (٩)، وقيل: قتله الموت الأسود (١٠)، ويقال له أيضًا الدم الأسود، من طغاة مصر، فقطع يده، فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت في المصحف. وهذه البلوى: الذي ثبت في الصحيح عن أبي موسى: "إن النبي ﷺ

стр. 1065

دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، ثم قال: ائذن له وبشره الجنة على بلوى تصيبه فإذا عثمان بن عفان"، لفظ البخاري (١) ذكره في مناقب عثمان. وقد قيل: إن الصحيح في مقتله ﵁ أنه لم يتعين له قاتل معين بل أخلاط الناس وهم همج رعاع جاؤوا من مصر، ومن غير قطر، وجاء الناس إلى عثمان فيهم عبد الله بن عمر متقلدًا سيفه، [و] (٢) زيد بن ثابت، فقال له زيد بن ثابت: إن الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك كفوا، وكان معه في الدار الحسن والحسين، وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة ومروان بن الحكم كلهم شاك (٣) في السلاح، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزوم بيوتهم، فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا أن لا نبرح، فضاق عثمان ﵁ من الحصار، ومنع الماء حتى أفطر على (٤) ماء البحر الملح (٥). قال الزبير بن بكار (٦): حاصروه شهرين وعشرين يومًا (٧). وقال الواقدي (٨): حاصروه تسعة وأربعين يومًا (٩) ففتح الباب (١٠) فخرج الناس، وسلموا له راية في إسلام نفسه.

стр. 1066

و (١) قال سليط بن أبي سليط (٢): نهانا الإمام عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (٣). ودخلوا عليه في أصح الأقوال، وقتله من شاء الله من سفلة الرجال. وروى أبو عمر بن عبد البر (٤) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي بعض أصحابي، فقلت: أبو بكر؟ فقال: لا، فقلت: عمر؟ فقال: لا، فقلت: ابن عمك؟ فقال: لا، فقلت (٥): عثمان؟ قال (٦): نعم، فلما جاءه، قال لي بيده، فتنحيت فجعل رسول الله ﷺ يساره، ولون عثمان يتغير، فلما كان الدار يوم وحصر، قيل له: ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا وأنا صابر عليه". وفي الترمذي (٧) عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "يا عثمان لعل الله يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه"، لهم قال: حديث حسن غريب (٨). وعن ابن عمر قال: "ذكر النبي ﷺ فتنة، فقال: تقتل فيها (٩) مظلومًا لعثمان" (١٠)، فقال: حديث حسن غريب.

стр. 1067

ويروى أنه دخل عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. قال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا (١)، قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا تحل (٢) قميص الله عليك؛ فتكون سنة كلما كره قوم خليفة خلعوه وقتلوه (٣). "واختلف في سنه ﵁ حين قتله من قتله من الفجار أدخلهم الله بحبوحة النار: فقيل: قتل وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابن تسعين سنة. وقال قتادة: قتل عثمان وهو ابن ست وثمانين سنة، وقيل غير هذا" (٤). وقتل مظلومًا كما شهد له بذلك النبي ﷺ وجماعة أهل السنة، وألقي على مزبلة فأقام فيها (٥) ثلاثة أيام (٦) لم يقدر أحد على دفنه، حتى جاءه جماعة بالليل خفية فحملوه على لوح وصلّوا عليه ودفن في موضع من البقيع يسمى حش كوكب، وكان مما حبسه (٧) وزاده في البقيع، وكان إذا مر به يقول: يدفن فيك رجل صالح. وكان هو المدفون فيه، وعُمي قبره لئلا يُعرف، وقتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين قاله الواقدي. وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة.

стр. 1068

وكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أيامًا اختلف فيها، ﵁. وقيل: إن المنغصين على عثمان من المصريين ومن تابعهم من البلدان كانوا أربعة ألف (١) وبالمدينة يومئذٍ أربعون ألفًا. وقد اختلف العلماء على من نزل (٢) به مثل نازلة عثمان (٣) - ألحقه الله جناح الرحمة والرضوان - هل يلقي بيده أو (٤) يستنصر؟ وأجاز (٥) جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن يستسلم وهو أحد قولي الشافعي، وقال بعض العلماء: لا يسلّم بيده بل يستنصر ويقاتل ولكل من القولين وجه ودليل، وسيأتي (٦) بيانه إن شاء الله. وقال بعض العلماء: ولو اجتمع أهل المشرق والمغرب على نصرة عثمان لم يقدروا على نصرته؛ لأن رسول الله ﷺ أنذره في حياته وأعلمه بالبلوى التي تصيبه، فكان ذلك من المعجزات التي أخبر بوقوعها بعد موته ﷺ ، وما قال رسول الله ﷺ شيئًا قط إلا كان. وقال حسان بن ثابت (٧): قتلتم ولي الله في جوف داره … وجئتم (٨) بأمر جائر غير مرشد فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا … على قتل عثمان الرشيد المسدد خرّج (٩) مسلم (١٠) في صحيحه قال: ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن حاتم قالا: حدثنا معاذ بن معاذ (١١) قال: حدثنا ابن عون عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجَرَعة فإذا رجل جالس فقلت: ليهراقن اليوم هاهنا (١٢)

стр. 1069

دماء (١)، فقال الرجل: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله، قلت: بلى والله ثلاثًا، قال: كلا إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه، قلت: بئس الجليس لي (٢) أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك، وقد سمعته (٣) من رسول الله ﷺ فلا تنهاني، ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه (٤) وأسأله، فإذا الرجل حذيفة. الجَرَعة: موضع بجهة الكوفة، على طريق الحيرة، قيده الحفاظ بفتح الجيم والراء، وقيده بعض رواة الحفاظ (٥) أيضًا بإسكان الراء وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة متألبين متعصيين لردِّ والي أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكتبوا إلى عثمان لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليك (٦)، وكان رده سنة أربع وثلاثين، وكتبوا إلى عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري، فلم يزل واليًا عليهم إلى أن قُتِل عثمان، فلما سمع بقتله يعلى بن أمية التميمي الحنظلي أبو صفوان، ويقال: أبو خالد: أسلم يوم الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينًا والطائف وتبوك، وكان صاحب الجند وصنعاء، أقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسرت فخذه، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير واستشرف إليه الناس واجتمعوا، فقال: من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه، فأعان الزبير بأربعة ألف (٧) وحمل سبعين رجلًا من قريش، وحمل عائشة ﵂ على جمل أدبٍ ويقال: أزبٍ (٨) لكثرة وبره (٩)، اشتراه (١٠) بمائتي دينار، قاله ابن عبد البر

стр. 1070

في الاستيعاب (١)، وقال ابن شبة في كتاب الجمل له: اشتراه بثمانين دينارًا، والأول أصح، واسمه عسكر. وذكر ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه (٢) قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملًا لعثمان على صنعاء فلما بلغه حصر عثمان أقبل سريعًا لينصره، فلقيه صفوان بن أمية، وصفوان على فرس وعبد الله بن أبي ربيعة على بغلة فدنا منها الفرس فحادت فطرحت ابن أبي ربيعة فكسر فخذه، فقدم مكة بعد الصدر (٣) وعائشة بمكة يومئذٍ تدعو إلى الخروج بطلب دم عثمان، فأمر بسرير فوضع له في المسجد (٤)، ثم حمل فوضع على سريره (٥)، فقال: أيها الناس من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه، قال: فجهزّ ناسًا كثيرًا وحملهم ولم يستطع الخروج إلى الجمل (٦) لما كان برجله. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد عن ابن (٧) أبي مليكة عن عبد الله بن أبي السائب قال: رأيت عبد الله بن أبي ربيعة على سرير في المسجد الحرام يحض الناس على الخروج فيطلب دم عثمان، ويحمل من جاءه. انتهى كلام ابن سعد في الطبقات (٨). ولا تعارض فإنه يحتمل أن يكونا خرجا (٩) جميعًا في نصرة عثمان فكسرا واجتمعا بمكة، وجعلا يجهزان من يخرج والله أعلم.

стр. 1071

وكانت عائشة ﵂ حاجَّة في السنة التي قتل فيها عثمان، وكانت مهاجرة له فاجتمع طلحة والزبير ويعلى (١) وقالوا لها بمكة: عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم ويرعوا (٢) حرمة نبيهم، وهي تمتنع عليهم، فاحتجوا عليها بقول الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقالوا لها: إن المتألبين على عثمان بالبصرة كثير، فبلغت الأقضية مقاديرها فاصطف الناس للقتال ورموا عليًا وأصحابه بالنبال، فقال عليٌّ: لا ترموا بسهم، ولا تضربوا بسيف، ولا تطعنوا برمح، فرمي رجل (٣) من عسكر القوم بسهم فقتل رجلًا من أصحاب علي، فأتي به إلى علي، فقال (٤): اللهم اشهد، ثم رمي آخر فقُتِلَ رجلٌ (٥) من أصحاب علي، فقال علي: اللهم اشهد، ثم رمي آخر، فقال علي: اللهم اشهد، وقد كان علي نادى الزبير، يا أبا عبد الله ادن إلي أذكرك كلامًا سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ ، فقال: عليّ الأمان، فقال: عليك الأمان، فقال: عليّ الأمان (٦)، فبرز، فأذكره أن رسول الله ﷺ قال له وقد وجدهما يضحكان بعضهما على بعض: "أما إنك ستقاتل عليًا وأنت له ظالم (٧) " (٨)، فقال الزبير:

стр. 1072

اللهم إني ما ذكرت هذا إلا الساعة، وثنى (١) عنان فرسه، لينثني (٢)، فقال له ابنه عبد الله: إلى أين؟ قال: أذكرني عليٌ كلامًا قاله رسول الله ﷺ قال: كلا، ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادًا يحملها رجال شداد، قال له: ويلك، ومثلي يعيَّر بالجبن؟ هلمَّ الرمح، وحمل الرمح وأخذ على أصحاب (٣) علي، فقال عليٌّ: افرجوا للشيخ فإنه محرج، فشق الميمنة والميسرة والقلب، ثم رجع إلى ابنه وقالا لابنه (٤): لا أمَّ لك أيفعل هذا جبان؟ وانصرف، وقامت الحرب على ساق (٥)، وبلغت النفوس إلى التراق (٦)، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين [ألف] (٧) قتيل، وقيل سبعة عشر ألفًا، وفيه اختلاف: فيهم من الأزد أربعة آلاف، ومن ضبة ألف ومائة، وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة، وقتل فيها من أصحاب علي نحو من ألف رجل، وقيل: أقل، وقطع على خطام الجمل سبعون يدًا من بني (٨) ضبة، كلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر، وهم ينشدون: نحن بني (٩) ضبة أصحاب الجمل … ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أشهى عندنا من العسل (١٠) وكان الجمل الراية إلى أن عُقِر الجمل، وكانوا قد ألبسوه الأدراع (١١). وقال جلة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجاءة وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين

стр. 1073

عن (١) أنفسهم؛ لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به؛ لأن الأمر كان انتظم بينهم، وتم الصلح والتفريق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكين (٢) منهم، والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدؤوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق (٣) الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، والذي في عسكر طلحة والزبير: غدر عليٌّ (٤)، فتم لهم بذلك (٥) ما أرادوه ودبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعًا لمكر به عند نفسه، ومانعًا من الإشاطة بدمه. وهذا صواب من الفريقين، وطاعة الله إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذه (٦) السبيل، وهذا هو الصحيح المشهور (٧). وكان قتالهم (٨) من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قريب العصر لعشر ليالٍ خلون من جمادى الآخرة سنة ستٍ وثلاثين (٩). وفي صحيح مسلم (١٠) من كتاب الفتن عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" يعني المشرق (١١)، وأخرجه (١٢) قبل هذا بنصف ورقة بأسانيد منها: عن عبد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى باضطراب في بيت حفصة، ثم قال: وقال (١٣) عبيد الله بن سعيد (١٤) في روايته: "قام رسول الله ﷺ

стр. 1074

عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق: الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، قالها مرتين أو ثلاثًا". وذكر الإمام أحمد بن حنبل (١) في مسنده في الجزء الخامس من مسند عائشة ﵂، قال: حدثني محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة ﵂ لما أتت الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: "أيتكن تنبح كلاب الحوأب"؟، فقال لها (٢) الزبير: ترجعين عسى الله أن يصلح بك من الناس (٣). وروى أبو بكر بن أبي شيبة (٤) قال: ثنا وكيع بن الجراح عن عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أيتكن صاحبة الجمل الأَدْبَبِ (٥)، يقتل حولها قتلى كثرة، وتنجو بعدها [كادت"، وهذا حديث ثابت صحيح رواه الإمام المجمع على عدالته وحفظه وفقهه عن عصام، وهو ثقة عدل فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب (٦) له عن عكرمة وهو عند أكثر العلماء ثقة عالم. وهذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ وهو إخباره بالشيء قبل كونه. وقوله: "الأدْبب" أراد الأدبّ، وأظهر التضعيف. والعجب من القاضي أبي بكر بن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتبه منها في كتاب العواصم من القواصم، وذكر أنه لا يوجد أصلًا (٧)، وظهر

стр. 1075

العلماء المحدثين (١) بإنكاره غباوة وجهلًا، وشهرة هذا الحديث من فلق الصبح أجلى، وقد رواه أبو عمر في كتاب الاستيعاب (٢) فقال: ثنا سعيد بن نصر، قال: ثنا هشام بن أصبغ قال: ثنا محمد بن وضاح قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة فذكره بسنده المتقدم (٣). وروى أبو جعفر الطبري (٤) قال: لما خرجت عائشة ﵂ من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب معها جهزها عليٌّ ﵁ جهازًا حسنًا، وأخرج معها من أراد الخروج، واختار عليها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة، وجهز معها أخاها محمدًا، وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها علي ﵁ على أميال] (٥) وسرّح بنيه معها يومًا. فصل فإن قيل: فلِمَ ترك عليٌّ الاقتصاص من قتلة عثمان؟ فالجواب: أنه لم يكن ولي دم، وإنما كان أولياء الدم أولاد عثمان، وهم جماعة: عمرو، وكان أسن ولد عثمان، وأبان وكان محدثًا فقيهًا، وشهد الجمل مع عائشة، والوليد بن عثمان، وكان عنده مصحف عثمان الذي كان (٦) في حجره حين قتل ومنهم الوليد بن عثمان. ذكر ابن قتيبة في المعارف (٧) أنه كان صاحب شراب وقوة (٨)، ومنهم

стр. 1076

سعيد (١) بن عثمان، وكان واليًا لمعاوية على خراسان، فهؤلاء بنو عثمان الحاضرين (٢) في ذلك الوقت، وهم أولياء الدم دون غيرهم، ولم يتحاكم إلى علي واحد منهم، ولا نقل ذلك عنهم، فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم، إذ كان أقضى الصحابة؛ للحديث المروي فيه عن رسول الله ﷺ . وجواب ثانٍ: أنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه، فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه، ولا إلى الحكم في ذلك سبيل (٣)، مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقهم، ففي تركهم له أوضح دليل، وكذلك فعل معاوية حين تمت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قُتِلَ علي ﵁ لم يحكم على واحد من المتهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص وأكثر المتهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة، وكلهم تحت حكمه وأمره وغلبته وقهره، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه، ويقول: لا نبايع من يؤوي (٤) قتلة عثمان، ولا يقتص منهم، والذي كان يجب عليه شرعًا أن يدخل في طاعة علي ﵁ حين انعقدت بيعة خلافته في مسجد رسول الله ﷺ ومهبط الوحي، ومقر النبوة وموضع الخلافة لجميع من كان فيها: من المهاجرين والأنصار بطوع منهم وارتضاء واختيار وهم أمم لا يحصون، وأهل عقد وحل (٥)، والبيعة تنعقد بطائفة من أهل الحل والعقد (٦)، فلما بويع له ﵁ طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي ﵁: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق [تصلوا إليه، فقالوا: لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك، تراهم صباحًا ومساءً، وكان علي في ذلك أسدَّ رأيًا،

стр. 1077

وأصوب قيلًا؛ لأن عليًا لو تعاطى القود منهم لتعصب لهم قبائل، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم فيجري القضاء بالحق. قال القاضي أبو بكر بن العربي (١): ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتت الكلمة؛ وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليًا من ولاية، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأوا أن البداية بقتل أصحاب عثمان أولى. ذكر ابن وهب قال: ثني حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب أنه سمعه يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن حرشة وكعب الكناني حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة فقال: لا إله إلا الله ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق ببقعة من الأرض فغضب قيس ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق هذا؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به؟ فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلا هو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى بن عمران ما يكون إلى يوم القيامة، أخبرناه شيخنا القاضي لسان المتكلمين أبو عامر يحيى ابن الشيخ الفقيه الإمام أبي الحسين بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري إجازة] (٢) عن شيخه المحدث الثقة المؤرخ أبي القاسم خلف بن عبد الملك (٣) بن بشكوال قال: حدثنا جماعة من شيوخنا ﵏ منهم الفقيه المفتي أبو محمد بن عتاب قال: أنبأنا الإمام أبو عمر بن عبد البر فيما أجازه لنا (٤) بخطه: [قال: ثنا خلف بن القاسم الحافظ، قال: ثنا عبد الله بن عمر] (٥) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال: حدثنا خالي أبو الربيع وأحمد بن صالح وأحمد بن عمر (٦) بن السرح ويحيى بن سليمان قالوا: حدثنا ابن وهب فذكره.

стр. 1078

وأحمد بن محمد بن الحجاج هو ابن رشدين بن سعد أبو جعفر مصري. قال (١): أبو أحمد بن عدي (٢): كذبوه، وأنكرت عليه أشياء. ومحمد بن يزيد بن أبي زياد مجهول، قاله الدارقطني (٣)، وباقي السند ثقات معروفون. وأما وقعة صفين فإن معاوية ﵀ (٤) لما بلغه مسير علي (٥) ﵁ إليه من العراق، خرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقرب الماء من الفرات وبنى قصرًا لبيت ماله (٦)، وصفين صحراء ذات كدي (٧) وأكمات، وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة (٨) من سائر الجهات، ولم يكن ثمّ مشرعة سواها للواردين والواردات فمنعت عليًا ﵁ إياها وحمتها عنه تلك الكمأة فذكرهم بالمواعظ الحسنة والآيات، وحذرهم بقول النبي ﷺ فيمن منع فضل ماء (٩) بالفلاة (١٠)، فردوا قوله، وأجابوه بألسنة الطغاة إلى أن قاتلهم بالقواضب (١١) والسمهريات (١٢)، فلما غلبهم عليها أباحها للشاربين والشاربات، ثم بنى مسجدًا على تل ماء على

стр. 1079

الفرات ليقيم فيه مدة مقامه فرائض الصلوات لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين من الدرجات على ما ثبت في الصحيحين (١) من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة العدول الثقات، وحضرها جماعة من البدريين وممن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين، وكان مع علي (٢) رايات كانت مع رسول الله ﷺ في قتال المشركين، وكان مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة أشهر، وكان بينهم قبل (٣) القتال سبعين زحفًا (٤)، وقُتِلَ في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة (٥) ثلاثةٌ وسبعون (٦) ألفًا من الفريقين، ذكره الثقة العدل أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمداني المعروف بابن ديزيل، وهو الملقب بسيْفَنَّة (٧)، وسيْفَنَّة طائر إذا وقع على الشجرة لم يقم عنها ويترك (٨) فيها شيئًا. وفي تلك الليالي وهي ليلة الهرير جعل يهر بعضهم إلى بعض (٩)، والهرير: الصوت يشبه النباح؛ لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض قد كسروا جفون سيوفهم واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد، فلا تسمع إلا غمغمة القوم، والحديد في الهام، فلما صارت السيوف كالمناجل

стр. 1080

تراموا بالحجارة، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا (١) بالأفواه وكسفت الشمس وثار القتام وارتفع الغبار، وضلت الألوية والرايات، ومرت مواقيت (٢) أربع صلوات؛ لأن القتال كان بعد صلاتهم (٣) صلاة الصبح، واقتتلوا إلى نصف الليل وذاك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، قاله الإمام أحمد في تاريخه (٤). وقال غيره: في شهر ربيع الآخر (٥). وكان أهل الشام يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة ألف، وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ومائة ألف، ذكره الزبير بن بكار أبو عبد الله القاضي العدل قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن زكريا بن عيسى عن ابن شهاب عن محمد بن عمرو بن العاص، وكان ممن شهد صفين وأبلى فيه (٦)، وفيه يقول: فلو شهدت حمل مقامي ومشهدي … بصفين يومًا شاب منها الذوائب غداة أتى (٧) أهل العراق كأنهم … من البحر لج موجه متراكب وجئناهم نمشي كأن صفوفنا … شهاب حريق رفعته الجنائب ويروى: سحائب غيث رفعته الجنائب (٨). فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا عليًا … فقلنا بل نرى أن نضارب فطارت إلينا بالرماح كُماتهم … وطرنا إليهم بالأكف قواضب إذا قلنا استهزموا عرضت لنا … كتائب منهم وإن حجبت كتائب فلا هم يولون الظهور فيدبروا … فرارًا كفعل الخادرات الدرائب

стр. 1081

قال ابن شهاب: فأنشدت عائشة ﵂ أبياته هذه فقالت: ما سمعت شاعرًا أصدق شعرًا منه (١). قال الحافظ ابن دحية قوله: "بل نرى أن نضارب"، أن هنا مخففة من الثقيلة، محذوفة الاسم تقديره: أننا، وقوله: "كفعل الخادرات الدرائب" الخادرات: الأسود التي لا تدبر عن فرائسها؛ لأنها قد ضربت بها، ودرب عليها، والدربة: الضراوة. يقال: درب يدرب، ورفع الدرائب؛ لأنها بدل من الضمير في يدبروا. قال: والإجماع منعقد على أن طائفة الإمام طائفة عدل، والأخرى طائفة بغي، ومعلوم أن عليًا ﵁ كان الإمام. وروى مسلم في صحيحه (٢) قال: ثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن أبي سلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو] (٣) خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل (٤) يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: "بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية"، وخرّجه أيضًا من طريق إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور ومحمد بن غيلان ومحمد بن قدامة قالوا: أخبرنا النضر بن شميل عن شعبة عن أبي مسلمة هذا الإسناد نحوه غير أن في حديث النضر قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة (٥)، وله طريق (٦) غير هذا في صحيح مسلم (٧). وقال: أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب (٨) في ترجمة عمار: وتواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: "تقتل عمار (٩) الفئة الباغية"، وهو من أصح الأحاديث.

стр. 1082

وقال فقهاء الإسلام فيما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب الإمامة من تأليفه: وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين أن عليًا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتال (١) أصحاب الجمل، وقالوا أيضًا (٢): بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم يبغيهم. وقال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي (٣) في كتاب (٤) الفرق (٥) من تأليفه في بيان عقيدة أهل السنة: وأجمعوا على أن عليًا كان مصيبًا في قتال أهل الجمل، أعني طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين أعني معاوية وعسكره. وقال الإمام أبو المعالي في كتاب الإرشاد (٦): فصل: علي ﵁ كان إمامًا حقًّا في توليته، ومقاتلوه بغاة، وحسن الظن بهم يقتضي أن يظن بهم قصد الخير وإن أخطأوه. فهو آخر فصل ختم به كتابه. وحسبك بقول سيد الأولين وإمام المتقين لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"، وهو من أثبت الأحاديث كما تقدم (٧). ولما لم يقدر معاوية على إنكاره لثبوته عنده قال: إنما قتله من أخرجه، ولو كان حديث فيه شك لرده (٨) معاوية وأنكره، وأكذب ناقله وزوَّره، وقد أجاب علي ﵁ عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله ﷺ إذًا قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي ﵁[إلزام لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض] (٩) عليها

стр. 1083

قاله الإمام الحافظ أبو الخطاب [ابن دحية ﵁ (١)]] (٢). وسيأتي (٣) قول حذيفة لعمران: إن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر (٤). [[باب يأتي زمان (٥) إلا والذي بعده شر منه (٦) وظهور (٧) الفتن البخاري (٨) عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحَجَّاج فقال (٩): "اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا وبعده شر منه حتى تلقوا ربكم"، سمعته من نبيكم ﷺ . وخرّجه (١٠) الترمذي (١١) وقال: حديث صحيح. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان وينقص (١٢) العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل" خرّجه (١٣) مسلم (١٤). قوله: (يتقارب (الزمان) قيل: معناه قصر الأعمار وقلة البركة فيها، وقيل: هو دنو زمان الساعة (١٥)، وقيل: هو قصر مدة الأيام، على ما روي: "أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم

стр. 1084

كالساعة والساعة كاحتراق السعفة"، أخرجه الترمذي (١) وقال: هذا حديث غريب، وقيل في تأويله غير هذا (٢). [وقال حماد بن سلمة: سألت أبا سنان عن قوله: (يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر؟ قال: ذاك من استلذاذ العيش (٣). قال الخطابي (٤)]] (٥): يريد والله أعلم زمان خروج المهدي وقوع الأمنة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها على ما يأتي فيستلذ العيش عند ذلك، وتستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قَصُرَتْ وقلّت، والعربُ تقول في هذا مثل هذا: مرّ بنا يوم كعرقوب القطا قِصرًا (٦)] (٧). و (يلقى الشح) بمعنى يتلقى ويتعلم ويتواصى به ويدعى إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] أي تقبلها وتعلمها، ويجوز (يلقى) بتخفيف اللام والقاف على معنى يترك لإفاضة المال وكثرته حتى يهب رب المال من يقبل صدقته فلا يجد من يقبلها على ما يأتي (٨)، ولا يجوز أن يكون (يلقى) بمعنى يوجد؛ لأن الشح ما زال موجودًا قبل تقارب الزمان (٩) فاعلم (١٠).

стр. 1085

باب ما جاء في الفرار من الفتن وكسر السلاح [فيها] (١) وحكم المكره عليها مالك عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر (٢) بدينه من الفتن" (٣). مسلم (٤) عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " [إنها] (٥) ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن (٦)، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان (٧) له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال (٨) رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق عليه (٩) بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم هل بلَّغت، اللهم هل بلَّغت، اللهم هل بلَّغت، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فيضربني (١٠) رجلٌ بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني، قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي من

стр. 1086

تشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فيلعذ به" (١). باب منه وفي الأمر بلزوم البيوت (٢) عند الفتن ابن ماجه (٣) عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة وفرقة (٤) واختلافٌ، فإذا كان ذلك (٥) فأت بسيفك أُحُدًا فاضربه (٦) حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة أو منية قاضية"، فقد وقعت وفعلت ما قال النبي ﷺ . أبو داود (٧) عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجلُ فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، [ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا] (٨)، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاسَ بيوتكم". فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان محمد بن مسلمة ﵁ ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال وأن النبي ﷺ أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفًا من خشب، ففعل وأقام بالرَّبذة، وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأبو ذر وحذيفة وعمران بن حصين وأبو موسى وأهبان بن

стр. 1087

صيفي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، ومن التابعين: شريح، والنخعي وغيرهما ﵃. قلتُ: وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم ﵃، فكان (١) المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على (٢) الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبًا للملك والاستكثار من الدنيا؟ فواجب على الإنسان كف اليد واللسان عند ظهور الفتن ونزول البلايا والمحن نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة بحق محمد نبيه (٣) وآله وأتباعه (٤) وصحبه (٥) ﵃. و (٦) قوله: (كونوا أحلاس بيوتكم)، حض على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه. ومن (٧) مراسيل الحسن وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: نِعم صوامع المؤمنين بيوتهم (٨). وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. ودخل سلمة بن الأكوع على الحجاج وكان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان ﵁ وتزوج امرأة هناك وولدت له أولادًا فلم يزل بها (٩) حتى كان قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة فقال له (١٠) الحجاج: ارتددت على عقبيك (١١)؟

стр. 1088

قال: لا ولكن رسول الله ﷺ أذن لنا (١) في البدو، وخرَّجه مسلم (٢) وغيره (٣)، وقد تقدم (٤) قوله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يكون خيرُ مال المسلم غنمًا يتبع به شعفَ الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن". وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد على ما يعلم من نفسه ويأتي له من أمره، وقد كان العمري (٥) بالمدينة معتزلًا، وكان مالك مخالطًا للناس ﵀ ثم اعتزل مالك (٦) آخر عمره، فيروى (٧) أنه أقام ثمان عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد، فقيل له في ذلك فقال: ليس كل أحد يمكنه أن يخبر بعذره، واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل: لئلا يرى المناكير (٨). وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان. وقيل: كانت به أبردة (٩) فكان يرى تنزيه المسجد عنها (١٠)، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (١١) له، والله أعلم (١٢).

стр. 1089

باب منه (١) وكيف التثبت في الفتنة والاعتزال عنها وفي ذهاب الصالحين ابن ماجه (٢) عن عديسة بنت أهبان قالت: لما جاء علي بن أبي طالب ﵁ هاهنا البصرة دخل على أبي فقال: يا أبا مسلم: ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال: بلى، فدعى جارية فقال: يا جارية (٣)، أخرجي سيفي، قالت: فأخرجته فسل منه قدر شبر فإذا هو خشب فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إلي إذا كانت فتنة بين المسلمين فاتخذ سيفًا من خشب، فإن شئت خرجت معك، قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك. وعن هذيل بن شرحبيل عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، [ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا] (٤)، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيّكم وقطعوا (٥) أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير (٦) ابني آدم"، أخرجه أبو داود (٧) أيضًا.

стр. 1090

وخرّج (١) من حديث سعد (٢) بن أبي وقاص ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله أرأيت (٣) إن دخل علي بيتي، وبسط يده (٤) ليقتلني؟ قال] (٥): فقال رسول الله ﷺ : "كن (٦) كخير (٧) ابني آدم وتلا هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] ". ابن ماجه (٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم كخير وبزمان يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة تبقى (٩) حثالة من الناس قد مَرِجَت (١٠) عهودهم، وخفت أماناتهم واختلفوا، فكانوا هكذا وهكذا وشبك بين أصابعه، قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك الزمان؟ قال: تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عامتكم". خرَّجه أبو داود (١١) أيضًا. [وخرّجه أبو نعيم (١٢) الحافظ بإسناده عن محمد بن كعب القرظي أنّ الحسن (١٣) بن أبي الحسن حدثه أنه سمع شريحًا وهو قاضي عمر بن الخطاب يقول: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : "استغربلون حتى تصيروا في
следующие страницы →