← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

تشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فيلعذ به" (١). باب منه وفي الأمر بلزوم البيوت (٢) عند الفتن ابن ماجه (٣) عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة وفرقة (٤) واختلافٌ، فإذا كان ذلك (٥) فأت بسيفك أُحُدًا فاضربه (٦) حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة أو منية قاضية"، فقد وقعت وفعلت ما قال النبي ﷺ . أبو داود (٧) عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجلُ فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، [ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا] (٨)، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاسَ بيوتكم". فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان محمد بن مسلمة ﵁ ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال وأن النبي ﷺ أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفًا من خشب، ففعل وأقام بالرَّبذة، وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأبو ذر وحذيفة وعمران بن حصين وأبو موسى وأهبان بن

стр. 1087

صيفي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، ومن التابعين: شريح، والنخعي وغيرهما ﵃. قلتُ: وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم ﵃، فكان (١) المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على (٢) الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبًا للملك والاستكثار من الدنيا؟ فواجب على الإنسان كف اليد واللسان عند ظهور الفتن ونزول البلايا والمحن نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة بحق محمد نبيه (٣) وآله وأتباعه (٤) وصحبه (٥) ﵃. و (٦) قوله: (كونوا أحلاس بيوتكم)، حض على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه. ومن (٧) مراسيل الحسن وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: نِعم صوامع المؤمنين بيوتهم (٨). وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. ودخل سلمة بن الأكوع على الحجاج وكان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان ﵁ وتزوج امرأة هناك وولدت له أولادًا فلم يزل بها (٩) حتى كان قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة فقال له (١٠) الحجاج: ارتددت على عقبيك (١١)؟

стр. 1088

قال: لا ولكن رسول الله ﷺ أذن لنا (١) في البدو، وخرَّجه مسلم (٢) وغيره (٣)، وقد تقدم (٤) قوله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يكون خيرُ مال المسلم غنمًا يتبع به شعفَ الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن". وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد على ما يعلم من نفسه ويأتي له من أمره، وقد كان العمري (٥) بالمدينة معتزلًا، وكان مالك مخالطًا للناس ﵀ ثم اعتزل مالك (٦) آخر عمره، فيروى (٧) أنه أقام ثمان عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد، فقيل له في ذلك فقال: ليس كل أحد يمكنه أن يخبر بعذره، واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل: لئلا يرى المناكير (٨). وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان. وقيل: كانت به أبردة (٩) فكان يرى تنزيه المسجد عنها (١٠)، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (١١) له، والله أعلم (١٢).

стр. 1089

باب منه (١) وكيف التثبت في الفتنة والاعتزال عنها وفي ذهاب الصالحين ابن ماجه (٢) عن عديسة بنت أهبان قالت: لما جاء علي بن أبي طالب ﵁ هاهنا البصرة دخل على أبي فقال: يا أبا مسلم: ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال: بلى، فدعى جارية فقال: يا جارية (٣)، أخرجي سيفي، قالت: فأخرجته فسل منه قدر شبر فإذا هو خشب فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إلي إذا كانت فتنة بين المسلمين فاتخذ سيفًا من خشب، فإن شئت خرجت معك، قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك. وعن هذيل بن شرحبيل عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، [ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا] (٤)، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيّكم وقطعوا (٥) أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير (٦) ابني آدم"، أخرجه أبو داود (٧) أيضًا.

стр. 1090

وخرّج (١) من حديث سعد (٢) بن أبي وقاص ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله أرأيت (٣) إن دخل علي بيتي، وبسط يده (٤) ليقتلني؟ قال] (٥): فقال رسول الله ﷺ : "كن (٦) كخير (٧) ابني آدم وتلا هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] ". ابن ماجه (٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم كخير وبزمان يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة تبقى (٩) حثالة من الناس قد مَرِجَت (١٠) عهودهم، وخفت أماناتهم واختلفوا، فكانوا هكذا وهكذا وشبك بين أصابعه، قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك الزمان؟ قال: تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عامتكم". خرَّجه أبو داود (١١) أيضًا. [وخرّجه أبو نعيم (١٢) الحافظ بإسناده عن محمد بن كعب القرظي أنّ الحسن (١٣) بن أبي الحسن حدثه أنه سمع شريحًا وهو قاضي عمر بن الخطاب يقول: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : "استغربلون حتى تصيروا في

стр. 1091

حثالة من الناس قد مرجت (١) عهودهم وخربت أماناتهم، فقال قائل: فكيف (٢) بنا يا رسول الله؟ قال: تعملون بما تعرفون، وتتركون ما تنكرون، وتقولون: أحد أحد انصرنا على من ظلمنا، واكفنا من بغانا"، غريب من حديث محمد بن كعب والحسن وشريح، ما علمت له وجهًا غير هذا] (٣). النسائي (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت الناس مرجت (٥) عهودهم وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وهكذا وشبك بين أصابعه، فقمت إليه (٦) فقلت [له] (٧): كيف أصنع عند ذلك يا رسول الله جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، عليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة. خرجه أبو داود (٨) أيضًا (٩). الترمذي (١٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنكم في زمان من ترك منهم عشر ما أمر به هلك، ويأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا". قال: هذا حديث غريب، وفي الباب عن أبي ذر. فصل قوله: يوشك معناه يقرب، وقوله: فيغربل الناس فيها غربلة، عبارة عن

стр. 1092

موت الأخيار، وبقاء (١) الأشرار كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله، والحثالة ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر وكل ذي قشر إذا بقي، وحثالة الدهن تفله، وكأنه الرديء من كل شيء، ويقال: حثالة وحفالة بالفاء والثاء (٢) معًا (٣). وقد روى ابن ماجه (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتنتقون كما ينتقى التمر من أغفاله (٥)، وليذهبن (٦) خياركم وليبقين شراركم فموتوا إن استطعتم". وخرج البخاري (٧) عن مرداس الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة"، وفي رواية (٨): "لا يعبأ الله بهم". [يقال: ما أباليه بالة، وبالي وبلي مقصور مكسور مصدرٌ (٩)، وقيل: اسم، أي ما اكترث به، والبال: الاكتراث والاهتمام بالشيء. والصالحون هم الذين أطاعو الله وعملوا بما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه. قال أبو الخطاب بن دحية: ومرداس هذا هو مرداس بن مالك الأسلمي، من أسلم بفتح اللام، سكن الكوفة، وهو معدود في أهلها، ولم يحفظ له من طريق صحيح سوى هذا الحديث.

стр. 1093

قال الشيخ ﵀: انفرد به البخاري، روى عنه قيس بن أبي حازم (١) في (٢) الرقاق] (٣). ومرجت (٤) معناه: اختلطت واختلفت، والمرج (٥): الاختلاط والاختلاف. باب الأمر بتعلم كتاب الله واتباع ما فيه ولزوم جماعة المسلمين عند غلبة الفتن وظهورها، وصفة (٦) دعاة آخر الزمان والأمر بالسمع والطاعة للخليفة وإن ضُرِب الظهر وأُخِذ المال أبو داود (٧) عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ قال: بنو الليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة (٨)، فقال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغلت الدواب بالكوفة، قال: فسألت أبا موسى الأشعري أنا وصاحب لي فأذن لنا فقدمنا الكوفة فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد، فإذا قامت السوق خرجت إليك، قال (٩): فدخلت المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قطعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل قال: فقمت عليهم فجاء رجل فقام إلى جنبي قال: فقلت: من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قال (١٠):

стр. 1094

قلت: نعم، قال: قد عرفت، ولو كنت كوفيًا لم تسأل عن هذا، فدنوت منه فسمعت حذيفة ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قال: فقلت: يا رسول الله بعد هذا الخير شر، قال: يا حذيفة تعلَّم كتاب الله واتبع ما فيه، ثلاث مرات، قال: قلت يا رسول الله بعد هذا الخير شر؟ فقال: يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه، قال: قلت: يا رسول الله بعد هذا الشر خير، قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيهم أو فيها، قلت: يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه، قال: قلت يا رسول الله بعد هذا الخير شر، قال: فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جِذْلٍ (١) خير لك من أن تتبع أحدًا منهم. [وخرج أبو نعيم (٢) عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة؛ ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم ﵇، نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياة في معصية الله". خرّجه في باب يزيد بن مرثد عن معاذ، غريب من حديث معاذ لم يروه عنه إلا يزيد بن مرْثد وعنه الوضين بن عطاء] (٣). وخرج أبو داود (٤) والبخاري (٥) ومسلم (٦) عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله

стр. 1095

عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءن الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت (١): وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، فقلت [فهل] (٢): بعد ذلك الخير من (٣) شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فقلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن (٤) تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. وفي رواية قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي (٥)، ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع"، لفظ مسلم (٦). وفي كتاب أبي داود (٧) بعد قوله: "هدنة على دخن" قال: قلت يا رسول الله: ثم ماذا؟ قال: إن كان الله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، [ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره] (٨)، قال: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة".

стр. 1096

فصل قوله: على أقذاء، الأقذاء جمع القذا، والقذا جمع قذاة وهو ما يقع في العين من الأذى وفي الشراب والطعام من تراب أو نتن أو غير ذلك، والمراد به في الحديث الفساد الذي يكون في القلوب، أي أنهم يتقون بعضهم بعضًا ويظهرون الصلح والاتفاق، ولكن في باطنهم خلاف ذلك، والجذل: الأصل كما هو مبين في كتاب مسلم على أصل شجرة. باب منه إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار مسلم (١) عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: فقلت: أريد نصرة (٢) ابن عم رسول الله ﷺ يعني عليًا ﵁، قال: فقال لي: يا أحنف ارجع سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قال: فقلت أو قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه"، أخرجه البخاري (٣). وفي بعض طرقه: "أنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٤). فصل قال أصحابنا (٥): ليس هذا الحديث في أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فأمر الله

стр. 1097

تعالى بقتال الفئة الباغية ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لتعطلت فريضة من فرائض الله، وهذا يدل على أن قوله: القاتل والمقتول في النار ليس في أصحاب محمد ﷺ ؛ لأنهم إنما قاتلوا على التأويل. قال الطبري (١): لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين (٢) الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة قد نهينا عن القتال (٣) فيها وأمرنا بكف الأيدي والهرب منها، وذلك مخالف (٤) لقوله ﵇: "خذوا على أيدي سفهائكم" (٥). قلت: فحديث أبي بكرة محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا، وقد جاء هكذا منصوصًا فيما سمعناه من بعض مشائخنا: "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار"، خرجه البزار (٦). ومما يدل على صحة هذا ما خرَّجه مسلم في صحيحه (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار"، فبيّن هذا الحديث أن القتال (٨) إذا كان على جهالة من

стр. 1098

طلب الدنيا أو اتباع هوى كان القاتل والمقتول في النار، فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا، وأما أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم؛ [لثناء الله عليهم في كتابه فقال وقوله الحق: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ (١)﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ (٢) [الحديد: ١٠] إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾] (٣). وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق. وقد قيل: إن من توقف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكف على عمومها، فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وربما ندم بعضهم على ترك ذلك، كعبد الله بن عمر فإنه ندم على تخلفه عن نصرة علي بن أبي طالب ﵁ فقال عنده موته: "ما آسى على شيء ما آسى (٤) على تركي قتال الفئة الباغية، يعني فئة معاوية"، وهذا هو الصحيح. إن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت. قال عبد الرحمن بن أبزى (٥): شهدنا صفين مع علي ﵁ في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع علي ﵁ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعونه كأنه علم لهم، [قال] (٦): وسمعته يقول: يومئذ لهاشم بن عتبة يا هاشم

стр. 1099

تقدم، الجنة تحت الأبارقة اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، والله لو هزمونا حتى بلغونا (١) شِعَاف الجبال (٢) لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل ثم قال: نحن ضربناكم على تنزيله … فاليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله قال: فلم أر أصحاب محمد ﷺ قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ، وسئل بعض المتقدمين عن الدماء التي وقعت بين الصحابة فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]. وقد أشبعنا القول في المسألة (٣) في كتاب الجامع لأحكام القرآن في (٤) سورة الحجرات (٥)، والصواب ما ذكرناه لك أولًا والله أعلم. [وروي عنه ﵊ أنه قال: "ستكون بين أصحابي فتنة يغفره الله لهم لصحبتهم إياي، ثم يستن بها أقوام من بعدهم يدخلون النار بسببها" (٦)] (٧). باب جعل الله بأس هذه الأمة بينها قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. مسلم (٨) عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض".

стр. 1100

قال ابن ماجه في سننه (١): يعني الذهب والفضة. "وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة (٢) وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة (٣) وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" (٤). زاد أبو داود (٥): "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة (٦) حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في (٧) أمتي كذابون (٨) ثلاثون (٩) كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". ابن ماجه (١٠) عن معاذ بن جبل ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ يومًا فأطال فيها فلما انصرف قلنا: أو قالوا (١١): يا رسول الله أطلت اليوم الصلاة قال: "إني صليت صلاة رغبةٍ ورهبة سألت الله لأمتي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ورد

стр. 1101

عليّ واحدة: سألته ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يهلكهم غرقًا فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ". وأخرجه مسلم (١) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عنه أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية وفي رواية (٢): في طائفةٍ من أصحابه حتى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين فصلينا معه ودعا ربه طويلًا ثم انصرف إلينا فقال: "سألت ربّي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً: سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". وأخرجه النسائي (٣) الترمذي (٤) وصححه (٥) واللفظ للنسائي عن خبّاب بن الأرت وكان شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ أنه راقب رسول الله ﷺ الليلة كلها حتى كان الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته جاءه خباب فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله ﷺ : "أجل (٦) إنها صلاة رغب ورهب، سألت الله فيها لأمتي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً: سألت ربي ألا يهلكنا (٧) بما أهلك به الأمم فأعطانيها، وسألت ربي ألا يظهر علينا (٨) عدوًا من غيرنا (٩) فأعطانيها، وسألت ربي ألا يلبسنا (١٠) شيعًا فمنعنيها".

стр. 1102

ابن ماجه (١) عن أبي موسى ﵁ قال: ثنا رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة لهرجًا، قال: قلت يا رسول الله: ما الهرج؟ قال: القتل القتل، فقال بعض المسلمين (٢): يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ ليس بقتل المشركين، ولكن بقتل (٣) بعضكم بعضًا حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته، وذكر الحديث. باب ما يكون من الفتن وإخبار النبي ﷺ بها مسلم (٤) عن حذيفة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك فيه شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، [قد علمه أصحابي هؤلاء، وأنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه] (٥) فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه. وخرج أبو داود (٦) عنه قال: والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته. مسلم (٧) عن حذيفة ﵁ قال: ثنا رسول الله ﷺ مجلسًا أنا فيه عن الفتن فقال: وهو يعد الفتن منها ثلاثةٌ لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. أبو داود (٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا قعودًا عند رسول الله ﷺ

стр. 1103

فذكر الفتن فأكثر فيه حتى ذكر فتنة الأحلاس (١) فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء (٢) دخنها من تحت قدمي (٣) رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، و (٤) إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع (٥) ثم فتنة الدهيماء (٦) لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا (٧)، حتى يصير الناس فسطاطين (٨): فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غدٍ. فصل قول حذيفة: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا"، وفي الرواية الأخرى: "مجلسًا"، قد جاء مبينًا في حديث أبي زيد ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت

стр. 1104

الشمس فأخبرنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا"، خرّجه مسلم (١). وروى الترمذي (٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبًا (٣)، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه"، فظاهر هذا أن ذلك المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك وهذا تعارض، فيجوز أن يكون ذلك كله في يومين، فيوم خطب فيه من بعد العصر، ويوم قام فيه خطيبًا [كله] (٤)، ويجوز أن تكون الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب الشمس كما في حديث أبي زيد، واقتصر بعض الرواة في الذكر على ما بعد العصر كما في حديث أبي سعيد وفيه بعد والله أعلم. وقوله: "حتى ذكر فتنة الأحلاس"، قال الخطابي (٥): "إنما أضيف (٦) الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، يقال للرجل إذا كان يلزم بيته بيته لا يبرح منه: هو حلس (٧) بيته. ويحتمل أن تسمى هذه الفتنة بالأحلاس لسوادها وظلمتها، والحرب ذهاب الأهل والمال، يقال: حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله، ومن هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس والأموال والله أعلم. والدخن: الدخان، يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه. وقوله: "كورك على ضلع" مَثَلٌ، ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك. والدهيماء: تصغير الدهماء، وصغَّرها على معنى المذمة لها (٨)

стр. 1105

والتعظيم لأمرها كما قال: دويهية تصفر منها الأنامل، أي: هذه الفتنة سوداء مظلمة. ودلت أحاديث هذا الباب على أن الصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم من علم الكوائن إلى يوم (١) القيامة العلم الكثير لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث (٢) الأحكام، وما كان فيه شيء من ذلك حدثوا به وتقصوا عنه. وقد روى البخاري (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع (٤) هذا البلعوم. قال أبو عبد الله: البلعوم: مجرى الطعام، والفسطاط الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى تشبيهًا بانفراد الخيمة عن الأخرى، وتشبيهًا بانفراد المدينة عن الأخرى حملًا على تسمية مصر بالفسطاط، والله أعلم. باب ذكر الفتنة التي تموج موج البحر وقول النبي ﷺ : "هلاك أمتي على يد أغيلمة من سفهاء قريش" ابن ماجه (٥) عن شقيق عن حذيفة قال: كنا جلوسًا عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: فقلت: أنا، فقال: إنك لجريء، قال: كيف [قال] (٦)؟ قال: سمعته يقول: "فتنة الرجل في أهله وولده (٧) وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عمر ﵁: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج موج البحر، قال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا،

стр. 1106

قال: فيفتح الباب أو يكسر (١)؟ قال: بل يكسر، قال: ذاك أجدر أن لا يغلق، فقلت لحذيفة: أكان عمر ﵁ يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، فهبنا (٢) أن نسأله من الباب، فقلنا المسروق: سله، فسأله، فقال: عمر ﵁. أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) أيضًا. وخرّج الخطيب أبو بكر أحمد بن علي من حديث مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على بنت علي بن أبي طالب ﵃ فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي لكعب الأحبار، يقول: إنك باب من أبواب جهنم، فقال عمر ﵁: ما شاء الله إني لأرجو أن يكون الله خلقني سعيدًا، قال: ثم خرج فأرسل إلى كعب فدعاه، فلما جاءه كعب قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا تنسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر ﵁: أي شيء هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار، قال: والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يتقحمون فيها إلى يوم القيامة. البخاري (٥) عن عمرو بن يحيى بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة ﵁ في مسجد النبي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاك أمتي على يدي أغيلمة (٦) من قريش"، فقال (٧) مروان: لعنة الله عليهم [غلمة] (٨)، قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم أحداثًا وغلمانًا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكون منهم قلنا: أنت أعلم.

стр. 1107

[الغلام: الطَّارَّ الشارب (١) والجمع: الغلمة والغلمان، ونصّ مسلم (٢) في صحيحه في كتاب الفتن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قال: فما تأمرنا؟ قال: لو إن الناس اعتزلوهم"] (٣). فصل قال علماؤنا (٤): هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان عنده من علم الفتن العلم الكثير والتعيين على من يحدث عنه الشر الغزير، ألا تراه يقول: "لو شئت قلت لكم: هم بنو فلان وبنو فلان، لكنه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم والله أعلم: يزيد بن معاوية (٥) وعبيد الله بن زياد (٦) ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رسول الله ﷺ وسبيهم وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة وبمكة وغيرهما، وغير خاف ما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإهلاك الناس بالحجاز والعراق وغير ذلك" (٧)، وبالجملة (٨) فبنوا أمية قابلوا وصية النبي ﷺ في أهل بيته وأمته بالمخالفة والعقوق فسفكوا دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم، واستباحوا لعنهم وشتمهم، فخالفوا رسول الله ﷺ

стр. 1108

في وصيته وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فوا خجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه (١). [[باب في بيان مقتل الحسين ﵁ ولا رضي عن قاتله ذكر أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل قال: ثنا محمد بن إبراهيم الحلواني ح (٢) قال ابن السكن: أخبرني (٣) أبو بكر محمد بن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الحدّاد قالا: حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد قال: ثنا عطاء بن مسلم عن أشعث بن شحيم عن أبيه عن أنس بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره" (٤)، فقتل أنس، يعني مع الحسين بن علي ﵇. أنبأناه إجازة الشيخ الفقيه القاضي أبو عامر عن أبي القاسم بن بشكوال عن أبي محمد عبد الرحمن (٥) بن محمد بن عتاب وأبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد عن أبي عمر بن عبد البر قال: ثنا الحافظ أبو القاسم خلف بن القاسم قال: ثنا العالم الحافظ (٦) أبو علي بن السكن، فذكره. وخرج الإمام أحمد في مسنده (٧) قال: ثنا مؤمل قال: حدثنا عمارة بن

стр. 1109

زاذان قال: ثنا ثابت عن أنس: أن ملك المطر استأذن أن يأتي النبي ﷺ فأذن له، فقال لأم سلمة: املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، قال وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ﷺ ، وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال (١): فقال الملك للنبي ﷺ : أتحبه، قال: نعم، قال: أما إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها، قال ثابت (٢): بلغنا أنها كربلاء. وقال مصعب بن الزبير: حج الحسين خمسة وعشرين حجة ماشيًا (٣)، وقد قال النبي ﷺ فيه وفي الحسن أنهما "سيدا شباب أهل الجنة" (٤). وقال: "هما ريحانتاي (٥) من الدنيا" (٦)، وكان النبي ﷺ إذا رآهما هش لهما، وربما أخذهما كما روى أبو داود (٧) أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما وصعد (٨) بهما، وقال: رأيت هذين فلم أصبر. وكان يقول فيهما: "اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحبّ من يحبهما" (٩). وقتل ﵀ ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين بكربلاء بقرب موضع يقال له: الطف بقربٍ من الكوفة.

стр. 1110

قال أهل التواريخ (١): "لما مات معاوية، وأفضت الخلافة إلى يزيد وذلك سنة ستين وردت بيعته (٢) على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن علي، وإلى عبد الله بن الزبير ليلًا فأتي بهما، فقال: بايعا، فقالا: مثلنا لا يبايع سرًا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوالًا وذا القعدة وخرج يوم التروية يريد الكوفة"، فبعث عبيد الله بن زياد خيلًا لمقتل الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص (٣) فأدركه بكربلاء. وقيل: إن عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن يزيد الرياحي أن جعجع بالحسين. قال أهل اللغة: أراد احبسه، وضيق عليه، والجعجع والجعجاع الموضع الضيق من الأرض، ثم أمده بعمر بن سعد في أربعة ألف (٤)، ثم ما زال عبيد الله يزيد العساكر (٥)، ويستفز (٦) الجماهير إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفًا، وأمَّرهم عمر بن سعد، ووعده أن يملكه مدينة الري، فباع الفاسق الرشد بالغي، وفي ذلك يقول: أترى أملك الري والري منيتي … وأرجع مأثومًا بقتل حسين فَضيّق عليه اللعين أشد تضييق، وسُدّ بين يديه وضح الطريق إلى أن قتله يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت العاشر من المحرم. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٧): قتل يوم الأحد لعشر مضين (٨) من

стр. 1111

المحرم بموضع من أرض الكوفة يقال له: كربلاء، ويعرف بالطف أيضًا عليه جبة خز دكناء، وهو ابن ست وخمسين سنة، قاله نسابة قريش الزبير بن بكار. ومولده لخمس ليالٍ خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وفيها كانت غزوة ذات الرقاع، وفيها قصرت الصلاة، وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واتفقوا على أنه قتل (١) يوم عاشوراء العاشر من المحرم سنة إحدى وستين، ويسمى عام الحزن، وقتل معه اثنان وثمانون رجلًا من أصحابه مبارزة، فيهم الحر بن يزيد؛ لأنه تاب ورجع مع الحسين، ثم قتل جميع بنيه إلا عليًا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضًا فأخذ أسيرًا بعد قتل أبيه، وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه. يا عين تبكي (٢) بعبرة وعويل … واندبي إن ندبت آل الرسول سبعة كلهم لصلب علي … قد أصيبوا وتسعة لعقيل قال جعفر الصادق: وجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة. واختلفوا فيمن قتله: "فقال يحيى بن معين: أهل الكوفة يقولون إن الذي قتل الحسين: عمر بن سعد بن أبي وقاص. قال يحيى: كان إبراهيم بن سعد يروي فيه حديثًا: أنه لم يقتله عمر بن سعد" (٣). قال ابن عبد البر (٤): "إنما نسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد؛ لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد، ووعده أن يوليه الري إن ظفر بالحسين وقتله، وكان في تلك الخيل والله أعلم قوم (٥) من مضر ومن اليمن، وفي شعر سليمان بن قتة الخزاعي، وقيل إنها لأبي الرميح الخزاعي ما يدل على الاشتراك في دم الحسين".

стр. 1112

وقيل: "قتله سنان بن أنس النخعي. وقال مصعب النسابة الثقة: قتل الحسين بن علي سنان (١) بن أبي سنان النخعي، وهو جد شريك القاضي، ويصدق ذلك (٢) قول الشاعر: وأي رزية عدلت حسينًا … غداة تبيره (٣) كفا سنان وقال خليفة بن خياط (٤): الذي ولي قتل الحسين: شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد، وكان شمر أبرص، و (٥) أجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، حزّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد، وقال: أوْقِرْ ركابي فضة وذهبًا … أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أمًا وأبا … وخيرهم إذ ينسبون النسبا" هذه رواية أبي عمر بن عبد البر في الاستيعاب (٦). قال (٧) غيره: تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي، ودخل به على زياد وهو يقول: أوقر ركابي فضة وذهبا … أنا قتلت الملك المحجبا وخيرهم إذ يذكرون النسبا … قتلت خير الناس أمًا وأبا في أرض نجد وحِرا ويثربا فغضب [ابن] (٨) زياد من قوله، وقال: فإذا علمت أنه كذلك فلم قتلته، فوالله لا نلت مني خيرًا أبدًا، ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه.

стр. 1113

وفي هذه الرواية اختلاف، وقد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل. وذكر الإمام أحمد بن حنبل (١) قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: رأيت النبي ﷺ نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم، يلتقطه أو يتبع فيها (٢)، قال قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم، وهذا سند صحيح لا مطعن فيه. وساق القوم حرم رسول الله ﷺ كما تساق الأسارى حتى إذا (٣) بلغوا بهم إلى (٤) الكوفة خرج الناس فجعلوا (٥) ينظرون إليهم، وفي الأسارى علي بن حسين، وكان شديد المرض قد جمعت يداه (٦) إلى عنقه، وزينب بنت علي وبنت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم، وفاطمة وسكينة بنتا الحسين، وساق الظلمة الفسقة معهم رؤوس القتلى. وروي (٧) فطر عن منذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلًا كلهم من ولد فاطمة ﵇. وذكر أبو عمر بن عبد البر (٨) "عن الحسن البصري قال: أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلًا من أهل بيته ما على وجه الأرص لهم يومئذٍ (٩) شبيه. وقيل: إنه قتل مع الحسين من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلًا".

стр. 1114

وفي صحيح البخاري (١) في المناقب عن أنس بن مالك أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا. فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ ، وكان مخضوبًا بالوسمة. يقال: نكت في الأرض، إذا أثر فيها، ونكت بالحصباء (٢) إذا ضرب بها، وكان الفاسق يؤثر في رأسه المكرم بالقضيب. وأمر عبيد الله بن زياد من قوَّر الرأس حتى ينصب في الرمح، فتحاماه أكثر الناس، فقام رجل يقال له طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤوم الملعون المذموم فقوره، ونصبه بباب دار (٣) عبيد الله (٤) ونادى في الناس وجمعهم في المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحل ذكرها، ثم دعا بزياد بن حر بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين ورؤوس إخوته وبنيه وأهل بيته وأصحابه، ودعا بعلي بن الحسين فحمله وحمل عَمَّاته وأخواته (٥) إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلدٍ ومنزل حتى قدموا دمشق، ودخلوا من باب توما، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد وأمر أن يجعل في طست من ذهب وجعل ينظر إليه ويقول: صبرنا وكان الصبر منا عزيمة … وأسيافنا يقطعن كفًا ومعصما نفلق هامًا من رجال أعزة علينا … وكانوا هم (٦) أعق وأظلما ثم تكلم بكلام قبيح، وأمر بالرأس أن تصلب بالشام، ولما صلب (٧) أخفى خالد بن عفران شخصه من أصحابه، وهو من أفاضل (٨) التابعين، فطلبوه شهرًا حتى وجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال: أما ترون ما نزل بنا، ثم أنشأ يقول:

стр. 1115

جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزملًا بدمائه تزميلا وكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارًا عامدين رسولا قتلوك عطشانًا ولم يترقبوا … في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبِّرون بأن قُتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا واختلف الناس في موضع الرأس المكرم وأين حمل من البلاد، فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني: أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث به إلى المدينة، فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم، وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم، وجهزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين ﵇ إلى عمر بن سعد بن العاص، وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمر: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر عمر بن سعد بن العاص برأس الحسين ﵇ فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة ﵇، هذا أصح ما قيل فيه (١). وكذلك قال الزبير بن بكار: إن الرأس حمل إلى المدينة، والزبير أعلم أهل النسب، وأفضل العلماء بهذا السبب، قال: حدثني بذلك محمد بن حسين (٢) المخزومي النسابة. والإمامية تقول: إن الرأس [أعيد إلى] (٣) الجثة بكربلاء بعد أربعين يومًا من المقتل، وهو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة [فيه زيارة] (٤) الأربعين. وما ذكر أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فشيء [باطل لا يصح] (٥) ولا يثبت. وقد قتل الله قاتله صبرًا، ولقي حزنًا طويلًا وذعرًا، وجعل رأسه الذي اجتمع فيه العيب والذام في الموضع الذي جعل فيه رأس الحسين، وذلك بعد

стр. 1116

قتل الحسين بستة أعوام، وبعث المختار (١) به إلى المدينة فوضع بين يدي بني الحسين الكرام، وكذلك عمر بن سعد وأصحابه ألأم اللئام، ضربت أعناقهم بالسيف، وسقوا كأس الحِمام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام، في يوم يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام. وفي الترمذي (٢) حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نضدت في المسجد في الرحبة فانتهيتُ إليهم وهم يقولون قد جاءت [قد جاءت] (٣)، فإذا حية قد جاءت تتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله [بن زياد] (٤) فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت فدخلت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال العلماء (٥): وذلك مكافأة لفعله برأس الحسين، وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه، ثم (٦) سلط الله عليهم (٧) المختار فقتلهم حتى أوردهم النار، وذلك أن الأمير سيد مذحج إبراهيم بن مالك لقي عبيد الله بن زياد على خمسة فراسخ من الموصل، وعبيد الله (٨) في ثلاثة وثمانين ألفًا وإبراهيم في أقل من عشرين ألفًا، فتطاعنوا بالرماح وتراموا بالسهام واصطفقوا بالسيوف إلى أن اختلط الظلام، فنظر إبراهيم إلى رجل عليه بزة حسنة، ودرع سابغة وعمامة خز دكنا وديباجة خضراء في فوق الدرع، وقد أخرج يده من الديباجة ورائحة المسك تشم عليه، وفي يده صفيحة له مذهبة، فقصده الأمير إبراهيم لا لشيء

стр. 1117

إلا لتلك الصفيحة والفرس الذي تحته، حتى إذا لحقه لم يلبث أن ضربه ضربة كانت فيها نفسه، فتناول الصفيحة وغار الفرس فلم يقدر عليه، ولا يبصر الناس بعضهم بعضًا من شدة الظلمة فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى، وأصبح الناس وقد فقد من أهل العراق ثلاثة وسبعون رجلًا، وقتل من أهل الشام سبعون ألفًا، وقد قال الشاعر فيهم: فتعشوا منهم بسبعين ألفًا … أو يزيدون قبل وقت العشاء فلما أصبح وجد الأمير الفرس رده عليه رجل كان أخذه، ولما علم أن الذي قُتِل هو عبيد الله بن زياد كبّر، وخرّ ساجدًا، وقال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي، فبعث به إلى المختار زيادة على سبعين ألف رأس في أولها بِشر رؤوس أهل الفساد عبيد الله المنسوب إلى زياد. قال الشيخ ﵀: نقلت هذا (١) من كتاب مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين، للحافظ الإمام أبي الخطاب بن دحية. فصل ومثل صنيع عبيد الله بن زياد صنع قبله بُسْر بن أرطأة (٢) العامري الذي هتك الإسلام فسفك الدم الحرام، وأذاق الناس الموت الزؤام، ولم يرع لرسول الله ﷺ الذمام، فقتل أهل بيته الكرام، وحكّم في مفارقهم الحسام، وعجَّل لهم الحِمام (٣)، ذبح ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهما

стр. 1118

صغيران بين يدي أمهما يمرحان وهما قثم وعبد الرحمن، فوسوست أمهما وأصابها ضرب من الجان (١)، لما أشعله الثكل في قلبها من لهيب النيران. روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٢) من حديث فيه طول: كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله ﷺ يتعوذ من يوم البلاء (٣)، ويوم العورة في صلاةٍ صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت؟ قال (٤): تعوذت من يوم البلاء (٥) ويوم العورة، فإن نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقًا فاشتريت على عظم ساقها، فدعوت رسول الله ﷺ أن لا يدركني هذا الزمان، ولعلكما تدركانه. وذكر أبو عمر بن عبد البر (٦): "أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن علي الخطبي ببغداد في تاريخه الكبير قال: حدثنا محمد بن مؤمن بن حماد قال: ثنا سليمان بن شيخ قال: حدثنا محمد بن عبد الحكم عن عوانة (٧) قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بُسْر بن أرطأة في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل المدينة يومئذٍ لعلي ﵇ أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، ففر أبو أيوب ولحق بعلي ﵄ ودخل بُسْر المدينة فصعد منبرها فقال: أين شيخي الذي عهدته هنا (٨) بالأمس، يعني عثمان بن عفان، ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت فيها محتلمًا إلا قتلته، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة [فقال] (٩) ما لكم عندي أمان ولا مبايعة

стр. 1119

حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، فأُخبر جابر فانطلق حتى جاء (١) أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال لها: ماذا ترين فإني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت: أرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بُسْرًا فبايعه لمعاوية (٢)، وهدم بُسْرٌ دورًا بالمدينة، ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى الأشعري فخاف أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب، فقيل ذلك (٣) لبُسُر، فقال: ما كنت لأقتله وقد خلع عليًا (٤) ولم يطلبه، فكتب أبو موسى إلى اليمن

стр. 1120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1121

أن خيلًا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس من أبي أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعامل اليمن لعلي ﵁ عبيد الله بن العباس، فلما بلغه أمر بُسْر فرّ إلى الكوفة حتى أتى عليًا ﵁ واستخلف على المدينة عبد الله بن عبد المدان الحارثي (١)، فأتى بُسْر فقتله وقتل ابنه، ولقي ثَقَل (٢) عبيد الله بن العباس، وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس فقتلهما ورجع إلى الشام". وذكر أبو عمرو الشيباني (٣) قال: لما وجه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي ﵁ سار إلى أن أتى إلى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفرّ أهل المدينة حتى دخلوا الحرّة حرّة بني سليم، وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر علي همدان فقتل وسبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد. وقد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت، هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن؟؛ لأنه دخل هذه البلاد وأكثر فيها الفساد، وأظهر لعلي ﵁ العناد، وأفرط في بغضه وزاد، وسلط على أهل البيت الكريم الأجناد، فقتل وسبى وأباد، ولم يبق إلا أن يخد الأخاديد ويتدّ الأوتاد، وكان معاوية بعثه في سنة أربعين إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس أخو عبد الله بن العباس، ففرّ عبيد الله وأقام بُسْر على اليمن، وباع دينه ببخس من الثمن (٤)، فأخاف السبيل ورعى المرعى الوبيل، وباع المسلمات وهتك الحرمات، فبعث علي ﵁ حارثة بن قدامة السعدي وهرب بُسْر إلى الشام، وقد ألبس بذميم

стр. 1122

فعاله المعاب والذام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام يوم يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام، ورجع الشريف أبو محمد عبد الله إلى بلاد اليمن، ولم يزل واليًا عليها حتى قتل (١) علي ﵁. ويقال إن بُسْر بن أرطأة لم يسمع من النبي ﷺ حرفًا؛ لأن رسول الله ﷺ قبض وهو صغير، فلا تصح له صحبة. قاله الأئمة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (٢) وغيرهما، وقالوا: خرّف في آخر عمره. قال يحيى بن معين: وكان رجل سوء (٣). قال الشيخ ﵀: كذا ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀، وقد ذكر أبو داود عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بُسْر بن أرطأة في البحر فأتي بسارق يقال له مصدر، وقد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في الغزو، ولولا ذلك لقطعته. قال أبو محمد عبد الحق: بُسْر هذا يقال ولد في زمن النبي ﷺ ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس، وفقدت أمهما عقلها، هامت على وجهها فدعا عليه علي ﵁ أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين وفقدت أمهما عقلها، كانت تقف في الموسم تنشد شعرًا تُبكي العيون، وتهيج بلابل الأحزان والعيون: ها من أحسّ بابنيَّ اللذين هما … كالدرتين تشطا عنهما الصدف ها من أحسّ بابنيَّ اللذين هما … سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف حدثت بُسْرًا وما صدقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا احني علي ودجي أني مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف]] (٤)

стр. 1123

باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف أبو داود (١) عن عبد الله بن عمرو (٢) داود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتنة تستنطف (٣) العرب قتلاها (٤) في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف"، خرّجه الترمذي (٥) وقال: فيه حديث غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا يعرف لزياد بن سِيمين (٦) كُوْش عن عبد الله بن عمرو غير هذا الحديث الواحد، وروي موقوفًا. وذكر أبو داود (٧) عن (٨) أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف"، أخرجه ابن ماجه (٩) أيضًا (١٠) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف".

стр. 1124

فصل قلت: قوله: "تستنطف" أي ترمي، مأخوذ من نطف الماء أي قطر (١)، والنطفة: الماء الصافي قل أو كثر، والجمع: النطاف (٢): أي أن هذه الفتنة تقطر قتلاها في النار أي ترميهم فيها لاقتتالهم على الدنيا واتباع الشيطان والهوى، وقتلاها بدل من قوله: "العرب" هذا المعنى الذي ظهر لي في هذا، ولم أقف فيه على شيء لغيري والله أعلم. و (٣) قوله: "اللسان فيها أشد من وقع السيف" أي بالكذب (٤) عند أئمة الجور ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها والله أعلم. وفي الصحيحين (٥) عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"، وفي رواية عنه: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"، لفظ مسلم (٦). وقد روي "أن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (٧). فقوله: "من سخط الله"، أي مما يسخط الله، وذلك بأن يكون كذبة، أو نميمة، أو بهتانًا أو فحشًا أو باطلًا يضحك به الناس، كما جاء (٨) عن النبي ﷺ

стр. 1125

أنه قال: "ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس ويل له وويل له (١) " (٢). "وفي حديث ابن مسعود ﵁ إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الرفاهية من سخط الله ترديه بُعد ما بين السماء والأرض (٣). قال أبو زياد الكلامي: الرفاهية: السعة في المعاش والخصب، وهذا أصل الرفاهية، فأراد عبد الله أنه يتكلم بالكلمة في تلك الرفاهية والإتراف في دنياه مستهينًا بها لما هو فيه من النعمة (٤) فيسخط الله عليه. قال أبو عبيد: وفي الرفاهية: لغة أخرى الرفاغية (٥)، وليس هذا في الحديث يقال: هو في رفاهية ورفاغية من العيش (٦) " (٧). وقوله: "صماء بكماء عمياء (٨) "، يريد أن هذه الفتنة لا تسمع، ولا تبصر، فلا تقلع، ولا ترتفع؛ لأنها لا حواس لها فترعوي إلى الحق، وأنه شبهها لاختلاطها وقتل البريء فيها، والسقيم بالأعمى، الأصم (٩): الأخرس الذي لا يهتدي إلى شيء فهو يخبط عشواء، والبكم: الخرس في أصل الخلقة، والصمم الطرش.
следующие страницы →