← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أن خيلًا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس من أبي أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعامل اليمن لعلي ﵁ عبيد الله بن العباس، فلما بلغه أمر بُسْر فرّ إلى الكوفة حتى أتى عليًا ﵁ واستخلف على المدينة عبد الله بن عبد المدان الحارثي (١)، فأتى بُسْر فقتله وقتل ابنه، ولقي ثَقَل (٢) عبيد الله بن العباس، وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس فقتلهما ورجع إلى الشام". وذكر أبو عمرو الشيباني (٣) قال: لما وجه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي ﵁ سار إلى أن أتى إلى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفرّ أهل المدينة حتى دخلوا الحرّة حرّة بني سليم، وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر علي همدان فقتل وسبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد. وقد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت، هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن؟؛ لأنه دخل هذه البلاد وأكثر فيها الفساد، وأظهر لعلي ﵁ العناد، وأفرط في بغضه وزاد، وسلط على أهل البيت الكريم الأجناد، فقتل وسبى وأباد، ولم يبق إلا أن يخد الأخاديد ويتدّ الأوتاد، وكان معاوية بعثه في سنة أربعين إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس أخو عبد الله بن العباس، ففرّ عبيد الله وأقام بُسْر على اليمن، وباع دينه ببخس من الثمن (٤)، فأخاف السبيل ورعى المرعى الوبيل، وباع المسلمات وهتك الحرمات، فبعث علي ﵁ حارثة بن قدامة السعدي وهرب بُسْر إلى الشام، وقد ألبس بذميم

стр. 1122

فعاله المعاب والذام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام يوم يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام، ورجع الشريف أبو محمد عبد الله إلى بلاد اليمن، ولم يزل واليًا عليها حتى قتل (١) علي ﵁. ويقال إن بُسْر بن أرطأة لم يسمع من النبي ﷺ حرفًا؛ لأن رسول الله ﷺ قبض وهو صغير، فلا تصح له صحبة. قاله الأئمة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (٢) وغيرهما، وقالوا: خرّف في آخر عمره. قال يحيى بن معين: وكان رجل سوء (٣). قال الشيخ ﵀: كذا ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀، وقد ذكر أبو داود عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بُسْر بن أرطأة في البحر فأتي بسارق يقال له مصدر، وقد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في الغزو، ولولا ذلك لقطعته. قال أبو محمد عبد الحق: بُسْر هذا يقال ولد في زمن النبي ﷺ ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس، وفقدت أمهما عقلها، هامت على وجهها فدعا عليه علي ﵁ أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين وفقدت أمهما عقلها، كانت تقف في الموسم تنشد شعرًا تُبكي العيون، وتهيج بلابل الأحزان والعيون: ها من أحسّ بابنيَّ اللذين هما … كالدرتين تشطا عنهما الصدف ها من أحسّ بابنيَّ اللذين هما … سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف حدثت بُسْرًا وما صدقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا احني علي ودجي أني مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف]] (٤)

стр. 1123

باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف أبو داود (١) عن عبد الله بن عمرو (٢) داود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتنة تستنطف (٣) العرب قتلاها (٤) في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف"، خرّجه الترمذي (٥) وقال: فيه حديث غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا يعرف لزياد بن سِيمين (٦) كُوْش عن عبد الله بن عمرو غير هذا الحديث الواحد، وروي موقوفًا. وذكر أبو داود (٧) عن (٨) أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف"، أخرجه ابن ماجه (٩) أيضًا (١٠) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف".

стр. 1124

فصل قلت: قوله: "تستنطف" أي ترمي، مأخوذ من نطف الماء أي قطر (١)، والنطفة: الماء الصافي قل أو كثر، والجمع: النطاف (٢): أي أن هذه الفتنة تقطر قتلاها في النار أي ترميهم فيها لاقتتالهم على الدنيا واتباع الشيطان والهوى، وقتلاها بدل من قوله: "العرب" هذا المعنى الذي ظهر لي في هذا، ولم أقف فيه على شيء لغيري والله أعلم. و (٣) قوله: "اللسان فيها أشد من وقع السيف" أي بالكذب (٤) عند أئمة الجور ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها والله أعلم. وفي الصحيحين (٥) عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"، وفي رواية عنه: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"، لفظ مسلم (٦). وقد روي "أن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (٧). فقوله: "من سخط الله"، أي مما يسخط الله، وذلك بأن يكون كذبة، أو نميمة، أو بهتانًا أو فحشًا أو باطلًا يضحك به الناس، كما جاء (٨) عن النبي ﷺ

стр. 1125

أنه قال: "ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس ويل له وويل له (١) " (٢). "وفي حديث ابن مسعود ﵁ إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الرفاهية من سخط الله ترديه بُعد ما بين السماء والأرض (٣). قال أبو زياد الكلامي: الرفاهية: السعة في المعاش والخصب، وهذا أصل الرفاهية، فأراد عبد الله أنه يتكلم بالكلمة في تلك الرفاهية والإتراف في دنياه مستهينًا بها لما هو فيه من النعمة (٤) فيسخط الله عليه. قال أبو عبيد: وفي الرفاهية: لغة أخرى الرفاغية (٥)، وليس هذا في الحديث يقال: هو في رفاهية ورفاغية من العيش (٦) " (٧). وقوله: "صماء بكماء عمياء (٨) "، يريد أن هذه الفتنة لا تسمع، ولا تبصر، فلا تقلع، ولا ترتفع؛ لأنها لا حواس لها فترعوي إلى الحق، وأنه شبهها لاختلاطها وقتل البريء فيها، والسقيم بالأعمى، الأصم (٩): الأخرس الذي لا يهتدي إلى شيء فهو يخبط عشواء، والبكم: الخرس في أصل الخلقة، والصمم الطرش.

стр. 1126

باب الأمر بالصبر عند الفتن (١) وتسليم النفس للقتل عندها والسعيد من جُنِّبها أبو داود (٢) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك (٣) وذكر الحديث، قال: كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت بالوصيف؟ يعني القبر، قال: قلت الله ورسوله أعلم، أو قال (٤): ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالصبر، أو قال: تصبر، ثم قال لي (٥): يا أبا ذر، قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت (٦) قد غرقت بالدم، قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه، قال: قلت يا رسول الله: أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذًا، قال: قلت فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قال: فقلت فإن دخل علي بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف، فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه (٧) "أخرجه ابن ماجه (٨) وقال: تصبر من غير شك، وزاد بعده قال: كيف أنت وجوع (٩) يصيب الناس حتى (١٠) تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو [ما] (١١) خار الله لي ورسوله، قال: عليك

стр. 1127

بالعفة، [ثم] (١) قال: كيف أنت (٢) وقتل يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم" الحديث، وقال: "فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار". "وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حين ذكر الفتنة وقال (٣): "الزم بيتك، قيل: فإن دخل علي بيتي؟ قال: فكن مثل الجمل الأورق الثقال الذي لا ينبعث إلا كرهًا ولا يمشي إلا كرهًا""، ذكره أبو عبيد (٤) قال: حدثنيه أبو النضر عن المسعودي عن علي بن مدرك عن أبي الرواع عن عبد الله قال أبو عبيد: عن بعض الرواة (٥): الرواع الوجه (٦)، الرواع بضم الراء (٧). أبو داود (٨) عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: أيم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن السعيد لمن جنب الفتن (٩) ولمن ابتلي فصبر فواها". الترمذي (١٠) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان الصابر فيه [على دينه] (١١) كالقابض على الجمر"، قال: حديث غريب. فصل قوله: بالوصيف، [الوصيف] (١٢): الخادم يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه إلا أن يعطي وصيفًا

стр. 1128

أو قيمته والله أعلم، وقد يكون معناه: أن مواضع القبور تضيق عليهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف. وقوله: "غرقت بالدم" أي لزمت، والغروق: اللزوم، ويروى: غرقت، وأحجار الزيت: موضع بالمدينة. روى الترمذي (١) عن عمير مولى آبي اللحم [عن آبي اللحم] (٢) ﵁ "أنه رأى رسول الله ﷺ عند أحجار الزيت يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو". وذكر عمر بن شبة في كتاب المدينة (٣) على ساكنها السلام، حدثنا [محمد بن] (٤) يحيى عن [ابن] (٥) أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت [ابن] (٦) أم كلاب وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد، فعلا الكِبْسُ (٧) الحجارة فاندفنت (٨). قال: وثنا محمد [بن يحيى] (٩) قال: أخبرني أبو ضمرة الليثي عن عبد الرحمن بن الحارث عن عبيد عن هلال بن طلحة الفهري، أن حبيب بن مسلمة (١٠) الفهري كتب إليه أن كعبًا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض، قال: فلما قدم كعب المدينة جاءني بكتابه ذلك فقال: أعالم

стр. 1129

أنت (١) بالأرض؟ قلت: نعم، وكانت أحجار بالزوراء يضع (٢) عليها الزيَّاتون رواياهم (٣)، فأقبلت حتى جئتها فقلت: هذه أحجار الزيت، فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله، انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني، فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل فقال: يا أبا هلال إني أجد أحجار الزيت في كتاب الله، فسأل القوم عنها وهم يومئذ متوافرون، فسألهم عن أحجار الزيت، وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها. فصل و [أما] (٤) قول (٥) ابن مسعود (٦): كن كالجمل (٧) الأورق، "هو الذي في لونه بياض إلى سواد، ومنه قيل: للرماد أورق، وللحمامة: ورقاء، ذكره الأصمعي، قال: وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره، وأما الثقال: فهو البطيء، قال أبو عبيد: وإنما خص عبد الله الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل، ثم اشترط الثقال أيضًا فزاده إبطاء وثقلًا، فقال: كن في الفتنة مثل ذلك، وهذا إذا دخل عليك، وإنما أراد عبد الله بهذا: التثبط عن الفتنة والحركة فيها" (٨). [فصل] (٩) وأما أمره ﵇ أبا ذر بلزوم البيت وتسليم النفس للقتل (١٠)،

стр. 1130

وقد (١) اختلف في هذا المعنى (٢): فقالت طائفة: ذلك عند جميع الفتن وغير جائز لمسلم النهوض في شيء منها، قالوا: وعليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه، ولا يدفع عنها، وحملوا الأحاديث على ظواهرها (٣). وربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل وإن كان في الحقيقة خطأ، فهو عند نفسه محق، وغير جائز لأحد قتله، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي (٤) فيما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابًا، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه (٥) إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابًا ولا سنة ولا جماعة، وكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محق دون غيره مما يدعون من التأويل، فغير جائز لأحد قتالهم وإن ما (٦) هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم. وقد ذكرنا من تخلف عن الفتنة وقعدوا منهم: عمران بن حصين (٧) وابن عمر وغيرهما، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم: عبيدة (٨) السلماني أن (٩) من اعتزل (١٠) الفريقين فدخل بيته، فأتى من يريد نفسه، فعليه دفعه عن نفسه، و (١١) إن أبى الدفع عن نفسه (١٢)؛ لقوله ﵇: "من أريدت نفسه وماله [فقتل فهو شهيد" (١٣)، قالوا: فالواجب على كل (١٤) من أريدت نفسه وماله] (١٥)

стр. 1131

ظلمًا دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولًا كان المريد أو متعمدًا للظلم. قلت: وهو الصحيح (١) إن شاء الله؛ لأن (٢) في (٣) صحيح مسلم (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله (٥) ﷺ فقال: "يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال: فلا تعطه (٦) مالك، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته، قال: هو في النار". وقال ابن المنذر: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد". وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، هذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وقتادة، ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام (٧) أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلمًا، للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ لم يخص وقتًا من وقت ولا حالًا عن حال (٨) إلا السلطان، فإن جماعة أهل العلم (٩) كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة (١٠) عن رسول الله ﷺ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم. قلت: وقد تقدم (١١) ذلك في باب والحمد لله.

стр. 1132

باب جُعل في أول هذه الأمة عافيتها وفي آخرها بلاؤها مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو (٢) ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرِهِ (٣) إذ نادى منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبيٌ (٤) قبلي إلا (٥) كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيدفق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل (٦) الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أي يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فدنوت منه فقلت له (٧): أنشدك الله أنت (٨) سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه (٩) وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا (١٠) بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

стр. 1133

فصل قوله: "ينتضل" الانتضال: الرمي بالسهام، والجشر: المال من المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، يقال: مال جشر يرعى في مكانه لا يرجع إلى أهله، يقال: جشرنا دوابنا أي أخرجناها (١) إلى المرعى، وأصله: البعد، ومنه يقال للأعزب (٢): جشر وجشير لبعده عن النساء، وفي الحديث: "من ترك قراءة القرآن شهرين فقد جشره" (٣)، قال (٤): وقوله: (يدفق بعضها بعضًا) أي يتلو بعضها بعضًا (٥) وينصب بعضها على بعض، والتدفق التصبب، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث لقوله: "وتجيء الفتنة ثم تنكشف وتجيء الفتنة". و (يزحزح) أي يبعد (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٩٦] أي بمبعده، وصفقة اليد أصلها: ضرب الكف على الكف زيادة في الاستيثاق مع النطق باللسان والالتزام بالقلب، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، وقوله: [فاضربوا] (٧) عنق الآخر، قيل: المراد عزله وخلعه وذلك قتله وموته، وقيل: قطع رأسه وإذهاب نفسه، يدل عليه قوله في الحديث الآخر: "فاضربوه بالسيف كائنًا من (٨) كان" وهو ظاهر الحديث. [هذا إذا كان الأول عدلًا (٩) والله أعلم] (١٠).

стр. 1134

باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن وما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها (١) مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون"، وقد تقدم (٢) هذا في أول الكتاب. قال ابن وهب: وحدثني مالك (٣) قال: كان أبو هريرة ﵁ يلقى الرجل فيقول (٤) له (٥): مت إن استطعت، فيقول له (٦): لِمَ؟ قال: تموت وأنت تدري على ما تموت خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه (٧). قال مالك: ولا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خاف التحول من الفتن. قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا عن أبي هريرة ﵁، روى النضر بن شميل عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للعرب من شر قد اقترب موتوا إن استطعتم" (٩)، وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرًا من مباشرتها. وروى الترمذي (١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنيائكم سمحاؤكم، وأموركم (١١) شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم،

стр. 1135

وأموركم (١) إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها"، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث [صالح] (٢) المري في حديثه غرائب لا يتابع عليها وهو رجل صالح. البخاري (٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه"، أخرجه مسلم (٤) وابن ماجه (٥) بمعناه، وزاد: (وليس به الدَّين إلا البلاء). وروى شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد الله قال: "ليأتين على [الناس] (٦) زمان (٧)، يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني مكان هذا ليس به (٨) حب الله ولكن من شدة ما (٩) يرى من البلاء" (١٠). قلت: وكأن (١١) هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان (١٢) في نفسه وماله وولده قد أذهبت الدين منه، ومن أكثر الناس، أو قللت الاعتناء به [من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عَظُم (١٣) قدر] (١٤) العبادة (١٥) في حالة الفتن حتى قال النبي ﷺ :

стр. 1136

"العبادة في الهرج كهجرة (١) إليّ" (٢)، وقد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب والحمد لله (٣). [ونزيده وضوحًا إن شاء الله تعالى] (٤). باب (٥) أسباب (٦) المحن والفتن (٧) والبلاء [أبو نعيم (٨) عن أبي إدريس الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر بن الخطاب قال: أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل ﵇ آنفًا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مم ذاك (٩) يا جبريل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من دهر غير كثير، فقلت: فتنة كفر أو فتنة ضلال؟ فقال: كل سيكون، فقلت: ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله، قال: فبكتاب الله يفتنون، وذلك من قبل أمرائهم وقرائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق، فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها فيقتتلوا ويفتتنوا ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، قلت: كيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر (١٠)، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوا تركوه] (١١). روي ابن عمر (١٢) ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان (١٣) إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم

стр. 1137

يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر (١) من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد (٢) رسوله إلا سلط عليهم (٣) عدوهم فأخذوا (٤) بعض ما كان في أيديهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"، أخرجه ابن ماجه أيضًا (٥) في سننه (٦)، وذكره أبو عمر (٧)، وأبو بكر الخطيب من حديث سعيد (٨) بن كثير بن عُفَير (٩) بن مسلم بن يزيد قال: ثنا مالك عن عمه (١٠) أبي سهيل عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقًا (١١)، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم له استعدادًا، أولئك هم (١٢) الأكياس، ثم قال: يا معشر المهاجرين (١٣) لم تظهر الفاحشة في قوم [حتى] (١٤) يعلنوا بها (١٥) إلا ظهر فيهم الطاعون [والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"، وذكر] (١٦) الحديث بلفظه ومعناه (١٧).

стр. 1138

[وقال عطاء الخراساني: إذا كان خمس كان خمس: إذا أكل الربا كان الخسف (١) والزلزلة، وإذا جار الحكام قحط المطر (٢)، وإذا ظهر الزنا كثر الموت، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا تعدي على أهل الذمة كانت الدولة، ذكره أبو نعيم (٣)] (٤). الترمذي (٥) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مشت أمتي المطيطاء (٦) وخدمها أبناء الملوك: فارس والروم، سلط شرارها على خيارها" قال: هذا حديث غريب. ابن ماجه (٧) عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (٨) لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر لا (٩) يغيرونه أوشك (١٠) أن يعمهم الله بعقابه"، أخرجه أبو داود في سننه (١١)، والترمذي (١٢) في جامعه. مسلم (١٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن

стр. 1139

عوف: نكون كما أمر الله، فقال رسول الله ﷺ : أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين (١) المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض". وخرّج (٢) أيضًا عن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي وكان شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ : " [أن رسول الله ﷺ ] (٣) بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله ﷺ قد صالح (٤) أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له (٥) فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن (٦) أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبل فتنافسوها كما تنافسوها (٧) فتهلككم كما أهلكتهم". وفي رواية (٨): "وتلهيكم كما ألهتهم" بدل: "فتهلككم". وخرج ابن ماجه (٩) عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أدع بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، أخرجه البخاري (١٠) ومسلم (١١) أيضًا.

стр. 1140

وروى (١) ابن ماجه (٢) عن أبي سعيد الخدري (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صباح إلا [و] (٤) ملكان يناديان ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال". وخرّج (٥) عن أبي سعيد أيضًا أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا وكان فيما قال: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، ألا فاتقو الله واتقوا النساء"، خرجه مسلم (٦) أيضًا (٧) وقال بدل قوله: "فاتقو الله": "فاتقوا النار (٨) واتقوا النساء"، وزاد: "فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". الترمذي (٩) عن كعب بن عياض ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب (١٠). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من سكن البادية جفا، ومن

стр. 1141

أتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان (١) افتتن" (٢)، قال: وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وهذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري. فصل حذر الله سبحانه عباده فتنة المال والنساء في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ فقال عز من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٣) وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٦، ١٧]، فنبه سبحانه على ما يعتصم به من فتنة (٤) حب المال والولد في آي ذكر ذلك فيها. وما كان عاصمًا من فتنة المال والولد (٥) فهو عاصم من كل الفتن والأهواء. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ (٦) مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ (٧) أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، فوصف تعالى ما للمتقين عند ربهم ثم وصف أحوالهم بنعتهم (٨) إلى قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]،

стр. 1142

وهذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زيَّن لهم، وترغيبهم فيما هو خير منه، ومثل هذا في القرآن كثير. والمطيطاء: بضم الميم والمد: المشي بتبختر وهي مشية المتكبرين المفتخرين (١)، وهو مأخوذ (٢) من مط يمط إذا مد، قال الجوهري (٣): "والمطيطاء بضم الميم مدودٌ (٤): التبختر ومد اليد (٥) في المشي، وفي الحديث: "إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم"". وقوله: "ثم ينطلقون في مساكين (٦) المهاجرين". قيل: في الكلام حذف أي في فيء مساكين (٧) المهاجرين، والمعنى أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض، حملهم ذلك على أن يأخذوا لقوي (٨) ما أفاء الله على المسكين الذي لا يقدر على مدافعة، فيمنعه عنه ظلمًا وقهرًا بمقتضى التنافس والتحاسد. وقيل (٩): ليس في الكلام حذف وأن المعنى المراد أن مساكين المهاجرين وضعفتهم يستفتح (١٠) عليهم، إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض، وهذا اختيار القاضي عياض (١١). والأول: اختيار شيخنا أبو العباس (١٢) قال: وهو الذي يشهد له سياق الحديث، ومعناه: و (١٣) ذلك أنه ﵇ أخبرهم أنهم يتغير بهم الحال وأنهم (١٤) يصدر عنهم أو عن

стр. 1143

بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس والتباغض وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بد أن يكون هذا الوصف غير مرضي كالأوصاف التي قبله وأن تكون (١) تلك الأوصاف المتقدمة توجبه وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره والله أعلم، ويعضده رواية السمرقندي: "فيحملون بعضهم على رقاب بعض"، أي بالقهر والغلبة (٢). باب منه وما جاء أن الطاعة سبب للرحمة (٣) والعافية ذكر أبو نعيم (٤) ثنا سليمان بن أحمد قال: ثنا المقدام بن داود ثنا علي بن معبد الرقي قال: ثنا وهب بن راشد، قال: ثنا مالك بن دينار عن خلاس (٥) بن عمرو عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول: "أنا الله لا إله إلا أنا (٦) مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي (٧)، وأن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وأن العباد إذا عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط (٨) والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع إليّ أكفكم ملوككم"، غريب من حديث مالك مرفوعًا، تفرد به علي بن معبد عن وهب بن راشد.

стр. 1144

باب (١) الملاحم (٢) باب أمارات الملاحم أبو داود (٣) عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال". البخاري (٤) عن عوف بن مالك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة [من] (٥) أدم فقال: اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوْتان (٦) يأخذ فيكم كقُعَاص (٧) الغنم، ثم استفاضة (٨) المال حتى يُعطى الرجلُ مائة دينار فيظل ساخطًا (٩)، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (١٠)، تحت كل غاية (١١) اثنا عشر ألفًا). [وخرجه أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (١٢) بمعناه وزاد بعد قوله:

стр. 1145

(اثنا عشر ألفًا، فسطاط المسلمين يومئذٍ في أرض يقال لها الغُوطَةُ (١) في مدينة يقال لها دمشق"، ذكره بإسناده أبو الخطاب بن دحية في كتاب مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين، وقال: عوف بن مالك الأشجعي شهد موت النبي ﷺ ، قال: وحضر فتح بيت المقدس مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فتحه صلحًا لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة، ثم حضر قسمة كنوز كسرى على يدي أمير المؤمنين عمر (٢)، ثم شاهد قتال الجمل وصفين، وشاهد عوف ﵁ أيضًا الموتان الذي كان بالشام، قيل ذلك وهو المسمى بطاعون عمواس، مات يومئذٍ ستة وعشرون ألفًا. وقال المدائني] (٣): خمسة وعشرون ألفًا (٤). وعَمَواس بفتح الميم والعين (٥) لأنه: عمّ وأسى، أي جعل بعض الناس أسوة بعض، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس مات فيها أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، والأمين الفقيه أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل. قال الإمام أحمد في تاريخه: كان طاعون عمواس سنة سبع عشرة، رواه عن أحمد أبو زرعة الرازي، قال: كان الطاعون سنة سبع (٦) عشرة وثمان عشرة، رواه عن أحمد ابن أبي زرعة الرازي قال: كان طاعون عمواس سنة سبع عشرة وثماني عشرة، وفي سنة سبع عشرة رجع عمر من سرع (٧). ومُوْتان بضم الميم هي لغة تميم، وغيرهم يفتحونها وهو اسم للطاعون والموت،

стр. 1146

وقوله: (كقعاص الغنم) هو داء يأخذها لا (١) يلبثها قاله أبو عبيد (٢)، لأن القعاص الموت المعجل، ويقال بالسين وهو داء يأخذ في الصدور كأنه يكسر العنق، وقد انقضت هذه الخمس وعاش عوف بن مالك إلى زمن عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقد أربى بصفين على المائة. وقال الواقدي: مات عوف بن مالك بالشام سنة ثلاث وتسعين، فإن صح ما قال (٣) فقد مات في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان إن لم [يكن] (٤) تصحيفًا منه (٥)] (٦). باب ما ذكر في ملاحم (٧) الروم وتواترها وتداعي الأمم على أهل الإسلام ابن ماجه (٨) عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة، فيغدرون بكم فيسيرون إليكم في ثمانين غاية (٩)، تحت كل غاية (١٠) اثنا عشر ألفًا". وعن ذي مِخْبَر (١١) وكان رجلًا من أصحاب رسول (١٢) الله ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ستصالحكم الروم صلحًا آمنًا، ثم (١٣) تغزون أنتم وهم

стр. 1147

عدوًّا (١)، فتنصرون وتغنمون وتقتسمون (٢) وتَسْلَمُون ثم تنصرفون حتى تنزلوا (٣) بمرج ذي تلول (٤) فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب (٥)، فيقول: غَلَبَ الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه (٦)، فعند ذلك تغدر الروم، ويجمعون الملحمة فيأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا (٧) " (٨). خرّجه (٩) أبو داود (١٠) وزاد: "ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة" [وخرجه الإمام أحمد في مسنده (١١) وإسناده صحيح ثابت، وذو مخمر (١٢)، قال الأوزاعي (١٣): هو بالميم لا غير، وهو ابن أخي النجاشي، وقد عده أبو عمر (١٤) من موالي النبي ﷺ قاله ابن دحية] (١٥). عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر"، خرجه ابن ماجه (١٦)

стр. 1148

وأبو داود (١) (٢) وخرجه الترمذي (٣) وقال: حديث حسن (٤). وعن عبد الله بن بُسْر (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة". خرجه ابن ماجه (٦) وأبو داود (٧)، وقال أبو داود: هذا أصح من حديث عيسى (٨). قلت: يريد حديث معاذ المذكور قبله. مسلم (٩) عن بشير بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة (١٠)، فجاء رجل ليس له هِجِّيرًا (١١)، ألا يا عبد الله بن مسعود ﵁ جاءت الساعة، قال: فقعد وكان (١٢) متكئًا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام فقال: عدو يجمعون (١٣) لأهل الإسلام ويجمع لهم [أهل] (١٤) الإسلام، قلت: الروم تعني، قال: نعم، ويكون (١٥) عند ذاكم (١٦) القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون

стр. 1149

شُرْطَةً للموت (١) لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة (٢)، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، [فيقتتلون] (٣) حتى (٤) يحجز بينهم الليل فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشُرْطَة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب [وتفنى الشرطة] (٥)، فإذا كان يوم الرابع نهد (٦) إليهم بقية الإسلام فيجعل الله الدائرة عليهم، فيقتتلون مقتلة عظيمة (٧) إما قال لم ير مثلها، وإما قال لا يري مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجثمانهم فما يخلفهم حتى غير ميتًا، فيعاد (٨) بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقى (٩) منهم إلا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح أو أي (١٠) ميراث يقسم، فبينما هم كذلك إذ (١١) سمعوا بناس هم أكثر من ذلك فجاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج في ذراريهم فيرفضون ما بأيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر (١٢) الأرض يومئذ أو من خير فوارس يومئذ".

стр. 1150

أبو داود (١) عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك الأمم (٢) أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل (٣): من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة، وليقذفن الله (٤) في قلوبكم الوهن، فقال (٥) قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت. فصل قوله: "بني الأصفر" يعني الروم، وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما: أن جيشًا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر، فوطئوا نساءهم فولدن أولادًا صفرًا، قاله ابن الأنباري. الثاني: أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم [بن] (٦) عيصوا (٧) بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، قاله ابن إسحاق. وهذا أشبه من القول الأول، [والهدنة: الصلح] (٨)، والغاية: الراية، كما جاء مفسرًا في الحديث بعده. [وسميت بذلك لأنها تشبه (٩) السحاب لمسيرها في الجو، والغاية والغياية: السحابة، وقد رواها بعض رواة البخاري تحت ثمانين غابة، بباء مفردة النقطة، وهي الأجمة، شبَّه اجتماع رماحهم وكثرتها بالأجمة التي هي

стр. 1151

الغابة، والصحيح الأول لأنها تظل الأجناد لكثرة راياتهم واتصال ألويتهم وعلاماتهم كالسحاب الذي يَظِلُّ الإنسان، وقد صح عن رسول الله ﷺ [أنه قال] (١): إن تحت كل غاية (٢) اثني عشر (٣) ألفًا، فجملة العدد تسعمائة ألف وستون ألفًا، ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية] (٤). وقد روي مرفوعًا (٥) في حديث فيه طول عن حذيفة أن الله تعالى يرسل (٦) ملك الروم وهو الخامس من أهل (٧) هوقل يقال له ضمارة، وهو صاحب الملاحم، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين فيصالحه إلى سبعة أعوام فيضع عليهم الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فلا (٨) تبقى لرومي حرمة ويكسرون لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق، فبينما الناس كذلك إذا (٩) برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود والأغلال فيعز نفسه، فيرفع الصليب ويرفع صوته فيقول: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، [فيقوم رجل من المسلمين فيكسر الصليب] (١٠) ويقول (١١): الله أغلب وأعز وأنصر، فحينئذ يغدرون وهم أولى بالغدر، فيجمعون (١٢) عند ذلك ملوك الروم في بلادهم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين [حيث] (١٣) لا يشعر بهم المسلمون (١٤)، والمسلمون قد أخذوا منهم الأمن وهم على غفلة أنهم مقيمون على الصلح، فيأتون إلى أنطاكية في اثنا عشر (١٥) ألف راية تحت كل راية اثنا (١٦)

стр. 1152

عشر ألفًا فلا يبقى بالجزيرة (١) ولا بالشام ولا بأنطاكية نصراني إلا ويرفع الصليب، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل (٢) الشام والحجاز واليمن والكوفة والبصرة والعراق و (٣) يُعَرِّفهم بخروج الروم وجمعهم ويقول لهم: أعينوني على جهاد عدو الله وعدوكم، فبعث (٤) إليه أهل المشرق أنه قد جاءنا عدو من خراسان على ساحل الفرات وحل بنا ما شغلنا عنك، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة ويخرج إليهم المهدي ويخرج معهم المسلمون إلى لقائهم فيلتقي (٥) بهم المهدي ومن معه من المسلمين، فيأتون إلى (٦) دمشق، فيدخلونها (٧) فتأتي الروم إلى دمشق فيكونون عليها أربعين يومًا، فيفسدون البلاد، ويقتلون العباد، ويهدمون الديار، ويقطعون الأشجار، ثم إن الله تعالى ينزل نصره (٨) على المؤمنين، فيخرجون إليهم فتشتد الحرب بينهم ويستشهد من المسلمين خلق كثير، فيا لها من وقعة ومقتلة ما أعظمها وأعظم هولها، ويرتد من العرب يومئذٍ أربع قبائل: سليم، ونهد، وغسان، وطيء، فيلحقون بالروم ويتنصرون مما يعاينون من الهول العظيم والأمر الجسيم، ثم إن الله تبارك تعالى ينزل الصبر والنصر والظفر على المسلمين، فيقتل (٩) من الروم مقتلة عظيمة حتى تخوض الخيل في دمائهم، وتشتعل الحرب بينهم حتى إن الحديد يقطع بعضه بعضًا، وإن الرجل من المسلمين ليطعن العِلج بالسفود فينفذه وعليه الدرع من الحديد، فيقتل المسلمون من المشركين خلقًا كثيرًا حتى تخوض الخيل في الدماء، وينصر الله تعالى المسلمين، ويغضب على الكافرين، وذلك رحمة من الله تعالى لهم، فعصابة من المسلمين يومئذ خير خلق الله، والمخلصين من عباد الله ليس فيهم مارد، ولا مارق، ولا شارد، ولا مرتاب، ولا منافق، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبرون

стр. 1153

على المدائن والحصون فتقع أسوارها بقدرة الله تعالى، فيدخلون المدائن والحصون ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال، وتكون أيام المهدي أربعين سنة، عشرة منها بالمغرب، واثنا عشر سنة بالمدينة (١)، واثنا عشر سنة بالكوفة، وستة بمكة، وتكون منيته فجأة. بينما الناس كذلك إذ (٢) تكلم الناس بخروج اللعين الدجال (٣)، وسيأتي (٤) من أخبار المهدي ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. وقوله: "ليس له هجيرًا"، الهجيرا: الدأب والعادة، يقال: ما زال ذلك هجيراه. و "أهجيراه"، وأجيرياه أي: دأبه وعادته، و "هاجت": أي تحركت، "ريح حمراء" أي شديدة احمرت لها الشجر، وانكشفت الأرض فظهرت حمرتها، ولما رأى ذلك الرجل جاء مجيء خائف من قرب الساعة، و "الشرطة": هنا بضم الشين أول طائفة من الجيش تقاتل، سموا بذلك لعلامات (٥) تميزوا بها، الأشراط (٦): العلامات، وتفنى الشرطة: أي تقتل، و "تفيء" ترجع، ومنه ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، و "نهد": تقدم، ومنه سمي النهد نهدًا لتقدمه في الصدر، و "الديرة" ويروي الدائرة والمعنى متقارب، قال الأزهري (٧): الدائرة الدولة تدور علي الأعداء، و "الدَّبَرة": النصر والظفر يقال: لمن الدَّبَرة: أي الدولة (٨)، وعلى من الدبرة أي الهزيمة (٩) قاله أبو عبيد الهروي (١٠)، والجنبات جمع جنبة (١١)، ويروى بجثمانهم أي:

стр. 1154

بأشخاصهم، وقوله: إذ سمعوا "بناس": بنون وسين "هم أكثر" بالثاء المثلثة، ويروى "بباس" بباء (١) واحدة (٢)، "أكبر": بياء واحدة أيضًا (٣) وهو الأمر الشديد وهو الصواب، لرواية (٤) أبي داود: "إذ سمعوا بأمر هو أكبر (٥) من ذلك"، والصريخ: الصارخ، أي المصوت عند الأمر الهائل ويرفضون: يرمون (٦) ويتركون، والطليعة الذي يطلع (٧) الأمر ويستكشفه، وتداعي الأمم اجتماعها ودعا بعضها بعضًا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة. [وغثاء السيل: ما يقذف به على جانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش، وكذلك الغثّاء بالتشديد والجمع الأغثياء] (٨). [باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ عن حذيفة قال: فتح الرسول الله ﷺ فَتْحٌ فأتيته فقلت: الحمد لله يا رسول الله، ألقى الإسلام بجرانه (٩) ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله ﷺ : إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالًا ستًا أفلا تسألني عنها يا حذيفة؟ قلت: بلى يا رسول الله فما أولها؟ قال: موتى، وفتح بيت المقدس، ثم فتيان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضًا، ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها، وموت كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر، وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فَيُمَلِّكونَهُ ويقولون نرجو أن نرد بك علينا ملكنا، فجمع جمعًا عظيمًا ثم يسير حتى يكون بين العريش (١٠) وأنطاكية وأميركم يومئذٍ نعم الأمير، فيقول لأصحابه: كيف ترون، فيقولون: نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فيقول:

стр. 1155

لا أرى ذلك ولكن نخلي لهم أرضهم ونسير بذرارينا وعيالاتنا حتى نحرزهم ثم نغزوهم، وقد أحرزنا ذرارينا وعيالنا (١) فيسيرون حتى يأتوا مدينتي هذه ويستمد أهل الشام فيمدوه، فيقول: لا ينتدب معي إلا من باع نفسه لله حتى نلقاهم، فيلقاهم ثم يكسر غمده ثم يقاتل حتى يحكم الله بينهم، فينتدبون سبعون ألفًا أو يزيدون على ذلك فيقول (٢) سبعون حسبي ألفًا لا تحملهم الأرض، وفي القوم عين للعدو فيخبرهم بالذي كان يسير إليهم حتى إذا التقوه سألوه أن يخلي بينهم ومن كان بينهم نسب، فيأتي فيدعو أصحابه فيقولون: أتدرون ما يسأل هؤلاء؟ فيقولون: ما أحد أولى بنصر الله وقتالهم منا، فيقولون: امضوا واكسروا أغمادكم، فيسل الله سيفه عليهم، فيقتل منهم الثلثان، ويفر في السفن منهم الثلث، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحًا فردتهم إلى مراسيهم إلى الشام فأخذوا وذبحوا عند أرجل سفنهم عند الشاطئ، فيومئذٍ تضع الحرب أوزارها، رواه إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن ربيعة بن سفيان المعافري عن مكحول عن حذيفة عن رسول الله ﷺ ، كذا ذكره الفقيه ابن برجان في كتاب الإرشاد، ومنه نقلته] (٣). باب ما جاء في قتال الترك وصفتهم [البخاري (٤) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه، فطس الأنوف صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر"] (٥).

стр. 1156

مسلم (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين ذلف الأنوف"، وفي رواية (٢): "يلبسون الشعر ويمشون في الشعر"، أخرجه البخاري (٣) أيضًا (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) والترمذي (٧) وابن ماجه (٨). وخرج ابن ماجه (٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال (١٠) رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا (١١) قومًا صغار الأعين عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق و (١٢) يربطون خيولهم بالنخيل (١٣) " (١٤). أبو داود (١٥) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ في حديث "يقاتلونكم قوم صغار الأعين يعني الترك، قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى، فينجو منهم من هرب، وأما

стр. 1157

في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون" (١). باب منه وما ذكر (٢) في البصرة [والأيلة] (٣) وبغداد والإسكندرية أبو داود الطيالسي (٤) ثنا الحشرج (٥) بن نباتة الكوفي قال: ثنا سعيد بن جمهان (٦) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لتنزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها: البصرة ويكثر بها عددهم ونخلهم ثم يجيء بنو قنطوراء (٧) عراض الوجوه صغار العيون (٨) حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له: دجلة فيفترق (٩) المسلمون ثلاث فرق: أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها وكفرت فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون قتلاهم (١٠) شهيد (١١) ويفتح الله على بقيتهم". خرجه أبو داود السجستاني في سننه (١٢) بمعناه [فقال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني سعيد جمهان

стр. 1158

قال: ثنا مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له (١) دجلة (٢) يكون عليه جسر، يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين. قال ابن يحيى وهو محمد قال معمر: وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر فيفترق أهلها ثلاث فرق: فرقة تأخذ أذناب البقر والتربة فيهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم (٣) ويقاتلون وهم الشهداء". قال أبو داود (٤): وثنا محمد بن المثنى قال: ثنا إبراهيم بن صالح بن درهم قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين فإذا رجل فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها الأيلة؟ قلنا: نعم، قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعًا ويقول هذه لأبي هريرة، سمعت خليلي ﷺ يقول: إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم] (٥). وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت (٦) في تاريخ بغداد (٧): أخبرنا أبو قاسم الأزهري قال: ثنا أحمد بن محمد بن موسى قال: ثنا أحمد بن جعفر بن المنادي (٨) قال: ذكر في إسناد شديد الضعف عن سفيان الثوري عن أبي

стр. 1159

إسحاق الشيباني [عن] (١) أبي قيس عن علي بن أبي طالب (٢) ﵁ أنه (٣) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها ملك بني العباس وهي الزوراء تكون فيها حرب مقطعة (٤) تسبى فيها النساء، ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم، قال أبو قيس: فقيل لعلي: يا أمير المؤمنين وقد سماها رسول الله ﷺ الزوراء، فقال: لإن (٥) الحرب تزور في جوانبها حتى تطبقها" (٦) وقال أرطأة بن المنذر قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان أخبرني عن تفسير قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثًا، فقال حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها وقد عرفت لِمَ تركها، نزلت في رجل من أهل بيته (٧) يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على (٨) نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقًا (٩)، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث على إحداهما نارًا ليلًا فتصبح سوداء مظلمة فتحترق كلها كأنها لم تكن مكانها، فتصبح صاحبتها متعجبة كيف قلبت، فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم (١٠) جميعًا، فذلك قوله: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ أي عزيمة من عزمات الله، وفتنة وقضاء، حم: أي حم ما هو كائن، ع: عدلًا منه، س: سيكون، ق: واقع في هاتين المدينتين (١١).

стр. 1160

ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين دجلة ودُجَيْل (١) وقُطْرَبُّل (٢) والفرات يجتمع فيها (٣) جبابرة الأرض تجيء إليها الخزائن، يخسف بها" (٤). وفي رواية (٥): "يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهابًا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة". وقرأ ابن عباس (حم سق) بغير (عين) وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري (٦)، وقال ابن عباس وكان علي ﵁ يعرف الفتن بها. وذكر القشيري والثعلبي في تفسيريهما أن النبي ﷺ : "لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه فقيل له: يا رسول الله ما أحزنك؟ فقال: أُخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات بنزول عيسى (٧) وخروج الدجال" والله أعلم، لفظ الثعلبي. وقد روى حديث الزوراء محمد بن زكريا الغيلاني وأسند عن علي ﵇ عن رسول الله ﷺ وقال: "أما إن هلاكها على يد السفياني كأني والله بها قد صارت خاوية على عروشها". ومحمد بن زكريا قال الدارقطني (٨): كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ] (٩).
следующие страницы →