← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه (١): جاءته من قِبل المَنُونِ (٢) إشارةٌ … فهوى صريعًا لليدين وللفمِ ورمَي بِمُحْكَمِ دِرْعِهِ وَبِرُمْحِهِ … وامتدَّ مُلَقى كالفنيقِ (٣) الأعْظَمِ لا يستجيبُ لصارخٍ إِنْ يَدْعُهُ … أبدًا ولا يُرجى لخطبٍ مُعْظمِ ذهبتْ بسالتُهُ (٤) ومرَّ غرَامُهُ (٥) … لمّا رأى خيلَ المنيةِ تَرْتَمِي يا ويحَهُ (٦) مِن فارسٍ مَا بَالهُ … ذهبتْ مروتُهُ ولما يُكلم (٧) هذِي يَدَاهُ وهذِهِ أعضاؤه … ما مِنْهُ مِنْ عُضْوٍ غدا بِمثْلم (٨) هَيْهَاتَ ما خيلُ الردى مُحْتاجَةٌ … للمَشْرِفِي (٩) ولا السنانِ اللَّهْذَمِ (١٠) هي ويْحَكُمْ أَمرُ الإلهِ وحُكْمُه … والله يقضِي بالقضاءِ المُحْكمِ يا حَسْرة لو كان يُقْدَرُ قدرُها … ومصيبةٌ عَظُمتْ ولمّا تعْظُمِ

стр. 107

خبرٌ علمنا كُلنا بمكانِهِ … وكأننا في حالنا لم نعلمِ (١) وروى الترمذيُّ الحكيم (٢) أبو عبدِ الله (٣): حدثنا قتيبةُ بن سعيد (٤) والخطيبُ بنُ سالم عن عبد العزيزِ (٥) المَاجِشون عن محمدِ بن المُنكَدِرِ قال: مات ابنٌ لآدم ﵇ فقال: يا حوّا (٦) إنه (٧) قد ماتَ ابنُكِ، قالتْ: وما الموتُ؟! قال: لا يأكلُ، ولا يشرب، ولا يقومُ، ولا يقعدُ، فَرنَّتْ (٨). فقالَ آدم ﵇: عليكِ الرّنة وعلى بناتِكِ أنا وبني مِنْها بَرآء". فصل وقوله (٩): "فلعله (١٠) أن يستعتب"، الاستِعتَاب: طلب العُتْبَى، وهو الرضَى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبةِ والرجوعِ عن الذنُوبِ.

стр. 108

قال الجوهري (١): استَعْتب: طلب أن يُعْتَبَ، يقول: استَعْتَبْتُه فأَعتَبنِي أي: استرضيته فأرضاني (٢). وفي التنزيل في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. ورُوي عن سهل بن عَبد الله التُستري (٣) أنه قال: لا يتمنّى الموتَ (٤) إلا ثلاثَةُ: رجلٌ جاهلٌ بما بَعْد الموتِ، أَوْ رَجلٌ يَفِرُّ من أقدار الله عليه، أو مشْتَاقٌ مُحِبٌ للقاء الله تعالى (٥). ورُوي أنّ ملكَ المَوْتِ جاءَ إلى إبراهيم ﵇ خليل الرحمن ليقبضَ روحَه ﵇ فقال إبراهيمُ: يا ملك الموتِ هل رأيت خليلًا يقبضُ روح خليلِهِ؟ فعرجَ مَلكُ المَوْتِ ﵇ إلى ربه تعالى، فقال (٦): قلْ لَهُ هل رأيت خليلًا يَكْره لقاء خليلِهِ؟ فرجعَ، قال: فاقبض رُوحِي السّاعة (٧). وقال أبو الدرداء (٨) ﵁: ما من مؤمنٍ إلا والمَوْتُ خيرٌ له، فَمَن لم يُصدقنِي فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ (٩) لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨].

стр. 109

وقال حيّانُ بنُ الأسودِ (١): الموتُ جسرٌ يوصلُ الحبيبَ إلى الحبيبِ (٢). بابُ جوازِ تَمني الموتِ والدعَاءِ بِهِ خَوْفُ ذَهاب الدين قال الله تعالى مخبرًا عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وعن مريم ﵍ (٣) في قوْلِهَا: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. مَالِكٌ عن أبي الزنادِ (٤) عن الأَعْرَجِ (٥) عن أبي هريرة (٦) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَقُوم (٧) السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرجلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقول: يا ليْتَني مكانه" (٨) فصْلٌ قلت: لا تعارُضَ بين هذه التَّرجمةِ والتِي قَبْلَها لِمَا نُبَينُهُ:

стр. 110

أَما يوسُفُ ﵇ فقال قتَادَةُ (١): لم يتمَنّ الموتَ أَحدٌ نَبِيٌّ ولا غيره إلا يوسف ﵇ حين تكاملَتْ عليهِ النعَمُ، وَجُمِع له الشّمْلُ اشْتَاقَ إِلى لَقَاءِ ربه (٢) فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي (٣)﴾ الآية [يوسف: ١٠١] فاشتاق إلى لقاء ربه . وقيل: إنَّ يوسف ﵇ لم يتَمَنّ الموتَ وإنما تمَنَّى الوفاةَ على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفَّنِي مُسْلِمًا (٤)، وهذا هو القول (٥) المختارُ في تأويل الآيةِ عند أهل التأويل (٦). (٧). وأما مريمُ ﵍ فإنما (٨) تَمَنَّتِ الموت لوجهين: أَحَدُهُما: أنها (٩) خافتْ أن يُظَنّ بها الشرُّ في دِينها وتُعَيَّر فيَفْتِنَها ذلك. الثاني: لئلا يقَع قوم بسَبَبِها في البهتَان والزور (١٠) والنسبة إلى الزنا (١١)

стр. 111

وذلك مُهْلِك لهم، وقد قال الله في حق من افترى على عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقد اختُلفَ في مريم ﵍ هل هي صدِّيقَةٌ؟ لقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] أو نبية؟ لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية (١)، (٢)، وعليه فيكون (٣) الافتراءُ عليها أعظم، والبهتانُ في حقها أشدّ، وفيه يكون الهلاكُ حقًّا؛ فعلى هذا الحد الذي ذكرنا من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائزًا والله أعلم. وأما الحديثُ: فإنما هو خبر أن ذلك يكُون (٤) لشدة ما ينزلُ بالناس من فسادِ الحال في الدين، وضعفه، وخوْفِ ذهابه، لا لضُر ينزلُ بالمَرْءِ في جسْمه أو غير ذلك من ذهابِ مَاله مما يحط به عنه خطاياه، ومما يوضح هذا المعنى ويبيّنه قوله ﵇: "اللهم إني "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين، وإذا أردتَّ - ويروى أدرت - في الناس فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون" رواه مالك (٥)، ومِثلُ هذا قول عمر ﵁:

стр. 112

اللهم قد ضعُفتْ قُوتِي، وكبرت (١) سني، وانتشرت رعيتي (٢)، فاقبضني إليك غيْر مُضيِّع ولا مُقَصِّر، فما جاوَز ذلك الشهرَ حتى قُبض ﵀، رواه مالك (٣) أيضًا، وسيأتي (٤) لهذا في كتاب الفتن مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر بنُ عبدِ البرِّ (٥) في كتاب (٦) التمهيدِ (٧)، والاستذكار (٨): من حديث زاذان (٩) أبي عمر عن عُليمٍ الكنديِّ قال: كنتُ (١٠) مع عبس (١١) الغفاري

стр. 113

على سطح فرأى قومًا (١) يتحملون (٢) من الطاعون فقال: يا طاعونُ خُذْنِي إليكَ ثلاثًا يقولُها (٣)، قالَ عُليمٌ (٤): لِمَ تقولُ هذا؟ ألم يقُلْ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يتمنّينّ أحدُكُمُ المَوْتَ فإنّه عند ذلك انقطاع عملِهِ ولا يردُ فَيُسْتَعْتَبَ، فقال عبس (٥): أنا سمعتُ (٦) رسول الله ﷺ يقولُ: بادِروا بالموتِ ستًا: "إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرطِ (٧)، وبيع الحكمِ (٨)، واستخفافًا بالدمِ، وقطيعة الرحمِ، ونشوًا يتخذون القرآنَ مزاميرَ يُقدِّمُونَ الرجلَ ليُغَنّيَهم بالقرآنِ وإِنْ كان أقلَهم فقهًا". وسيأتي (٩) لهذا مزيد بيان في الفتن إن شاء الله تعالى. باب ذكر الموتِ وفضله والاستعداد له النسائي (١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسُول الله ﷺ : "أكثروا ذكرَ هَاذِم (١١) اللذاتِ يعني الموتَ، أخرجه ابن ماجه (١٢) والترمذي (١٣) أيضًا،

стр. 114

وخرّجه (١) أبو نعيم (٢) الحافظ (٣) بإسناده من حديث مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا من ذكر هادم اللذات، قلنا: يا رسول الله وما هادم اللذات؟ قال: الموت". ابن ماجه (٤) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ فجاء رجلٌ من الأنصار فسلّم على النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسَنُهم خُلقًا، قال: فأي المؤمنين أكيَس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس". خرّجه مالك (٥) أيضًا، وسيأتي في كتاب (٦) الفتن إن شاء الله تعالى. الترمذي (٧) عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "الكيّس مَن دَانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسَه هواها وتمنى على الله". ورُوي عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا ذكر (٨) الموت فإنه يُمحص الذنوب ويزهد في الدنيا" (٩).

стр. 115

وروي عنه ﵇ أنه قال: "كفى بالموت واعظًا" (١). وقيل له: يا رسول الله، هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: "نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة" (٢). وقال السّدي (٣) في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] أي: أكثرُكُم (٤) للموتِ ذكرًا، وله أحسَنُ استعدادًا، ومنه أشد خوفًا وحذرًا (٥). فصل (٧) قال علماؤنا (٦) رحمة الله عليهم: قوله (٧) ﵇: "أكثروا ذكرَ هادمِ اللذات": الموت كلامٌ مختصرٌ وجيزٌ، قد جمع التذكرة، وأبلغ في الموعظةِ، فإنّ مَن تذكرَ (٨) الموْتَ حقيقة ذكرِهِ نغْصَ عليه لذتَه الحاضرة، ومنعه من تمنِّيها في المستقبلِ، وزهّدَه فيما كان مِنْها يؤملُ، ولكن (٩) النفوسَ الرّاكدة، والقلوبَ الغافلة تحتاجُ إلى تطويل الوعّاظِ، وتزويق الألفاظِ، وإلا ففي قوله ﵇: "أكثروا ذكرَ هادم اللّذاتِ "معَ قولِهِ تَعَالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

стр. 116

[آل عمران: ١٨٥] ما يكْفِي السامعَ له، ويشغلُ (١) الناظرَ فيه (٢). وكان أميرُ المؤمنين: عمر بن الخطّاب ﵁ كثيرًا ما يتمثل بهذهِ الأبيات (٣): لا شيء ممّا تَرَى تبقى بشاشتُهُ … يبقى الإلهُ ويُودى (٤) المال والولد لم تُغْنِ عنْ هُرْمُزَ يومًا خزائنُهُ … والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خلَدُوا ولا سليمان إذ تجري الرياحُ لَهُ … والإنسُ والجنُ فيما بينها برِدُ (٥) أينَ الملوكُ التي كانتْ لِعزتِها … مِن كُل أوبٍ إليها وافدٌ يفدُ حَوْضٌ هنالِكَ مورودٌ بلا كذب … لا بُدَّ مِن وِرْدِهِ يومًا كما وَرَدُوا (٦) فصل إذا ثبت ما ذكرناه فاعلم أن ذكر الموت يورث استِشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانيةِ، والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق، وسَعةٍ، ونِعمة، ومِحنة (٧)، فإن كان في حال ضيق، ومحنَةٍ (٨) فذكرُ الموت يسَهل عليه بعض ما هو فيه فإنه لا يدوم، والموتُ أصعبُ منه، أو في حال نعمة وسعة، فذكر الموت يمنع من (٩) من

стр. 117

الاغترار بها، والسكون إليها لقَطعهِ عنها، ولقد أحسن من قال (١): اذكر الموتَ هادمَ اللذات … وتجهز لمصرَعٍ سوف يأتي (٢) وقال آخر (٣): واذكرِ المؤتَ تجده راحة … في اذكار (٤) الموتِ تقصير الأمل وأجمعت الأمةُ على أنّ الموْتَ ليسَ لَهُ سنُّ معلومٌ، ولا زمنٌ معلومٌ، ولا مرض معلوم (٥)؛ وذلك ليكونَ المرءُ على أُهْبَةٍ من ذلك، مستعدًا لذلك، وكان بعضُ الصالحينَ يُنادي بالليل على سورِ المدينة: الرحيلَ، الرحيلَ، فلمّا تُوفي فقد صوتَه أميرُ تلك المدينة، فسألَ عنه، فقيل له: إنه قد (٦) مات فقال: ما زالَ يلهجُ بالرحيل وذِكْرِهِ … حتى أناخَ ببابهِ الجمّالُ فأصابَه مُتيقظًا ومُتشمّرًا (٧) … ذا أُهْبةٍ لم تُلههِ الآمالُ وكان يزيدُ الرّقاشيُّ (٨) يقولُ لنفسه: ويْحَكَ يا يزيدُ مَنْ ذا (٩) يُصلي عنك بعد الموتِ؟ مَن ذا (١٠) يصومُ عنكَ بعد الموتِ؟ ذا (١١) من يترضى عنك ربَّكَ بعد الموتِ؟ ثم يقول: أيّها النّاسُ ألا تبكون، وتنوحونَ على أنفسِكم باقي حياتكم؟ مَنِ المَوْتُ موعدُهُ، والقبر بيتُهُ، والثَّرى فِراشُهُ، والدُودُ أنيسه، وهو

стр. 118

مع هذا منتظر (١) الفزعَ الأكبرَ، كيف يكونُ حالُه؟ ثم يبكي حتى يسقطَ مغشيًا عليه (٢). وقال التيمي (٣): شيئان قطعا عني (٤) لذاذةَ الدنيا: ذِكرُ الموتِ، وذكرُ الوقوف (٥) بين يدي الله تعالى (٦). وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيز (٧) يجمعُ الفقهاءَ فيتذاكرون (٨) الموتَ، والقيامةَ، والآخرةَ، فيبكون (٩) حتى كأنّ بين أيديهم جنازةً (١٠). وقال أبو نعيم (١١): كان الثوريُّ (١٢) إذا ذكرَ الموتَ لا يُنتفعُ به أيامًا، فإن سُئل عن شيء قال: لا أَدْرِي لا أَدْرِي.

стр. 119

وقال ابن أسباط (١): ذُكِرَ عند النبي ﷺ رجلٌ فأُثْنِيَ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "كيفَ ذِكْرُهُ للمؤتِ؟ فلم يُذكرُ (٢) ذلك منه، فقال: ما هو كما تقولون" (٣). وقال اللفاف (٤): من أكثرَ ذكر الموتِ أُكرمِ بثلاثة أشياءٍ: تعجيلُ التوبةِ، وقناعةُ القلبِ، ونشاطُ العبادة، ومَن نسي الموتَ عُوقب بثلاثةِ أشياءٍ: تسويفُ التوبةِ، وتركُ الرضى (٥) بالكفافِ، والتكاسلُ في العبادة. فتفكَّرْ يا مغرورُ في الموتِ وسكرتهِ، وصعوبةِ كأسِهِ، ومَرَارَتِهِ (٦)، فيا للموتِ مِن وعدٍ ما أصدقَه ومِن حاكم ما أعدلَه، وكفى (٧) بالموتِ مُقرِحًا للقلوب، ومُبكِيًا للعيون، ومُفرِّقًا للجماعاتِ، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهلَّا تفكرتَ يا ابن آدم [في] (٨) يوم مصرعِكَ، وانتقالِكَ مِن موضعِكَ، وإذا (٩) نُقلتَ مِن سعةٍ إلى ضيقٍ، وخانَكَ الصاحبُ والرفيقُ، وهجرَكَ الأخُ والصديقُ، وأخذتَ مِن فُرُشِكَ وغطائِكَ إلى عررٍ (١٠)، وغطوك من بعدِ لين لحافِكَ بترابٍ ومدرٍ، فيا جامعَ المالِ، والمجتهدُ في البنيانِ ليس لك والله

стр. 120

مِن مالِكَ إلا الأكفان، بل هي والله (١) للخرابِ، والذهابِ، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهلّا أبعدك (٢) من الأهوال؟ كلا، بل (٣) تتركه إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزار على مَن لا يعذرك. ولقد أحسنَ مَن قال (٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] النصيب (٥): الكفن، فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة (٦) وهي: الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء، والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس (٧) أنك تترك جميع (٨) مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر (٩): نصيبك مما تجمع الدهر كله … رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر (١٠): هي القناعة لا تبغي بها بدلًا … فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن مَلك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن فصل (١١) وقوله (١٢): "الكيّسُ من دان نفسَه"، دَانَ: حَاسَبَ، وقيل: ذَلّ (١٣).

стр. 121

قال أبو عبيد (١): دان نفسه: أي أذلّها واستعبَدها، يقال: دِنْتُه، أدِينه إذ أذللته (٢)، فيُذل نفْسَه في عبادة الله تعالى عملًا يُعِدُّه لِما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسِبُ نفسه على ما فرط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عملِه، والتّنصُّلِ مِن سَالِف زلَلِهِ، وذكرِ الله تعالى، وطاعَته في جميع أخوالِه؛ فهَذا هو الزَّادُ ليَومِ المَعَادِ. والعاجِزُ ضِد الكَيّس، والكيّسُ: العاقِلُ، والعاجِزُ: المُقَصِّرُ في الأمور، فهو مع تَقصِيره في طاعةِ ربِه، واتّباع شهَوات نَفْسِه متَمَنٍّ على الله أن يغفر له؛ وهذا هو الاغْتِرارُ، فإنَّ الله تعالى أَمَرَه، ونَهاه. قال الحسَن البصري (٣) (٤): إنّ قومًا ألهَتهم الأمَانِيُّ (٥) حَتَّى خرجُوا من الدنيا وما لهم حَسنةٌ، ويقول أحدُهم إني أُحسِنُ الظَّنَّ بربي (٦) وكذبَ، لو أَحسَن الظَّنَّ لأَحسَن العملَ، وتلا قولَه (٧) تَعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣] (٨). وقال سعيد بن جبير (٩): الغرة بالله: أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة (١٠) (١١).

стр. 122

وقال بقية بن الوليد (١): كتب أبو عمير الصوري (٢) إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا، والسلام (٣). وسيأتي لهذا (٤) مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أوّل منازل الآخرة (٥) إن شاء الله. بابُ ما يُذَكِّرُ الموتَ والآخِرَةَ وَيُزَهِّدُ في الدنيا مسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: زارَ النبي (٧) ﷺ قَبْرَ أُمِّه فَبَكَى، وأَبْكَى مَن حَوْلَه فقال: "استَأذِنْتُ ربي [في] (٨) أن أستغفرَ لها فلم يُؤذن لي، واستَأذنتُه في أَن أَزُورَ قبْرَها فَأذن لي، فزُورُوا القبُورَ فَإِنَّها تُذكِّر الموت". ابن ماجه (٩) عن ابن مسعُود أَنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "كنت (١٠) نَهيتكم عن زيارة القبُور فزُورُوها، فَإِنَّها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخِرة".

стр. 123

فصلٌ زيارةُ القبور للرجالِ (١) متفَقٌ عليه (٢) عِند العلماء، مُخْتَلَفٌ فِيه للنِّساءِ، أمّا الشّوابُ فحرامٌ عليهنّ الخرُوجُ، وأما القَواعِد فمُباحٌ لهنَّ ذلِكَ، وجائزٌ لجَمِيعِهِنَّ ذلك (٣) إذا انفرَدْنَ بالخروج عن الرجال (٤)، ولا يختلفُ في هذا إن شَاء الله تعالى (٥). و (٦) على هذا المعنَى يكون قوله ﵇: "زورُوا القُبور"، عامٌّ (٧)، وأما موضعٌ، أو وقتٌ يُخشَى فيه الفتنة من اجتِماع الرجال والنِّساء فلا يحِل ولا

стр. 124

يجوز، فبينا الرجلُ يخرُج ليعتَبِرَ (١) فيقع بصرُه على امرأةٍ فَيَفْتَتِنَ، وبالعكس، فيرجع كل واحدٍ من الرجال والنِّساء (٢) مأزُورًا غير مأجور، وهذا واضح، والله أعلم. وقد رأى بعض أهل العلم (٣): أن لعن النبي ﷺ زوّارات القبور (٤) كان (٥) قبل أن يرخِّص في زيارة القبور (٦)، فلما رخّص (٧) دخل في رخصته الرجال والنساء، وما ذكرناه لك أولًا أصح، والله أعلم. ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى المقبرة (٨)، فلمّا أشرف عليها قال: يا أهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم، أمَّا خبر من (٩) قِبَلِنَا: فالمال (١٠) قد اقتُسم، والنساء قد تزوجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، [ثم قال] (١١): أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نرد زادًا خيرًا من التقوى (١٢). ولقد أحسن أبو العتاهية (١٣) حيث يقول: يا عجبًا للناس لو فكروا … وحاسَبُوا أنفسَهم أبصَروا (١٤) وعَبَروا الدّنْيا إلى غيرها … فإنما الدُّنْيا لهم مَعْبَرُ

стр. 125

لا فخرَ إلا فخر أهلِ التُّقَى … غدًا إذا ضمّهُمُ المحشرُ (١) ليَعلَمَنَّ الناسُ أنّ التُّقى (٢) … والبرَّ كانا خير ما يُدخَرُ عجبتُ للإنسان (٣) في فخرِه … رهو غدًا في قبره (٤) يُقبرُ ما بالُ مَنْ أوّلُه نُطفةٌ … وجيفةٌ آخره يفخرُ (٥) أصبحَ لا يملكُ تقديم … ما يرجو ولا تأخيرَ ما يحذرُ وأصبح الأمر إلى غيره … في كل ما يُقضَى وما يقدرُ (٦) فصل قال العلماء (٧) رحمة الله عليهم: ليس للقلوبِ أنفعُ من زيارةِ القبور، وخاصة إن كانت قاسيةً، فعلى أصحابها أن يُعالجوها بأربعة أمور: أحدها: الإقلاعُ عما هي عليه، بحضور مجالسِ العلمِ بالوعظ، والتذكر (٨)، والتخويفِ، والترغيبِ، وأخبارِ الصالحينَ؛ فإن ذلكَ ممَّا يليِّن القلوبَ، وينجعُ فيها. الثاني: ذكرُ الموتِ، فيكثرُ مِن ذكر هادم (٩) اللّذات، ومفرق الجماعات، ومؤتمِ البنينَ والبناتِ، كما تقدم (١٠) في الباب قبلُ. ويُروى (١١) أن امرأةً شكت إلى عائشة ﵂ قساوةً في قلبِها (١٢)، فقالت لها: أكثري ذكر الموتِ يرقُّ قلبُكِ، ففعلت ذلك، فرّق قلبُها، فجاءت تشكرُ عائشة (١٣).

стр. 126

قال العلماءُ (١): فذكْرُ الموتِ يردعُ عن المعاصي، ويلينُ القلبَ القاسي، ويذهبُ الفرحَ بالدنيا، ويهوِّن المصائبَ فيها. الثالث: مشاهدةُ المحتضَرينَ؛ فإنّ في النظرِ إلى الميت، ومشاهدةِ سكراتِهِ، ونزعاتِهِ، وتأملِ صورتِهِ بعد مماته، ما يقطعُ عن النفوس لذاتِّها، ويطردُ (٢) عن القلوبِ مسراتِها، ويمنعُ الأجفانَ من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعثُ على العمل، ويزيدُ في الاجتهادِ والتعب (٣). ويُروى (٤) أنّ الحسنَ البصريَّ دخل على مريضٍ يعوده فوجده في سكرات الموتِ، فنظر إلى كربه وشدّةِ ما نزل بِهِ، فرجع إلى أهلِهِ بغير اللّون الذي خرجَ به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكُم بطعامِكم و شرابِكم، فوالله لقد رأيتُ مَصرعًا لا أزال أعملُ له حتى ألقاه (٥). فهذه ثلاثة أمورٍ ينبغي لمن قسا قلبُه، ولزمَه ذنبُهُ أن يستعينَ بها على دواء دائِهِ، ويستصرخَ بها (٦) على فتنِ الشيطانِ وإغوائهِ (٧)، فإن انتفع بها فذاك، وأن عظُم عليه رانُ القلب، واستحكَمت فيه دواعي الريب (٨)، فزيارةُ قبور الموتى تبلغُ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأولى، والثاني، والثالث؛ ولذلك قال ﵇: "زوروا القبور فإنّها تذكرُ الموتَ والآخرة، وتزهدُ في الدنيا" (٩)، فالأول: سماعٌ بالأذن، والثاني: إخبارٌ للقلب (١٠) بما إليه المصيرُ، وقائمٌ له مقامَ التخويف، والتحذيرِ في مشاهدة (١١) من احتُضِر (١٢)، وزيارة قبر (١٣) من مات

стр. 127

من المسلمين معاينةً؛ فلذلك كانا (١) أبلغَ من الأول والثاني، قال ﷺ : ليس الخبرُ كالمعاينة" (٢)، رواه ابن عباس ﵁، لم يروه أحدٌ غيره، إلا أن الاعتبار بحال المحتضرين غيرُ ممكن في كل الأوقات (٣)، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعةٍ من الساعات، وأما زيارةُ القبور: فوجودُها أسرع، والانتفاعُ بها أليقُ وأجدرُ، فينبغي لمن عزم على الزِّيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبَه في إتيانها، ولا يكونُ حظُّه منها التطواف (٤) على الأجداثِ فقط؛ فإنَّ هذه حالة تشاركه فيها بهيمةٌ (٥)، ونعوذ بالله من ذلك، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفعَ الميت بما يتلو (٦) عنده من القرآن على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (٧)، ويجتنبُ المشيَ على المقابر، والجلوسَ عليها إذا دخل المقابر، ويخلعُ نعلَيه، كما جاء في الحديثِ (٨)، ويسلم إذا دخل المقابر (٩)، ويخاطبهم خطابَ الحاضرين فيقول: " السلامُ عليكُمْ دار قوم مؤمنين" (١٠)، كذلك كان ﵊ يقولُ، وكنّى (١١) بالدار عن عُمَّارِها وسكانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم؛ لأنّ العرب تعبرُ بالمنزل عن أهله، وإذا وصل إلى قبرِ ميِّتِهِ الذي يعرفه سلّم (١٢) عليه أيضًا، فيقول: عليك السلام.

стр. 128

روى الترمذيُّ في جامعِهِ (١): "أَنَّ رجلًا دخل على النبي ﷺ فقال: عليك السلام، فقال ﷺ : لا تقل عليك السلام، فإنَّ (٢) عليك (٣) السلام تحيَّة الميت"، وأتاه من تلقاءِ وجهِهِ في زيارته كمخاطبتهِ حيًّا، ولو (٤) خاطبه حيًّا لكان الأدبُ استقباله بوجهه فكذلك ها هنا (٥)، ثم يعتبر (٦) بمن صار تحت الترابِ، وانقطعَ عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوشَ والعساكر ونافسَ الأصحاب والعشائرَ، وجمعَ الأموال والذخائر، فجاءه الموتُ في وقتٍ لم يحتسبه، وهولٍ لم يرتقبه، فليتأمل الزائرُ حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانِهِ الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالُهم، ولم تغنِ عنهم أموالهم، ومحا الترابُ محاسنَ وجوههِم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمّل بعدهم نساؤهم، وشمل ذلُّ اليتم أولادَهم، [و] (٧) اقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم، ويتذكر ترددهم في (٨) المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعَهم لمؤاتاة (٩) الأسباب، وركونَهم إلى الصحةِ والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عمّا بين يديه من الموتِ الفظيع والهلاكِ السريع كغفلتهم، وأنّه لا بدّ صائرٌ إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددًا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذُ بالنظر إلى ما خُوّل،

стр. 129

وقد سالت عيناه، ويصول (١) ببلاغةِ نطقِهِ، وقد أكل الدُودُ لسانَه، ويضحك لمؤاتاة دهره، وقد أبلى الترابُ أسنانَه، وليتحققْ أنّ حالَه كحالِهِ (٢)، ومآله كمآله (٣)، وعند هذا التذكر، والاعتبار، تزولُ (٤) عنه جميعُ الأغيار الدّنيويّةِ، ويقبلُ على الأعمالِ الأخرويّةِ، فيزهدُ في دنياه (٥)، ويُقبل على طاعةِ مولاه، ويلينُ قلبُه، وتخشعُ جوارحُهُ، والله أعلم. فصل جاء في هذا الباب حديث يُعارضُ حدِيثَ هذا الباب، وهو ما خَرّجه أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي (٦) الخطِيب (٧) في كتاب السابق واللاحِقِ (٨)، وأبو حَفْصٍ عمرُ (٩) بن شاهينَ (١٠) في الناسخ والمنسوخ له (١١) في الحديث (١٢) بإسناديهِما

стр. 130

عن عائشة ﵂ قالت: حَجَّ بنا رسول الله ﷺ حجةَ الوَدَاعِ فمرّ بي على عَقَبَةِ الحَجُونِ (١) وهو بَاكٍ، حَزِينٌ، مُغْتَمٌّ، فبكيت لِبُكَاء رَسُول الله ﷺ ثم إنّه طَفَرَ (٢) فنزل فقال: يا حُمَيرَاء استمسكي، فاستَنَدتُ إلى جنب البعِير، فَمَكَثَ عني طويلًا (٣) ثم (٤) عاد إليّ وهو فَرحٌ متبسِّمٌ (٥)، فقلت [له] (٦): بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله نَزَلْتَ مِن عندي وأنتَ باكٍ حَزِينٌ مُغْتَم، فبكَيْتُ لبُكائِكَ يا رسول الله، ثم إِنَّكَ عُدتَ إليَّ وأنتَ فَرِح مُتَبسِّم، فعَمّاذا يا رسول الله؟ فقال: ذهبت بِقبر أُمِّي آمِنَة فَسَأَلْتُ الله تعالى (٧) أن يحييها، فأحياها، فآمنت بي، أو قال: فَآمَنَتْ (٨)، ورَدَّها الله "، لفظ الخطيب (٩). قلت (١٠): وقد ذكر السهيلي (١١) في رَوضه (١٢) الأُنُف له (١٣) (١٤) بإسنادٍ فيه

стр. 131

مجهولون: "أن الله تعالى أحيا له أباه وأمَّه وآمنا به". قال المؤلف ﵁: ولا تعارُضَ، والحمد لله لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفارِ (١) لهم (٢) بدليل حديث عائشة ﵂ أنّ ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك جَعَلَه ابن شاهين ناسخًا لما ذُكرَ من الأخبار (٣) (٤).

стр. 132

قلت (١): ويُبيِّنُ حديث مسلم (٢) عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أَبي؟ قال: "في النار، فَلمَّا قَفَّى دَعاهُ، فقال: إِنَّ أَبي وأباك في النار". وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: "فلما رأى ما دخل علينا قال: وأمِّي مع أمَّكما" (٣)

стр. 133

على ما يأتي (١). هذا إن صح إحياؤهما (٢)، وقد سمعت (٣) أنَّ الله تعالى أحيى له عمه أبا طالب، وآمن به، والله (٤) أعلم. وقد قيل: إنَّ الحديث في إيمان أمِّه وأبيه موضوع يردَّه القرآنُ العظيم، والإجماعُ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] (٥)، فمن مات كافرًا (٦)، لم ينفعْه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، فكيف بعد الإعادة. وفي التفسير أنه ﵇ قال: "ليت شِعْرِي ما فعل أبواي؟ فنزل: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] (٧). قال المؤلف: ذكرَه الحافظ أبو الخطاب عمرُ بنُ دِحْية (٨)، وفيه نظرٌ؛ وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى، وتتابع إلى حين مماته؛ فيكون هذا ممَّا فضَّله الله تعالى وأكرمَه به، وليس إحياؤهما، وإيمانُهما به (٩)

стр. 134

ممتنع (١) عقلًا، ولا شرعًا (٢)، فقد ورد في الكتاب إحياءُ قتيلِ بني إسرائيل، وإخبارُهُ بقاتلِهِ، وكان عيسى ﵇ يُحيي الموتى، وكذلك نبينا محمدٌ ﵊ أحيى الله تعالى على يديه (٣) جماعةً (٤) من الموتى (٥)، وإذا ثبت [هذا] (٦) فما يمنعُ من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامتِهِ وفضيلتهِ، مع ما وردَ من الخبر (٧) في ذلك، ويكون (٨) ذلك خصوصًا فيمن مات كافرًا. وقوله: فيمن (٩) مات كافرًا إلى آخر كلامه فمردودٌ، لما رُوي في الخبر أنّ الله تعالى ردَّ الشمس على نبيِّهِ عليه أفضل الصلاة والسلام بعد مغيبها، ذكره

стр. 135

أبو جعفر الطحاوي (١) وقال: إنَّه حديثٌ ثابتٌ (٢)، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدَّد الوقتُ لما ردّها عليه، وكذلك (٣) يكون إحياءُ أبوي النبيِّ ﷺ نافعًا لإيمانهما وتصديقِهِما بالنبي ﷺ ، وقد قبل الله إيمان قومِ يونس، وتوبتِهِم بعد (٤) تلبُّسِهِم بالعذابِ (٥) فيما ذُكِرَ في بعض الأقوالِ، وهو ظاهر القرآن. وأما الجوابُ عن الآيةِ: فيكونُ ذلك قبلَ إيمانِهِما، وكونهما في العذاب (٦)، والله بغيبِهِ أعلمُ وأحكمُ.

стр. 136

باب (١) منه وما يقال عند دخول المقابر وجواز البكاء عندهما أبو داود (٢) عن بُرَيدَة بن [الحُصَيْب] (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتُكُمْ عن زيارة القبورِ فزوروها، فإِنَّ في زيارتهَا تَذْكِرةً". وذكر النسائي (٤) عن بريدة أيضًا (٥) عن النبي ﷺ قال (٦): "مَنْ أراد أن يَزورَ قَبْرًا (٧) فَلْيَزُرْه (٨)، ولا تقُولُوا هُجْرًا"، بمعنى سوءًا. ذكر أبو عُمر (٩) من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يمر بقبرِ أخيه المؤمن كان يَعرفُهُ فسلَّمَ عليهِ إلا ردَّ عليه¬ السلام"، رُوي هكذا عن أبي هريرة (١٠) ﵁ موقوفًا قال: فإن لم يعرفه وسلّم ردَّ عليه¬ السلام" (١١).

стр. 137

مسلمٌ (١) عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله (٢): كيف أقول (٣)؟ قال: "قُولِي السلامُ على أهلِ الدِّيارِ مِن المؤمنينَ و (٤) المسلمين، ويرحم الله (٥) المُسْتقْدِمِينَ منا (٦) والمُسْتأخِرِينَ (٧)، وإنّا إن شاءَ اللهُ بكم لاحِقُون (٨) ". خرَّجه مسلم (٩) من حديث بُريَدةَ أيضًا، وزاد: "أسألُ الله لنا ولكم العافية". وفي الصَّحيحين (١٠): أنَّه ﵇ مرَّ بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ لها فقال لها: "اتَّقي الله واصبري" الحديث. فصل هذه الأحاديث تشتملُ على فقهٍ عظيمٍ وهو: جواز زيارةِ القبور للرِّجال والنساء (١١)، والسلامُ عليها، وردُّ الميت السلام (١٢) على من يسلِّم عليه، وجواز بكاء النساءِ عند القبرِ، ولو كانَ بكاؤهنَّ وزيارتهنَّ حرامًا؛ لنهى ﷺ المرأةَ ولزجَرها زجْرًا يزجرُ مثله من أتى محرَّمًا، وارتكبَ منهيًّا (١٣)، وما رُوي من النهي للنساء عن زيارة القبورِ فغير صحيح.

стр. 138

والصحيحُ: ما ذكرتُ لكَ مِن الإباحة (١) إِلَّا أَنَّ عمل النساء في خروجهنَّ ممَّا لا يجوز لهنَّ من تبرُّج، أو كلامٍ، أو غيره، فذلك المنهي عنه، وقد ذكرتُ لك في البابِ قبلُ الفرق بين المُتجَالّةِ (٢) والشابَّةِ، فتأمَّله، وقد أُبيح لكَ أن تبكي عند (٣) قبرِ ميِّتك حُزْنًا عليه، أو رحمةً له مما بين يديهِ، كما أُبيح لك البكاء (٤) عند موته. والبكاءُ عند العرب يكونُ البُكاء المعروفُ، وتكون النياحةُ، وقد يكونُ معها الصياحُ، وضرب الخدود (٥)، وشقُّ الجيوب، وهذا محرمٌ بإجماع العلماء، وهو الذي ورد فيه الوعيدُ مِن قوله ﵇: "أنا بريءٌ ممَّن حَلقَ (٦)، وسَلَقَ (٧)، وخَرَقَ (٨) "، خرَّجه مسلم (٩). وأمَّا البُكاءُ مِن غيرِ نياحةٍ، فقد ورد فيه الإباحةُ عند القبر، وعند الموتِ وهو بكاءُ الرأفةِ والرحمةِ التي لا يكاد يخلو منها إنسانٌ، وقد بكى النبيُّ ﷺ لما مات ابنُه إبراهيم (١٠). وقال عمرُ: دعهنَّ يبكين على أبي سليمان (١١) ما لم يكن نقعٌ، أو لَقْلَقَةٌ (١٢). النَّقْعُ: ارتفاع الصوتِ.

стр. 139

واللقْلَقةُ (١): تتابعُ ذلك، وقِيلَ النَقْعُ: وضعُ التُرابِ على الرأس (٢)، والله أعلم. باب المؤمن يموت بعرق الجبين ابن ماجه (٣) عن (٤) بُرَيْدةَ أن النبي ﷺ قال: "المؤمِنُ يَمُوتُ بعَرَقِ الجبين". خرجه الترمذي، وقال فيه: حديث حسن (٥). ورُوي عن سَلمان الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ارْقُبوا الميتَ عِند مؤتِه ثلاثًا: إن رشَحَتْ جَبينهُ، وذَرَفَتْ عَيْناه، وانتَشَرَ مَنْخِرَاهُ فهيَ رحمةٌ من الله قد نزلَتْ به، وإِنْ غَطّ (٦) غَطِيطَ البَكْرِ (٧) المَخْنُوق، وخمد لونُه، وازْبَدّ شِدْقاه، فهو عذَابٌ من الله قد حلّ به. خرَّجه أبو عبد الله الترمذي الحَكِيم في نَوادِر الأُصُول له (٨) وقال: قال عبد الله (٩): إِن المؤمنَ تَبْقَى عليهِ خطايا من (١٠) خَطاياه فيُجازف بها عند الموت، أي يُجازى فَيَعْرَق لذلِك جَبِينُه".

стр. 140

وقال بعضُ العلماء (١): إنما يعرَقُ جَبينُه حَيَاءً من ربه لما اقترف من مُخالَفَتِه؛ لأن مَا سَفُل منه قد ماتَ، وإنّما بقيتْ قُوى الحياةِ وَحَركَاتُها فيما علا (٢)، والحياء في العينين فذاك (٣) وقْتُ الحياء، والكافِرُ في عَمًى (٤) عَنْ هذا كله، وَالمُوحِّدُ المعذَّبُ فِي شُغْلٍ عَن هذا بالعذاب الذي قد حلّ به، وإنما العرَق الذي يظهرُ لمن حَلَّتْ به الرحمةُ فإنّه ليسَ مِن ولي ولا صِدِّيقٍ ولا بَرٍّ إلا وهوَ مُسْتَحي من ربه (٥) مع البُشرى والتحَفِ والكرامات (٦). قلت: وقد تظهر العلاماتُ الثلاثُ، وقد تظهر واحدةٌ، وتظهر اثنتان، وقد شاهدنا عَرَق الجبين وحْدَه؛ وذلك بحسبِ تفاوتِ الناسِ في الأعمال، والله أعلم. وفي حديث ابن مَسْعُودٍ ﵁: "مَوْتُ المُؤمِنِ عرق الجبينِ تبقى عليه البقية من الذنوب فيجازفُ بها عند الموت" (٧)، أي يشدد ليُمحص (٨) عنه ذنوبُهُ.

стр. 141

باب منه (١) وفي خروج نفس المؤمن والكافر (٣) خرّج أبو نعيم (٢) من حديث الأعمش (٣) عن إبراهيم (٤) [عن] (٥) علقمة (٦) عن عبد الله (٧) قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ نَفْسَ المؤمِنِ تخرجُ رَشْحًا (٨)، وإِنَّ نَفْسَ الكافِرِ تُسل كما تُسل نفسُ الحِمار، وأنّ المؤمنَ ليعمل الخطيئة فيشدد عليه عند الموتِ ليكفرَ بها عنه، وأنّ الكافر ليعمل الحسنةَ فيُسهل عليهِ عند الموت ليُجْزَى بها (٩) ". الباب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه وصف الله شدة الموت في أربع آيات: الأولى: قوله تعالى (١٠) ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الثالثة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣].

стр. 142

الرابعة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]. البخاري (١) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان (٢) بين يديه رُكْوةٌ، أو عُلْبَةٌ فيها ماءً فجعَل يُدْخِل يده (٣) في المَاءِ فيمسح بها (٤) وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. وخرّج الترمذي (٥) عنها قالت: ما أغبط أحدًا بهون موتٍ بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ . وفي البخاري (٦) عنها قالت: مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي، وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ . الحاقنة (٧): المطمئن (٨) بين الترقوة والحلق. الذاقنة: نقرة الذقن (٩). وقال الخطابي (١٠): الذاقنة ما يناله الذقن من الصدر.

стр. 143

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (١) في مُسْندِهِ من حديث جابر (٢) بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت (٣) فيهم أعاجيبٌ (٤)، ثم أنشأ فتحدث (٥)، قال: خرجت طائفةٌ منهم فأتوا مقبرةً من مقابِرِهِم فقالوا: لو صلينا ركعتينِ ودعونا الله يخرج لنا بعض الأمواتِ يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا، فبينما هم كذلك إذا اطلع رجلٌ رأسه أسودُ اللون (٦) خلا شيء بين عينيه السجودِ، فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ، والله (٧) لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارةُ الموتِ حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنتُ". وروى أبو هُدبةَ إبراهيمُ بنُ هدبة (٨) قال: حدثنا أنس بن مالكٍ عن النبي ﷺ

стр. 144

قال: "إنّ العبد ليعالجُ كُربَ الموتِ وسكراتِ الموت (١) وأن مفاصله ليسلِّمُ بعضُها على بعضٍ تقول: السلام عليك (٢) تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة" (٣). وذكرَ المحاسبيُّ (٤) في الرعايةِ (٥): أنّ الله سبحانه قال لإبراهيم ﵇: "يا خليلي كيف وجدت الموت؟ قال (٦): كسَفُّود (٧) محمي جُعل في صوفٍ رطبٍ ثم جُذب، قال: أما إنا قد هوّنا (٨) عليك". و (٩) رُوِيَ أَنَّ مُوسى ﵇ لما صارَ روحُهُ إلى الله تعالى قال له ربُّهُ: "يا

стр. 145

مُوسى كيفَ وجدتَ الموتَ؟ قال: وجدتُ نفسي كالعصفورِ الحي حين (١) يُلقى (٢) على المَقْلَى لا يموتُ فيستريحَ ولا ينجو فيطيرَ" (٣). ورُوِيَ عنه: أنه قال: "وجدتُ نفسي كشاةٍ حيةٍ (٤) تُسْلَخُ بيدِ القصّابِ" (٥). وقال عيسى بن مريمَ ﵇: "يا معشر الحواريينَ ادعوا الله أن يهوّنَ عليكم هذه السكرةَ، يعني سكراتِ الموتِ" (٦). ورُوِيَ (٧): "أنّ الموْتَ أشدُّ مِن ضَرْبٍ بالسيوف (٨)، ونشرٍ بالمناشير، وقَرْضٍ بالمقاريضِ". وذكر أبو نعيم (٩) من حديث مكحولٍ عن واثلة ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ لمعاينةُ مَلَكِ الموتِ أشدُّ من ألفِ ضَرْبةٍ بالسيفِ" (١٠). وسيأتي بكمالِهِ (١١) إِنْ شاءَ اللهُ تعالى. وفي الخبرِ من حديثِ حُميدٍ الطويل عن أنس بن مالكٍ ﵁ عن النبي ﷺ : "إنّ الملائكة تكتنفُ العبدَ وتحسبُهُ ولولا ذلك لكان (١٢) يعدو في الصحاري والبرارِي من شدة سكرات الموتِ" (١٣).
следующие страницы →