إبراهيم، وأحمد صقر وغيرهم" (١).
فمما سبق يتضح أن مفهوم التحقيق يتجه بالدرجة الأولى إلى الاهتمام بنص الكتاب من حيث ضبطه ومعالجة نصوصه وإثبات فروق النسخ؛ لاحتمال أن يكون ما بتلك النسخ هو الصواب، وأما من لم يفعل ذلك فلا يحق له أن يكتب على عمله: حققه فلان، وإنما من الأمانة العلمية أن يكتب عليه الجهد الذي قام به في الكتاب كأن يقول: خرّج أحاديثه، أو علق عليه، لأن هذه الأمور من مراحل التحقيق، وليست هي كل التحقيق، ويسمي بعض المحققين هذه المرحلة بمرحلة تخريج النصوص والتعليقات (٢) وهي مرحلة مهمة في التحقيق دون شك، وإن كانت اهتمامات بعض المحققين الذين لهم خبرة في التحقيق كالأستاذ عبد السلام محمد هارون تتجه بالدرجة الأولى إلى معالجة مشاكل النص: بتصحيح أخطائه من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص، وإثبات فروق النسخ في أعمالهم التحقيقية (٣).
ومما يُذْكَرُ هنا للأخ البسطويسي أنه كتب على عمله في كتاب التذكرة: خرّج أحاديثه، ولم يقل حققه؛ لأنه اهتم بعمل معين فذكره، وأما مفهوم التحقيق فيدخل فيه بالإضافة إلى معالجة النصوص وإثبات الفروق بين النسخ: تخريج الآيات والأحاديث وتوثيق النصوص .. إلى غير ذلك من التعليقات التي تخدم الكتاب.
الملحوظة الثالثة: خلت بعض طبعات الكتاب تمامًا من عزو النصوص إلى مصادرها، عدا بعض الطبعات فقد عزت عددًا من النصوص الحديثية فقط إلى مظانها - تتفاوت الطبعات في ذلك - وحتى هذه الطبعات إنما اكتفت في توثيق النصوص الحديثية بإثبات الجزء والصفحة أو الكتاب والباب اللذين ورد
_________
(١) تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل ص (٣٦ - ٣٧)، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية.
(٢) انظر: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل ص (٢٠٩).
(٣) انظر: الكتب التي حققها عبد السلام محمد هارون، وكذلك كتاب تحقيق النصوص ونشرها له، أول كتاب عربي في هذا الفن، يوضح مناهجه ويعالج مشاكله.
стр. 72
فيهما الحديث دون مقابلة النصوص التي في كتاب التذكرة بما في تلك المصادر التي نُقلت منها، ومثل تلك المقابلات لها فوائد منها:
١ - تبين دقة المؤلف في نقله في مصادره.
٢ - تقوي من احتمال صحة المتن الموجود في الأصل إن كان موافقًا لمصدره، أو تقوي صحة ما في النسخ الأخرى إن كانت متوافقة أو بعضها مع مصدر المؤلف، مثال ذلك: جاء في متن المؤلف في نسخة الأصل الجملة التالية: "فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك، قال: فيتسع له مد بصره"، فكلمة: "قال" ليست في نسخة (ع) ونسخة (ظ)، والنسخة التي اتخذها أصلًا متوافقة مع سنن الترمذي أي أن كلمة (قال) كما هي موجودة في النسخة الأصل فهي أيضًا في سنن الترمذي وهو مصدر المؤلف.
وفي نفس النص السابق جاء ما يلي: "فإذا وليتك اليوم فصرت إليّ فسترى صنيعي"، وجاء في نسخة (ع) ونسخة (ظ) وسنن الترمذي: (وصرت) بدلًا من (فصرت) التي جاءت في الأصل، بل جاءت زيادة في سنن الترمذي لا توجد في جميع النسخ سواء الأصل أو نسخ المقابلة، فالذي في النسخ الخطية ما يلي: (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) وجاء في سنن الترمذي زيادة (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، فعلى فرض أن المصنف ذكر حكم الترمذي مختصرًا، فإن إثبات تلك الزيادة كفرق مهمة؛ لأن الإمام الترمذي ﵀ لو لم ير فائدتها لاكتفى في الحكم على ما اكتفى به المصنف.
٣ - تَحِلُّ مقابلة النصوص التي في متن المصنف مع مصادرها بعض الإشكالات، فعلى سبيل المثال: جاء في متن كتاب التذكرة في جميع نسخ الكتاب الخطية التي اعتمدتها ما يلي: "مسلمٌ عن عائشةَ ﵂ قالت: قلت يا رسول الله (١): كيفَ أقولُ إذا دخلت المقابر؟ قال: "قُولِي السلامُ على أهلِ
_________
(١) تأخر عبارة (يا رسول الله) في صحيح مسلم إلى ما بعد كلمة: لهم.
стр. 73
الدِّيارِ مِن المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المُسْتقْدِمِينَ منا، والمُسْتَأخِرِينَ، وإنّا إن شاءَ اللهُ بكم لاحِقُون" (١)، خرَّجه مسلم (٢)، هكذا جاء متن هذا الحديث في نسخة الأصل ونسخة (ظ) (٣).
وأما لفظ الحديث في صحيح مسلم فهو على النحو التالي: "قالت: قلت: يا رسول الله كيف أقول لهم؟ قال: قولي السلام على أهل الديار. . ." الحديث، فعبارة: "إذا دخلت المقابر"، ليست في صحيح مسلم، ومثل هذا الإدراج له خطورته بحيث يؤثر في الاستدلال بالحديث فيكون إقرارًا من النبي ﷺ في محل النزاع في زيارة النساء للقبور (٤).
ولم ينبه على هذا الإدراج أحد ممن خرّج أحاديث كتاب التذكرة، ولا يمكن أن يُكْتَشَفَ أو يُعْرَفَ مثل هذا الإدراج إلا بمقابلة نصوص المؤلف المنقولة من المصادر بالنصوص الموجودة في تلك المصادر.
الملحوظة الرابعة على الطبعات السابقة: خلو تلك الطبعات من تراجم الأعلام الواردين في الكتاب، وفائدة التراجم لا تخفى، فهي تبين الصفة العلمية والتاريخية للمترجم له، وبالتالي إن كان لصاحب الترجمة قول يستشهد به فإن قوله يكتسب قبولًا في النفس لمكانة صاحب القول العلمية، وكلما كان متقدمًا اكتسب قوله قوة لقربه من عهد النبوة والقرون المفضلة.
الملحوظة الخامسة: خلو الطبعات السابقة تمامًا من ضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط، والذي بعدمه قد يصبح المعنى محتملًا لغير المراد.
الملحوظة السادسة: الدراسة التي عُملت للمؤلف والكتاب في الطبعات السابقة لا تتناسب ومكانة الكتاب وأهميته، ومكانة مؤلفه.
الملحوظة السابعة: من المعلوم أنه لا تكاد تسلم نسخة خطية من
_________
(١) في (صحيح مسلم): للاحقون.
(٢) في صحيحه ٢/ ٦٧١، ح ٩٧٥.
(٣) لم أشر إلى نسخة (ع)؛ لأن الباب الذي فيه هذا الحديث ليس في نسخة (ع).
(٤) انظر: تفاصيل المسألة ص (١٣٠) من الكتاب.
стр. 74
التصحيف والتحريف (١) والزيادة والنقص، وغير ذلك من الأخطاء التي تنشأ من النساخ لا محالة، فمن الملاحظ على جميع تلك الطبعات عدا طبعة د. السّقا عدم الإشارة إلى مصادر إكمال النقص، أو إصلاح الخطأ في نسخهم، فلا أدري هل أكملوا ما فيها من نقص، وصححوا ما بها من تصحيف وتحريف باجتهاداتهم، أم من الطبعات التي سبقتهم دون الإشارة إلى ذلك.
* * *
_________
(١) المراد بالتصحيف: الالتباس الذي قد يقع في نقط الحروف المتشابهة الشكل كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، والدال والذال، والراء، والزاي، والسين والشين.
وأما التحريف: فهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها كالدال والراء، والنون والزاي. انظر: تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون ص (٦٧).
стр. 75
المبحث الثاني وصف المخطوطات
لكتاب التذكرة نسخ عديدة من المخطوطات وقفت عليها من خلال الاطلاع عليها في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ومكتبة المسجد النبوي الشريف، ومكتبة المحمودية، ومكتبة عارف حكمت، كلتا الأخيرتين بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة النبوية، ومكتبة المسجد الحرام بمكة المكرمة، ونسخ أخرى اطلعت على معلومات عنها عن طريق الفهارس: كالفهرس الشامل لآل البيت بالأردن، وفهرس معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وفهرس المكتبة الظاهرية بسوريا، وفهرس دار الكتب المصرية بالقاهرة، وفهرس مكتبة شستربتي بإيرلندا الشمالية، وغير ذلك من الفهارس. ومن خلال البحث انتخبت أربع مخطوطات للعمل من خلالها في تحقيق الكتاب وهي على النحو التالي:
الأولى: نسخة بخط المصنف ﵀:
مصدر النسخة:
عثرت على معلومات أولية عنها في فهرس مكتبة شستربتي بآيرلندا الشمالية، حيث جاء عنها أنها بخط المصنف ثم صُوّر في الفهرس الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة والتي جاء فيها: "بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد". وقد تزامن العثور على تلك المعلومات مع خبر يفيد أن الشيخ مشهور حسن آل سلمان، حفظه الله - من أبرز تلاميذ الشيخ الألباني ﵀ بالأردن - يمتلك أيضًا نسخة بخط المصنف، فاتصلت هاتفيًا على الشيخ مشهور الذي أكد لي المعلومة، فاستأذنته في تصويرها فأذن لي، جزاه الله خيرًا على
стр. 76
ذلك التعاون الكريم، كما أشكر الأخ الزميل عمر ماجد كيال بالأردن الذي ساعدني في عملية التصوير والإرسال، وبمقارنة معلومات ونماذج صُورِ نسخة مكتبة شستربتي مع النسخة المرسلة من الشيخ مشهور وجدت هذه الأخيرة عبارة عن صورة من نسخة شستربتي.
محاولات التأكد من أن النسخة بخط مصنفها:
بعد وصول هذه النسخة حاولت البحث عن أدلة وقرائن من المخطوطة أطمئن بها إلى النسخة بخط مصنفها فكان من ذلك ما يلي:
أولًا: جاء على الصفحة الأخيرة منها قول المصنف بعد نهاية الكتاب: "نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالشهداء والصالحين، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يجعل ما كتبناه خالصًا لوجهه بمنه وكرمه، وأن ينفعنا به ووالدينا ومن أراده وقرأه آمين آمين إنه سميع الدعاء قريب مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين، ورحم الله عبدًا دعا بالمغفرة والتوبة آمين، بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، غفر الله له ورحمه آمين: ناولتُ جميعَ هذا الكتاب ضياء الدين أحمد بن أبي السعود بن أبي المعالي البغدادي المعروف بالسطريجي، وأذنت له أن يناوله من يشاء، قاله مصنفه محمد بن أحمد بتاريخ الثامن والعشرين لشهر شعبان سنة ست وخمسين وستمائة، حامدًا لله تعالى ومصليًا على نبيه محمد المصطفى"، فمن النص السابق يتبين ما يلي:
١ - تشابه العبارات بين مقدمة المؤلف والخاتمة التي بين فيها أن ما كُتِبَ بخط المصنف حيث جاء في مقدمة المؤلف: "جعله الله خالصًا لوجهه بمنه وكرمه"، وجاء في الخاتمة: "وأن يجعل ما كتبناه خالصًا لوجهه بمنه وكرمه". ومن ذلك أيضًا ما جاء في مقدمة المؤلف: "قال العبد الفقير إلى ربه المتنصل من ذنبه الراجي رحمة ربه محمد بن أحمد. ."، وهذا مشابه لما في الخاتمة حيث قال: "بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، غفر الله له ورحمه آمين". ومثل هذا التشابه يبعد أن يكون من كاتب غير المصنف.
стр. 77
٢ - جاء أيضًا في الخاتمة: "وأن ينفعنا به ووالدينا ومن أراده وقرأه آمين آمين إنه سميع الدعاء قريب مجيب"، ومثل هذا الدعاء لا يكون من مجرد ناسخ عادي؛ لأن من قرأ كتابًا فأراده ورغب فيه وأحبه لا تتجه إليه عادة دعوة الناسخ العادي، بل الناسخ العادي يطلب ممن يقرأ الكتاب أن يدعو له، ولا يكون الدعاء للقارئ عادة إلا من مؤلفه.
٣ - جاء أيضًا في خاتمة هذه النسخة ما يلي: "بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، وجاء أيضًا في الخاتمة: "قاله مصنفه محمد بن أحمد، فمثل هذا التنصيص بأنه بخط مصنفه، وأنه قاله مصنفه ثم يذكر اسم المصنف نفسه أقرب ما يكون إلى أنه من صنع المصنف نفسه، واتهام النساخ بالانتحال هذا خلاف الأصل وإن كان محتملًا، إلا أنه احتمال لا يصل إلى حد الارتياب في النساخ، وإنما يطلق العاملون في مجال التحقيق مثل ذلك الاحتمال للمزيد من التحري في إثبات أن النسخة بخط مصنفها، أو أن يكون هناك أمر مريب ظاهر في النسخة يدعو للشك.
٤ - كما جاء أيضًا في الخاتمة أن المصنف ناول الكتاب إلى غيره، وأنه أذن له أن يناوله إلى غيره، فهذه حقوق للمؤلف ليست للناسخ، تنازل عنها خطيًا للشخص المذكور، ولا يكون مثل هذا إلا من المصنف.
٥ - جاء في الخاتمة أيضًا تاريخ مناولة المصنف الكتاب للشخص المذكور: "قاله مصنفه محمد بن أحمد بتاريخ الثامن والعشرين لشهر شعبان سنة ست وخمسين وستمائة، فالمصنف ناول هذا الكتاب لغيره في تلك السنة وعاش بعدها خمس عشرة سنة، والناسخ المدلس قد لا يكون ذكيًا بكتابة تاريخ نسخ في حياة المصنف؛ ووفاة المصنف في سنة ٦٧١ هـ ثم يذكر أنه بخط مصنفه، كما أن تاريخ الفراغ من النَسْخِ يُثْبتُ عادةً إذا كان الناسخ اعتمد على نسخة أخرى نسخ منها، فلما لم يُذكر تاريخُ نَسْخٍ، وذُكر تاريخ مناولة قوّى احتمال أنها بخط المصنف.
٦ - قِدَمُ هذه النسخة التي أثرت الرطوبة فيها فكثر فيها الخرم، كذلك مما يدل
стр. 78
على قِدَمِها، ويرجح أنها كانت مسودة للمؤلف كثرة الأبواب والفصول والمسائل التي خلت منها هذه النسخة مما يدل على أن المؤلف كان يضيف إليها ويزيد؛ وذلك لأن ما بين مناولتها إلى وفاة المؤلف فترة طويلة تكفي لعمل التنقيحات.
٧ - العناية الفائقة بالنص؛ حيث كان مضبوطًا بالتشكيل في معظم كلماته، وهذا عمل صعب جدًّا ويحتاج إلى وقت وجهد وعلم بالنحو، ومثل هذا لا يعتني به عادة إلا مؤلفو الكتب أنفسهم.
٨ - كثرة الزيادات والإضافات التي توجد بهوامش النسخة بحيث يبعد أن تكون من مقابلات ناسخ عادي، أو من تعليقات بعض أهل العلم، بل في كثير من الأحيان ما تكون الزيادات أبوابًا أو فصولًا، والناسخ العادي قد تفوته كلمة أو عبارة فيستدركها في التصحيح بالمقابلة، وأما تلك الزيادات الكثيرة فتدل على أن المصنف كان يضيف إلى ما كتب سابقًا ويحرر فيه، كما في ل ١/ ب، ل ٥/ ب، ل ٦/ ب، ل ١٠/ ب، ل ١١/ أ، ل ١٢/ أ، وهو كثير جدًّا.
٩ - كتب النسخة بخط مغربي، والمصنف من أهل الأندلس الذين عاشوا ارتباطًا وثيقًا بالمغاربة.
١٠ - جاء في صفحة الغلاف اسم الكتاب كما ذكره المصنف في مقدمة كتابه تمامًا، حيث جاء فيها: "كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"، ثم كتب تحت اسم الكتاب في ورقة الغلاف: "تصنيف العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد القرطبي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين أجمعين إنه سميع الدعاء قريب مجيب"، وعادة النساخ تفخيم مؤلفي الكتب كقولهم: الإمام العلامة المتفنن. . . إلخ، وعبارات المصنفين تَحْمِلُ عادةً عبارات التواضع.
١١ - حلّت هذه النسخة إشكالات وردت في النسخ الأخرى، ورجحت الصواب فيها، كما سيمر قريبًا إن شاء الله في ص (٨٥).
стр. 79
هذه الأمور مجتمعة جعلتني أطمئن لهذه النسخة أنها بخط المصنف، وإن كان من بين تلك المرججات ما هو من قبيل القرائن.
تاريخ النسخ:
لم يرد في المخطوطة تاريخ نسخ، وإنما ورد فيها تاريخ مناولة حيث جاء في الصفحة الأخيرة ما يلي: "ناولت جميع هذا الكتاب ضياء الدين أحمد بن أبي السعود بن أبي المعالي البغدادي المعروف بالسطريجي، وأذنت له أن يناوله من يشاء، قاله مصنفه محمد بن أحمد بتاريخ الثامن والعشرين لشهر شعبان سنة ست وخمسين وستمائة، حامدًا الله تعالى ومصليًا على نبيه محمد المصطفى"، وبين تاريخ المناولة وتاريخ وفاة المصنف ٦٧١ هـ خمس عشرة سنة.
عدد اللوحات والأسطر والكلمات:
عدد لوحات هذه النسخة ٢٧٥ لوحة، وعدد الأسطر في كل صفحة ما بين (١٨ إلى ٢٠) سطرًا، أما عدد الكلمات فيتراوح ما بين (٨ إلى ١١) كلمة في السطر الواحد.
من منهج المصنف في نسخ كتابه:
للمصنف منهج درج عليه في جميع ما كتب، وأهم ما تبين لي منه ما يلي:
١ - إذا أراد أن يلغي كلمة فإنه لا يضرب عليها بكشطها، وإنما يضع فوقها حرف (م) ثم يكتب الكلمة الصحيحة في الهامش، ويكتب فوقها كلمة (صح) كما في اللوحة ٥/ أ.
٢ - يحافظ على ترتيب الأسطر بأن تنتهي محاذية لبعضها البعض ولو أدّى ذلك لأن يقطع الكلمة بحيث يجعل بعضًا منها في آخر السطر وباقيها في بداية السطر التالي كما في اللوحة ٧/ أ السطر الثامن من أسفل حيث جزأ كلمة (الإحساس) فجعل (الإ) في سطر، وباقي الكلمة (حساس) في السطر الذي يليه، وكما في ل ١٦/ أ السطر الرابع من أعلى حيث جزأ كلمة (استوفيته) فجعل (استو) في نهاية السطر و (فيته) في بداية السطر الذي يليه، ومثل هذا المنهج في التقطيع قد يُشْكِلُ على القارئ إذا لم يتنبه له.
стр. 80
٣ - إذا أراد أن يدرج كلمة أو جملة كتبها في الهامش ووضع في المكان الذي يريد أن يجعل فيه الكلمة علامة إلحاق هكذا (-)، كما في ل ٩/ ب السطر السادس من أعلى، وأيضًا في ل ١٠/ أ السطر الأخير منها.
٤ - يكتب عنوانين الأبواب والفصول بخط سميك، وكذلك بعض الكلمات والعبارات خاصة عند تعليقات المصنف وتدخلاته فيكتب (قلت) بخط سميك، كذلك يكتب أسماء أصحاب الكتب الحديثية التي ينقل عنها بخط سميك، ومعرفة مثل هذا المنهج يحل بعض الإشكالات التي لا يمكن أن تُحلَّ بغير الوقوف على نسخة المصنف ومعرفة منهجه في الكتابة، ومما يؤيد ذلك ما جاء في متن المؤلف: "مسلم (١) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ لِضرٍّ نَزل به، فَإِن كان لا بُدَّ متمَنيًا فَلْيَقُل: اللَّهم أَحْينِي ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لِي" أخرجه البخاري (٢)، وعنهُ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ ولا يدعُ به من قَبْل أَن يأتِيَه، إنه إذا ماتَ أحدُكم انقطعَ عَمَلُه، وإنه لا يزيد المؤمِنَ عمرُه إلا خيرًا" (٣).
فقد أشكل عليّ مرجع الضمير في قول المصنف (وعنه)، فإن قصد به أنسًا ﵁ وهو راوي الحديث المتقدم فيكون وهمًا؛ لأن اللفظ الذي ساقه من رواية أبي هريرة ﵁، وإن قصد به البخاري وهو أقرب مذكور فالحديث ليس من رواية البخاري وإنما من رواية مسلم، وإن أرجع الضمير إلى مسلم وهو أبعد مذكور فيكون قد راعَى منهجَه الذي سار عليه في كتابه من كتابة اسم صاحب الكتاب الذي ينقل عنه بخط سميك، وقد كتب كلمة (عنه) بخط سميك، وأقرب صاحب كتاب نقلَ عنه كُتب بخط سميك هو مسلم ﵀ والحديث فيه؛ فعلى هذا المنهج يكون قد زال الإشكال عندي في إرجاع الضمير والحمد لله رب العالمين.
_________
(١) في صحيحه ٤/ ٢٠٦٤، ح ٢٦٨٠.
(٢) في صحيحه ٥/ ٢٣٣٧، ح ٥٩٩٠.
(٣) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٦٥، ح ٢٦٨٢ من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 81
عيوب هذه النسخة:
على الرغم من أن المحقق لأي كتاب يرجو أن يظفر بنسخة المؤلف؛ لاتخاذها أصلًا للتحقيق إلا أن النسخة هذه التي بين أيدينا من الواضح أنها كانت مسودة ولم تكن النسخة النهائية أو الأخيرة، بدليل عدم اشتمالها على الكثير من الأبواب والفصول التي توجد في بقية النسخ الأخرى، هذا بالإضافة إلى مشاكل الرطوبة التي تكثر في ثلثيها الثاني والثالث. إلا أن فرص الاستفادة من هذه النسخة متاحة، وذلك في حل مشاكل النسخ الأخرى، وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م) إشارة إلى مسودة المؤلف.
الثانية: نسخة أحمد الثالث بتركيا:
معلومات الغلاف:
جاء في صفحة الغلاف ما يلي: "كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، تصنيف الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي تغمده الله برحمته"، وسيأتي أن اسم جد المؤلف الصحيح (فَرْح) في التعليق عليه في موضعه من مقدمة الكتاب.
مصدر النسخة:
صُوّرت لي هذه النسخة من معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية في مصر، وعلى غلاف هذه النسخة معلومات تفيد أنها مصورة من مكتبة أحمد الثالث بتركيا.
تاريخ النسخ:
جاء في الصفحة الأخيرة من هذه النسخة ما يلي: "ووافق الفراغ من نسخه في منتصف شهر رمضان المعظم قدره من شهور سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة على يد أقل عباد الله وأحوجهم إلى لطفه الخفي: الحسن بن علي بن منصور بن ناصر الحنفي"، وبين تاريخ نسخ هذه المخطوطة وتاريخ وفاة المؤلف في عام ٦٧١ هـ (١٠١) سنة.
стр. 82
عدد اللوحات وعدد الأسطر والكلمات في كل صفحة:
بلغ عدد لوحات هذه النسخة مائتين وخمسين لوحة (٢٥٠)، وعدد الأسطر في كل وجه خمسة وعشرين سطرًا، وعدد الكلمات في كل سطر تتراوح ما بين (١٤ إلى ١٧) كلمة.
نوع الخط:
نسخي معتاد.
منهج الناسخ في نسخ المخطوطة:
١ - إذا كان عنوان الباب طويلًا يكتب بعضه بخط سميك ويكتب البعض الآخر في السطر التالي بنفس خط المتن، انظر ل ٦/ ب سطر ٦ من أعلى، و ل ١٣/ أ سطر ٩ من أسفل.
٢ - يراعي ترتيب الأسطر ولو أدّاه ذلك إلى تقطيع الكلمة بحيث يجعل بعضها في سطر وبقيتها في السطر الذي يليه كما في ل ١٨/ ب سطر ٢ من أعلى حيث جعل كلمة (وقارا) في سطرين (وقا) في سطر و (را) في سطر آخر، كذلك إذا انتهى السطر وتمت المحاذاة بالسطر الذي فوقه يجعل بقية أحرف الكلمة فوق نفس الكلمة كما في ل ٦/ ب سطر ٧ من أسفل، وأحيانًا يكمل السطر ليتساوى مع الذي قبله بالرمز ().
٣ - يجعل فوق بعض الأحرف المهملة رمزًا هكذا (٧) للتفريق بينها وبين المعجمة كما في ل ٢/ أ سطر ١٢ من أعلى، ول ٢/ ب سطر ٨ من أسفل.
٤ - إذا أراد أن يلغي كلمة أو عبارة جعل فوقها رمزًا هكذا (-) ويكتب الصحيح في الهامش كما في ل ٦/ أ سطر ٨ من أسفل، ول ٩/ أ سطر ٢ من أسفل.
٥ - إذا سقطت كلمة من الجملة وأراد إلحاقها جعل في موضعها علامة إلحاق هكذا (-)، ثم كتبها في الهامش وكتب فوقها كلمة (صح) كما في ل ١١/ أ سطر ٥ من أسفل، وسقط الكلمات قليل في هذه النسخة، وإنما سقطت بعض الأبواب والفصول في ثلثها الأخير.
стр. 83
٦ - ضبط الناسخ كثيرًا من كلمات الكتاب.
مزايا هذه النسخة وأسباب اختياري لها لتكون أصلًا للتحقيق.
- قد اخترت هذه النسخة لتكون أصلًا اعتمد عليه في التحقيق للأسباب الآتية:
- لأنها أقرب النسخ الخطية التامة التي عثرت عليها تاريخًا لعصر المؤلف فقد نسخت في سنة (٧٧٢ هـ) وتوفي المؤلف في سنة (٦٧١ هـ)، فبينهما نحو (١٠١) سنة.
- ولأنها أكثر النسخ موافقة لمسودة المؤلف ومصادره في حال الفروق بين النسخ، مما يعني قلة الأخطاء التي تقع من النساخ بسبب قربها من عصر المؤلف.
- وللتشابه العام بين هذه النسخة وبين مسودة المؤلف، ويتمثل هذا التشابه في الآتي:
١ - التطابق في كتابة اسم الكتاب صحيحًا كما في مقدمة المؤلف.
٢ - التشابه في الافتتاحية.
٣ - ضبطُ كثيرٍ من كلمات النسختين بالحركات.
٤ - تسميك بعض الكلمات التي قد سمكها المؤلف في مسودته.
٥ - استعمال كلمة "قلت" عند قول المؤلف في أغلب الأحيان كما هو الحال في مسودة المؤلف.
٦ - وللتشابه في تقطيع الكلمات من أجل المحافظة على مساواة الأسطر، كما كان يفعل المصنف، وقد مرت نماذج على ذلك قريبًا.
٧ - ولأن الناسخ كتب بالهامش جملة (بلغ مقابلة) في مواضع عديدة من هذه النسخة للدلالة على أنه قابل نسخته إما على النسخة التي نسخ منها، أو على نسخة المصنف، أو قابلها على نسخة مصححة على نسخة المصنف، انظر ل ٨/ أ، ول ١٣/ أ، وغيرها من اللوحات، ونتيجة للتشابه الكبير بين
стр. 84
هذه النسخة ونسخة المصنف فمن المرجح أن الناسخ قابل عليها؛ ولأن هذا التشابه لا يوجد في بقية النسخ الأخرى.
٨ - قلة السقط في هذه النسخة خاصة في ثلثيها الأول والثاني.
عيوب هذه النسخة:
أهم عيوب هذه النسخة وجود سقط في ثلثها الأخير، كما يوجد آثار طمس بالحبر الأسود في مواضع منها، كما يوجد بياض في بعض أوجه اللوحات تسبب في عدم وضوح بعض الكلمات والأحرف.
الثالثة: نسخة المكتبة الشوقية بمصر:
معلومات الغلاف ومصدر النسخة:
حمل الغلاف معلومات فهرس المكتبة الشوقية التي ذكر فيها رقم المخطوط، واسم الكتاب، واسم المؤلف، وتاريخ النسخ، وعدد الأوراق. وهذه النسخة صورت لي من معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة.
تاريخ النسخ:
جاء تاريخ نسخ المخطوطة ضمن معلومات الناسخ التي قال فيها: "كملت التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير: عبد الله بن يوسف بن عباس الغزي، … بتاريخ نهار الأربعاء من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين". فيكون بين تاريخ نسخ هذه النسخة وبين وفاة المؤلف (١٣٨) سنة.
عدد اللوحات والأسطر والكلمات:
بلغ عدد اللوحات مائتين وثلاث عشرة لوحة (٢١٣) لوحة، وعدد الأسطر في كل وجه من اللوحة يتراوح ما بين سبعة وعشرين وثمانية وعشرين سطرًا، وعدد الكلمات في كل سطر يتراوح ما بين ست عشرة إلى ثماني عشرة كلمة.
стр. 85
نوع الخط:
نسخي معتاد.
من مزايا هذه النسخة:
تلي هذه النسخة نسخة الأصل من حيث الأهمية وذلك لسببين:
الأول: قرب سنة نسخها من سنة وفاة المؤلف فبينهما ١٣٨ سنة، وبالتالي بينها وبين تاريخ النسخة التي اعتمدتها أصلًا ٣٧ سنة تقريبًا.
الثاني: عليها مقابلات، حيث جاء في اللوحة الأخيرة منها معلومة مهمة وهي: (بلغ مقابلة وتصحيحًا على نسخة مصححة على نسخة المصنف رحمه الله تعالى)، ورمزت لهذه النسخة بالحرف (ع).
عيوب هذه النسخة:
من أهم عيوب هذه النسخة وجود قطع في عدد من لوحاتها بسبب التصوير الذي تسبب في مسح ثلث اللوحة في كلا الوجهين عند كل موضع قطع، كذلك وجود سقط في بعض الأبواب والجمل المتفرقة. بالإضافة إلى عدم وضوح أكثر عناوين الأبواب؛ ولعل السبب في ذلك كتابتها بالألوان، فلم تظهر في التصوير بسبب ذلك.
الرابعة: نسخة المكتبة الظاهرية:
معلومات الغلاف:
جاء في صفحة الغلاف (كتاب تذكرة القرطبي)، ثم ذُكرتْ أوصاف للمصنف ثم اسمه.
مصدرها:
صورت لي هذه النسخة من دار الكتب الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد حاليًا).
تاريخ النسخ:
جاء في آخرها: (تم والحمد لله أولًا وآخرًا … في الثاني عشر من شهر رمضان لسنة -) ولم أستطع استظهار باقي تاريخ النسخ.
стр. 86
عدد اللوحات وعدد الأسطر والكلمات:
بلغ عدد اللوحات ٢٦٤ لوحة، في كل وجه منه واحد وثلاثون سطرًا، وعدد الكلمات يتراوح ما بين ست عشرة إلى تسع عشرة كلمة.
من مزايا النسخة:
عليها مقابلات في مواضع كثيرة من لوحاتها، وجاء في اللوحة الأخيرة منها: (بلغ قراءة وتصحيحًا على الأصل)، وقد رمزت لها بالحرف (ظ)، وهذه النسخة تأتي في المرتبة الثالثة في الجودة مقارنةً مع نسخة الأصل ونسخة (ع).
عيوب هذه النسخة:
أهم عيوب هذه النسخة كثرة السقط الناتج عن نقل نظر الناسخ، وهو أمر يندر في النسخ الأخرى، كذلك يزيد فيها التصحيف مقارنة مع النسخ الأخرى.
* * *
стр. 87
الفصل الثالث المنهج في التحقيق
أولًا: ضبط النص وتقويمه:
١ - إذا وجدتُ تصحيفًا أو تحريفًا في الأصل أثبت الصواب في المتن دون جعل معقوفتين؛ لأنه ليس نقصًا في الأصل، ثم أشير في الحاشية إلى التصحيف الذي كان في الأصل وإلى النسخ أو المصادر التي تم منها التصويب هكذا: في الأصل: يفجر، والتصويب من (ع، ظ، وديوان أبي العتاهية) (١).
٢ - لا أشير في الحاشية إلى التصحيفات أو التحريفات، أو الأخطاء الناشئة عن الزيادة أو النقصان في أحرف الكلمة، التي في النسخ الأخرى؛ لتجنب إثقال الحواشي من غير فائدة، فعلى سبيل المثال في نسخة (ع) ل ١/ ب سطر ١٣ من أعلى: "حدثنا أبو قتيبة بن سعيد"، وصوابه: حدثنا قتيبة بن سعيد، مثال آخر في ل ٣/ أ سطر ٨ من أعلى: فأصابه مستيقصًا ومُشمِّرًا، والصواب: فأصابه متيقظًا ومُشمرًا. ومن الأمثلة في نسخة (ظ)، في ل ٦/ ب سطر ٨ من أعلى: "فالله الله عباد الله اذكر الموت الذي لا بد منه واسمعوا. ." وصوابه: اذكروا الموت … ، وعلى مثل هذه الأمثلة يقاس نوع الأخطاء التي في نُسَخِ المقابلة التي لا أثبتها في الحاشية، وإنما أثبت اختلاف عبارات النسخ الأخرى عمّا في الأصل، فمن أمثلة ذلك: جاء في الأصل ما يلي: نقلته من
_________
(١) إشارة إلى التصحيف الذي وقع في بيت أبي العتاهية:
ما بالُ مَنْ أوّلُه نُطفَةٌ … وجيفةٌ آخرِه يفخرُ
стр. 88
كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة، وجاء في نسخة (ع): وثقات الأعلام لهذه الأمة، وجاء في نسخة (ظ): وثقات هذه الأمة.
٣ - في بعض الفروق بين الأصل والنسخ الأخرى أجد أن ما بالأصل يستقيم به المعنى لكنه يختلف في العبارة مع النسخ الأخرى علمًا بأن النسخ الأخرى قد تتفق إما مع مسودة المؤلف أو مصدره أو معهما، مثال ذلك: في (الأصل): يرحم الله المستقدمين والمتأخرين، وفي نسخة (ع، ظ، وصحيح مسلم مصدر المؤلف): والمستأخرين.
مثال آخر: في (الأصل): فرأى ناسًا، وفي (ع، ظ، والتمهيد مصدر المؤلف): فرأى قومًا.
مثال آخر: في (الأصل): مع البُشرى والتحف والكرامة، وفي نسخة (ع، ظ، ومسودة المؤلف، ومصدر المؤلف): مع البُشرى والتحف والكرامات. فبالنظر إلى الهدف الكلي من تحقيق الكتب نجده يركز على إخراجها في أقرب صورة تركها عليها مؤلفوها، فبالنظر إلى هذا الهدف أجد أن النهج الأمثل أن أثبت ما في النسخ التي تتفق مع مسودة المؤلف ومصادره في المتن؛ لأن وجود النص في المسودة ووجوده أيضًا في تلك النسخ يدلنا على أن المؤلف أبقى تلك العبارة في آخر النسخ المصححة عنده، وكذلك وجود العبارة في النسخ الأخرى ووجودها في مصدر المؤلف، ويقوى احتمال أن المخالفة مردها إلى الناسخ؛ لذا أبقي ما في الأصل في الحاشية في هذه الحالة وإن كان المعنى يستقيم به، وأشير إلى أن المثبت من (ع، ظ، ومصدر المصنف أو مسودته) هكذا: في الأصل: … وما أثبته من (ع، ظ، م) أو من (ع، ظ، مصدر المصنف) (١)، وهذا المنهج لا يتوهم مخالفته لمنهج اتخاذ الأصل؛ لأنه مرتبطٌ بمواضعَ محدودةٍ ومضبوطةٍ بضابط اتفاق نسختين مع وجود مرجح وهو مصدر
_________
(١) فجملة: وما أثبته من … للدلالة على أن ما بالأصل يصح به المعنى، لكن المثبت من (ع، ظ، م) أو من (ع، ظ، مصدر المصنف)، وأما في حال التصحيف أو التحريف أو الأخطاء التي تكون في الأصل فأقول: والتصويب من (. . .).
стр. 89
المؤلف، أو مسودته، أو اجتماعهما، أو مصنف آخر للمؤلف فيه ذلك النص.
٤ - إذا انفردت مسودة المؤلف عن بقية النسخ بفرق من الفروق لا أشير إليه في الحاشية لاحتمال أن يكون المصنف قد استغنى عن ذلك في تصحيحاته الأخرى لكتابه، بخلاف مصدر المؤلف فإنه إذا انفرد بفرق من الفروق عن كل النسخ أشير إلى ذلك الفرق الذي انفرد به ذلك المصدر في الحاشية لاحتمال أن يكون المؤلف نقل عن نسخة سقطت منها تلك العبارة، أو وهم فيها المؤلف وتبعه النساخ على ذلك.
٥ - إذا كان في الأصل خرم أو سقط بسبب التصوير أو غيره أكمله من النسخ الأخرى أو مصادر المؤلف وأجعله بين معقوفتين هكذا []، أما إن كان الخرم كبيرًا فأجعله بين معقوفتين مزدوجتين هكذا [[]]، ثم أجعل بعده حاشية هكذا: ما بين المعقوفتين من ().
وأما السقط أو الخرم الذي في النسخ الأخرى فأحدد بدايته ونهايته بحواشي فقط ولا أجعله بين معقوفتين.
٦ - إذا كان في الأصل بياض أو طمس كبير أوضحه من النسخ الأخرى ومصادر المؤلف ولا أجعل ذلك بين معقوفتين؛ لأنه ليس سقطًا في الأصل، وإنما أجعل حواشي تحدد بداية ونهاية البياض أو الطمس مشيرًا إلى النسخ أو المصادر التي تم منها التوضيح.
٧ - إذا كان في الأصل كلمة أو عبارة وليست في النسخ الأخرى أو مصدر المؤلف مع استقامة المعنى بما في كلٍّ من الأصل وبقية النسخ الأخرى أشير في الحاشية إلى أن تلك الكلمة ليست في بقية النسخ، مثال ذلك: جاء في الأصل ما يلي: ذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده، وجاء في نسخة (ظ): ذكر أبو نعيم بإسناده، فأجعل حاشية عند كلمة (الحافظ) وأقول: (الحافظ): ليست في (ظ).
٨ - إذا كان في النسخ الأخرى أو مصدر المؤلف كلمة أو عبارة فيها زيادة معنى وليست مجرد فرق عما في الأصل أجعلها في المتن بين معقوفتين،
стр. 90
وأشير إلى ذلك في الحاشية، مثاله: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه ونعيمه [وخدمه وسرره] مسيرة ألف سنة. . ."، فما بين المعقوفتين من بعض النسخ ومصدر المؤلف.
٩ - إذا اتفقت نسختان على كلمة أو عبارة تخالف الأصل وكان الأصل متوافقًا مع مسودة المؤلف أو مصدره أذكر في الحاشية ما في النسختين مع ذكر موافقة الأصل لمصدر المؤلف أو مسودته، لِيُعْلَمَ أن للأصل مرجحًا آخر، ولا يعني اتفاق نسختي المقابلة على فرق ما أن ما فيهما هو الصواب، مثال ذلك: في الأصل: "ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته ليذكروه، ويدعوا له ولمن يخلفه ويقولوا: خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة فينتفع بذلك الميت، ومن يصاب به، ومن يخلفه)، فجملة: (ويقولوا: خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة) ليست في (ع، ظ)، والأصل متوافق مع (مسودة المؤلف (م) ومصدره (المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم)؛ لأن هذه الجملة فيهما وبذلك يُطمئن لعبارة الأصل وإن انفردت عن نسختين أساسيتين في المقابلة.
١٠ - إذا ذكرت فرقًا من نسخة واحدة، فذلك يعني أن بقية النسخ ومصدر المؤلف متفقة مع الأصل.
١١ - لا أشير إلى الفروق التالية في الحاشية: (تعالى، ( ﷺ ، ﵊، (قال المؤلف، قال الشيخ) ونحو ذلك، وأكتفي بما في الأصل.
١٢ - اتبعت منهج المصنف في مسودته بتسميك الكلمات التي كتبها بخط سميك أو التي يُسمّكها عادة.
ثانيًا: المنهج في تخريج النصوص والتعليق عليها:
١ - أعزو الآيات إلى سورها وأرقامها من المصحف، ثم أشير إلى ذلك في نفس المتن بخط صغير بين معقوفتين كالتالي: [الشورى: ٥].
стр. 91
٢ - أعزو القراءات التي وردت في الكتاب إلى من قرأ بها من الأئمة، وذلك من كتب القراءات.
٣ - أُخرّج الأحاديث والآثار التي ينص المؤلف على ذكر مصادرها من تلك المصادر، فإن كان الحديث أو الأثر في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بالعزو لهما أو لأحدهما، أما غير الصحيحين فأخرّجه من ذلك المصدر ومن غيره من مصادر التخريج الأخرى مكتفيًا ببعضها إن كانت كثيرة، ذاكرًا رقم الحديث والجزء والصفحة، جاعلًا رقم الحاشية عند ذكر اسم الكتاب المنقول عنه، مثال ذلك: في البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ". ."، أما الأحاديث التي لم يذكر المؤلف لها مصدرًا فأجتهد في تخريجها من أي مصدر من مصادر أهل العلم جاعلًا رقم الحاشية عند نهاية تلك الرواية، مثاله: رُوي عن النبي ﷺ ". ." (٢).
٤ - أذكر أقوال المحدِّثين القدامى والمتأخرين في الحكم على الأحاديث ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، فإن لم أجد من حكم عليه من أهل العلم، أجتهد في الحكم عليه من خلال السند، فإن لم يذكر المصنف سندًا انظر إلى المتن، فإذا تضمن مخالفة لأصل من أصول الدين، أولما صح من الأحاديث أبين تلك المخالفة.
٥ - أوثق أقوال أهل العلم التي يذكرها المؤلف من كتبهم، أو من المصادر التي تنقل أقوالهم قدر الإمكان إن لم أجد كتبهم، أولم أجد النص فيها.
٦ - أنبه إذا تضمنت الحكايات التي يوردها المصنف على مخالفات عقدية أو شرعية.
٧ - أتعقب المؤلف في المسائل العقدية التي يخالف فيها معتقد أهل السنة والجماعة بإيراد ردود علماء أهل السنة والجماعة عليها، أو بالتعليق عليها مبينًا وجه المخالفة والرد عليه.
٨ - أترجم لمن نقل القرطبي عنه قولًا ترجمة موجزة عند أول وروده عدا الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنهم عدول كلهم والجهالة بأحدهم لا
стр. 92
تضر، وإنما أبين أنه صحابي بالترضي عنه بين شرطتين إذا لم يرد الترضي عنه في المتن، وكذلك لا أترجم لأصحاب الكتب الستة والأئمة الأربعة؛ لاستفاضة شهرتهم، ولا أترجم أيضًا لرجال السند في الروايات التي يوردها المؤلف مسندة؛ لكثرتهم إلا إذا كان في السند من ذُكر بكنيته أو لقبه فأبينُ مَن هو، أو من يدور عليه رد الحديث.
٩ - أكتفي في الغالب في الترجمة بمصدر واحد وهو سير أعلام النبلاء للذهبي؛ لأن الكتاب مخدوم والإحالة إليه تفيد من أراد التوسع في مصادر المترجم لهم.
١٠ - إذا كان مصدر المؤلف مفقودًا، أو مخطوطًا لم أقف عليه، أشير إلى ذلك عند أول وروده في ثنايا الكتاب ثم أحيل إلى موضعه من المقدمة الدراسية، ولا أشير إليه بعد ذلك.
١١ - أشرح الكلمات الغريبة، وأضبط ما يحتاج إلى ضبط.
١٢ - أعرِّف بالبلدان والبقاع.
١٣ - أعزو الأشعار إلى قائليها، أو إلى مصادر متقدمة قدر الإمكان.
١٤ - وضعت رمزًا عند نهاية اللوحة في نسخة الأصل كالتالي [ل ٤/ ب].
فحرف: (ل) يشير إلى كلمة اللوحة، والرقم يشير إلى رقمها، وحرف (أ، ب) يشيران إلى أحد قسمي اللوحة.
١٥ - الفهارس.
стр. 93
صفحة الغلاف من مسودة المصنف (م)
стр. 94
اللوحة الأولى من مسودة المصنف (م)
стр. 95
اللوحة الأخيرة من مسودة المصنف (م)
стр. 96
اللوحة الأولى من الأصل
стр. 97
اللوحة الأخيرة من الأصل
стр. 98
اللوحة الأولي من نسخة معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة (ع)
стр. 99
اللوحة الأخيرة من نسخة معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة (ع)
стр. 100
اللوحة الأولى من نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (ظ)
стр. 101
اللوحة الأخيرة من نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (ظ)
стр. 102
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يقول العبد الفقيرُ إلَى رَبِّهِ، المتَنَصِّلُ مِن ذنبِهِ، الراجِي رَحمَةَ رَبِّهِ: محمد بن أحمد (١) بن أبي بكرِ بن فَرْحٍ (٢) الأنصاريُّ الخزرجيُّ، الأندلسيُّ، ثم القُرْطِبيُّ، غَفَرَ الله له، ولوالديه، ولجميع المسلمين (٣) أجمعين (٤) آمين:
الحمدُ للهِ العليِّ الأعلَى، الوليِّ المولَى، الذي خَلَقَ فَأَحْيى (٥)، وحَكَمَ على خَلْقِه بالموتِ، والفَناءِ، والبعْثِ إلى دار الجزاء، والفَضْل والقَضاءِ؛ لتُجزى كلُّ نَفْسٍ بما تَسْعَى كما قال في كتابه (٦) جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٤ - ٧٦]، وبعد:
فإني رأيتُ أنْ أَكتُبَ كِتابًا وجيزًا؛ يكون تَذْكِرةً لِنَفْسِي وعملًا صالحًا بعد موتي في ذِكْرِ الموتِ، وأحوال الموتى، وذِكْرِ الحشر، والنشر، والجنّة،
стр. 103
والنّارِ، والفِتَنِ، والأشرَاطِ. نَقلْتُه مِن كُتبِ الأئمّةِ، وثِقاتِ أعْلامِ هذه الأمّة (١) حسْبَ ما رويْتُه أو رأيْتُه (٢)، وستَرى ذلك مَنْسُوبًا مُبَيِّنًا إِنْ شاء الله تعالى، وسمّيتُه: كِتاب التَّذْكِرة بأحوال الموْتَى وأمُور الآخِرة. وبوّبتُه بابًا بابًا، وجعلتُ عَقِبَ كلَّ بابٍ فَصْلًا أو فصُولًا نَذْكرُ فيه ما يُحتاجُ إليهِ مِن بيانِ غريب، أو فقْهٍ فِي حدِيثٍ، أو إيضاح مُشْكِلٍ؛ لِتَكْمُلَ فائدتُه، وتَعْظُمَ مِنْفَعَتُهُ؛ إذ التفقهُ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ هو المعنى المقصودُ، والرأيُ المحمودُ، والعملُ الموجودُ في المقامِ المحمودِ، واليومِ المشهودِ، جعَله الله خالِصًا لوجهِه ومُقرِّبًا (٣) من رحمتهِ بمنِّهِ وكَرمِهِ، لا ربَّ سِواه، ولا معبودَ إلا هو سبحانه.
باب النهي عن تمني الموت والدعاء به لضرٍّ نزل (٤) في المال والجسد
مسلم (٥) عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ لِضَرٍّ نَزل به، فَإن كان لا بُدَّ متمَنيًا فَلْيَقُل: اللَّهم أَحْينِي ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لِي"، أخرجه البخاري (٦) [أيضًا] (٧).
وعنهُ (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ ولا يدعُ به
стр. 104
من قَبْل أَن يأتِيَه، إنه إذا ماتَ أحدُكم انقطعَ عَمَلُه، وإنه لا يزيد المؤمِنَ عمره إلا خيرًا" (١).
وقال البخاري (٢): "لا يتمنّينّ أَحدُكم الموْتَ إِمّا مُحْسِنًا فلعله [أن] (٣) يزدادَ خيرًا، وإمّا مُسِيئًا فلعله أن يَسْتَعْتِبَ".
البزار (٤) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَمَنَّوا الموتَ فَإِنَّ هَوْلَ (٥) المُطَّلَع (٦) شديدٌ، وإن من السَّعادة أن يطول عُمُرُ العَبْدِ حتّى يرزُقه الله الإنابة" (٧).
فصلٌ
قال العلماء (٨): الموتُ ليس بعدمٍ محْضٍ، ولا فناءٍ صرفٍ، [و] (٩) إنما
стр. 105
هو انقطاعُ تعلقِ الروحِ بالبدنِ، ومفارقتُهُ، وحيلولة بينهما (١)، وتبدلُ حالٍ، وانتقالٌ من دارٍ إلى دار (٢)، وهو من أعظم المصائبِ، وقد سمّاه اللهُ تعالى مصيبةٌ في قولهِ: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فالموتُ هو المصيبةُ العُظمى والرزيةُ الكُبْرَى.
قال علماؤنا (٣): وأعظمُ منه الغفلةُ عنه، والإعراضُ عن ذِكْرِهِ، وقلةُ التفكرِ فيهِ، وتركُ العمل له، وإنّ فيه وحدَه لعبرةً لمن اعتبرَ، وفكرةً لمن تفكر.
و (٤) في خبرٍ يُروى (٥) عن النبي (٦) ﷺ : "لو أنّ البهائمَ تعلمُ مِن المَوْتِ ما تعلمون ما أكلتُم مِنها سمينًا" (٧).
ويُروى أن أعْرابيًا كان يسير على جملٍ له فخرَّ الجملُ ميْتًا، فنزل الأعرابيُّ عنه، وجعلَ يطوفُ بهِ ويتفكرُ فيهِ ويقولُ: ما لكَ لا تقومُ؟! ما لكَ لا تنبعثُ؟! هذِهِ أعضاؤكَ كاملةٌ، وجوارحكَ سالمةٌ، ما شأنُكَ؟! ما الذي كان يحْمِلُكَ؟! ما الذي كان يبعثُكَ؟! ما الذي صرعَكَ؟! ما الذي عن الحركةِ منعك؟! ثم تركَهُ وانصرف متفكرًا في شأنِه، متعجِبًا من أمرِهِ (٨).
стр. 106
وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه (١):
جاءته من قِبل المَنُونِ (٢) إشارةٌ … فهوى صريعًا لليدين وللفمِ
ورمَي بِمُحْكَمِ دِرْعِهِ وَبِرُمْحِهِ … وامتدَّ مُلَقى كالفنيقِ (٣) الأعْظَمِ
لا يستجيبُ لصارخٍ إِنْ يَدْعُهُ … أبدًا ولا يُرجى لخطبٍ مُعْظمِ
ذهبتْ بسالتُهُ (٤) ومرَّ غرَامُهُ (٥) … لمّا رأى خيلَ المنيةِ تَرْتَمِي
يا ويحَهُ (٦) مِن فارسٍ مَا بَالهُ … ذهبتْ مروتُهُ ولما يُكلم (٧)
هذِي يَدَاهُ وهذِهِ أعضاؤه … ما مِنْهُ مِنْ عُضْوٍ غدا بِمثْلم (٨)
هَيْهَاتَ ما خيلُ الردى مُحْتاجَةٌ … للمَشْرِفِي (٩) ولا السنانِ اللَّهْذَمِ (١٠)
هي ويْحَكُمْ أَمرُ الإلهِ وحُكْمُه … والله يقضِي بالقضاءِ المُحْكمِ
يا حَسْرة لو كان يُقْدَرُ قدرُها … ومصيبةٌ عَظُمتْ ولمّا تعْظُمِ
стр. 107
خبرٌ علمنا كُلنا بمكانِهِ … وكأننا في حالنا لم نعلمِ (١)
وروى الترمذيُّ الحكيم (٢) أبو عبدِ الله (٣): حدثنا قتيبةُ بن سعيد (٤) والخطيبُ بنُ سالم عن عبد العزيزِ (٥) المَاجِشون عن محمدِ بن المُنكَدِرِ قال: مات ابنٌ لآدم ﵇ فقال: يا حوّا (٦) إنه (٧) قد ماتَ ابنُكِ، قالتْ: وما الموتُ؟! قال: لا يأكلُ، ولا يشرب، ولا يقومُ، ولا يقعدُ، فَرنَّتْ (٨). فقالَ آدم ﵇: عليكِ الرّنة وعلى بناتِكِ أنا وبني مِنْها بَرآء".
فصل
وقوله (٩): "فلعله (١٠) أن يستعتب"، الاستِعتَاب: طلب العُتْبَى، وهو الرضَى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبةِ والرجوعِ عن الذنُوبِ.
стр. 108
قال الجوهري (١): استَعْتب: طلب أن يُعْتَبَ، يقول: استَعْتَبْتُه فأَعتَبنِي أي: استرضيته فأرضاني (٢).
وفي التنزيل في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤].
ورُوي عن سهل بن عَبد الله التُستري (٣) أنه قال: لا يتمنّى الموتَ (٤) إلا ثلاثَةُ: رجلٌ جاهلٌ بما بَعْد الموتِ، أَوْ رَجلٌ يَفِرُّ من أقدار الله عليه، أو مشْتَاقٌ مُحِبٌ للقاء الله تعالى (٥).
ورُوي أنّ ملكَ المَوْتِ جاءَ إلى إبراهيم ﵇ خليل الرحمن ليقبضَ روحَه ﵇ فقال إبراهيمُ: يا ملك الموتِ هل رأيت خليلًا يقبضُ روح خليلِهِ؟ فعرجَ مَلكُ المَوْتِ ﵇ إلى ربه تعالى، فقال (٦): قلْ لَهُ هل رأيت خليلًا يَكْره لقاء خليلِهِ؟ فرجعَ، قال: فاقبض رُوحِي السّاعة (٧).
وقال أبو الدرداء (٨) ﵁: ما من مؤمنٍ إلا والمَوْتُ خيرٌ له، فَمَن لم يُصدقنِي فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ (٩) لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
стр. 109
وقال حيّانُ بنُ الأسودِ (١): الموتُ جسرٌ يوصلُ الحبيبَ إلى الحبيبِ (٢).
بابُ جوازِ تَمني الموتِ والدعَاءِ بِهِ خَوْفُ ذَهاب الدين
قال الله تعالى مخبرًا عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وعن مريم ﵍ (٣) في قوْلِهَا: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣].
مَالِكٌ عن أبي الزنادِ (٤) عن الأَعْرَجِ (٥) عن أبي هريرة (٦) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَقُوم (٧) السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرجلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقول: يا ليْتَني مكانه" (٨)
فصْلٌ
قلت: لا تعارُضَ بين هذه التَّرجمةِ والتِي قَبْلَها لِمَا نُبَينُهُ:
стр. 110
أَما يوسُفُ ﵇ فقال قتَادَةُ (١): لم يتمَنّ الموتَ أَحدٌ نَبِيٌّ ولا غيره إلا يوسف ﵇ حين تكاملَتْ عليهِ النعَمُ، وَجُمِع له الشّمْلُ اشْتَاقَ إِلى لَقَاءِ ربه (٢) فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي (٣)﴾ الآية [يوسف: ١٠١] فاشتاق إلى لقاء ربه .
وقيل: إنَّ يوسف ﵇ لم يتَمَنّ الموتَ وإنما تمَنَّى الوفاةَ على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفَّنِي مُسْلِمًا (٤)، وهذا هو القول (٥) المختارُ في تأويل الآيةِ عند أهل التأويل (٦). (٧). وأما مريمُ ﵍ فإنما (٨) تَمَنَّتِ الموت لوجهين:
أَحَدُهُما: أنها (٩) خافتْ أن يُظَنّ بها الشرُّ في دِينها وتُعَيَّر فيَفْتِنَها ذلك.
الثاني: لئلا يقَع قوم بسَبَبِها في البهتَان والزور (١٠) والنسبة إلى الزنا (١١)