← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب منه (١) وفي خروج نفس المؤمن والكافر (٣) خرّج أبو نعيم (٢) من حديث الأعمش (٣) عن إبراهيم (٤) [عن] (٥) علقمة (٦) عن عبد الله (٧) قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ نَفْسَ المؤمِنِ تخرجُ رَشْحًا (٨)، وإِنَّ نَفْسَ الكافِرِ تُسل كما تُسل نفسُ الحِمار، وأنّ المؤمنَ ليعمل الخطيئة فيشدد عليه عند الموتِ ليكفرَ بها عنه، وأنّ الكافر ليعمل الحسنةَ فيُسهل عليهِ عند الموت ليُجْزَى بها (٩) ". الباب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه وصف الله شدة الموت في أربع آيات: الأولى: قوله تعالى (١٠) ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الثالثة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣].

стр. 142

الرابعة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]. البخاري (١) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان (٢) بين يديه رُكْوةٌ، أو عُلْبَةٌ فيها ماءً فجعَل يُدْخِل يده (٣) في المَاءِ فيمسح بها (٤) وجهه ويقول: "لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. وخرّج الترمذي (٥) عنها قالت: ما أغبط أحدًا بهون موتٍ بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ . وفي البخاري (٦) عنها قالت: مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي، وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ . الحاقنة (٧): المطمئن (٨) بين الترقوة والحلق. الذاقنة: نقرة الذقن (٩). وقال الخطابي (١٠): الذاقنة ما يناله الذقن من الصدر.

стр. 143

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (١) في مُسْندِهِ من حديث جابر (٢) بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت (٣) فيهم أعاجيبٌ (٤)، ثم أنشأ فتحدث (٥)، قال: خرجت طائفةٌ منهم فأتوا مقبرةً من مقابِرِهِم فقالوا: لو صلينا ركعتينِ ودعونا الله يخرج لنا بعض الأمواتِ يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا، فبينما هم كذلك إذا اطلع رجلٌ رأسه أسودُ اللون (٦) خلا شيء بين عينيه السجودِ، فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ، والله (٧) لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارةُ الموتِ حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنتُ". وروى أبو هُدبةَ إبراهيمُ بنُ هدبة (٨) قال: حدثنا أنس بن مالكٍ عن النبي ﷺ

стр. 144

قال: "إنّ العبد ليعالجُ كُربَ الموتِ وسكراتِ الموت (١) وأن مفاصله ليسلِّمُ بعضُها على بعضٍ تقول: السلام عليك (٢) تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة" (٣). وذكرَ المحاسبيُّ (٤) في الرعايةِ (٥): أنّ الله سبحانه قال لإبراهيم ﵇: "يا خليلي كيف وجدت الموت؟ قال (٦): كسَفُّود (٧) محمي جُعل في صوفٍ رطبٍ ثم جُذب، قال: أما إنا قد هوّنا (٨) عليك". و (٩) رُوِيَ أَنَّ مُوسى ﵇ لما صارَ روحُهُ إلى الله تعالى قال له ربُّهُ: "يا

стр. 145

مُوسى كيفَ وجدتَ الموتَ؟ قال: وجدتُ نفسي كالعصفورِ الحي حين (١) يُلقى (٢) على المَقْلَى لا يموتُ فيستريحَ ولا ينجو فيطيرَ" (٣). ورُوِيَ عنه: أنه قال: "وجدتُ نفسي كشاةٍ حيةٍ (٤) تُسْلَخُ بيدِ القصّابِ" (٥). وقال عيسى بن مريمَ ﵇: "يا معشر الحواريينَ ادعوا الله أن يهوّنَ عليكم هذه السكرةَ، يعني سكراتِ الموتِ" (٦). ورُوِيَ (٧): "أنّ الموْتَ أشدُّ مِن ضَرْبٍ بالسيوف (٨)، ونشرٍ بالمناشير، وقَرْضٍ بالمقاريضِ". وذكر أبو نعيم (٩) من حديث مكحولٍ عن واثلة ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ لمعاينةُ مَلَكِ الموتِ أشدُّ من ألفِ ضَرْبةٍ بالسيفِ" (١٠). وسيأتي بكمالِهِ (١١) إِنْ شاءَ اللهُ تعالى. وفي الخبرِ من حديثِ حُميدٍ الطويل عن أنس بن مالكٍ ﵁ عن النبي ﷺ : "إنّ الملائكة تكتنفُ العبدَ وتحسبُهُ ولولا ذلك لكان (١٢) يعدو في الصحاري والبرارِي من شدة سكرات الموتِ" (١٣).

стр. 146

وجاءت الروايةُ بأنّ مَلكَ الموتِ إذا تولى اللهُ قَبْضَ نَفْسِهِ بعد موتِ الخلائقِ يقولُ: "وعزتك وجلالك لو علمتُ من سكرة (١) الموت ما أعلم ما قبضتُ نفس مؤمنٍ"، ذكره القاضي أبو بكر بنُ العربي (٢) في سراج المريدين (٣). وعن شهر بن حوشب (٤) قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموت وشدته فقال: "إنّ أهون الموتِ بمنزلةِ حَسَكةٍ (٥) كانت في صوفٍ (٦) فهل تخرجُ الحَسَكَةُ مِن الصوف إلا ومعها صوفٌ" (٧). قال شهرُ (٨): ولما حضرَ عمرو بن العاص الوفاةُ قال (٩) ابنُهُ: يا أبتاه إنّك لتقول (١٠) لنا: ليتني كنت ألقى رجلًا عاقلًا لبيبًا عند نُزُولِ الموتِ حتى يصفَ لي ما يجدُ، وأنت ذلك الرجلُ فصف لي الموتَ؟ فقال: بُني (١١) والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفسُ من سمِّ إبرةٍ، وكأن غصنَ شوكٍ يجذبُ من

стр. 147

قدمي (١) إلى هامتي، ثم أنشى يقول (٢): ليتني كنتُ قبل (٣) ما قَدْ بَد لي … في تلالِ الجِبَالِ أَرْعَى الوُعُولا وعن أبي مسيرةَ (٤) رفعه قال: "لو أنّ ألَم شَعْرَةٍ مِن الميتِ وُضِعَ على أهْلِ السماء (٥) والأرض لماتوا جميعًا" (٦). وأنشدوا (٧): أذْكُرُ الموْتَ ولا أَرْهَبُهُ … إن قلبي لغليظٌ كالحجرِ أطلبُ الدُّنيا كأني خَالدٌ … وورائي الموتُ يَقْفُو بالأثرِ وكفى بالموتِ فاعلمْ وَاعِظًا … لمن الموتُ عليه قد قُدِر والمنايا حولَهُ تَرْصُدُهُ … ليس يُنجِي المرءَ منهنّ المفرُ وقال آخر (٨): بينا (٩) الفتى مَرِحُ الخُطا فرح بما … يسعى له إذْ قِيلَ قد مَرِضَ الفتى إذ قِيلَ باتَ بليلةٍ مَا نَامَها … إذْ قِيلَ أصْبحَ مُثْخنًا ما (١٠) يُرتجى إذْ قِيلَ أَصْبحَ شَاخِصًا ومُوجَهًا … ومُعَللًا إِذْ قِيلَ أصْبحَ قد قَضَى

стр. 148

فصل أيُّها النَّاسُ قد آن للنائِم أن يستيقظَ مِن نومِهِ، وحَانَ للغافِلِ أن ينتَبَه من غفلتِهِ قبلَ هجوم الموتِ بمرارةِ كؤوسِهِ، وقبلَ سُكونِ حركاتِهِ، وخمود أنفاسه، ورحلتِهِ إلى قبره (١) ومقامِهِ بينَ أَرْماسِهِ (٢). ورُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز (٣) أنّه كتب إلى أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوصِيهم، فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم: أما بعدُ، فإني أوصيكُمْ بتقوى الله العظيم، والمراقبة له، واتخذوا التقوى والورعَ زادًا فإنكم في دارٍ عمَّا قريبٍ (٤) تنقلبُ بأهلِها، والله في عرصاتِ القيامةِ وأهوالِها يسألُكُمْ عن الفتيل والنقيرِ، فالله الله عباد الله اذكروا الموتَ الذي لا بد منه، واسمعوا قول الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقوله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمد: ٢٧]. فقد بلغني والله أعلم وأحكم (٥) أنهم يُضربون بسياط من نار، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]. ١ - وقد بلغني (٦) والله أعلم وأحكم أنّ مَلَكَ المَوْتِ رأسُه في السماءِ ورجلاه

стр. 149

في الأرضِ، وأنّ الدّنيا كلّها في يدي (١) ملكِ المؤتِ كالقصعةِ بين يدي أحدِكم يأكلُ منها. وقد بلغني والله أعلمُ وأحكمُ أنّ مَلَكَ المَوْتِ ينظرُ في وجهِ كُلِّ آدمي ثلاثمائة نظرةٍ وستةً (٢) وستين نظرةً (٣). ٣ - وبلغني أنّ مَلَكَ المَوْتِ ينظرُ في كلِّ بيتٍ تحت ظل السماءِ ستمائة مرة. ٤ - وبلغني أنْ مَلَكَ الموتِ قائم (٤) وسط الدنيا فينظرُ الدنيا كلَّها برَّها وبحرَها وجبالها وهي بين يديه كالبيضةِ بين رجلي أحدكم. ٥ - وبلغني أنّ لِمَلَكِ الموتِ أعوانًا الله أعلمُ ليس منهم ملكٌ إلا لو أُذِنَ له أن يلتقم السمواتِ والأرض في لقمةٍ واحدةٍ لفعل. ٦ - وبلغني أنّ مَلَكَ المَوْتِ تَفْزِعُ منه الملائكة أشدُّ من فزعِ أحدكم من السبع. ٧ - وبلغني أنّ حملةَ العرشِ إذا قرُبَ ملكُ الموتِ من أحدهم ذابَ حتى يصير مثل الشعرة من الفزعِ منه. ٨ - وبلغني أن ملك الموتِ ينتزعُ (٥) روحَ ابن آدمَ مِن تحت عُضوِهِ وظُفْرِهِ وعروقِهِ وشعرِهِ ولا تصلُ الروحُ من مِفْصَلٍ إلى مفصلٍ إلا كان عليه أشدُ من ألف ضربةٍ بالسيف. ٩ - وبلغني أنه لو وُضِعَ وجعُ شَعْرةٍ من الموتِ على السماوات والأرض لأذابها، حتى إذا بلغتِ الحلقومَ ولي القبضَ ملك الموتِ. ١٠ - وبلغني أنّ ملك الموتِ إذا قبض روح المؤمن جعلها في حريرةٍ بيضاء

стр. 150

وسمكٍ أذفر (١)، وإذا قبضَ روحَ الكافِرِ جعلها في خرقةٍ سوداءَ في فخّارِ من نارٍ أشدُّ نتنًا من الجيف. وفي الخبر: "أنه إذا دنت منيةُ المؤمن نزل (٢) عليه أربعةٌ من الملائكة، ملكٌ يجذب النفسَ من قدمه (٣) اليمنى، وملكٌ يجذبها من قدمه (٤) اليسرى، وملكٌ يجذبها من يده اليمنى، وملكٌ يجذبها من يده اليسرى، والنفسُ تنسلُ انسلالَ القذاةِ من السقاءِ، وهم يجذبونها من أطرافِ البنانِ، ورؤوس الأصابعِ، والكافر تنسلُ روحُهُ كالسّفُود من الصوف المبتل" (٥)، ذكره (٦) أبو حامدٍ (٧) في كشف علوم (٨) الآخرة (٩) (١٠). فمثل نفسك (١١) يا مغرورُ وقد حلّت بك السكراتُ، ونزل بك الأنينُ والغمراتُ، فمن قائل يقول: إنّ فلانًا قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل

стр. 151

يقول: إن فلانًا ثَقُل (١) لسانُه فلا يعرف جيرانه ولا يكلم إخوانه (٢)، وكأني أنظرُ إليك تسمع الخطاب ولا تقدر على ردّ الجواب ثم تبكي ابنتُكَ كالأسيرةِ، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي، مَنْ ليُتمي بعدك؟ و (٣) مَنْ لحاجتي؟ وأنت واللهِ تسمع الكلامَ ولا تقدرُ على رد الجواب. وأنشدوا (٤): فأقبلتِ الصُغرَى تُمرِّغُ خدَّها … على وجنتِي حِينًا وحِينًا على صَدْرِ وتخمشُ خَديها وتَبْكِي بِحُرْقَةٍ … تنادي: أبي إني غُلِبتُ عَنِ الصبرِ حبيبي أبي مَن لليتامى تركتَهم … كأفْراخِ زُغْبٍ فِي بُعِيدٍ مِن الوَكْرِ فخيِّل لنفسك يا ابن آدمَ إذا أُخِذتَ من فراشِكَ إلى لوحِ مُغْتسَلك فغسلك الغاسِل، وأُلبستَ الأكفانَ وأوحشَ منك الأهلُ والجيرانُ، وبكت عليك الأصحابُ (٥)، والإخوانُ، وقال الغاسلُ: أين زوجته (٦) تحالله، وأين اليتامى تركتم أباكم فما ترونه من (٧) بعد هذا اليوم أبدًا. وأنشدوا (٨): ألا أيُّها المُغْرُورُ ما لَكَ تلعَبُ … تُؤمِّلُ آمالًا وموتُكَ أقْرَبُ وتعلم أنّ الحِرْصَ بحرٌ مُبْعِدٌ … سفينتُهُ الدُّنيا فإيّاكَ تَعْطِبُ [وتعلمُ أنّ الموْتَ ينقضُ مُسْرِعًا … عليك يقينًا طعمُهُ ليسَ يعْذُبُ] (٩) كأنك تُوصي واليتامى تراهم … وأمُهم الثَّكْلَى تنوحُ وتَنْدُبُ تَغَصُّ بحُزْنٍ ثُم تلطمُ وجَهَهَا … تراها (١٠) رجالٌ بعد ما هيَ تَحجِبُ

стр. 152

وأقبلَ بالأكْفانِ نحوك قاصدًا (١) … وحثّ عليك التربَ والعينُ تسكبُ فصل قول عائشة ﵂: "كانت بين يديه ركوةٌ أو علبةٌ". و (٢) العلبة: قدحٌ من خشبٍ ضخمٍ يحلب فيه، قاله ابن فارسٍ (٣) في المُجمل (٤). وقال الجوهري في الصحاح (٥): العلبة مِحْلَبٌ من جلدٍ، والجمع: عُلَبٌ وعِلابٌ، والمُعَلِّبُ (٦) الذي يتخذها. قال الكميتُ (٧) يصف خيلًا: سَقيْنا دِماء القوم طورًا وتارةً … صَبُوحًا لهُ أقْتَار الجُلودِ المُعَلِّبُ (٨) وقيل: أسفله جلد وأعلاه خشب مدوّر مثل إطار الغربان وهو الدائر به. وقيل: هو عُسٌّ يحلب فيه، والعُس: القدحُ الضخم. وقال اللغويُّ أبو هلال الحسن بن عبدِ الله بن سهل العسكري (٩) في

стр. 153

كتابِ التلخيص (١) له: والعُلْبةُ قَدَحٌ للأعراب مثل العُسِّ، والعُسُّ يُتخذ (٢) من جنبِ جِلد البعيِرِ، والجمعُ عِلابٌ. وقوله (٣): "إن للموتِ سَكراتٌ "أي شدائد، وسكرةُ الموتِ شدّتُه. فصل (٤) قال علماؤنا (٥) رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين ﵈ والأولياء المتقين، فما لنا عن ذكره مشغولين وعن الاستعداد له متخلفين؟ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨]، قالوا: وما جرى على الأنبياء صلوات الله عليهم من شدائد الموت وعَلَزَاتِه (٦) له فائدتانِ: إحداهما: أن يعرف الخلق ألم الموت وأنه باطن (٧) وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة، ولا قلقًا، ويرى سهولة خروج روحه فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت، ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله تعالى وتهوينه على بعضهم قطع الخلق بشدة الموت الذي يقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادقين عنه ما خلا الشهيد قتيل الكفار على ما يأتي ذِكْره (٨). الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء (٩) أحباب الله وأنبياؤه، ورسله

стр. 154

فكيف يقاسمون هذه الشدائد العظيمة وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين عنهم أجمعين كما قال في قصة إبراهيم (١): "أما إنا قد هونَّا عليك" (٢)؟ فالجواب: "أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" كما قال نبينا ﵇، خرجه (٣) وغيره (٤). فأجاب الله سبحانه أن يبتليهم تكميلًا لفضائلهم لديه (٥) ورفعه لدرجتهم (٦) عنده، وليس ذلك في حقهم نقصًا ولا عذابًا، بل هو كمال رفعة مع رضاهم بجميل ما يجريه الله عليهم، فأراد الله سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم كما ابتلي إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار، وعيسى بالصحاري والفقار (٧)، ونبينا ﷺ (٨) بالفقر والزهد في الدنيا، ومقاتلة الكفار (٩)، كل ذلك (١٠) رفعة في أحوالهم

стр. 155

وكمال (١) في درجاتهم، ولا يُفْهَم من هذا أن الله شدّد عليهم أكثرَ ممَّا شَدّدَ على العُصاة المخلّطِين، فإن ذلك عقوبة ومؤاخذة لهم (٢) على إجرامهم فلا نسبة بينه (٣) وبين هذا. فصل (٤) إن قال قائل هل كل المخلوقات تجد هذه السكرات؟ قيل له: قال بعض علمائنا (٥): قد وجب (٦) بحكم القيل الصدق، والكلمة الحق أن الكأس مرّ المذاق، وأن قد ذيقَ ويُذَاق، ولكن ثَمَّ فرقان وتقديرات وأوزان، وأن الله تعالى لما انفرد بالبقاء وحده لا شريك له، وأجرى سنة الهلاك والفناء على الخلق دونه خالف في ذلك ﷻ بين المخلوقات، وفرَّق بين المحسوسات بحسب ما خالف بين المنازل والدرجات، فنوع أرضي حيواني إنساني وغير إنساني، وفوقه عالم روحاني، وملأ عُلوي رضواني، كل يشرب (٧) من ذلك الكأس جرعته، ويغتص (٨) منه غصته، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. قال أبو حامد في كتاب كشف علم (٩) الآخرة: وثبت ذلك في ثلاثة (١٠)

стр. 156

مواضع من كتابه (١) (٢)، وإنما أراد سبحانه الموتات (٣) الثلاث (٤) للعالمين: فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت. فالأول آدم وذريته وجميع الحيوان على ضروبه الثلاث. والملكوتي وهو الثاني أصناف الملائكة والجن. وأهل الجبروتي هم (٥): المصطفون من الملائكة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، فهم كروبيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات (٦) الجلال كما وصفهم الله (٧) في كتابه (٨) وأثنى عليهم حيث يقول: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] وهم أهل حضرة القدس المعنيون بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧]، وهم يموتون على هذه المكانة من الله تعالى والقربي وليس زلفاهم بمانع لهم من الموت (٩). قال ابن قسي (١٠): وكما تفرّقت الطرق بهذه العوالم كذلك تفرقت طرق

стр. 157

الإحساسات في اجتراع الغصص، والمرارات (١): فإحساس روحاني للروحانيات كما يجده النائم في سِنته، أو الغصة الوجعة تغصه في نومته، فيغص منها في حال رقدته ويتململ بذلك إلى حين يقظته، حتى إذا استيقظ لم يجد شيئًا ووجد الأُنْسَ عنده فأزال ألمه ووفّاه أمانه ونعمه. وإحساس علوي قدسي للعلوية كما يجده الوسنان من الروحانية، وهو مما (٢) لا يدركه العقل البشري إلا توهمًا فلا (٣) يبلغه التحصيل إلا تخيلًا وتوسمًا. وإحساس بشري ثقلي إنسي وجني: وهو مما (٤) لا يكاد (٥) أن توصف شدائده وغصصه فكيف وقد قالوا: الغصة (٦) الواحدة منه كألف ضربة بالسيف فما عسا أن ينعت ويوصف وهذا الذي لا يمكن أن يعرف. والخلق أيضًا في هذا الإحساس فرق (٧) يختلفون باختلاف المنازل والطرق: فالفرقة الإسلامية لا تجد منه (٨) ما تجده (٩) غير الإسلامية، ثم الإسلامية في نفسها لا تجد منه النبوية كما (١٠) تجد (١١) التبعية، ثم النبوية في ذاتها ومقامات إحساساتها (١٢) تختلف على حكم الكلمة (١٣) وصدق القيل باختلاف التقديم والتفضيل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] [الآية] (١٤)، وقد نبهت الخُلّة الذاتية عزت سبحاتها

стр. 158

وتقدست صفاتها على خفة ذلك عن إبراهيم وأشارت إلى تهوين الأمر عليه وتبين ما خفف عنه صلوات الله وسلامه عليه، فقال: "أما إنا قد هونا عليك يا إبراهيم"، وما وصف (١) الحق ﷻ بالهون فلا أهون منه، كما ما كبّره (٢) وعظّمة فلا أكبر ولا أعظم منه، ولا فرق بين أن قال موتًا هينًا يسيرًا وملكًا عظيمًا كبيرًا، وقال في نعيم الجنة (٣): ﴿(٤) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠]، فكما أنه (٥) لا أكبر من مُلك الجنة كذلك لا أهون من موت الخلة (٦)، والله أعلم. فصل إذا ثبت ما ذكرناه فاعلم أن الموت هو الخطب الأفظع (٧)، والأمر الأشنع، والكأس التي (٨) طعمها أكره وأبشع، وأنه الحادث (٩) الأهدم للذات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، وأن أمرًا يقطع أوصالك ويفرق أعضاءك، ويفت أعضادك، ويهد أركانك، لهو الأمر العظيم، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العقيم (١٠). يحكى (١١) عن (١٢) الرشيد (١٣) لما اشتد مرضه أحضر طبيبًا طوسيًا فارسيًا

стр. 159

وأمر أن يعرض عليه ماؤه مع مياه كثيرة لمرضى وأصحاء (١)، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي فإنه قد انحلت قواه، وتداعت بنيته (٢)، ولما استعرض باقي المياه أقيم فذهب فيئس الرشيد من نفسه، وأنشد: إن الطبيب بطبه ودوائه … لا يستطيع دفاع نَحْبٍ قد أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي … قد كان أبرأ مثله فيما مضى وبلغه أن الناس أرجفوا بموته، فاستدعى حمارًا وأمر فَحُمِلَ عليه فاسترخت فخذاه فقال: أنزلوني، صدق المرجفون، ودعا بأكفان فتخيَّر منها ما أعجبه، وأمر فشق له قبر أمام فراشه، ثم اطَّلع فيه فقال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه (٣). فما ظنك رحمك الله بنازل ينزل بك، فيُذهب رونقك وبهاءك، ويغير منظرك ورُوَاءك (٤)، ويمحو صورتك وجمالك، ويمنع من اجتماعك واتصالك، ويردك بعد النعمة والنضرة والسطوة والقدرة والنخوة والعزة إلى حالة (٥) يبادر فيها أحب الناس إليك، وأرحمهم بك، وأعطفهم عليك، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة (٦)، أنحاؤها، مظلمة أرجاؤها، محكم عليك حجرها وصَيْدَانُها (٧)، فتحكم فيك (٨) هوامها وديدانها، ثم بعد ذلك تمكن منك الإعدام، وتختلط

стр. 160

بالرَّغَام (١)، وتصير ترابًا تطؤه الأقدام، وربما ضُرب منك إناء فخّار، وأحكم بك بناء جدار، أو طلي بك محبس (٢) ماء، أو موقدة (٣) نار (٤). كما روي عن علي ﵁ أنه أتي بإناء (٥) ليشرب منه فأخذه بيده ونظر إليه وقال: كم فيك من عين كحيل، وخد أسيل (٦). ويحكى أن رجلين تنازعا وتخاصما في أرض، فأنطق الله لبنة في حائط من تلك الأرض فقالت: يا هذان إني كنت مَلِكًا من الملوك ملكت كذا وكذا سنة ثم مت وصرت ترابًا فبقيت كذلك ألف سنة، ثم أخذني خرّافٌ: يعني فخارًا فعمل مني إناء فاستعملت حتى تكسرت ثم عدت ترابًا، فبقيت ألف سنة، ثم أخذني رجل فضرب مني لبنة فجعلني في هذا الحائط ففيم تنازعكما؟ وفيم تخاصمكما (٧). قلت: والحكايات في هذا المعنى كثيرة (٨)، والوجود شاهد بتجديد ما دُثر وتغيير ما غُيّر، وعن ذلك يكون الحفر والإخراج واتخاذ الأواني وبناء (٩)

стр. 161

الأبراج، ولقد كنت في زمن الشباب أنا وغيري ننقل التراب على الدواب (١) من مقبرة عندنا تُسمى بمقبرة اليهود خارج قرطبة، وقد اختلط بعظام من هناك ولحومهم وشعورهم وأبشارهم (٢) إلى الذين يصنعون القَرْمَد (٣) للسُقُف (٤)، قال علماؤنا (٥): وهذا التغير إنما يحل بجسدك (٦) وينزل ببدنك لا بروحك؛ لأن الروح لها حكم آخر، وما مضى منك فغير مضاع وتفرقه لا يمنع من الاجتماع، قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق: ٤]، وقال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]. باب الموت كفارة لكل مسلم أبو نعيم (٧) عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الموت كفارة لكل مسلم"، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين له (٨)، وقال فيه: حديث (٩) صحيح حسن (١٠). فصل إنما كان الموت كفارة لكل ما يلقاه (١١) الميت في مرضه، من الآلام

стр. 162

والأوجاع، وقد قال ﷺ : "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"، خرَّجه مسلم (١). وفي الموطأ (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله (٣) ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يصب منه". وفي الخبر المأثور (٤) يقول الله تعالى: "إني لا أُخرج أحدًا من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه حتى أوفيه بكل خطيئة كان عملها سقمًا في جسده، ومصيبة في أهله وولده، وضيقًا في معاشه، وإقتارًا في رزقه حتى أبلغ منه مثاقيل (٥) الذر، فإن بقي عليه شيء شددت (٦) عليه الموت حتى يفضي إليَّ كيوم ولدته أمه". قلت: وهذا بخلاف من لا يحبه ويرضاه كما في الخبر يقول الله تعالى: "وعزتي وجلالي لا أخرج من الدنيا عبدًا أريد أن أعذبه حتى أوفيه بكل (٧) حسنة عملها (٨) بصحة في جسده، وسعة في رزقه، ورغد في عيشه، وأمن في سربه حتى أبلغ منه مثاقيل الذر، فإن بقى له (٩) شي هونت عليه الموت حتى يفضي إليَّ وليس له حسنة يتقي بها النار". قلت: وفي مثل هذا المعنى ما خرَّجه أبو داود (١٠) بسند صحيح فيما (١١)

стр. 163

ذكر أبو الحسن بن الحصّار (١) عن [عُبيد] (٢) بن خالد السلمي ﵁ وكانت له صحبة عن النبي ﷺ : " موت الفجأة أخذة أسف (٣) "، ورواه (٤) أيضًا مرسلًا. وروي (٥) عن عائشة ﵂: "أنها راحة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر". وروي عن ابن عباس ﵄: "أن داود [¬﵇¬] (٦) "مات فجأة يوم السبت" (٧)، وعن زيد بن أسلم (٨) أن (٩) عمر بن الخطاب ﵁ قال: إذا بقي على المؤمن شيء من ذنوبه (١٠) لم يبلغه بعمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة، وأن الكافر إذا كان قد عمل معروفًا في الدنيا هُوِّنَ عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا ثم يصير إلى النار.

стр. 164

ذكره أبو محمد (١) عبد الحق (٢). وخرجه (٣) أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "نفس المؤمن تخرج رشحًا، وإن نفس الكافر تسيل كما تسيل نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدد عليه بها (٥) عند الموت ليكفّر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها" (٦). وذكر ابن المبارك (٧): أن أبا الدرداء ﵁ قال: أحب الموت اشتياقًا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرًا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعًا لربي (٨).

стр. 165

باب لا يموت أحد إلا وهو يحسن بالله الظن [وفي الخوف من الله] (١) مسلم (٢) عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بثلاث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" أخرجه البخاري (٣)، وذكره ابن أبي الدنيا (٤) في كتاب حسن الظن بالله (٥) وزاد: فإن قومًا [قد] (٦) أرداهم سوء ظنهم بالله فقال لهم ﵎: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣] (٧). ابن ماجه (٨) عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي، فقال

стр. 166

رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد (١) في مثل (٢) هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه (٣)، وآمنه (٤) مما يخاف". ذكره ابن أبي الدنيا (٥) أيضًا، وخرجه الترمذي (٦) وقال: هذا حديث حسن (٧) غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلًا. وذكر (٨) الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين في (٩) نوادر الأصول (١٠): حدثنا يحيى بن حبيب عن عدي قال: حدثنا بشر بن المفضل عن عوف عن الحسن أنه (١١) قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال ربكم : لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمَّنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة". حدثنا أبو بكر بن سابق (١٢) الأموي قال: ثنا أبو مالك الجنبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ (١٣) فيما يذكر من مناجاة موسى ﵇ أنه قال: يا موسى إنه لن يلقاني عبد لي (١٤) في حاضر القيامة إلا

стр. 167

فتشته عما في يديه إلا ما كان من الورعين فإني أستحييهم، وأجلهم، فأكرمهم (١) فأدخلهم الجنة بغير حساب، فمن استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع (٢) استحيى الله من تفتيشه وسؤاله، ولم يجمع عليه حياءين كما لا يجمع عليه خوفين (٣). فصل حسن الظن بالله ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال (٤) الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه برحمته (٥) ويتجاوز عنه، ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" (٦). وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة" (٧). وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: عمود الدين وغاية مجده، وذروة سنامه، حسن الظن بالله، فمن مات منكم وهو يحسن الظن بالله دخل الجنة مُدِلًّا (٨).

стр. 168

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: والله الذي لا إله غيره (١)، لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه، وذلك أن الخير بيده (٢). وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان [أن] (٣) ابن عباس ﵄ قال: إذا رأيتم بالرجل الموت فبشروه ليلقى ربه وهو حسن الظن بالله، وإذا كان حيًّا فخوِّفوه (٤). وقال الفضيل (٥): الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحًا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف (٦). وذكر ابن أبي الدنيا قال: حدثنا يحيى أبو عبد الله (٧) البصري قال (٨): حدثنا سوار بن عبد الله قال: حدثنا المعتمر قال: قال أبي حين حضرته الوفاة (٩): يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن (١٠) الظن به (١١). وقال حدثنا (١٢) عمرو بن محمد الناقد قال: حدثنا خلف بن خليفة عن حصين عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت حتى يحسن ظنه بربه (١٣).

стр. 169

وقال ثابت البناني (١): كان شاب به رَهَقٌ (٢)، فلما نزل به الموت انكبت عليه أمه وهي تقول: يا بني قد (٣) كنت أحذرك مصرعك (٤) هذا. قال: يا أماه إن لي ربًا كثير المعروف، وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني بعض معروفه، فقال ثابت: ﵀ بحسن ظنه بالله (٥) في حاله تلك (٦). وقال عمر بن ذر (٧) يومًا في كلامه وعنده ابن أبي داود (٨)، وأبو حنيفة (٩): أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد، لا أراك تفعل، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة في الساعات التي غفرت لهم فإنهم قالوا آمنا برب العالمين، فقال أبو حنيفة: رحمك الله، القصص بعدك حرام (١٠). وكان يحيى بن زكريا إذا لقي عيسى بن مريم صلوات الله عليهما عبس، وإذا لقيه عيسى تبسم، فقال له عيسى: تلقاني عابسًا كأنك آيس (١١)؟ فقال (١٢)

стр. 170

له يحيى: تلقاني ضاحكًا كأنك آمن؟ فأوحى الله ﵎ إن أحبكما إلي أحسنكما ظنًا بي" ذكره الطبري (١). وقال زيد بن أسلم (٢): يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: انطلقوا به إلى النار، فيقول: يا رب فأين صلاتي، وصيامي؟ فيقول الله تعالى: اليوم أقنطك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي من رحمتي (٣). وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وسيأتي (٤) لهذا الباب مزيد بيان في باب سعة رحمة الله تعالى وعفوه يوم القيامة إن شاء الله تعالى. باب تلقين (٥) الميت لا إله إلا الله مسلم (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". وذكر ابن أبي الدنيا (٧) عن زيد بن أسلم قال: قال عثمان عفان (٨): بن إذا حضر الميت فلقنوه لا إله إلا الله، فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: "احضروا موتاكم وذكروهم (٩) فإنهم يرون ما لا ترون، ولقنوهم لا إله إلا الله (١٠) " (١١).

стр. 171

وذكر أبو نعيم من حديث مكحول عن (١) إسماعيل بن عياش عن أبي معاذ عتبة بن حميد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ (٢): "احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة فإن الحكيم من الرجال يتحير عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألم كل عرق منه على حياله" غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل (٣). فصل قال علماؤنا (٤): تلقين الموتى (٥) هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله فيختم له بالسعادة؛ وليدخل في عموم قوله ﵇: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، خرَّجه أبو داود (٦) عن (٧) معاذ بن جبل، وصححه أبو محمد عبد الحق (٨)؛ وليُنبه (٩) المحتضَر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته على ما يأتي (١٠). فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة واحدة فلا تعاد عليه

стр. 172

لئلا يضجر (١)، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهم ذلك عنه. قال ابن المبارك: لقنوا الميت لا إله إلا الله، فإذا قالها فدعوه (٢). قال أبو محمد عبد الحق: وإنما ذلك لأنه يخاف عليه إذا ألح عليه بها أن يتبرم (٣) ويضجر ويثقلها الشيطان عليه، فيكون سببًا لسوء الخاتمة (٤). وكذلك أمر ابن المبارك أن يفعل به، قال (٥) الحسن بن عيسى (٦): قال لي ابن المبارك: لقنِّي يعني الشهادة، ولا تعد عليّ إلا أن أتكلم بكلام ثان (٧). والمقصود أن يموت الرجل وليس في قلبه إلا الله ؛ لأن المدار على القلب، وعمل القلب هو الذي ينظر فيه، وتكون النجاة به، وأما حركة اللسان دون أن تكون ترجمة عما في القلب فلا فائدة فيها ولا عبر (٨) عندها. قلت: وقد يكون التلقين بذكر الحديث عند الرجل العالم كما ذكر أبو نعيم (٩)

стр. 173

أن أبا زُرْعَةَ (١) كان (٢) في السَوْقِ (٣)، وعنده أبو حاتم (٤)، ومحمد بن مسلم (٥) (٦)، والمنذر بن شاذان (٧)، وجماعة (٨) من العلماء، فذكروا حديث التلقين فاستحيوا من أبي زرعة (٩) فقالوا: يا أصحابنا (١٠) تعالوا نتذاكر الحديث، فقال محمد بن مسلم (١١): حدثنا (١٢) الضحاك بن مَخْلَدٍ أبو عاصم، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي ولم يجاوزه، وقال أبو حاتم: حدثنا بُنْدَارٌ، حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي ولم يجاوزه، والباقون (١٣) سكوت (١٤)، فقال أبو زرعة وهو في السوق: حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عَرِيبٍ (١٥) عن كثير بن مُرّة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان آخر كلامه لا

стр. 174

إله إلا الله دخل الجنة" (١)، وفي رواية: "حرمه الله على النار (٢)، وتُوفي ﵀. ويروى عن عبد الله بن شُبْرُمة (٣) أنه قال: دخلت مع عامر الشّعبي (٤) على مريض نعوده فوجدناه (٥) لُمّا (٦) به ورجل يلقنه الشهادة يقول له: قل لا إله إلا الله وهو يكثر عليه، فقال له الشعبي: ارفق به، فتكلم المريض وقال: إن تلقني أو لا تلقني فإني لا أدعها، ثم قرأ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]، فقال الشعبي: الحمد لله الذي أنجا صاحبنا هذا (٧). وقيل للجنيد (٨) ﵀ عند موته: قل لا إله إلا الله، قال (٩): ما نسيته فأذكره (١٠). قلت (١١): لا بد من تلقين الميت، ويذكره الشهادة وإن كان على غاية من

стр. 175

التيقظ، فقد ذكر أبو نعيم (١) الحافظ من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : "احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة، فإن الحكيم (٢) من الرجال والنساء يتحير (٣) عند ذلك المصرع، وأن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألم كل عضو على حياله". وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حضر ملك الموت ﵇ رجلًا قال: فنظر في قلبه فلم يجد فيه شيئًا ففك لحييه (٤) فوجد طرف لسانه لاصقًا بحنكه يقول: لا إله إلا الله فغُفِرَ (٥) له بكلمة (٦) الإخلاص"، ذكره ابن أبي الدنيا بإسناده (٧) في كتاب المحتضرين (٨)، وخرّجه الطبراني (٩) بمعناه، وسيأتي في آخر أبواب الجنة إن شاء الله تعالى. باب من حضر الميت فلا يلغو، وليتكلم بخير وكيف الدعاء للميت إذا مات، وفي تغميضه مسلم (١٠) عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، قالت:

стр. 176

فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة، قالت (١): فقلت فأعقبني الله مَن هو خير [لي] (٢) منه رسول الله ﷺ ". وعنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه" (٣). فصل قال علماؤنا (٤): قوله (٥) ﵇: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا"، أمر ندب وتعليم بما يقال عند الميت والمريض (٦) وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك؛ ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير حالة موته ليذكِّروه، ويدعوا له ولمن يخلفه ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة (٧) فينتفع بذلك الميت، ومن يصاب به، ومن يخلفه.

стр. 177

باب منه وما يقال عند التغميض ابن ماجه (١) عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم موتاكم (٢) فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تؤمن على ما قال أهل البيت". وذكر الخرائطي أبو بكر محمد بن جعفر (٣) قال: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم الحسن (٤) قالت: كنت عند أم سلمة فجاءها إنسان فقال: فلان بالموت، فقالت لها: انطلقي فإذا حضر فقولي (٥): السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (٦). وخرّج (٧) من حديث سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا أغمضتَ الميت فقل بسم الله وعلى ملة رسول الله وسبِّح، ثم تلا سفيان: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]. قال أبو داود (٨): وتغميض الميت إنما هو بعد خروج الروح، سمعت محمد بن محمد المقرئ قال: سمعت أبا ميسرة وكان (٩) رجلًا عابدًا يقول: غمضت جعفر المعلم، وكان رجلًا عابدًا في حالة الموت فرأيته في منامي

стр. 178

يقول: أعظم ما كان عليَّ تغميضك [لي] (١) قبل أن أموت. باب ما جاء أن الشيطان يحضر الميت عند موته وجلساؤه في الدنيا وما يخاف من سوء الخاتمة روي عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "إن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فالذي عن (٣) يمينه علي صفه أبيه يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقًا، ولك محبًا، ولكن مت علي دين النصارى وهو خير الأديان، والذي علي شماله علي صفة أمه يقول له: يا بني كان بطني (٤) لك وعاء، وثدي لك سقاء، وفخذي (٥) لك وطاء، ولكن مت علي دين اليهود، وهو خير الأديان"، وذكره أبو الحسن (٦) القابسي (٧) في شرح رسالة ابن أبي زيد (٨) له، وذكر معناه أبو حامد في كتاب كشف علم (٩) الآخرة (١٠). وأن عند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن وذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلي هذا الإنسان خاصة واستعملهم عليه ووكلهم به، فيأتون المرء وهو في تلك الحال (١١) فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباء (١٢) الميتين البلغين له النصح في دار الدنيا كالأب،

стр. 179

والأم، والأخ، والأخت، والصديق والحميم (١) فيقولون له: أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت يهوديًا فهو الدين المقبول عند الله تعالى، فإن انصرم عنهم وأبي جاءه آخرون وقالوا له: مت نصرانيًا فإنه دين المسيح ونسخ به دين موسى، ويذكرون له عقائد كل ملة، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى (٢) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا زمانًا، فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتًا جاءته الرحمة، وقيل هو جبريل ﵇ فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيتبسم الميت لا محالة، وكثيرًا مَن يرى متبسمًا في هذا المقام فرحًا (٣) بالبشير الذي جاءه (٤) من الله، فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة الجليلة، فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك، وهو قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، ثم يقبض عند الطعنة (٥) على ما يأتي (٦). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي أحمد وبيدي الخرقة لأشد لحييه فكان يغرق ثم يفيق ويقول بيده، لا بعد، لا بعد فعل ذلك (٧) مرارًا فقلت له: يا أبه أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول لا بعد، لا بعد حتى أموت (٨)

стр. 180

قلت: سمعت (١) شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية (٢) يقول: حضرت أخا شيخنا أبي (٣) جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتُضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق ذكرنا ذلك له فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن يساري يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان، ويقول الآخر مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا لا، إليّ تقولان (٤) هذا؟! وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديًا مت نصرانيًا "فكان الجواب لهما لا لكم. قلت: (٥) [و] (٦) تصفحت كتاب الترمذي أبي عيسى وسمعت جميعه فلم أقف على هذا الحديث (٧) فيه، فإن كان في بعض النسخ فالله أعلم، وأما كتاب النسائي فسمعت بعضه وكان عندي كثير منه فلم أقف عليه (٨)، وهو نُسَخٌ فيحتمل أن يكون في بعضها، والله أعلم (٩).
следующие страницы →