← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مسلم (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين ذلف الأنوف"، وفي رواية (٢): "يلبسون الشعر ويمشون في الشعر"، أخرجه البخاري (٣) أيضًا (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) والترمذي (٧) وابن ماجه (٨). وخرج ابن ماجه (٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال (١٠) رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا (١١) قومًا صغار الأعين عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق و (١٢) يربطون خيولهم بالنخيل (١٣) " (١٤). أبو داود (١٥) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ في حديث "يقاتلونكم قوم صغار الأعين يعني الترك، قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى، فينجو منهم من هرب، وأما

стр. 1157

في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون" (١). باب منه وما ذكر (٢) في البصرة [والأيلة] (٣) وبغداد والإسكندرية أبو داود الطيالسي (٤) ثنا الحشرج (٥) بن نباتة الكوفي قال: ثنا سعيد بن جمهان (٦) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لتنزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها: البصرة ويكثر بها عددهم ونخلهم ثم يجيء بنو قنطوراء (٧) عراض الوجوه صغار العيون (٨) حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له: دجلة فيفترق (٩) المسلمون ثلاث فرق: أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها وكفرت فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون قتلاهم (١٠) شهيد (١١) ويفتح الله على بقيتهم". خرجه أبو داود السجستاني في سننه (١٢) بمعناه [فقال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني سعيد جمهان

стр. 1158

قال: ثنا مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له (١) دجلة (٢) يكون عليه جسر، يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين. قال ابن يحيى وهو محمد قال معمر: وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر فيفترق أهلها ثلاث فرق: فرقة تأخذ أذناب البقر والتربة فيهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم (٣) ويقاتلون وهم الشهداء". قال أبو داود (٤): وثنا محمد بن المثنى قال: ثنا إبراهيم بن صالح بن درهم قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين فإذا رجل فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها الأيلة؟ قلنا: نعم، قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعًا ويقول هذه لأبي هريرة، سمعت خليلي ﷺ يقول: إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم] (٥). وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت (٦) في تاريخ بغداد (٧): أخبرنا أبو قاسم الأزهري قال: ثنا أحمد بن محمد بن موسى قال: ثنا أحمد بن جعفر بن المنادي (٨) قال: ذكر في إسناد شديد الضعف عن سفيان الثوري عن أبي

стр. 1159

إسحاق الشيباني [عن] (١) أبي قيس عن علي بن أبي طالب (٢) ﵁ أنه (٣) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها ملك بني العباس وهي الزوراء تكون فيها حرب مقطعة (٤) تسبى فيها النساء، ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم، قال أبو قيس: فقيل لعلي: يا أمير المؤمنين وقد سماها رسول الله ﷺ الزوراء، فقال: لإن (٥) الحرب تزور في جوانبها حتى تطبقها" (٦) وقال أرطأة بن المنذر قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان أخبرني عن تفسير قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثًا، فقال حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها وقد عرفت لِمَ تركها، نزلت في رجل من أهل بيته (٧) يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على (٨) نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقًا (٩)، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث على إحداهما نارًا ليلًا فتصبح سوداء مظلمة فتحترق كلها كأنها لم تكن مكانها، فتصبح صاحبتها متعجبة كيف قلبت، فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم (١٠) جميعًا، فذلك قوله: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ أي عزيمة من عزمات الله، وفتنة وقضاء، حم: أي حم ما هو كائن، ع: عدلًا منه، س: سيكون، ق: واقع في هاتين المدينتين (١١).

стр. 1160

ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين دجلة ودُجَيْل (١) وقُطْرَبُّل (٢) والفرات يجتمع فيها (٣) جبابرة الأرض تجيء إليها الخزائن، يخسف بها" (٤). وفي رواية (٥): "يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهابًا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة". وقرأ ابن عباس (حم سق) بغير (عين) وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري (٦)، وقال ابن عباس وكان علي ﵁ يعرف الفتن بها. وذكر القشيري والثعلبي في تفسيريهما أن النبي ﷺ : "لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه فقيل له: يا رسول الله ما أحزنك؟ فقال: أُخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات بنزول عيسى (٧) وخروج الدجال" والله أعلم، لفظ الثعلبي. وقد روى حديث الزوراء محمد بن زكريا الغيلاني وأسند عن علي ﵇ عن رسول الله ﷺ وقال: "أما إن هلاكها على يد السفياني كأني والله بها قد صارت خاوية على عروشها". ومحمد بن زكريا قال الدارقطني (٨): كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ] (٩).

стр. 1161

وذكر ابن وهب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له بالإسكندرية: إن الناس قد فزعوا فأمر بسلاحه وفرسه فجاءه رجل فقال: من [أين] (١) هذا الفزع؟ قال (٢): سفن ترى (٣) من ناحية قبرس (٤)، قال: انزعوا عن فرسي، قالوا (٥): أصلحك الله إن الناس قد ركبوا، فقال: ليس هذا بملحمة الإسكندرية إنما يأتون من ناحية المغرب من نحو أنطابلس فيأتي مائة ثم مائة (٦) حتى عدد (٧) تسع مائة. وخرج الوائلي أبو نصر في كتاب الإبانة من حديث رشدين بن سعد (٨) عن عقيل عن (٩) الزهري عن كعب قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل على موسى بن عمران ﵇ إن للإسكندرية (١٠) [شهداء] (١١) يستشهدون في بطحائها خير من مضى وخير من بقي، وهم الذين يباهي الله بهم شهداء بدر (١٢). فصل (١٣) قوله: "المجان (١٤) " بفتح الجيم (١٥) جمع مجن بكسر الميم (١٦) وهو الترس، والمطرقة: هي التي قد عدلت بطراق (١٧) وهو الجلد الذي يغشاه، شبه

стр. 1162

وجوههم (١) في عرضها ونتوء وجناتها بالترسة المطرقة، [قال معناه الخطابي (٢) وغيره، وقيده القاضي عياض في كتاب مشارق الأنوار (٣) له (٤)، فقال: الصواب فيه: المطرّقة بفتح الطاء وشد الراء، قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قال لي شيخنا المحدث الكبير اللغوي النحوي النحريري أبو إسحاق الخمري: بل الصواب فيه [المطْرَقة] (٥) بسكون الطاء وفتح الراء أي (٦) التي أطرقت بالعقب أي ألبست حتى غلظت كأنها ترس على ترس، ومنه طارقة النعل إذا ركبت جلدًا على جلد وخرزته عليه. قال الشيخ ﵀: هذا ما نقلناه عن الخطابي، وقاله أهل اللغة] (٧) وفي الصحاح (٨). و (٩) المجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب أي ألبست، وترس مطرق، وقوله: "نعالهم الشعر" أي يصنعون من الشعر حبالًا ويصنعون منها نعالًا كما يصنعون منه ثيابهم (١٠)، ويشهد لهذا قوله: يلبسون الشعر ويمشون في الشعر، هذا ظاهره، ويحتمل: أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا سدلوها (١١) كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال، والأول أظهر، والله أعلم. [قال ابن دحية: إنما كانت نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة (١٢) لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم، ويكون من جلد الذيب وغيره، وقوله: "يلبسون الشعر" فهو إشارة إلى الشرابيش

стр. 1163

التي تدار عليها بالقندس، والقندس: كلب الماء، وهو من ذوات الشعر كالمعز (١) ودواب الصوف كالضأن، ودواب الوبر كالإبل] (٢). وقوله: "ذلف الأنف (٣) " أي غلاظها، يقال: أنف أذلف (٤) إذا كان فيه غلظ وانبطاح، وأنوف ذلف (٥)، [[والذلف في اللغة تأخر الأرنبة، وقيل تطامن فيها، وقيل: فطس الأنوف كما في حديث البخاري عن أبي هريرة، فالحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضًا، ويروى: دلف الأنف بالدال المهملة والمعجمة أكثر، قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية ﵁: وخوزا، قيدناه في صحيح البخاري بالزاي، وقيده الجرجاني فيه، خوز كرمان بالزاي المهملة، مع الإضافة، وحكاه عن الإمام أحمد بن حنبل، وقال: إن غيره صحف فيه، وقال غير الدارقنطي: إذا أضيف بالزاء المهملة لا غير، ويقال: إنهما جنسان من الترك. باب سياقة الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٦) قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا بشير بن المهاجر قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعت النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه (٧) صغار الأعين، كأن وجوههم الحَجَف (٨) ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السياقة الأولى: فينجو من هرب منهم، وأما السياقة الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما السياقة الثالثة فَيُصْطَلَمُون كلهم، من بقي منهم،

стр. 1164

قالوا: يا نبي الله من هم؟ قال: هم الترك، قال: أما والذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين، قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية (١) بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي ﷺ من البلاء من الترك". قال أبو الخطاب عمر بن دحية (٢): وهذا سند صحيح أسنده إمام السنة والصابر على المحنة أبو عبد الله [أحمد بن حنبل] (٣) الشيباني عن الإمام العدل المجتمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين، وبشير بن مهاجر: ثقة، رأى أنس بن مالك، روى عنه جماعة من الأئمة فوثقوه. قال الشيخ ﵁: وخرَّج أبو داود قال: حدثنا جعفر بن مسافر قال: ثنا خلاد بن يحيى قال: ثنا بشير بن مهاجر قال: ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ في حديث: "يقاتلونكم قوم (٤) صغار الأعين يعني الترك، قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى، فينجو منهم من هرب، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون". فصل]] (٥) و (٦) الاصطلام: الاستئصال، وأصله من الصلم وهو القطع، [[يقال: اصطلمت أذنه إذا استوفيت بالقطع، وأنشد الفراء (٧): ثمت اصطلمت إلى الصماخ … فلا قرن ولا أذن والحديث الأول يدل على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر ﷺ ، فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم

стр. 1165

إلا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج أو مأجوج (١) أو مقدمهم (٢). قال الحافظ السيد بن دحية (٣) ﵀: فخرج في جمادى الأول سنة سبع عشرة وستمائة جيش من الترك يقال له: الططر (٤) عَظُمَ في فتكه الخطب والخطر، وقضي له من قتل النفوس المؤمنة الوطر، ولم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر، فقتلوا من وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ومحوا رسوم ملك بني (٥) ساسان، وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن، ويرى أن الخالق المصور هما النيران وملكهم يعرف بخان خاقان، وخربوا مدينة نشاور وأطلقوا فيها النيران، وخار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان ولم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات والكهفان حتى وصلوا إليها وقتلوا وسبوا وخربوا البنيان، وأطلقوا الماء على المدينة من نهر جيحان، فغرق منها مباني الذرى والأركان، ثم صيروا المشهد الرضوي (٦) بُطوْس (٧) أرضًا بعد أن كان، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل من الدين بأخس الأديان إلى أن وصلوا إلى بلاد نهستان فخربوا مدينة الرّي وقَزْوِين (٨)، وأَبْهَر (٩) وزَنْجان (١٠) ومدينة أَرْدَبيْل (١١) ومدينة مَرَاغَة (١٢): كُرْسِي بلادِ أَذْرَبِيْجان (١٣) واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من العلماء والأعيان، واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق

стр. 1166

الثاني وأعظم مدنه مدينة أصْبَهان (١) ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشغلون بعلم الحديث، فحفظهم الله بهذا الشأن وكف كف الكفر عنهم بأيمان الإيمان وأنزل عليهم موائد التأييد والإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة (٢) صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان واجتمع فيها مائة ألف ألف إنسان، وخرجوا إليهم كأُسْدٍ، ولكن غاباتها عوامل الخرصان (٣)، وقد لبسوا البياض كثغور الأقحوان وعليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران، وهيئت للمجاهدين درجات الجنان وأعدت للكافرين دركات النيران (٤)، وبرز إلى الططر القتل في مضاجعهم وساقهم القدر (٥) المحتوم إلى مصارعهم فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي، واشتدوا إلى الوادي فطم على القرى (٦)، ففروا منه فرار الشيطان يوم بدر وله حُصاص (٧)، ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم من الهلك مخلص ووصلوا السير بالسرى وهدوا من همدان الوهاد والذُّرَى بعد أن قامت الحرب على ساق، والأرواح في مساق من ذبح ومثلى (٨) وضرب الأعناق (٩) (١٠)، وصعدوا جبل أزند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين، وخربوا ما فيه من الجنات والبسايتن، وانتهكوا منهم ومن نسوانهم حرمات الدين، وكانت (١١) استطالتهم على ثلثي بلاد المشرق الأعلى، وقتلوا فيهما من الخلائق ما لا يحصى، وقتلوا العراق الثاني عدة تعزب أن تستقصى، وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد

стр. 1167

والجامع، وأوغلوا في بلاد المشرق أيَّ إيغال قادوا الجيوش مقادة أبي رغال، في كلام له إلى أن قال: وقطعوا السبل وأخافوها وجاسوا خلال الديار وطافوها وملأوا قلوب المؤمنين رعبًا، وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبًا، حكَّموا سيوفهم في رقاب أهلها، وأطلقوا يد التخريب في وعرها وسهلها، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم (١) ثلاثة خرجات يصطلمون في الآخرة منها. قال المؤلف ﵀: فقد كملت والحمد لله خرجاتهم ولم يبق إلا قتلهم وقتالهم، فخرجوا على العراق الثالث بغداد وما اتصل إليها من البلاد، وقتلوا جميع من فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، وحصروا ميافارقين واستباحوا جميع من فيها من المسلمين وعبروا الفرات إلى حلب، وخربوها وقتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يبب (٢)، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام، وفلقوا بسيوفهم الرؤوس والهام، ودخل رعبهم الديار المصرية، ولم يبق إلا اللحوق بالدار الأخروية، فخرج إليه من مصر الملك (٣) المظفر الملقب بقطز، بجميع من معه من العساكر، وقد بلغت الحناجرَ القلوبُ (٤)، والأنفس بعزيمة صادقة ونية خالصة، إلى أن التقى بهم بعين جالوت، وكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقُتل منهم جمع كثير وعدد غزير، وارتحلوا عن الشام من ساعتهم، ورجع جمعهم كما كان إلى الإسلام وعبروا الفرات منهزمين، ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان، ولا حين، وراحوا خائبين خاسرين مدحورين أذلاء صاغرين]] (٥) (٦).

стр. 1168

[فصل] (١) و (٢) [قوله: "بغائط"] (٣) الغائط المطمئن من الأرض، والبصرة: الحجارة الرخوة، وبها سميت البصرة، وبنو قنطورا (٤) [هم الترك، يقال: إن قنطورا] (٥) اسم (٦) جارية كانت لإبراهيم ﵇[ولدت أولادًا من نسلهم الترك، وقيل: هم] (٧) من ولد يافث وهم أجناس كثيرة، فمنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم: قوم في رؤوس الجبال والبراري والشعاب ليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم يصد منهم ودج دابته فشوى الدم في مصران فأكله، وهم يأكلون الرخم والغربان وغيرها، وليس لهم دين، ومنهم: من كان على دين المجوس (٨)، ومنهم من تهود، وملكهم الذي يقال له: خاقان يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيرًا، وفيهم بأس شديد، وفيهم سحر وأكثرهم مجوس. وقال وهب بن منبه: الترك بنو عم يأجوج ومأجوج، يعني أنهم (٩) كلهم من ولد يافث. وقيل: إن أصل الترك أو بعضهم من اليمن من حمير، وقيل: فيهم إنهم من بقايا قوم تبع، والله أعلم، ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإنباه (١٠). [باب ذكر أبو نعيم (١١) الحافظ عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1169

"يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم (١) أُسْدًا لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم (٢) ويأكلون فيئكم"، غريب من حديث يونس، تفرد به عنه حماد] (٣). باب ما جاء في فضل الشام وأنه (٤) معقل من الملاحم البزار (٥) عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا (٦) أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت (٧) أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام". خرجه أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد وقال: عمود الإسلام (٨)، قال أبو محمد عبد الحق هذا صحيح (٩) ولعل هذه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال، والله ورسوله أعلم. قلت: وخرجه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحكم بن عبد الله بن خطاف الأزدي وهو متروك عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: هب رسول الله ﷺ من نومه مذعورًا وهو يرجِّع، فقلت: ما لك بأبي أنت وأمي؟ قال: سُلَّ عمود الإسلام من تحت رأسي، ثم رميت بصري فإذا هو قد غرز في وسط الشام، فقيل (١٠): يا محمد إن الله قد اختار لك الشام [وجعلها لك] (١١) عزًا ومحشرًا ومنعة وذكرًا، من أراد الله به خيرًا أسكنه

стр. 1170

الشام وأعطاه نصيبه منها، ومن أراد الله (١) به شرًا أخرج سهمًا من كنانته وهي معلقة وسط الشام، فرماه به فلم يسلم في (٢) دنيا ولا أخرى. [وروي عن عبد الملك بن حبيب أنه قال: حدثني من أثق به أن الله قال للشام: أنت صفوتي من أرضي وبلادي، أسكنك خيرتي من خلقي، وإليك المحشر، من خرج منك رغبة عنك فبسخط (٣) مني عليه، ومن دخلك رغبة فيك فبرضى مني دخلك (٤)] (٥). أبو داود (٦) عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام". وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (٧) عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله ﷺ : "معقل (٨) المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور". قلت: هذا هو الصحيح (٩) ثبت معناه مرفوعًا في غير ما حديث سيأتي (١٠).

стр. 1171

باب ما جاء أن الملاحم إذا وقعت بعث الله جيشًا يؤيد به الدين ابن ماجه (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت الملاحم بعث الله جيشًا من الموالي هم أكرم العرب فرسًا (٢) وأجوده سلاحًا (٣) يؤيد الله بهم الدين. باب ما جاء في المدينة ومكة وخرابهما مسلم (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب، قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذاك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلًا. أبو داود (٥) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك المسلمون أن يُحَاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح". قال الزهري: وسلاح قريب من خيبر (٦). قلت: المسالح (٧): المطالع، ويقال: القوم (٨) يستبعد بهم في المراصد (٩) ويرتبون لذلك، وسموا بذلك لحملهم السلاح. و (١٠) قال الجوهري (١١): "والمَسْلَحَة كالثغر والمرقب، وفي الحديث: "كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العُذَيْب" (١٢).

стр. 1172

قال بشر (١): بكل قيادِ مُسْنِفَةٍ عَنُود … أضر بها المَسَالِحُ والغِوارُ" القياد: حبل تقاد به الدابة، والمسنف المتقدم، يقال: أسنف الفرس أي تقدم الخيل، فإذا سمعت في الشعر مسنفة بكسر النون فهي من هذا، وهي الفرس التي تتقدم الخيل في سيرها، والعَنُودُ من "عَندَ عن الطريق يَعْنُدُ بالضم عُنُودًا أي عدل فهو عَنُود، والعَنُودُ (٢) أيضًا من النوق التي ترعى ناحية، والجمع عُنُدٌ (٣) " (٤). [ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أي مجانبًا للحق معاندًا له معرضًا عنه، يقال: عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره] (٥). مسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي السباع والطير، ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما" (٧). وعنه (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : للمدينة: "ليتركنها (٩) أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي"، يعني السباع والطير. وعن حذيفة قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم

стр. 1173

الساعة (١) فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يُخْرِجُ أهل المدينة من المدينة (٢). وذكر أبو زيد عمر بن شبة في كتاب المدينة (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: "ليخرجن أهل المدينة من المدنية خير ما كانت نصفها زهو ونصفها رطب، قيل: من (٤) يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء". قال أبو زيد (٥): وحدثنا سليمان بن أحمد قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها (٦) فيعمرونها حتى تمتلئ، ثم يخرجون منها (٧) فلا يعودون إليها أبدًا". وخرج (٨) عن (٩) أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليخرجن أهل المدينة من المدينة (١٠) ثم ليعودون إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها أبدًا (١١)، وليدعنها وهي خير ما تكون (١٢) مونقة، قيل: فمن يأكلها؟ قال: الطير و (١٣) السباع". وخرّج (١٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: "والذي نفسي بيده لتكونن بالمدينة

стр. 1174

ملحمة يقال لها الحالقة لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد". وعن الشيباني (١) قال (٢): لتخربن (٣) المدينة والبنود (٤) قائمة. مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يخرب الكعبة ذو السويقتين رجل (٦) من الحبشة. البخاري (٧) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال] (٨): "كأني به به أسود أفحج (٩) يقلعها (١٠) حجرًا حجرًا". وفي حديث حذيفة الطويل عنه ﷺ : "كأني بحبشي أفحج الساقين أزرق (١١) أفطس الأنف كبير البطن، وأصحابه ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر". يعني الكعبة، ذكره (١٢) أبو الفرج بن الجوزي وهو حديث فيه طول. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (١٣) في حديث علي ﵁: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصْعَل أَصْمَع حَمْش (١٤) الساقين قاعد عليها وهي تهدم، حدثناه يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن حفصة عن أبي العالية عن علي.

стр. 1175

قال الأصمعي قوله: أصعل هكذا يروى، فأما كلام العرب صعل (١) بغير ألف وهو الصغير الرأس، وكذلك الحبشة كلهم، قال: والأصمع الصغير الأذن، يقال منه: رجل (٢) أصمع وامرأة صمعاء" وكذلك غير الناس (٣). أبو داود الطيالسي (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه (٥) خرابًا لا يعمر بعده وهم الذين يستخرجون كنزه". [وذكر الحليمي (٦) وفيما ذكر أنه يكون في زمن عيسى ﵇ وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين الحبشي قد سار إلى البيت لهدمه، فيبعث إليه عيسى ﵇ طائفة من الناس ما بين الثمان إلى التسع. وذكر أبو حامد في كتاب مناسك الحج له وغيره ويقال: لا تغرب الشمس يوم (٧) إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال (٨)، ولا يطلع الفجر من ليله إلا طاف به واحد من الأوتاد (٩)، وإذا انقطع ذلك، كان سبب رفعه من الأرض ويصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها

стр. 1176

سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرتفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس، فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب ولا يذكر منه كلمة واحدة، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال، وينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقتل الدجال والساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب يتوقع ولادتها. وفي الخبر: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة" (١). قال الشيخ ﵀: وقد قيل إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس [و] (٢) من المصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵇، وهو الصحيح في ذلك على ما يأتي (٣) والله أعلم] (٤). فصل ثبت في الحديث الدعاء للمدينة وأهلها والحث على سكناها فقال النبي (٥) ﷺ : "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدينة كالكير يخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (٦). رواه أبو هريرة ﵁ وخرجه مسلم (٧). وخرّج (٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء". ونحوه (٩) عن

стр. 1177

أبي هريرة ﵁، ومثل هذا كثير وهو خلاف ما تقدم، وإذا كان هذا فظاهره التعارض وليس كذلك فإن الحض على سكناها إنما كان عند فتح الأمصار ووجود الخيرات بها كما جاء (١) في حديث سفيان بن أبي زهير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفتح اليمن فيأتي قوم ينتسبون فيتحملون بأهليهم (٢) ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح الشام فيأتي قوم ينتسبون فيتحملون بأهليهم (٣) ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيأتي قوم ينتسبون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، رواه الأئمة (٤) واللفظ لمسلم (٥). فحض ﷺ على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار لأنها مستقر الوحي، وفيها مجاورته، ففي حياته صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جدثه الشريف (٦) ومشاهدة آثاره العظيمة، ولهذا قال: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" (٧)، وقال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها" (٨)، ثم إذا تغيرت الأحوال واعتورتها الفتن والأهوال كان الخروج منها غير قادح، والانتقال [[منها حسن غير قادح.

стр. 1178

فصل وأما قوله: "من أراد أهل المدينة بسوء فذلك محمول على زمانه وحياته كما في الحديث الآخر: "لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه" (١)، وقد خرج منها بعد موته ﷺ من الصحابة من لم يعوضها الله خيرًا منه، فدل أن ذلك محمول على حياته؛ فإن الله تعالى كان يعوض أبدًا رسوله ﷺ خيرًا ممن رغب عنه، وهذا واضح، ويحتمل أن يكون قوله: "أذابه الله" كناية عن إهلاكه في الدنيا بعد موته، وقد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله منصرفًا (٢) [عنها] (٣) إلى مكة لقتال ابن الزبير (٤) ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال (٥). وقال الطبري: مات بِهَرْشَى (٦) وذلك بعد الوقعة بثلاث ليال، وهرشى جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة (٧). وكإهلاك (٨) يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة حرم النبي المختار ﷺ وقتله بها بقايا المهاجرين والأنصار، فمات بعد هذه الوقعة وإحراق الكعبة بأقل من ثلاثة أشهر؛ لأنه توفي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول (٩) بحوارين من قرى حمص، وحمل إلى دمشق وصلى عليه ابنه خالد. وقال (١٠) المسعودي (١١): صلى عليه ابنه معاوية، ودفن في

стр. 1179

مقبرة (١) باب الصغير، وقد بلغ نيفًا وثلاثين (٢) سنة، وكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر واثني عشر يومًا (٣). فصل وأما قوله: "تتركون المدينة" بتاء المخاطبة فمراده غير المخاطبين: لكن نوعهم من أهل المدينة أو نسلهم (٤) "و (٥) على خير ما كانت": على أحسن حال كانت عليه فيما قيل، وقد وجد هذا الذي قاله (٦) النبي ﷺ وذلك أنها صارت بعده ﷺ معدن الخلافة وموضعها ومقصد الناس وملجأهم (٧) ومعقلهم حتى تنافس الناس فيها، وتوسعوا في خططها وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن قبل، وبنوا فيها وشيدوا حتى بلغت المساكن إهاب، فلما انتهت حالها كمالًا وحسنًا تناقض أمرها إلى أن أفقرت جهاتها بتغلب الأعراب عليها، وتوالي الفتن فيها فخاف أهلها وارتحلوا عنها وصارت الخلافة بالشام، ووجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة (٨) فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم بحرم (٩) المدينة قتلًا ذريعًا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرة لذلك، وفيها يقول الشاعر (١٠):

стр. 1180

فإن تقتلونا يوم حرة واقم … فإنا على الإسلام أول من قتل وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا (١) لذي الحجة سنة ثلاث وستين (٢)، ويقال لها حرة زهرة، وكانت الوقعة بموقع يعرف بواقم على ميل من مسجد رسول الله ﷺ ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار، وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة ألف (٣) سوي النساء والصبيان، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل: من قريش سبعة وتسعون (٤)، قتلوا جهرًا ظلمًا في الحرب وصبرًا (٥). وقال الإمام الحافظ (٦) أبو محمد بن حزم في المرتبة الرابعة: وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ وبالت وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفهما، أكره (٧) الناس على (٨) أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له. إن شاء باع، وإن شاء أعتق (٩)، وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة: البيعة على حكم القرآن والسنة فأمر بقتله فضربت عنقه صبرًا. وذكر الإخباريون: أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي: الطير والسباع كما قال ﷺ . ثم تراجع الناس إليها، و (١٠) في حال خلائها غدت الكلاب على سواري المسجد والله أعلم. وذكر أبو زيد عمر بن شبة (١١): قال حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتابًا لكعب: "ليغشين (١٢) أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة، وحتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب (١٣) في أسواقها ما يروعها شيء".

стр. 1181

وأما قوله في الراعيين: "حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما، فقيل: سقطا ميتين. قال علماؤنا: وهذا إنما يكون في آخر الزمان و (١) عند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث: "آخر من يحشر راعيان من مزينة"، قيل معناه آخر من يموت فيحشر؛ لأن الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما. قال الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر في شرح البخاري له (٢): وقوله في الراعيين ينعقان بغنمهما (٣)، يعني [في سرح المدينة] (٤) يطلبان الكلأ، وقوله: "وحشًا" يعني خالية، وقوله: "ثنية الوداع" موضع قريب من المدينة مما يلي مكة، وقوله: "خَرَّا على وجوههما" يعني أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى وهو الموت، وقوله: "آخر من يحشر" يعني أنهما بأقصى المدينة فيكونان في أثر من يبعث منهما، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقول النبي ﷺ : "يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو كان من الذين استثنى الله" (٥). وقال شيخنا أبو العباس (٦): ويحتمل أن يكون معناه: آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها كما في كتاب مسلم. قال الشيخ ﵁: و (٧) قد ذكر ابن شبة (٨) خلاف هذا كله، فذكر عن حذيفة بن أسيد قال: "آخر الناس محشرًا رجلان من مزينة يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخص بني فلان

стр. 1182

فينطلقان فلا يجدان بها أحدًا، ثم يقول انطلق بنا إلى المدينة فينطلقان فلا يجدان بها أحدًا، ثم يقول: انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب فيتوجهان نحو البيت الحرام". وذكر (١) عن أبي هريرة قال: "آخر من يحشر رجلان: رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان: أين الناس فيأتيان المدينة (٢) فلا يريان إلا الثعالب (٣)، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس". فصل وأما قوله في حديث أبي هريرة: "يبايع لرجل بين الركن والمقام"، فهو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان على ما نذكره آنفًا، وأنه (٤) يملك الدنيا كلها والله أعلم، فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر، والكافران: نمرود وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي. باب في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي وعلامة خروجه مسلم (٥) عن أبي نضرة قال: كنا جلوسًا عند جابر بن عبد الله فقال: "يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قَفِيزٌ (٦) ولا درهم، قلنا: من أين؟ قال: من قبل العجم]] (٧) يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدى (٨)، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنيهة

стр. 1183

ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أمتي (١) خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا"، قيل لأبي نضرة وأبي العلاء تريان أنه عمر بن عبد العزيز ﵁ قالا: لا. أبو داود (٢) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ [عن النبي ﷺ قال] (٣): "يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث (٤) من الشام فيخسف بهم بالبيداء (٥) بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام (٦) وعصائب (٧) العراق فيبايعونه ثم ينشأ (٨) رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ويلقي الإسلام بِجِرَانِه (٩) إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون". وذكر ابن شبة (١٠): حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا أبو المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: "يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة فيقتل المقاتلة، ويبقر بطون النساء، ويقولون (١١) للحبلى في

стр. 1184

البطن اقتلوا صبابة السوء فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم، ولا أعلاهم أسفلهم"، قال أبو المهزم: فلما جاء حُبَيْش بنُ دُلْجَة (١) قلنا: هم فلم يكونوا هم. قال (٢): وحدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا أبو ضمرة الليثي عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن هلال بن طلحة الفهري قال: قال كعب الأحبار: تجهز يا هلال، قال: فخرجنا (٣) [حتى] (٤) إذا كنا بالعقيق ببطن المسيل دون الشجرة، والشجرة يومئذ قائمة قال: يا هلال إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله تعالى، قلت: هذه الشجرة، قال: فنزلنا فصلينا تحتها ثم ركبنا حتى إذا استوينا على ظاهر (٥) البيداء قال: يا هلال إني أجد صفة البيداء، قلت: أنت عليها قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله أن (٦) جيشًا يؤمون (٧) البيت الحرام فإذا استوى (٨) عليها نادى آخرهم أولهم ارفقوا فخسف بهم وبأمتعتهم وأموالهم وذراريهم إلى يوم القيامة، ثم خرجنا حتى إذا انهبطت (٩) رواحلنا أدنى الروحاء قال: [يا هلال إني أجد صفة الروحاء، قال:] (١٠) قلت: الآن حين دخلنا الروحاء (١١).

стр. 1185

قال (١): وثنا أحمد بن عيسى قال: ثنا (٢) عبد الله بن وهب قال: حدثني ابن لهيعة عن بشر بن محمد المعافري قال: سمعت أبا فراس يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إذا خسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي". قلت: ولخروجه علامات أخر (٣) يأتي (٤) ذكرها (٥) إن شاء الله تعالى. [فصل قوله: "ثم يمكث هنيهة" ويروى هُنّية (٦) بضم الهاء وتشديد الياء أي مدة يسيرة تصغير هنة، ويروى بهاءين، ورواه الطبري هنيئة (٧) مهموز وهو خطأ لا وجه له، وفيه دلالة على صدق النبي ﷺ حيث أخبر عما سيكون بعدُ فكان، ومثله الحديث الآخر: "منعت العراق درهمها وقفيزها" الحديث أي ستمنع، وأتى بلفظ الماضي في الإخبار لأنه ماضٍ في علم الله أنه (٨) سيكون كقوله جل من قائل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] والمعنى أنه لا يجيء إليهما كما جاء مفسرًا في هذا الحديث ومعناه والله أعلم: سيرجعون عن الطاعة ويأبون من أداء ما (٩) وُصِفَ عليهم في آخر الأمر؛ وذلك أنهم يرتدون عن الإسلام وعن أداء الجزية، ولم يكن ذلك في زمانه، ولكن (١٠) أخبر أنهم سيفعلون ذلك. قوله (١١): "يحثي المال حثيًا"، قال ابن الأنباري: أعلى اللغتين حثا يحثي، وهو أصح وأفصح، ويقال: حثا يحثو ويحثي وأحث بكسر الثاء وضمها كله (١٢) بمعنى اغرف بيديك] (١٣).

стр. 1186

باب منه في المهدي (١) وخروج السفياني [عليه] (٢) وبعث (٣) الجيش لقتاله، وأنه (٤) الجيش الذي يخسف به روي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي (٥) اليابس في فوره (٦) ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشًا إلى المشرق وجيشًا إلى المدينة، فيسير (٧) الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا (٨) بأرض بابل في المدينة الملعونة، والبقعة الخبيثة يعني مدينة بغداد قال: فيقتلون أكثر من [ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من] (٩) مائة امرأة، ويقتلون بها أكثر من (١٠) ثلاثمائة كبْشٍ (١١) من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هدى (١٢) من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين (١٣) فيقتلونهم لا يفلت (١٤) منهم مخبر (١٥)، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها (١٦) ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء، بعث الله جبريل ﵇ فيقول (١٧): يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم (١٨) وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ

стр. 1187

فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ [سبأ: ٥١] فلا يبقى منهم إلا رجلان: أحدهما بشير والآخر نذير، وهما من جهينة" (١)، ولذلك جاء القول: ................... … وعند جهينة الخبر اليقين قلت: حديث حذيفة هذا فيه طول (٢)، وكذلك حديث ابن مسعود، وفيه: ثم إن عروة بن محمد السفياني يبعث جيشًا إلى الكوفة [فيه] (٣) خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشًا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة لمحاربة المهدي ومن تبعه (٤). فأما الجيش الأول فإنه يصل إلى الكوفة فيتغلب عليها ويسبي من كان فيها من النساء والأطفال ويقتل الرجال ويأخذ ما [يجد] (٥) فيها من الأموال ثم يرجع (٦). فتقوم صيحة بالمشرق فيتبعهم أمير من أمراء بني تميم يقال له: شعيب بن صالح فيستنقذ ما في أيديهم من السبي ويرد (٧) إلى الكوفة. وأما الجيش الثاني فإنه يصل إلى مدينة الرسول ﷺ فيقاتلونها ثلاثة أيام، ثم يدخلونها عنوةً ويسبون ما فيها من الأهل والولد، ثم يسيرون نحو مكة أعزه الله لمحاربة المهدي ومن معه، فإذا وصلوا إلى البيداء مسحهم (٨) الله أجمعين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. [[وقد ذكر خبر السفياني مطولًا بتمامه أبو الحسين (٩) أحمد بن جعفر بن

стр. 1188

المنادي (١) في كتاب الملاحم (٢) له وأنه الذي (٣) يخسف بجيشه، قال: واسمه عتبة بن هند، وهو الذي يقوم في أهل (٤) دمشق فيقول: يا أهل دمشق أنا رجل منكم، وأنتم خاصتنا جدي معاوية بن أبي سفيان وليكم من قبل فأحسن وأحسنتم، وذكر كلامًا طويلًا إلى أن ذكر كتابه إلى الجرهمي وهو على ما يليه من أرض الشام وإلى البرقي [وهو] (٥) على ما يليه من حد برقة وما وراء برقة من المغرب إلى أن قال: فيأتيه الجرهمي فيبايعه واسم الجرهمي: عقيل بن غفال (٦)، ثم يأتيه البرقي واسم البرقي: همام بن الورد، ثم ذكر مسيره إلى مصر (٧) وقتاله لملكها، فيقتتلون على قنطرة الفرما أو دونها سبعة أيام، ثم ينصرف أهل مصر وقد قتل منهم سبعين ألفًا ونيفًا، ثم يصالحه (٨) أهل مصر ويبايعونه فينصرف عنهم إلى الشام. ثم ذكر تقديمه للأمراء من العرب لرجل من حضرموت، ولرجل من خزاعة، ولرجل من عبس، ولرجل من ثعلبة وذكر عجائب، وأن جيشه الذي يخسف به (٩) تبتلعهم الأرض إلى أعناقهم، وتبقى رؤوسهم خارجة، وتبقى جميع خيلهم وأثقالهم (١٠) وخزائنهم وجميع مضاربهم والسبي على حاله إلى أن يبلغ الخبر الخارج بمكة، واسمه محمد بن علي من ولد السبط الأكبر الحسن بن علي فيطوي الله تعالى له الأرض فيبلغ البيداء من يومه فيجد القوم أبدانهم داخلة في الأرض ورؤوسهم خارجة وهم أحياء، فيحمد الله هو وأصحابه وينتحبون بالبكاء ويدعون الله ويسبحونه ويحمدونه على حسن

стр. 1189

صنيعه إليهم ويسألونه تمام النعمة والعافية، فتبتلعهم الأرض من ساعتهم، يعني أصحاب السفياني، ويجد الحسني العسكر على حاله والسبي على حاله (١)، وذكر أشياء كثيرة الله أعلم بصحتها، أخذها من كتاب دانيال فيما زعم. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: ودانيال بني إسرائيل كلامه عبراني وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى بن مريم بزمان ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ فقد سقطت عدالته إلى أن يتبين وضعه لتصح أمانته، وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان من الحوادث وسيكون، وجمع فيه التنافي والتنافر بين الضب والنون، وأعرب فيما أعرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يكذب آخرها أولها ويتعذر على المتأول تأولها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة في تكذيب الصادق المصدوق محمد ﷺ ، أن في سنة ثلاث مائة يظهر الدجال من يهودية أصبهان، وقد طعنا في أوائل السبعمائة في هذا الزمان وذلك شيء ما وقع ولا كان، ومن المصنوع فيه: المصنوع والمتهافت الموضوع الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه، فهلَّا اتق الله وخاف عقابه، وإن من أفضح (٢) فضيحة في الدين نقل مثل هذه الإسرائيليات عن المتهودين وأنه لا طريق فيما ذكر عن دانيال إلا عنهم ولا رواية تؤخذ في ذلك إلا منهم، وقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا. وذكر (٣) في كتاب الاعتصام عن (٤) ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرؤونه محضًا لم

стр. 1190

يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم. لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (١). قال ابن دحية ﵁: وكيف يؤمن من خان الله وكذب عليه، وكفر، واستكبر وفجر (٢). وأما حديث الدابة فقد نطق بخروجها القرآن ووجب التصديق بها والإيمان، قال الله العظيم: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢]، وكنت بالأندلس قد (٣) قرأت أكثر كتب المقرئ (٤) أبي عمرو عثمان بن سعيد (٥) بن عثمان وتوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فمن تواليفه: كتاب السنن الواردة بالفتن (٦) وغوائلها والأزمنة وفسادها والساعة وأشراطها، وهو مجلد مزج فيه الصحيح بالسقيم، ولم يفرق فيه بين بُسْرٍ وظَلِيم، وأتى بالموضوع وأعرض عما ثبت من الصحيح المسموع، فذكر الدابة (٧) في الباب (٨) الذي قصه: باب ما روي أن الوقعة التي تكون (٩) بالزوراء وما يتصل (١٠) بها من الوقائع والملاحم والطوام (١١)، وأسند ذلك عن عبد الرحمن عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "تكون وقعة بالزوراء، قالوا: يا رسول الله وما الزوراء؟ قال: مدينة بالمشرق بين أنهارها يسكنها شرار خلق الله (١٢)، وجبابرة من أمتي تقذف بأربعة أصناف من العذاب،

стр. 1191

ثم ذكر حديث خروج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق، ثم ذكر خروج المهدي، وقال: إن اسمه أحمد بن عبد الله وذكر خروج الدابة، قال: قلت يا رسول الله: وما الدابة؟ قال: ذات (١) وبر وريش عظمها (٢) ستون ميلًا ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وذكر يأجوج ومأجوج وأنهم ثلاثة أصناف: صنف منهم مثل الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في عشرين ومائة ذراع (٣) هم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، وهذه الأسانيد عن حذيفة في عدة (٤) أوراق ظاهرة الوضع والاختلاق، وفيها ذكر مدينة يقال لها القاطع وهي على البحر الذي لا يحمل جارية، يعني السفن، قيل: يا رسول الله ولم لا تحمل جارية؟ قال: لأنه ليس له قعر"، إلى أن قال حذيفة: قال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق إن صفة هذه في التوراة طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل، قال رسول الله ﷺ : لها ستون وثلاثمائة باب، يخرج من كل باب منها مائة ألف مقاتل (٥) " (٦). قال الحافظ أبو الخطاب ﵁: ونحن نرغب عن تسويد الورق بالموضوعات ونثبت الصحيح الذي يقربنا من إله الأرض والسموات، فعبد الرحمن الذي يرويه عن الثوري هو ابن هانئ أبو نعيم النخعي الكوفي، قال يحيى بن معين: كذاب (٧)، وقال أحمد: ليس بشيء (٨).

стр. 1192

وقال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه (١). وقد رواه عن الثوري عمر بن يحيى بالسند المذكور أيضًا وقال: يعذب بأربعة أصناف: بخسف ومسخ وقذف، قال البرقاني: ولم يذكر الرابع، وعمر بن يحيى متروك الحديث، وقد روى حديث الزوراء محمد بن يحيى زكريا الغيلاني (٢)، وأسند عن علي ﵇ عن رسول الله ﷺ وقال: أما إن (٣) هلاكها على يد السفياني كأني والله (٤) بها قد صارت خاوية على عروشها، ومحمد بن زكريا الغيلاني قال أبو الحسن الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ، وعظم هذه الدابة المذكورة، وطول يأجوج ومأجوج على تلك الصورة يدل على وضع هذا الحديث بالتصريح، ويقطع العاقل بأنه (٥) ليس بصحيح؛؛ لأن مثل هذا القدر في العظم والطول يشهد على كذب واضعه في المنقول، وأي مدينة تسع طرقها (٦) دابة عظمها ستون ميلًا ارتفاعها؟ وأي سبيل يضم يأجوج ومأجوج وأحدهم طولًا وعرضًا مائتان وأربعون ذراعًا، لقد اجترأ هذا الفاسق على الله العزيز الجبار بما اختلقه على نبيه المختار، فقد صح عنه بإجماع من أئمة الآثار أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، ثم يطرق إلينا تكذيب اليهود لنا فيما نقلناه عن توراتهم وأنه شيء لم يكن في سيراتهم، فيحملون أقوالنا الصادقة على المحال ويكذبوننا بسبب ذلك في كل حال]] (٧). مسلم (٨) "عن أم سلمة ﵂ وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام [ابن] (٩) الزبير فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يعوذ بالبيت عائذ

стр. 1193

فيبعث له بعث (١) فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، فقلت: يا رسول الله وكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته". وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة. وقال عبد العزيز بن رفيع (٢): إنما قالت ببيداء من الأرض، قال (٣): كلا والله إنها لبيداء المدينة (٤) ". وعن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه حتى إذا كانوا (٥) ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، [ثم] (٦) يخسف بهم (٧) فلا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم" (٨)، أخرجه ابن ماجه (٩) وزاد: فلما جاء جيش الحجاج ظننًا أنهم هم فقال رجل: أشهد أنك لم تكذب على حفصة، وأن حفصة لم تكذب على رسول الله ﷺ . وعنه (١٠) "عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: "سيعوذ بهذا البيت يعني الكعبة (١١) قوم ليس (١٢) لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث

стр. 1194

إليهم (١) جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم". قال يوسف بن ماهك (٢): وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، قال عبد الله بن صفوان ﵁: أما والله ما هو بهذا الجيش". [فصل قوله: "ليس لهم مَنَعة" بفتح الميم والنون أي جماعة يمنعونه، وهو جمع (٣) مانع وهو أكثر (٤) الضبط فيه، ويقال بسكون النون أيضًا أي عزة امتناع يمتنع بها اسم الفعلة من منع، أو الحال بتلك الصفة، أو المكان بتلك الصفة، وأنكر أبو حاتم السجستاني إسكان (٥) النون في هذه الأحاديث (٦). أنه يخسف بأمتعتهم وإنما فيها أنه يخسف بهم والله أعلم (٧)] (٨). باب منه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه ابن ماجه (٩) عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي". إسناده صحيح. وخرّج (١٠) عن عبد الله بن الحارث بن جرء الزبيدي قال: قال

стр. 1195

رسول الله ﷺ : "يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي" يعني سلطانه. وخرّج أبو داود (١) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث حراث، وعلى مقدمته رجل يقال له: منصور يوطئ أو يُمكِّن لآل محمد ﷺ ، كما مكنت قريش للنبي ﷺ وجبت (٢) على كل مؤمن (٣) نصرته أو قال: إعانته". باب منه آخر في المهدي وصفته واسمه وعطائه (٤) ومكثه وأنه يخرج مع عيسى ﵇، فيساعده على قتل (٥) الدجال أبو داود (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع، وإلا فتسع، تنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا بمثلها قط، تؤتي أكلها ولا تترك منهم (٧) شيئًا (٨)، والمال يومئذٍ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ". وخرّج (٩) أيضًا عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي مني، أجلى الجبهة (١٠) أقنى (١١) الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين".
следующие страницы →