← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ثم ذكر حديث خروج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق، ثم ذكر خروج المهدي، وقال: إن اسمه أحمد بن عبد الله وذكر خروج الدابة، قال: قلت يا رسول الله: وما الدابة؟ قال: ذات (١) وبر وريش عظمها (٢) ستون ميلًا ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وذكر يأجوج ومأجوج وأنهم ثلاثة أصناف: صنف منهم مثل الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في عشرين ومائة ذراع (٣) هم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، وهذه الأسانيد عن حذيفة في عدة (٤) أوراق ظاهرة الوضع والاختلاق، وفيها ذكر مدينة يقال لها القاطع وهي على البحر الذي لا يحمل جارية، يعني السفن، قيل: يا رسول الله ولم لا تحمل جارية؟ قال: لأنه ليس له قعر"، إلى أن قال حذيفة: قال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق إن صفة هذه في التوراة طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل، قال رسول الله ﷺ : لها ستون وثلاثمائة باب، يخرج من كل باب منها مائة ألف مقاتل (٥) " (٦). قال الحافظ أبو الخطاب ﵁: ونحن نرغب عن تسويد الورق بالموضوعات ونثبت الصحيح الذي يقربنا من إله الأرض والسموات، فعبد الرحمن الذي يرويه عن الثوري هو ابن هانئ أبو نعيم النخعي الكوفي، قال يحيى بن معين: كذاب (٧)، وقال أحمد: ليس بشيء (٨).

стр. 1192

وقال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه (١). وقد رواه عن الثوري عمر بن يحيى بالسند المذكور أيضًا وقال: يعذب بأربعة أصناف: بخسف ومسخ وقذف، قال البرقاني: ولم يذكر الرابع، وعمر بن يحيى متروك الحديث، وقد روى حديث الزوراء محمد بن يحيى زكريا الغيلاني (٢)، وأسند عن علي ﵇ عن رسول الله ﷺ وقال: أما إن (٣) هلاكها على يد السفياني كأني والله (٤) بها قد صارت خاوية على عروشها، ومحمد بن زكريا الغيلاني قال أبو الحسن الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ، وعظم هذه الدابة المذكورة، وطول يأجوج ومأجوج على تلك الصورة يدل على وضع هذا الحديث بالتصريح، ويقطع العاقل بأنه (٥) ليس بصحيح؛؛ لأن مثل هذا القدر في العظم والطول يشهد على كذب واضعه في المنقول، وأي مدينة تسع طرقها (٦) دابة عظمها ستون ميلًا ارتفاعها؟ وأي سبيل يضم يأجوج ومأجوج وأحدهم طولًا وعرضًا مائتان وأربعون ذراعًا، لقد اجترأ هذا الفاسق على الله العزيز الجبار بما اختلقه على نبيه المختار، فقد صح عنه بإجماع من أئمة الآثار أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، ثم يطرق إلينا تكذيب اليهود لنا فيما نقلناه عن توراتهم وأنه شيء لم يكن في سيراتهم، فيحملون أقوالنا الصادقة على المحال ويكذبوننا بسبب ذلك في كل حال]] (٧). مسلم (٨) "عن أم سلمة ﵂ وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام [ابن] (٩) الزبير فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يعوذ بالبيت عائذ

стр. 1193

فيبعث له بعث (١) فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، فقلت: يا رسول الله وكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته". وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة. وقال عبد العزيز بن رفيع (٢): إنما قالت ببيداء من الأرض، قال (٣): كلا والله إنها لبيداء المدينة (٤) ". وعن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه حتى إذا كانوا (٥) ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، [ثم] (٦) يخسف بهم (٧) فلا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم" (٨)، أخرجه ابن ماجه (٩) وزاد: فلما جاء جيش الحجاج ظننًا أنهم هم فقال رجل: أشهد أنك لم تكذب على حفصة، وأن حفصة لم تكذب على رسول الله ﷺ . وعنه (١٠) "عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: "سيعوذ بهذا البيت يعني الكعبة (١١) قوم ليس (١٢) لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث

стр. 1194

إليهم (١) جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم". قال يوسف بن ماهك (٢): وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، قال عبد الله بن صفوان ﵁: أما والله ما هو بهذا الجيش". [فصل قوله: "ليس لهم مَنَعة" بفتح الميم والنون أي جماعة يمنعونه، وهو جمع (٣) مانع وهو أكثر (٤) الضبط فيه، ويقال بسكون النون أيضًا أي عزة امتناع يمتنع بها اسم الفعلة من منع، أو الحال بتلك الصفة، أو المكان بتلك الصفة، وأنكر أبو حاتم السجستاني إسكان (٥) النون في هذه الأحاديث (٦). أنه يخسف بأمتعتهم وإنما فيها أنه يخسف بهم والله أعلم (٧)] (٨). باب منه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه ابن ماجه (٩) عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي". إسناده صحيح. وخرّج (١٠) عن عبد الله بن الحارث بن جرء الزبيدي قال: قال

стр. 1195

رسول الله ﷺ : "يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي" يعني سلطانه. وخرّج أبو داود (١) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث حراث، وعلى مقدمته رجل يقال له: منصور يوطئ أو يُمكِّن لآل محمد ﷺ ، كما مكنت قريش للنبي ﷺ وجبت (٢) على كل مؤمن (٣) نصرته أو قال: إعانته". باب منه آخر في المهدي وصفته واسمه وعطائه (٤) ومكثه وأنه يخرج مع عيسى ﵇، فيساعده على قتل (٥) الدجال أبو داود (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع، وإلا فتسع، تنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا بمثلها قط، تؤتي أكلها ولا تترك منهم (٧) شيئًا (٨)، والمال يومئذٍ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ". وخرّج (٩) أيضًا عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي مني، أجلى الجبهة (١٠) أقنى (١١) الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين".

стр. 1196

[وذكر عبد الرزاق (١) قال: حدثنا معمر عن أبي هارون العبدي عن معاوية بن مرة عن أبي الصديق التاجي عن أبي سعيد الخدري قال: "ذكر رسول الله ﷺ بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلًا من عترتي أهل بيتي يملأ به الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا. يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئًا إلا صبته مدرارًا (٢)، ولا تدع الأرض من نباتها شيئًا إلا أخرجته، حتى يتمنى الأحياء ألا موات، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين"، ويروى هذا من غير وجه عن أبي سعيد الخدري. أبو داود (٣)] (٤) عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من الدنيا [إلا يوم] (٥)، قال زائدة في حديثه لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله (٦) فيه رجلًا من أمتي أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي". خرجه الترمذي (٧) بمعناه، وقال: حديث حسن صحيح. [وفي حديث حذيفة الطويل مرفوعًا: فلو لم يبق في (٨) الدنيا إلا يومًا لطول الله ذلك اليوم حتى يليهم رجل من أهل بيتي تكون الملائكة بين يديه ويظهر الإسلام] (٩). وخرّج الترمذي (١٠) عن أبي سعيد الخدري (١١) ﵁ قال: خشينا أن يكون بعد نبينا ﷺ حدث فسألنا النبي ﷺ فقال: "إن في أمتي المهدي، يخرج

стр. 1197

يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، زيد الشاك، قلنا (١): وما ذاك؟ قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله". قال (٢): هذا (٣) حديث حسن. وذكر أبو نعيم (٤) الحافظ من حديث محمد بن الحنفية عن أبيه علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة أو قال (٥) في يومين". فصل وقع في كتاب الشهاب (٦): لا يزداد الأمر إلا شدةً، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم". قلت: خرّجه ابن ماجه في سننه (٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا (٨) محمد بن إدريس الشافعي قال: حدثني محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزداد الأمر إلا شدة" فذكره. قال ابن ماجه: لم يروه إلا الشافعي (٩). [قال الشيخ ﵁] (١٠) وخرجه أبو الحسين الآجري ثنا أبو جعفر محمد بن

стр. 1198

خالد البرذعي في مسجد الحرام، ثنا يونس بن عبد الأعلى المصري فذكره (١). فقوله: "ولا مهدي إلا عيسى" يعارض أحاديث هذا الباب. فقيل: إن هذا الحديث (٢) لا يصح؛ لأنه انفرد بروايته محمد بن خالد الجندي. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: الجندي هذا مجهول، واختلف عليه في إسناده قتادة يرويه عن أبان عن ابن عباس عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا مع ضعف أبان، وتارة يرويه عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس (٣) عن النبي ﷺ بطوله، فهو منفرد به مجهول عن أبان وهو متروك، عن الحسن منقطع، والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته (٤) من ولد فاطمة ﵂ ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم (٥) لها دونه، والله أعلم. قلت: وذكر أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي [شيخ أشياخنا] (٦): محمد بن خالد الجندي روى عن أبان بن صالح عن الحسن البصري، روى (٧) عنه محمد بن إدريس الشافعي (٨) ﵁، وهو راوي حديث: "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" وهو مجهول، وقد وثقه يحيى بن معين (٩)، روي له ابن ماجه، قال أبو الحسن (١٠) محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الأبري السجزي: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ يعني المهدي، وأنه من أهل بيته وأنه سيملك سبع سنين ويملأ (١١) الأرض عدلًا، وأنه يخرج مع عيسى ﷺ ، فيساعده على قتل الدجال بباب لد، بأرض فلسطين وأنه يؤم

стр. 1199

هذه الأمة، وعيسى صلوات الله عليه يصلي خلفه في طولٍ من قصته وأمره. قلت: ويحتمل أن يكون قوله: "ولا مهدي إلا عيسى"، أي لا مهدي كاملًا (١) معصومًا إلا عيسى بن مريم ﵍، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض، والحمد لله. باب منه في المهدي، ومن أين يخرج، وفي علامة خروجه، وأنه يبايع مرتين ويقاتل السفياني ويقتله تقدم (٢) من حديث أم سلمة وأبي هريرة أن المهدي يبايع بين الركن والمقام، وظاهر هذا أنه لم يبايع قبل [و] (٣) ليس كذلك، فإنه روي من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة (٤)، أنه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى يمشي النصر بين يديه أربعين ميلًا، راياته بيض وصفر فيها رقوم فيها اسم الله الأعظم مكتوب، فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له: ماسة (٥) من جبل المغرب، فيعقد (٦) هذه الرايات مع قوم قد أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الحديث بطوله، وفيه: يأتيه (٧) الناس من كل جانب ومكان فيبايعونه يومئذ بمكة، وهو بين الركن والمقام، وهو كاره لهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى التي بايعه الناس بالمغرب، ثم إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدو الله وعدوكم فيجيبونه ولا يعصون له أمرًا، فيخرج المهدي ومن معه من المسلمين من مكة إلى الشام لمحاربة عروة بن محمد السفياني ومن معه من كلب، ثم يتبدد جيشه ثم يؤخذ عروة

стр. 1200

السفياني على أعلى شجرة على بحيرة (١) طبرية، والخائب من خاب يومئذ من قتال كلب ولو بكلمة أو تكبيرة أو بصيحة. فروي عن حذيفة أنه قال: قلت: يا رسول الله كيف يحل قتلهم وهم مسلمون موحدون؟ فقال النبي ﷺ : "إنما إيمانهم على ردة؛ لأنهم خوارج، ويقولون برأيهم: إن الخمر حلال ومع ذلك إنهم يحاربون الله (٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. وذكر الحديث (٣) وسيأتي (٤) تمامه في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. [وحديث السفياني خرجه عمرو بن عبيد في مسنده والله أعلم] (٥). وروي من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ في حديث فيه طول عن النبي ﷺ أنه قال: " ستفتح بعدي جزيرة تسمى الأندلس (٦) فيتغلب عليهم أهل الكفر فيأخذون بلادهم وأكثر أموالهم (٧) ويسبون نساءهم وأولادهم ويهتكون الأستار ويخربون الديار وترجع أكثر البلاد فيافي وقفارًا، وينجلي أكثر الناس عن ديارهم وأموالهم، فيأخذون أكثر الجزيرة، ولا يبقى إلا أقلها ويكون في المغرب الهرج والخوف، ويستولي عليهم الجوع والغلاء، وتكثر الفتنة ويأكل الناس بعضهم بعضًا، فعند ذلك يخرج رجل من المغرب الأقصى من أهل فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو المهدي القائم في آخر الزمان، وهو أول أشراط الساعة، وذكر الحديث. قلت: كل ما وقع في حديث معاوية هذا فقد شاهدناه بتلك البلاد وعاينا

стр. 1201

معظمه إلا خروج المهدي، ويروى من حديث شريك أنه بلغه أن قبل خروج المهدي تكسف الشمس في رمضان مرتين، والله أعلم. [وذكر الدارقطني في سننه (١) حدثنا أبو سعيد الأصطخري، حدثنا محمد بن عبد الله بن نوفل، حدثنا عبيد بن يعيش، ثنا يونس بن بكير عن عمرو بن شمر عن جابر عن محمد بن علي قال: إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السموات والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض] (٢). باب ما جاء أن المهدي (٣) يملك جبل الديلم والقسطنطين ة (٤) ويستفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب وبيان قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ الآية ابن ماجه (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّله الله حتى يملك رجل من أهل بيتي جبل الديلم، والقسطنطينة (٦) ". إسناده صحيح وروي من حديث حذيفة (٧) ﵁ عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ثم إن المهدي ومن معه من المسلمين يأتون إلى مدينة أنطاكية، وهي مدينة (٨) عظيمة على البحر، فيكبرون عليها ثلاث تكبيرات فيقع سورها في

стр. 1202

البحر بقدرة الله تعالى، فيقتلون الرجال ويسبون النساء والأطفال [ويأخذون الأموال] (١)، ثم يملك المهدي أنطاكية، ويبني فيها المساجد وتعمر بعمارة أهل الإسلام، ثم يسيرون إلى رومية والقسطنطينة وكنيسة الذهب فيستفتحون القسطنطينة ورومية (٢) ويقتلون بها أربعمائة ألف مقاتل، ويفتضون بها سبعين ألف بكر، ويستفتحون المدائن والحصون، ويأخذون الأموال، ويقتلون الرجال ويسبون (٣) النساء والأطفال، ويأتون كنيسة الذهب، فيجدون (٤) فيها الأموال التي كان المهدى قد (٥) أخذها أول مرة، وهذه الأموال هي. أودع فيها ملك الروم قيصر حين غزا بيت المقدس، فوجد في البيت (٦) المقدس هذه الأموال فأخذها واحتملها على سبعين ألف عجلة إلى كنيسة الذهب بأسرها كاملة كما أخذها ما نقص منها شيئًا، فيأخذ المهدي تلك الأموال فيردها (٧) إلى بيت المقدس، قال حذيفة: قلت (٨): يا رسول الله لقد كان (٩) بيت المقدس عند الله عظيمًا جسيم الخطر عظيم القدر، فقال رسول الله ﷺ : "هو من أجلِّ البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود ﵇ من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود سخر الله له الجن (١٠)، فأتوه بالذهب والفضة من المعادن وأتوه بالجواهر والياقوت (١١) والزمرد من البحار يغوصون كما قال تعالى: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]، فلما أتوه بهذه الأصناف بناه [منها] (١٢) فجعل فيه بلاطًا من ذهب وبلاطًا من فضة وأعمدةً من ذهب وأعمدةً من فضة، وزينه بالدر والياقوت، والزمرد، وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف.

стр. 1203

قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس (١)؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما عصوا وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بخت نصر وهو من المجوس. فكان ملكه سبعمائة سنة وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥]، فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في البيت المقدس (٢) من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم (٣) بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله رحمهم، فأوحى الله إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من بيت (٤) المقدس ورده إليه كما كان أول مرة، وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، يعني إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة، فلما رجعت بنو إسرائيل إلى البيت (٥) المقدس عادوا إلى المعاصي، فسلط الله [عليهم] (٦) ملك الروم قيصر وهو قوله تعالى (٧): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]، فغزاهم في البر والبحر، فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم

стр. 1204

ونساءهم وأخذ حلي جميع بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألف عجلة حتى أودعه كنيسة الذهب فهو فيها إلى (١) الآن، حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس ويكون المسلمون ظاهرين على أهل الشرك، فعند ذلك يرسل الله ملك الروم وهو الخامس من آل هرقل على ما تقدم من تمام الحديث. والله أعلم. باب ما جاء في فتح قسطنطينة (٢) ومن أين تفتح وفتحها علامة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعْمَاق أو بدابِق (٤) فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سَبَوْا منا (٥) نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فينهزم (٦) ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله تعالى، ويفتح (٧) الثلث لا يفتتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينة (٨)، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل (٩) عيسى ابن مريم ﵍، فأمَّهم (١٠) فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو

стр. 1205

تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده (١) فيريهم دمه في حربته". وخرج ابن ماجه (٢) قال: ثنا علي بن ميمون الرقي قال: ثنا يعقوب الحنيني عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء، ثم قال: يا علي يا علي يا علي، قال: بأبي بأبي (٣)، قال: إنكم ستقاتلون (٤) بني الأصفر، ويقاتلونهم الذين من بعدكم حتى تخرج إليهم رُوقَة (٥) الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فيفتتحون (٦) قسطنطينية بالتسبيح والتكبير فيصيبون غنائم (٧) لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة، فيأتي آت فيقول: إن المسيح قد خرج في بلادكم، ألا وهي كذبة فالآخذ نادم والتارك نادم". و (٨) خرّج مسلم (٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: " لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني (١٠) إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، قال ثور: لا أعلمه، قال: إلا الذي في البحر (١١)، ثم يقول الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقول الثالثة:

стр. 1206

لا إله إلا الله والله أكبر (١) فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال (٢): إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون". الترمذي (٣) عن أنس ﵁ قال: "فتح قسطنطينية مع قيام الساعة"، هكذا رواه موقوفًا وقال: حديث غريب. "[والقسطنطينة مدينة الروم وتفتح عند خروج الدجال] (٤). والقسطنطينة قد فتحت في زمن بعض أصحاب النبي ﷺ " (٥). قلت: هو عثمان بن عفان ﵁ ذكر الطبري (٦) في التاريخ (٧) له: ثم دخلت سنة سبع وعشرين، ففيها كان فتح أفريقية (٨) على يد (٩) عبد الله بن أبي سرح، وذلك أن عثمان ﵁ لما ولى عمرو بن العاص (١٠) على عمله بمصر (١١) كان (١٢) لا يعزل أحدًا إلا عن شكاية، وكان عبد الله بن أبي سرح من جند مصر، فأمّره عثمان ﵁ على الجند ورماه بالرجال وسرحه إلى إفريقية (١٣)، وسرح معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين، فلما فتح الله تعالى أفريقية خرج عبد الله وعبد الله إلى الأندلس، فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان ﵁ إلى من انتدب من

стр. 1207

الأندلس (١): "أما بعد فإن القسطنطينة إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن فتحتموها (٢) كنتم الشركاء في الأجر. فيقال: إنها فتحت (٣) في تلك الأزمان، وستفتح مرة أخرى كما في أحاديث هذا الباب والذي قبله. وقد قال بعض علمائنا: إن حديث أبي هريرة ﵁ أول الباب يدل على أنها تفتح بالقتال، وحديث ابن ماجه (٤) يدل على خلاف ذلك من حديث أبي هريرة، والله أعلم. قلت: لعل فتح المهدي يكون لها مرتين: مرة بالقتال، ومرة بالتكبير، كما أنه يفتح كنيسة الذهب مرتين، فإن المهدي إذا خرج بالمغرب على ما تقدم جاز إليه أهل الأندلس فيقولون (٥): يا ولي الله انصر جزيرة الأندلس، فقد تلفت، فتلف (٦) أهلها وتغلب عليها أهل الكفر والشرك من أبناء الروم، فيبعث كتبه إلى جميع قبائل المغرب وهم فزولة وجدالة وقذالة وغيرهم من القبائل (٧) من أهل المغرب: أن انصروا دين الله وشريعة محمد ﷺ ، فيأتون الناس (٨) إليه من كل مكان ويجيبونه (٩) ويقفون عند أمره، ويكون على مقدمة عسكره صاحب الخرطوم (١٠) وهو صاحب الناقة الغراء وهو صاحب المهدي وناصر دين الإسلام وولي الله حقًّا (١١)، فعند ذلك يبايعونه ثمانون ألف مقاتل بين فارس وراجل قد (١٢) ﵃، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] فباعوا أنفسهم من الله، والله ذو الفضل

стр. 1208

العظيم، فيغزون (١) البحر حتى ينتهوا (٢) إلى حمص وهي إشبيلية (٣) فيصعد المهدي المنبر في المسجد الجامع ويخطب خطبة بليغة، فيأتي إليه أهل الأندلس فيبايعه (٤) جميع [من فيها من أهل] (٥) الإسلام، ثم يخرج بجميع المسلمين متوجّهًا إلى البلاد بلاد الروم (٦)، فيفتتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم يخرجها من أيدي العدو عنوة، الحديث. وفيه: أن المهدي (٧) ومن معه يَصِلون إلى كنيسة الذهب فيجدون (٨) فيها أموالًا، فيأخذها [المهدي] (٩) فيقسمها بين المسلمين (١٠) بالسوية، ثم يجد فيها تابوت السكينة وفيها غِفارة (١١) عيسى، وعصا موسى ﵇، وهي العصا التي هبط بها آدم ﵇ من الجنة حين أخرج منها (١٢)، وكان قيصر ملك الروم قد أخذها من البيت المقدس في جملة السبي حين سبا بيت المقدس (١٣)، واحتمل جميع ذلك إلى كنيسة الذهب (١٤)، فهو فيها الآن (١٥) حتى يأخذها المهدي، فإذا أخذ المسلمون العصا تنازعوا عليها، وكل (١٦) منهم يريد أخذ العصا (١٧)،

стр. 1209

فإذا أراد الله تمام أهل الأندلس (١) خذل رأيهم وسلب ذوي الألباب عقولهم (٢)، فيقتسمون العصا على أربعة أجزاء، فيأخذ كل عسكر منهم جزءًا وهم يومئذ أربع عساكر، وإذا (٣) فعلوا ذلك رفع الله عنهم الظفر والنصر، ووقع الخلاف بينهم. قال كعب الأحبار: ويظهر عليهم أهل الشرك حتى يأتوا البحار فيبعث الله إليهم ملكًا في صورة إبل فيجوز بهم على القنطرة (٤) التي بناها ذو القرنين لهذا المعنى خاصة، فيأخذ الناس وراءه حتى يأتوا إلى (٥) مدينة فارس والروم وراءهم فلا يزالون كذلك كلما ارتحل المسلمون مرحلة ارتحل المشركون كذلك، حتى يأتوا إلى أرض مصر والروم وراءهم، وفي حديث حذيفة ويملكون (٦) مصر إلى الفيوم ثم يرجعون، والله أعلم. باب (٧) أشراط الساعة وعلاماتها (٨) فأما وقتها فلا يعلمه إلا الله تعالى، وفي حديث جبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، الحديث خرَّجه (٩) مسلم (١٠). وكذلك يروى (١١) عن الشعبي قال: لقي جبريل عيسى ﵇ فقال له عيسى: متى الساعة؟ فانتفض جبريل في أجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة (١٢). [وذكر أبو نعيم (١٣) من حديث مكحول عن حذيفة قال: قال

стр. 1210

رسول الله ﷺ : "للساعة أشراط، قيل: وما أشراطها؟ قال (١): علو أهل الفسق في المساجد، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف، قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: دع وكن حلسًا (٢) من أحلاس بيتك"، غريب من حديث مكحول، لم نكتبه إلا من حديث حمزة (٣) النصيبي (٤) عن مكحول. فصل قال العلماء رحمة الله عليهم: والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس (٥) عن رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة كيلا يعافصوا بالحول بينهم وبين تدارك الفوارط منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانفطموا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم. وتلك الأشراط علامة لانتهاء (٦) الدنيا وانقضائها، فمنها خروج الدجال، ونزول عيسى وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، هذه هي الآيات العظام على ما يأتي (٧) بيانه، وأما ما يتقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل واستيلاء أهله، وبيع الحكم (٨)، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمور واكتفاء النساء بالنساء والرجال بالرجال، وإطالة البنيان وزخرفة المساجد، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج. فإنها أسباب حادثة ورواية الأخبار المنذرة بها فعندها صار الخبر بها عيانًا تكلفٌ [لكن] (٩) لا بد من ذكرها حتى يوقف عليها وتتحقق بذلك معجزة النبي ﷺ ، وصدقه في كل ما أخبر به ﷺ ] (١٠).

стр. 1211

باب قول النبي ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" مسلم (١) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين، قال: وضم السبابة والوسطى". وروي من طرق أخرجها البخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) ومعناها كلها على اختلاف ألفاظها تقريب أمر الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر﴾ [النحل: ٧٧]، وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (٦). ويروي أن النبي ﷺ لما نزل عليه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ وثب، فلما نزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ جلس، قال بعض العلماء: إنما وثب ﵇ خوفًا منه أن تكون الساعة قد قامت. وقال الضحاك (٧) والحسن (٨): أول أشراطها محمد ﷺ . وروى موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي ﵁: من اقتراب الساعة الجذام و (٩) ظهور البواسير وموت الفجاءة (١٠). [فصل إن قيل ثبت أن النبي ﷺ سئل عن الساعة فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، وهذا يدل على أنه كان عالمًا فكيف يأتلف الخبران؟! قيل

стр. 1212

له: قد نطق القرآن بقوله الحق ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ الآية [الأعراف: ١٨٧]، فلم يكن يعلمها هو ولا غيره. وأما قوله: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، فمعناه أنا النبي الآخر فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليس بينهما إصبع آخر، وهذا لا يوج يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك دانية؛ لأن أشراطها متتابعة، وقد ذكر الله الأشراط في القرآن فقال: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي دنت وأولها النبي ﷺ ؛ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بيَّن ما يليه من أشراط الساعة فقال: "أن تلد الأمة ربتها" إلى غير ذلك مما سنذكره ونبينه بحول الله في أبواب إن شاء الله تعالى] (١). باب أمور تكون بين يدي الساعة البخاري (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما (٣) مقتلة عظيمة دعواهما (٤) واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض، العلم (٥)، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم (٦) المال، فيفيض، وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه (٧) لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون (٨) فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]،

стр. 1213

ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة [وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة] (١) وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها. فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذه ثلاث عشرة علامة، جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد هذا ما ينظر فيه من صحيح العلامات والأشراط، وفي عموم إنذار النبي ﷺ بفساد الزمان وتغير الدين وذهاب الأمانة ما يغني عن ذكر التفاصيل الأباطلة (٢) والأحاديث الكاذبة في أشراط الساعة. من ذلك حديث رووه عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أن في سنة مائتين يكون كذا وكذا، وفي العشر والمائتين كذا (٣)، وفي (٤) العشرين كذا، وفي الثلاثين كذا، وفي الأربعين كذا، وفي الخمسين كذا، وفي الستين كذا، والمائتين (٥) تعتكف (٦) الشمس ساعة فيموت نصف الجن والإنس، فهل كان هكذا (٧) وقد مضت هذه المدة، وهذا شيء يعم، وسائر الأمور التي ذكر قد تكون في بلدة وتخلو منه أخرى، فهذا عكوف الشمس لا يخلو منه أحد في شرق ولا غرب، فإن كان المائتين من الهجرة فقد مضت المدة، وإن كان (٨) من موت النبي ﷺ فقد مضت، وأيضًا دلالة أخرى على أنه مفتعل أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما وضعوه على عهد عمر، فكيف

стр. 1214

يجوز هذا على عهد رسول الله ﷺ أن يقال (١) في سنة مائتين، وفي (٢) سنة عشرين ومائتين، فلم (٣) يكن وضع شيء من التاريخ. وكذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه (٤) "إذا كانت سنة تسع وتسعين وخمسمائة يخرج المهدي من (٥) أمتي على خلاف من الناس، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا (٦) وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ويفتح الله تعالى له كنوز الأرض، وتنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض ثمرها (٧)، ويزرع الزارع في الأرض صاعًا فيصيب مائة صاع (٨)، ويذهب الغلاء والقحط والجوع عن الناس، ويجوز إلى الأندلس ويغنم فيها (٩) يملكها تسع سنين، ويستفتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم، ويغنم رومية وكنيسة الذهب، فيجد فيها تابوت السكينة وفيها غفارة عيسى وعصا موسى ﵇، فيكسرون العصا (١٠) على أربعة أجزاء، فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم (١١) النصر والظفر، ويخرج عليهم ذو العرف في مائة ألف مقاتل بعد أن يتحالف الروم أن (١٢) لا يرجعون أو يموتون، فينهزم المسلمون حتى يأتوا سَرَقُسْطة (١٣) البيضاء فيدخلونها بإذن الله تعالى، ويكرم الله من فيها بالشهادة، ولا يكون للمسلمين بعد خراب سَرَقُسْطة سكنى ولا قرار بالأندلس، وينتهون إلى قرطبة فلا يجدون فيها أحدًا لما أصاب الناس من شدة الفزع من الروم ويهربون من الأندلس يريدون العدو فإذا (١٤) اجتمعوا على ساحل البحر ازدحموا على المراكب فيموت منهم خلق كثير، فينزل إليهم (١٥)

стр. 1215

ملك في صورة إبل فينجو من نجا ويغرق من يغرق، فيملك الروم الأندلس أو يرجع الدجال (١). قلت: كل ما جاء (٢) في هذا الحديث فمذكور في حديث حذيفة وغيره، وإنما المنكر منه تعيين التاريخ وقد كان سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ولم يكن شيء من ذلك بل كان بالأندلس تلك السنة وقعة الأرك (٣) التي أهلك الله فيها الروم ولم يزل المسلمون في نعمة وسرور إلى سنة تسع وستمائة، وكانت فيها وقعة العقاب هلك فيها كثير من المسلمين (٤)، ولم يزل المسلمون من تلك الوقعة بالأندلس يرجعون القهقرى إلى أن استولى عليهم العدو (٥) بالفتن الواقعة بينهم، والتفصيل يطول، ولم يبق الآن من الأندلس إلا اليسير فنعوذ بالله من الفتن والخذلان والمخالفة والعصيان، وكثرة الظلم والفساد والعدوان. والذي ينبغي أن يقال (٦) في هذا الباب أن ما أخبر به النبي ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك الوقت (٧) قيام الساعة فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر (٨)، أما أنها ستكون في يوم الجمعة آخر (٩) ساعة منه وهي الساعة التي خلق فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة لا يعلم تعيين ذلك اليوم

стр. 1216

إلا الله وحده لا شريك له (١)، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يعلم، والله أعلم. وقد سمعت من بعض أصحابنا أن ما وقع في (٢) التاريخ من (٣) حديث أبي سعيد الخدري إنما ذلك بعد المائة التي قال النبي ﷺ : "إن يعش (٤) هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" (٥)، في رواية: قال أنس (٦): ذلك الغلام من أترابي يومئذ. خرجه مسلم (٧). وفي حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما على الأرض نفس منفوسة يعني اليوم يأتي عليها مائة سنة" (٨)، قال أبو عيسى (٩): هذا (١٠) حديث حسن، ومعلوم أن أنسًا توفي في عشر المائة بالبصرة، فعلى هذا يكون سنة تسع وتسعين وستمائة، وهذا لم يجيء بعد، والله أعلم (١١). [قال الشيخ ﵁: وبحديث أبي سعيد وأبي عمر وجابر استدل من قال: إن الخضر ميت (١٢) ليس بحي، وقال الثعلبي في كتاب العرائس (١٣): والخضر على جميع الأقوال نبي معمر محجوب عن الأبصار، وذكر عن عمرو بن دينار قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان يحييان في الأرض ما دام القرآن في الأرض فإذا رفع القرآن ماتا، وهذا هو الصحيح في الباب على ما بيناه في سورة

стр. 1217

الكهف من كتاب جامع أحكام القرآن (١) والله أعلم (٢)] (٣). فصل وأما الثلاث عشرة خصلة فقد ظهر أكثرها من ذلك قوله ﵇: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة"، يريد فتنة (٤) علي ومعاوية (٥) رحمهما الله [بصفين، وقد تقدم الإشارة إليهما] (٦). قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا (٧) أول خطب طرق في الإسلام (٨). قلت: بل أول أمر دهم الإسلام موت النبي ﷺ ثم بعده موت عمر، فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه.

стр. 1218

قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر النبي ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا (١). [وقال أبو بكر الصديق في أبيات يرثي بها النبي ﷺ : فلتحدثن حوادث من بعده … يُعنى بهن جوانح وصدور وقالت صفية ابنة عبد المطلب في أبيات ترثي بها النبي ﷺ : لعمرك ما أبكي النبي (٢) لفقده … ولكن لما أخشى من الهرج آتيا] (٣) وبموت عمر سُلَّ سيف الفتنة فقتل عثمان، وكان من قضاء الله تعالى وقدره ما يكون وكان (٤). وقوله (٥): "حتى يبعث (٦) دجالون كذابون قريب من ثلاثين (٧) ". [الدجال يطلق في اللغة على وجوه (٨) كثيرة أحدها: الكذاب (٩) كما في هذا الحديث وصحيح مسلم: "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون" الحديث ولا يجمع ما كان على فعال جمع التكسير عند الجماهير من النحويين لئلا يذهب بناء المبالغة منه فلا يقال إلا دجالون، كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسرًا فهو شاذ أنشد سيبويه لابن مقبل (١٠): إلا الإفادة فاستولت ركائبنا … عند الجبابير بالبأساء والنعم (١١) وقال مالك بن أنس في محمد بن إسحاق: إنما هو دجال من الدجاجلة

стр. 1219

نحن أخرجناه من المدينة (١)، قال عبد الله بن إدريس الأودي (٢): وما عرفت أن دجالًا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس. وقوله: "قريب من ثلاثين "قد جاء عددهم معينًا من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون (٣) منهم أربع نسوة وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"، خرجه أبو نعيم الحافظ (٤)، وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام وجودًا (٥) في كتابه بخط أبيه حدث به أحمد بن حنبل عن علي] (٦). قال (٧) القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالته لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ (٨) عرف صحة هذا. وقوله: "حتى يقبض العلم"، فقد قبض العمل به ولم يبق إلا رسمه على ما يأتي (٩) بيانه إن شاء الله. وقوله: " وتكثر الزلازل" فقد ذكر أبو الفرج [بن] (١٠) الجوزي (١١): أنه وقع منها بعراق (١٢) العجم كثير، وقد شاهدنا بعضها بالأندلس وسيأتي (١٣)

стр. 1220

وقوله: "ويتقارب الزمان"، قيل: المراد (١): تقارب أحوال (٢) أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم (٣) من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر كما هو اليوم لغلبة الفسق وظهور أهله. وفي الحديث: لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا"، يعني لا يزالون (٤) بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف لله يلجأ إليهم (٥) عند الشدائد ويستشفى بآرائهم ويتبرك بدعائهم وآثارهم (٦). وقيل غير هذا حسب ما تقدم (٧) في باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر (٨) منه. وقوله: "حتى يكثر فيكم المال، فيفيض وحتى يهم ربَّ المال [من يقبل صدقته] (٩) "، هذا مما لم يقع (١٠) بل يكون على ما يأتي (١١). [وربّ مفعول يهم، ومن يقبل فاعل يهم، يقال: أهمني الأمر أحزنني وأقلقني، وهمه يهمه إذا بالغ في ذلك] (١٢). وقوله: "حتى يتطاول الناس في البنيان" هذا مشاهد في الوجود مشاهدة (١٣) تغني عن الكلام عنه. وقوله: "حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه ذلك لما يرى من عظيم البلاء، وربح الأعداء، وغبن الأولياء، ورياسة الجهلاء، وخمول

стр. 1221

العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام وعموم الظلم والجهر بالمعاصي واستيلاء الحرام على أموال الخلق والتحكم في الأموال والأبدان (١) والأعراض بغير حق كما في هذا الزمان (٢)، وقد تقدم أول الكتاب حديث [أبي] (٣) عبس الغفاري عن النبي ﷺ : "بادروا بالموت ستًا (٤) " الحديث. وروى الأعمش: سليمان بن مهران عن عمرو بن مرة عن أبي نضرة عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: "يوشك أن يأتي على الناس زمان يغبط فيه خفيف الحاذ (٥) كما يغبط اليوم أبو عشرة، ويغبط (٦) باختفائه [عن] (٧) السلطان وجفائه عنه كما يغبط اليوم بمعرفته إياه وكرامته عليه، وحتى تمر الجنازة في السوق على الجماعة فينظر إليها رجل يمر يهز (٨) رأسه فيقول: يا ليتني مكان هذا، قال: قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر (٩) عظيم، قال: أجل يا ابن (١٠) أخي من أمر عظيم (١١). قلت: هذا هو ذلك الزمان الذي استولى (١٢) فيه الباطل على الحق وتغلب فيه العبيد على الأحرار من الخلق فباعوا الأحكام، ورضي بذلك منهم الحكام فصار الحكم مكسًا، والحق عكسًا، لا يوصل إليه ولا يقدر عليه، بدلوا دين الله وغيروا حكم الله، سمَّاعون للكذب أكّالون للسحت، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا

стр. 1222

أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار (١) كلها. وقيل: عامة فيمن بدل حكم الله وغيَّر، قال ﷺ : "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر ذراعًا (٢) بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه (٣)، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " (٤). ولقد أحسن ابن المبارك حيث يقول في أبيات له: وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها (٥) وقوله: "حتى تطلع الشمس من مغربها إلى آخره يأتي (٦) القول فيه إن شاء الله تعالى. واللقحة: الناقة الغزيرة اللبن ويليط: يصلح، يقال: لاط حوضه يلوطه ويليطه ليطًا ولوطًا إذا لطخه بالطين وأصلحه، والأُكلة بضم الهمزة: اللقمة، [فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة من الأكل كالضربة من الضرب، وأخبر ﷺ أنه يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله، وأقرب من ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه فتقوم الساعة دون بلوغها إليه، وكذلك القول في المتبايعين من نشر الثوب وطيه فاعلمه (٧)] (٨). باب منه أبو نعيم (٩) عن ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر الزمان عُبَّاد جهال، وقراء فسقة"، هذا حديث غريب من حديث ثابت لم نكتبه إلا من حديث يوسف بن عطية عن ثابت وهو قاضي بصري في حديثه نكارة.

стр. 1223

قلت: هو (١) صحيح معنى لِمَا ظهر من ذلك في الوجود. وقال مكحول: يأتي على الناس زمان يكون عالمهم أنتن من جيفة حمار (٢). وقد خرّج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٣): حدثنا أبي ﵀ قال: ثنا حوشب بن عبد الكريم قال: ثنا حماد بن زيد عن أبان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان ديدان القراء (٤)، فمن أدرك ذلك الزمان فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم الأنتنون، ثم تظهر (٥) قلانس البرد (٦) فلا يستحى يومئذ من الزنا، والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على جمرة، والمتمسك يومئذٍ أجره كأجر خمسين، قالوا: منا (٧) أو منهم؟ قال: بل منكم". وخرج الدارمي (٨) أبو محمد: أخبرنا محمد بن المبارك، ثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمر عن معاذ بن جبل قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت (٩) يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصَّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئًا". وقد تقدم (١٠) في باب ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ حديث العباس بن عبد المطلب وفيه: "ثم (١١) يأتي أقوام يقرؤون القرآن فإذا قرؤوه قالوا: من أقرأ منا، من أعلم منا؟ "، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من

стр. 1224

خير (١)، قالوا: لا، قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار. باب منه مسلم (٢) "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة"، وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية". وعنه (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "لا تذهب الليالي (٤) حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه". [في غير مسلم: "رجل من الموالي يقال له: جهجاه" (٥)، فسقط من رواية الجُلُودي (٦) من الموالي وهو خطأ] (٧). وعنه (٨) أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه". وخرّج البخاري (٩) ومسلم (١٠) عنه (١١) أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى".

стр. 1225

الترمذي (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "استخرج نار من نحو حضرموت قبل القيامة، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا (٢)؟ قال: عليكم بالشام". قال: حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر. البخاري (٣) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". الترمذي (٤) عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تقتلوا (٥) إمامكم (٦) وتختلفوا (٧) بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم" قال: هذا حديث حسن، وخرجه ابن ماجه (٨) أيضًا. [وذكر عبد الرزاق (٩) أنا معمر عن أشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فقعد الذئب على تل فأقعى واستقر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ثم انتزعته مني، قال الرجل: سبحان الله ذئب يتكلم (١٠) فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًا، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره وأسلم فصدّقه النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﷺ : إنها أمارات بين يدي

стр. 1226

الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده] (١). الترمذي (٢): قال رسول الله ﷺ (٣): "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره (٤) فخذه بما أحدث أهله بعده" قال: هذا حديث حسن غريب صحيح (٥) لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل: ثقة مأمون. [قال الحاكم (٦) أبو الخطاب بن دحية: حكم أبو عيسى بصحته (٧)، ونظرنا سنده دون أن نقلده فوجدنا له علة، قال أبو عيسى: حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن القاسم بن الفضل، حدثنا أبو نضرة العبدي (٨) عن أبي سعيد الخدري فذكره، قال ابن دحية: سفيان بن وكيع لم يخرج له البخاري ومسلم حرفًا في صحيحهما؛ وذلك بسبب ورّاق كان (٩) له يدخل عليه الحديث الموضوع يقال له قرطمة، قال البخاري (١٠): يتكلمون في سفيان لأشياء لقنوه إياها، وقال أبو أحمد بن عدي (١١) كان سفيان إذا لُقِّن يتلقن، فهذه علة

стр. 1227

الحديث التي جهلها أبو عيسى الترمذي] (١) مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، وحتى يخرج الرجل زكاة ماله لا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا". فصل قوله: "حول ذي الخلصة" [ثبت حديث ذي الخلصة في الصحيحين (٣) أن رسول الله ﷺ بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى أهل (٤) هذا البيت، قال جرير: فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده. قال أبو الخطاب بن دحية: وذو الخُلُصة بضم الخاء واللام في قول أهل اللغة والسير و (٥) بفتحهما قيدناه في الصحيحين، وكذا قال ابن هشام (٦)، وقيده الإمام أبو الوليد الكناني الرقشي (٧) بفتح الخاء وسكون اللام، وكذا قال ابن دريد (٨): واختلف فيه فقيل هو بيت أصنام كان الدوس] (٩) وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب. وقيل: هو صنم كان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حين نصب الأصنام في مواضع شتى، وكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده.

стр. 1228

وقيل: ذو الخلصة هي الكعبة اليمانية، فكأن معناهم (١) في تسميتهم بذلك أن (٢) عبادة خلصة، والمعنى المراد بالحديث: أنهم يرتدون ويرجعون إلى جاهليتهم (٣) في عبادة الأوثان، فترمل (٤) نساء دوس طائفات حوله فترتج أردافهن عند ذلك [في آخر (٥) الزمان، وذلك بعد موت جميع من في قلبه مثقال حبة من الإيمان (٦)] (٧)، وهو كما جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى" الحديث، وسيأتي (٨) بكماله إن شاء الله تعالى. وقوله: "يسوق الناس بعصاه" كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يُرد نفس العصا وإنما ضرب بها (٩) مثلًا لطاعتهم [له] (١٠) واستيلائه عليهم، إلا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم وعسفه (١١) بهم، [وقد قيل إنه، يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية وذلك لشدة عنفه (١٢) وعدواه] (١٣)، ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له: الجهجاه، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع، يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح، ويقال: تجهجه عني أي انته، وهذه الصفة توافق ذكر العصا، والله أعلم. [ثبت عن رسول الله ﷺ من رواية عابد بن عمرو وكان ممن بايع تحت الشجرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن شر الرعاء الحطمة" (١٤).

стр. 1229

والرعاء في اللغة جمع راعٍ، وضرب رسول الله ﷺ هذا مثلًا لوالي السوء؛ لأن الحطمة هو الذي يعنف بالإبل في السوق والإيراد والإصدار فيحطمها، أي يكسرها ولا يكاد يسلم من فساده شيء، وسوّاق حطم كذلك يعنف في سوقه] (١). وقوله: "حتى تخرج نار من أرض الحجاز"، فقد خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة وذلك ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة إلى ضحى النهار يوم الجمعة، فسكنت وظهرت النار بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة تحيط بها (٢) تُرى في صورة البلد العظيم كأعظم ما يكون من البلاد (٣) عليها سور يحيط (٤) بها عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومواذن، ويُرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر [أحمر] (٥)، ونهر أزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه، وينتهي إلى الحرة محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يلي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد (٦)، ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها، قال لي (٧) بعض أصحابنا: ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من حِجْر (٨) مسيرة خمسة أيام من المدينة. قلت: وسمعت أنها رُئيت من مكة ومن جبال بُصرى. قلت: ونشأ من بعدِ (٩) هذه النار نار أخرى أرضية بحرم المدينة أحرقت جميع الحرم حتى إنها أذابت الرصاص التي العمد عليها فوقعت ولم يبق غير

стр. 1230

السور واقفًا، ونشأ (١) بعد ذلك أخذ بغداد بتغلُّب التتر عليها، فقتل من كان فيها، وسباه وذلك عمود الإسلام ومأواه، فانتشر الخوف وعظم الكرب وعم الرعب وكثر الحزن بانتشار التتر بالبلاد، وبقي الناس حياري سكاري بغير خليفة ولا إمام فوضًا فوضًا (٢)، فزادت الفتنة وعظمت المحنة إن لم يتدارك الله سبحانه بالعفو والفضل والمنة. [وأما قوله: "ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل القيامة"، فلعلها النار التي جاء ذكرها في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت تغشى الناس فيها عذاب أليم (٣)، تأكل الأنفس والأموال تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين الأرض والسماء دوي كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش، قلت: يا رسول الله أسليمة هي يومئذٍ على المؤمنين والمؤمنات، قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذٍ، هم شر من الحمر يتسافدون كما تسافد البهائم، وليس فيهم رجل يقول: مه مه، رواه أبو نعيم (٤) الحافظ في باب مكحول أبي عبد الله إمام أهل الشام، عن أبي سلمة عنه عن حذيفة] (٥). وقوله: "عذبة سوطه"، يريد السير المعلق في طرف السوط. [وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة والملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطًا بالهيئة والبله، وإنما البارئ جلت قدرته يخلقه متى شاء في أي شيء شاء، من جماد أو حيوان على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلمان على رسول الله ﷺ تسليم نطقٍ وتكلم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث، وثبت باتفاق
следующие страницы →