← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده] (١). الترمذي (٢): قال رسول الله ﷺ (٣): "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره (٤) فخذه بما أحدث أهله بعده" قال: هذا حديث حسن غريب صحيح (٥) لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل: ثقة مأمون. [قال الحاكم (٦) أبو الخطاب بن دحية: حكم أبو عيسى بصحته (٧)، ونظرنا سنده دون أن نقلده فوجدنا له علة، قال أبو عيسى: حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن القاسم بن الفضل، حدثنا أبو نضرة العبدي (٨) عن أبي سعيد الخدري فذكره، قال ابن دحية: سفيان بن وكيع لم يخرج له البخاري ومسلم حرفًا في صحيحهما؛ وذلك بسبب ورّاق كان (٩) له يدخل عليه الحديث الموضوع يقال له قرطمة، قال البخاري (١٠): يتكلمون في سفيان لأشياء لقنوه إياها، وقال أبو أحمد بن عدي (١١) كان سفيان إذا لُقِّن يتلقن، فهذه علة

стр. 1227

الحديث التي جهلها أبو عيسى الترمذي] (١) مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، وحتى يخرج الرجل زكاة ماله لا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا". فصل قوله: "حول ذي الخلصة" [ثبت حديث ذي الخلصة في الصحيحين (٣) أن رسول الله ﷺ بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى أهل (٤) هذا البيت، قال جرير: فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده. قال أبو الخطاب بن دحية: وذو الخُلُصة بضم الخاء واللام في قول أهل اللغة والسير و (٥) بفتحهما قيدناه في الصحيحين، وكذا قال ابن هشام (٦)، وقيده الإمام أبو الوليد الكناني الرقشي (٧) بفتح الخاء وسكون اللام، وكذا قال ابن دريد (٨): واختلف فيه فقيل هو بيت أصنام كان الدوس] (٩) وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب. وقيل: هو صنم كان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حين نصب الأصنام في مواضع شتى، وكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده.

стр. 1228

وقيل: ذو الخلصة هي الكعبة اليمانية، فكأن معناهم (١) في تسميتهم بذلك أن (٢) عبادة خلصة، والمعنى المراد بالحديث: أنهم يرتدون ويرجعون إلى جاهليتهم (٣) في عبادة الأوثان، فترمل (٤) نساء دوس طائفات حوله فترتج أردافهن عند ذلك [في آخر (٥) الزمان، وذلك بعد موت جميع من في قلبه مثقال حبة من الإيمان (٦)] (٧)، وهو كما جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى" الحديث، وسيأتي (٨) بكماله إن شاء الله تعالى. وقوله: "يسوق الناس بعصاه" كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يُرد نفس العصا وإنما ضرب بها (٩) مثلًا لطاعتهم [له] (١٠) واستيلائه عليهم، إلا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم وعسفه (١١) بهم، [وقد قيل إنه، يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية وذلك لشدة عنفه (١٢) وعدواه] (١٣)، ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له: الجهجاه، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع، يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح، ويقال: تجهجه عني أي انته، وهذه الصفة توافق ذكر العصا، والله أعلم. [ثبت عن رسول الله ﷺ من رواية عابد بن عمرو وكان ممن بايع تحت الشجرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن شر الرعاء الحطمة" (١٤).

стр. 1229

والرعاء في اللغة جمع راعٍ، وضرب رسول الله ﷺ هذا مثلًا لوالي السوء؛ لأن الحطمة هو الذي يعنف بالإبل في السوق والإيراد والإصدار فيحطمها، أي يكسرها ولا يكاد يسلم من فساده شيء، وسوّاق حطم كذلك يعنف في سوقه] (١). وقوله: "حتى تخرج نار من أرض الحجاز"، فقد خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة وذلك ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة إلى ضحى النهار يوم الجمعة، فسكنت وظهرت النار بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة تحيط بها (٢) تُرى في صورة البلد العظيم كأعظم ما يكون من البلاد (٣) عليها سور يحيط (٤) بها عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومواذن، ويُرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر [أحمر] (٥)، ونهر أزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه، وينتهي إلى الحرة محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يلي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد (٦)، ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها، قال لي (٧) بعض أصحابنا: ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من حِجْر (٨) مسيرة خمسة أيام من المدينة. قلت: وسمعت أنها رُئيت من مكة ومن جبال بُصرى. قلت: ونشأ من بعدِ (٩) هذه النار نار أخرى أرضية بحرم المدينة أحرقت جميع الحرم حتى إنها أذابت الرصاص التي العمد عليها فوقعت ولم يبق غير

стр. 1230

السور واقفًا، ونشأ (١) بعد ذلك أخذ بغداد بتغلُّب التتر عليها، فقتل من كان فيها، وسباه وذلك عمود الإسلام ومأواه، فانتشر الخوف وعظم الكرب وعم الرعب وكثر الحزن بانتشار التتر بالبلاد، وبقي الناس حياري سكاري بغير خليفة ولا إمام فوضًا فوضًا (٢)، فزادت الفتنة وعظمت المحنة إن لم يتدارك الله سبحانه بالعفو والفضل والمنة. [وأما قوله: "ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل القيامة"، فلعلها النار التي جاء ذكرها في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت تغشى الناس فيها عذاب أليم (٣)، تأكل الأنفس والأموال تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين الأرض والسماء دوي كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش، قلت: يا رسول الله أسليمة هي يومئذٍ على المؤمنين والمؤمنات، قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذٍ، هم شر من الحمر يتسافدون كما تسافد البهائم، وليس فيهم رجل يقول: مه مه، رواه أبو نعيم (٤) الحافظ في باب مكحول أبي عبد الله إمام أهل الشام، عن أبي سلمة عنه عن حذيفة] (٥). وقوله: "عذبة سوطه"، يريد السير المعلق في طرف السوط. [وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة والملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطًا بالهيئة والبله، وإنما البارئ جلت قدرته يخلقه متى شاء في أي شيء شاء، من جماد أو حيوان على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلمان على رسول الله ﷺ تسليم نطقٍ وتكلم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث، وثبت باتفاق

стр. 1231

حديث البقرة والذئب أنهما تكلما على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين (١)، قاله ابن دحية] (٢). وقوله: "حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا"، إخبارًا (٣) عن خروج عادتهم من انتجاع الكلأ ومواضع العشب بحفر الآبار، وغرس الأشجار، وبناء الديار، والله أعلم. باب منه آخر (٤) أبو عمر (٥) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن بين يدي الساعة التسليم على الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين (٦) المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق". قال أبو عمر (٧): أما قوله: ""وفشو القلم"، فإنه أراد ظهور الكتاب، وكثرة الكتاب". [خرجه أبو جعفر الطحاوي (٨) بلفظه ومعناه إلا أنه قال: حتى تعين المرأة بدل تعيب (٩)، ولم يذكر وقطع الأرحام، ذكره أبو محمد عبد الحق (١٠)] (١١). خرجه (١٢) أبو داود الطيالسي (١٣) قال: ثنا ابن فضالة عن الحسن قال: قال

стр. 1232

عمرو (١) بن تغلب (٢) ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، و [إن] (٣) من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا كأن وجوههم المجان المطرقة، وإن من أشراط الساعة أن تكثر التجارة (٤)، ويظهر القلم". "وذكر المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويفيض المال، ويظهر القلم، وتكثر التجارة". قال الحسن: لقد أتى علينا زمان إنما يقال: تاجر ابن (٥) فلان وكاتب بني فلان ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد" (٦). وذكر (٧) أبو داود الطيالسي (٨) عن عبد الله بن مسعود قال: كان يقال: إن من أشراط الساعة أن تُتخذ المساجد طرقًا، وإن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وأن يتجر الرجل وامرأته (٩) جميعًا، وأن تغلوا مهور النساء والخيل ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة. باب منه البخاري (١٠) عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط الساعة أن يقلَّ العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد"، أخرجه مسلم (١١) من حديث أنس.

стр. 1233

مسلم (١) عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ [قال] (٢): " ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة (٣) من الذهب لا يجد (٤) أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد تتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء". فصل قوله: "ويرى الرجل الواحد (٥) تتبعه أربعون امرأة"، يريد والله أعلم أن الرجال يقتلون في الملاحم وتبقى نساؤهم أرامل فيقبلن (٦) على الرجل الواحد في قضاءحوائجهن ومصالح أمورهن كما قال في الحديث الآخر (٧) قبله حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد الذي يسوسهن ويقوم عليهن من بيع وشراء وأخذ وعطاء (٨)، وقد كان هذا عندنا أو قريب منه بالأندلس. وقيل: إن ذلك (٩) لقلة الرجال وغلبة الشبق على النساء يتبع الرجل الواحد أربعون امرأة كل واحدة تقول: انكحني انكحني، والأول: أشبه والله أعلم، ويكون معنى يلذن يستترن ويتحرزن من الملاذ الذي هو السترة لا من اللذة. وقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبي العباس أحمد بن عمر ﵀، أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل واحد مخافة سبي العدولما خرجوا من قرطبة أعادها الله. وأما ظهور الزنا فذلك مشهور في كثير من الديار المصرية (١٠)، ومن ذلك إظهار الخمر، والمجون،

стр. 1234

نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأما قلة العلم (١)، وكثرة الجهل فذلكم (٢) شائع في (٣) جميع البلاد ذائع، أعني برفع العلم وقلته: ترك العمل به كما قال عبد الله مسعود: "ليس حفظ القرآن بحفظ حروفه (٤) ولكن إقامة حدوده"، ذكره ابن المبارك (٥)، وسيأتي (٦) هذا المعنى مبينًا (٧) إن شاء الله تعالى. باب كيف يقبض العلم البخاري (٨) ومسلم (٩) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهال يستفتون، يفتون (١٠) برأيهم فيضلون ويضلون". وفي رواية: "حتى إذا لم يبق عالم (١١) اتخذ الناس رؤوسًا (١٢) جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". [انتزاعًا مصدر من غير اللفظ كما قال الله عزو جل: وَاللَّهُ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾] (١٣). أبو داود (١٤) عن سلامة بنت الحر قالت (١٥): سمعت رسول الله ﷺ

стр. 1235

يقول: "من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد الإمامة فلا يجدون إمامًا يصلي بهم". باب ما جاء أن الأرض تخرج ما في جوفها من الكنوز والأموال روي الأئمة (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك الفرات أن يحسر (٢) عن كنز من ذهب، فمن حضره لا يأخذ منه شيئًا". في رواية: "عن جبل من ذهب"، لفظ البخاري (٣) ومسلم (٤)، وقال مسلم (٥) في رواية: "فيقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل واحد (٦) منهم: لعلي [أكون] (٧) أنا (٨) الذي أنجو". وقال ابن ماجه (٩): فيقتتل الناس عليه فيقتل من كل عشرة تسعة. وخرّج مسلم (١٠) والترمذي (١١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا

стр. 1236

يأخذون منه شيئًا"، لم يذكر الترمذي السارق [وقطع] (١) يده (٢)، وقال: هذا (٣) حديث حسن غريب. [فصل قال الحليمي ﵀ في كتاب منهاج الدين (٤): وقال ﵊: يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فمن حضر فلا يأخذ منه شيئًا، فشبيه أن يكون هذا في آخر الزمان الذي أخبر النبي ﷺ أن المال يفيض فيه فلا يقبله أحد، وذلك زمن عيسى ﵇، فلعل (٥) سبب هذا الفيض العظيم ذلك الجبل مع ما يغنمه المسلمون من أموال المشركين، ويحتمل أن يكون نهيه عن الأخذ من ذلك الجبل لتقارب الأمر وظهور أشراطه؛ فإن الركون إلى الدنيا والاستكثار منها مع ذلك جهل واغترار، ويحتمل أن يكون إذا حرصوا على النيل منه تدافعوا أو تقاتلوا، ويحتمل أن يكون لأنه يجري مجرى المعدن فإذا أخذه أحدهم ثم لم يجد من يخرج حق الله إليه لم يوثق بالبركة من الله فيه، فكان الانقباض عنه أولى. قال الشيخ ﵁: التأويل الأوسط (٦) هو الذي يدل عليه الحديث، والله أعلم] (٧). باب في ولاة آخر الزمان وصفتهم وفيمن ينطق في أمر العامة البخاري (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينا (٩) نحن عند رسول الله ﷺ في

стр. 1237

مجلس يحدث القوم إذ (١) جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع (٢) ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع ما قال حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذ وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". [قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀: الرواية عند جميع رواة البخاري "إذا وسد"، و (٣) رواه الفقيه المحدث أبو الحسن القابسي: "أسد"، قال: والذي أحفظ "وسد"، وفي نسخته (٤) من البخاري إشكال بين: وسد أو أسد، على ما قُيد له؛ لأنه كان أعمى وهما بمعنى، قال أهل اللغة: يقال أساد ووساد واشتقاقهما واحد، يقال أساد وأسادة ووسادة، فمعنى قوله ﷺ : "إذا وسد الأمر إلى غير أهله"، أي أسند وجعل إليهم، وقلدوه يعني الإمارة كما في زماننا اليوم؛ لأن الله تعالى ائتمن الأئمة والولاة على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم بقوله ﵊: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٥)، فينبغي لهم تولية أهل الدين والأمانة والنظر في أمور الأمة، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي فرض الله سبحانه عليهم (٦)] (٧). وخرّج مسلم (٨) من حديث جبريل الطويل وفيه: "قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحافة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان".

стр. 1238

وفي رواية (١): "إذا رأيت المرأة (٢) تلد ربها (٣) فذاك من أشراطها، وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها". الترمذي (٤) عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع". قال: حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو. وخرّج الغيلاني (٥) أبو طالب محمد، ثنا أبو بكر الشافعي، ثنا موسى بن سهل بن كثير، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك بن قدامة (٦) عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ (٧) عن النبي ﷺ قال: "ستأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيْبضة، قيل: يا رسول الله! وما الروبيضة؟ قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة"، وقال أبو عبيد (٨): "التافه الخسيس الخامل من الناس وكذلك كل شيء خسيس فهو تافه"، قال (٩): "ومما يثبت حديث الروبيضة الحديث الآخر قال (١٠): "من أشراط الساعة أن ترى رعاء الشاة رؤوس الناس، وأن ترى [العراة] (١١) الجوّع يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربتها"". وذكر أبو عبيد في الغريب له (١٢) في حديث "رسول الله ﷺ لا تقوم

стр. 1239

الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، ويخون الأمين ويؤتمن الخائن، ويهلك الوعول ويظهر التحوت، قالوا (١): يا رسول الله! وما الوعول وما التحوت؟ قال (٢): الوعول: وجوه الناس، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم (٣) " (٤). وأسند أبو نعيم (٥) عن حذيفة مرفوعًا: "من أشراط الساعة علو (٦) أهل الفسق في المساجد، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف، فقال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: دع وكن حلسًا من أحلاس بيتك". وفي معناه (٧) أنشدوا: أيا دهر أعملت فينا أذاكا … ووليتنا بعد وجه قفاكا (٨) فقلبت (٩) الشرار علينا رؤوسًا … وأجلست سفلتنا مستواكا فيا دهر إن كنت عاديتنا (١٠) … فها قد صنعت بنا ما كفاكا وقال آخر (١١): ذهب الرجال الأكرمون ذوو الحجا (١٢) … والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خَلَف يُزَيِّن بعضهم … بعضًا ليدفع مُعْوِر (١٣) عن معور فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الباب وغيره مما تقدم ويأتي (١٤) قد ظهر أكثره وشاع في الناس معظمه، فوسِّد الأمر إلى غير

стр. 1240

أهله، وصار رؤوس الناس أسافلتهم (١) عبيدهم وجهالهم فيملكون البلاد والحكم في العباد، فيجمعون الأموال ويطيلون البنيان كماهو مشاهد في هذه الأزمان، لا يسمعون موعظة (٢) ولا ينزجرون عن معصية، فهم صم بكم عمي. قال قتادة: (صم) عن سماع (٣) الحق، (بكم) عن التكلم به، (عمي) عن الإبصار له، وهذه صفة أهل البادية والجهالة. و (البَهْمُ): جمع بَهْمة وأصلها صغار الضأن (٤) والمعز، وقد فسره في الرواية الأخرى في قوله: رعاء الشاء، وقوله: أن تلد الأمة ربها، وفي رواية: ربتها تأنيث رب أي سيدها. "وقال وكيع: هو أن تلد العجم العرب"، ذكره ابن ماجه [في السنن (٥)] (٦). قال علماؤنا: وذلك بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه ومنزلته بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين (٧) واتساع خطتهم وكثرة الفتوح، وهذا قد كان. وقيل: هو أن يبيع السادات أمهات الأولاد ويكثر ذلك فيتداول الملاك (٨) المستولدة فربما يشتريها ولدها ولا يشعر فيكون ربها، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة غلبة الجهل بتحريم (٩) أمهات الأولاد واستهانة الناس بالأحكام، وهذا على قول من قال بتحريم بيع (١٠) أمهات الأولاد وهم الجمهور (١١)

стр. 1241

وقيل: المراد أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا في حديث أبي هريرة ﵁: "المرأة مكان الأمة". [و] (١) قوله ﵇: "حتى يكون الولد غيظًا" (٢)، وسيأتي (٣). قلت: وهذا ظاهر في الوجود من غير نكير، مستفيض وشهير. وقيل: إنما كان سيدها وربها لأنه كان سبب عتقها، كما قال ﵇ في مارية: "أعتقها ولدها" (٤). قلت: وقول خامس سمعت شيخنا الأستاذ المحدث النحوي المقري أبا جعفر أحمد بن محمد (٥) القيسي القرطبي المعروف بأبي حجة يقول (٦): "وهو الإخبار عن استيلاء الكفار على بلاد المسلمين كما في هذه الأزمان التي قد استولى فيها العدو على بلاد الأندلس وخراسان وغيرهما (٧) من البلدان، فتسبي المرأة وهي حبلى وولدها صغير فيفرق بينهما فيكبر الولد فربما يجتمعان (٨) ويتزوجان كما قد وقع من ذلك كثير - فإنا لله وإنا إليه راجعون، ويدل هذا على (٩) قوله: إذا ولدت المرأة بعلها، وهذا هو المطابق للأشراط مع قوله ﵇: "لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض" (١٠) والله أعلم. باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة حل بها البلاء الترمذي (١١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا

стр. 1242

فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت (١) الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكْرِمَ الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القَيْنات (٢) والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو (٣) خسفًا أو مسخًا"، قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده فرج بن فضالة، وضُعِّف من قبل حفظه. وخرّج (٤) أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اتخذ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتعلم لغير الدين (٥)، وأطاع الرجل امرأته وعقّ أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات متتابعات (٦) كنظام بالٍ قطع سلكه فتتابع" قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. باب منه أبو نعيم (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير، قيل يا رسول الله ويشهدون أن لا إله

стр. 1243

إلا الله وأنك رسول الله ويصومون؟ قال: نعم، قيل: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: يتخذون المعازف والقينات والدفوف ويشربون الأشربة فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا [و] (١) قد مسخوا قردة وخنازير". ابن ماجه (٢) عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات (٣) يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير". [خرّجه أبو داود (٤) عن مالك بن أبي مريم قال: دخلنا على عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطِّلاء (٥)، قال: حدثنا أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"، زاد ابن أبي شيبة (٦): "يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض". قال أبو محمد عبد الحق (٧): روياه جميعًا من حديث معاوية بن صالح الحمصي، وقد ضعّفه (٨) قومٌ: منهم يحيى بن معين ويحيى بن سعيد فيما ذكر ابن أبي حاتم (٩)، وقال أبو حاتم فيه: حسن الحديث، وكتب حديثه ثم لا يحتج به، ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة (١٠)] (١١).

стр. 1244

وخرجه البخاري (١) عن أبي عامر أو أبي مالك (٢) الأشعري ﵄ سمع النبي ﷺ قال: "ليكونن من أمتي ناس (٣) يستحلون الحِرَ والحرير (٤) والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة (٥) فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة". [قال الشيخ ﵀: هذا يصحح ما قبله من الأحاديث، والحر (٦) هو الزنا، قاله الباهلي، ويروي الخزّ (٧) بالخاء والزاي، والصواب ما تقدم] (٨). باب منه ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي (٩) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية: أن وجه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق، فليُغِرْ (١٠) على ضواحيها قال: فوجه سعد نضلة في ثلاثمائة فارس فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق فأغاروا على ضواحيها فأصابوا غنيمة وسبيًا، فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبي حتى رهقهم (١١)

стр. 1245

العصر وكادت الشمس أن تؤوب (١)، قال: فألجأ نضلة الغنيمة والسبي إلى سفح الجبل ثم قام فأذن فقال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا مجيب من الجبل [يجيب] (٢) كبرت تكبيرًا، يا نضلة! ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: كلمة الإخلاص يا نضلة، قال (٣): أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: هذا النذير وهو الذي بشر به عيسى ﷺ وعلى رأس أمته تقوم القيامة، قال: حي على الصلاة، قال: طوبى لمن مشى (٤) إليها وواظب عليها، قال: حي على الفلاح، قال: أفلح من أجاب محمدًا ﷺ ، وهو البقاء لأمة محمد ﷺ ، قال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة فحرم الله بها جسدك على النار، فلما فرغ من أذانه قمنا فقلنا: من أنت يرحمك الله، أملك أنت أم ساكن من الجن أم طائف من عباد الله؟ أسمعتنا صوتك فأرنا صورتك (٥) فإنا وفد الله ووفد رسوله ووفد عمر بن الخطاب ﵁، قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحاء (٦) أبيض الرأس واللحية، وعليه طمران من صوف فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: وعليك السلام ورحمته وبركاته من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا زريب بن برتملا وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم أسكنني هذا الجبل، ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبرأ مما نحلته النصارى، فأما إذا (٧) فاتني لقي (٨) محمد ﷺ فأقرؤوا عمر مني السلام وقولوا له يا عمر: سدد وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها إذا ظهرت هذه الخصال في أمة

стр. 1246

محمد ﷺ فالهرب الهرب (١): إذا استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وانتسبوا في غير مناسبهم وانتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم ولم يوقر صغيرهم كبيرهم، وترك المعروف فلم يؤمر به، ويترك المنكر (٢) فلم ينه عنه، وتعلم العلم عالمهم ليجلب به الدنانير والدراهم، وكان المطر قيظًا (٣)، والولد غيظًا (٤)، وطولوا المنارات، وفضضوا المصاحف، وشيدوا البناء (٥)، واتبعوا الشهوات (٦)، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء، وقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل الربا، وصار الغنى عزًا، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت النساء السروج، ثم غاب عنا قال: فكتب بذلك نضلة إلى سعد، وكتب سعد إلى عمر، وكتب عمر إلى سعد: يا سعد الله أبوك سر أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار حتى تنزلوا هذا الجبل فإن لقيته فاقرئه مني السلام، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن بعض أوصياء عيسى ابن مريم نزل ذلك الجبل ناحية العراق، قال: فخرج سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل ذلك (٧) الجبل أربعين يومًا ينادي بالأذان في كل وقت صلاة، فلا جواب. قال الخطيب: تابع إبراهيم بن رجاء أبو موسى عبد الرحمن الراسبي على

стр. 1247

روايته عن مالك وليس بثابت من حديثه (١). [باب منه آخر خرّج أبو نعيم (٢) الحافظ من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : من [اقتراب] (٣) الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء (٤)، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفًا، والكذب صدقًا، والحرير لباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجاءة، وأتمن الخائن، وخوِّن الأمين، وصُدّق الكاذب، وكُذّب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا، والولد غيظًا، وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة إذ لبسوا مُسُوك (٥) الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة (٦)، وتظهر الصفراء: يعني الدنانير، وتطلب البيضاء: يعني الدراهم (٧)، وتكثر الحظايا، وتغل الأمراء، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنائر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكًا، وشاركت المرأة زوجها [في التجارة

стр. 1248

وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف باللَّه يومئذٍ المرء من غير أن] (١) يستشهد، وسلَّم للمعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلب (٢) الدنيا بعمل (٣) الآخرة، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعقّ الرجل أباه، وجفا أمه، وبرّ صديقه، وأطاع زوجته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذ القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثر الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفاقًا، والمساجد طرقًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، وخسفًا ومسخًا وآيات (٤) "، غريب من حديث عبد الله بن عمير عن حذيفة لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة. قال الشيخ ﵁: وهذه الخصال قد تقدم (٥) ذكرها في أحاديث متفرقة، وكلها بينة المعنى إلا قوله: "وجلود السباع صفاقًا"، قال الجوهري (٦): الصفاق الجلد الرقيق تحت الجلد الذي عليه الشعر. وخرَّج الدارقطني (٧) عن عامر الشعبي عن أنس قال: قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلًا فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجاءة". قال الهروي (٨): معنى قبلًا: أي يرى ساعة يطلع لعظمه (٩). ويوضحه

стр. 1249

حديث آخر: "من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة" (١)، ويقال: رأيت الهلال قبلًا وقبلًا أي معاينة] (٢). باب منه خرّج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٣) ثنا عمر بن أبي عمر: قال: ثنا هشام بن خالد الدمشقي عن إسماعيل بن عياش عن ليث عن ابن سابط عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير". قال أبو عبد الله (٤): فالمسخ تغير الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ؛ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق، فمسخ الله صورهم وبدل خلقهم (٥) كما بدلوا الحق باطلًا. باب في رفع الأمانة والإيمان من القلوب روى الأئمة البخاري (٦) ومسلم (٧) وابن ماجه (٨) وغيرهم (٩) واللفظ لمسلم عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت (١٠) أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، - قال ابن ماجه:

стр. 1250

قال الطنافسي يعني وسط قلوب الرجال - ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل النومة (١) فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فنفط، فيصبح الناس يتبايعون لا (٢) يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه [مثقال] (٣) حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه عليّ دينه ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه علي ساعيه (٤)، فأما اليوم فما كانت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا، والله أعلم (٥). [فصل الجذر بالذال المعجمة، ويقال بفتح الجيم وكسرها، وهو الأصل من كل شيء من النسب والحسب والشجر وغيره، والوكت بإسكان الكاف هو الأثر اليسير، يقال: وكتت البسرة إذا ظهرت فيها نكتة من الأرطاب، وهو مصدر وكته يكته وكتًا، وهو أيضًا مثل: ونكته في العين وغيرها. والمجل: هو النفخ الذي يرتفع من جلد باطن اليد عند العمل بفأس أو محداف أو نحوه يحتوي على ماء، ثم يصلب ويبقى عقدًا. قال ابن دحية: قيدناه في الحديث بسكون الجيم، وأجاز أهل اللغة والنحو فتح الجيم مصدر مجلت يده بمجل مجلًا بفتح الجيم في المصدر إذا غلظت من العمل. وقوله: "فنفط" أي ارتفع جلدها وانتفخ فتراه منتبرًا أي

стр. 1251

منتفطًا، ومعناه مرتفعًا جلده من لحمه وهو افتعال من المنبر وهو الرفع، وكل شيء رفع شيئًا فقد نبره، ومنه اشتق المنبر، وأراد خلو القلوب من الأمانة كما يخلو المجل المنتبر عن شيء يحويه. "كجمر دحرجته" يعني أطلقته، فتطلق ظهر البطن من يديك. وقول حذيفة: ولقد أتي علي زمان، الحديث يعني كانت الأمانة موجودة ثم قلّت في ذلك الزمان، وقوله: "ليردنه عليّ ساعيه" يعني من كان رئيسًا مقدمًا فيهم واليًا عليهم أن ينصفني منه وإن لم يكن له إسلام وكل من تولى (١) على قوم فهو ساعٍ لهم، وقوله: "فما كنت أبايع (٢) "، قال أبو عبيدة (٣): هو من البيع والشراء لقلة الأمانة] (٤). باب في ذهاب العلم ورفعه وما جاء أن الخشوع والفرائض أول علم يرفع من الناس ابن ماجه (٥) قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن زياد بن لبيد (٦) قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا فقال: "ذاك (٧) عند أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأراك من (٨) أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء منها". وخرّج (٩) الترمذي (١٠) عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ﵁ قال: "كنا

стр. 1252

مع رسول الله (١) ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء (٢)، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف (٣) يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرؤه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا؟ فقال: ثكلتك أمك يا زياد: إن كنت لأعدك من فقهاء [أهل] (٤) المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم. قال جبير (٥): فلقيت عبادة بن الصامت فقلت (٦): ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك (٧) بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا". قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب، [و] (٨) معاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم (٩) أحدًا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان، وروي بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك". قلت: [خرجه بهذا الإسناد الحافظ أبو محمد عبد الغني فقال: حدثنا عبيد الله بن جعفر بن الورد قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث قال: حدثني إبراهيم بن أبي عميلة عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير قال: حدثني عوف بن مالك الأشجعي قال: نظر رسول الله ﷺ يومًا إلى السماء و (١٠) قال: هذا أوان يرفع العلم، فقال له رجل

стр. 1253

من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله وكيف يرفع العلم وقد كتب في الكتب ووعته الصدور؟ فقال رسول الله ﷺ : إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، وذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله. فذكرت ذلك لشداد بن أوس فقال: صدق عوف بن مالك، ألا أخبرك بأول ذلك: يرفع الخشوع حتى لا ترى رجلًا خاشعًا، ذكره في باب تقييد الحديث بالكتابة، وهو حديث حسن] (١)، قد ذكرناه (٢) في مسند زياد بن لبيد بإسناد صحيح على ما ذكره ابن ماجه (٣)، وهو يبين لك ما ذكرناه من أن المقصود برفع العلم العمل به كما قال عبد الله بن مسعود: ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن إقامة حدوده، ثم بعد رفع العمل بالعلم يرفع الرُقُم والكتابة، ولا يبقى في الأرض من القرآن آية [تتلى] (٤) على ما يأتي (٥) في الباب بعد هذا. وقد خرّج الدارقطني (٦) وابن ماجه (٧) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تعلموا الفرائض وعلموه (٨) الناس (٩)؛ فإنه نصف العلم وهو أول شيء (١٠) ينسى وهو أول شيء ينزع (١١) من أمتي"، لفظ الدارقطني، ولا تعارض والحمد لله، فإن الخشوع من علم القلوب والفرائض من العلم الظاهر فافترقا، والحمد لله. باب في دروس (١٢) الإسلام وذهاب القرآن ابن ماجه (١٣) قال: ثنا (١٤) علي بن محمد قال: ثنا (١٥) أبو معاوية عن

стр. 1254

أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة، فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها"، قال له صلة (١): ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم رددها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة (٢)، ثم أقبل عليه حذيفة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثًا. قلت: هذا إنما يكون بعد موت عيسى ﷺ على ما يأتي (٣) لا عند خروج يأجوج ومأجوج على ما تقدم (٤) من رواية مقاتل في ذلك [وذكر أبو حامد مَنْ رفعه، فإن عيسى ﵇ إنما ينزل مجددًا لما درس من هذه الشريعة وأنه يحججه على ما يأتي (٥) بيانه إن شاء الله تعالى] (٦). باب العشر آيات (٧) التي تكون قبل الساعة [وبيان قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ روي عن حذيفة أنه قال: "كنا جلوسًا بالمدينة في ظل حائط وكان رسول الله ﷺ في غرفة فأشرف علينا وقال: ما يجلسكم؟ فقلنا: نتحدث، قال: فيما ذا؟ فقلنا: عن الساعة، فقال: إنكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات: أولها طلوع الشمس من مغربها، ثم الدخان، ثم الدجال، ثم الدابة، ثم

стр. 1255

ثلاث خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ويكون آخر ذلك نار تخرج من اليمن من حفرة عدن لا تدع أحدًا خلفها إلا تسوقه إلى المحشر، ذكره القتبي في كتاب عيون الأخبار له (١). وخرّجه مسلم (٢) بمعناه] (٣) عن (٤) حذيفة قال: اطلع رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة قال (٥): "لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان والدابة (٦)، ويأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا"، أخرجه ابن ماجه (٧) والترمذي (٨) وقال: حديث حسن. وفي رواية (٩): "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". وفي البخاري (١٠) عن أنس ﵁ قال النبي ﷺ : "أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". مسلم (١١) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ

стр. 1256

يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها [قريبًا منها". وفي حديث حذيفة مرفوعًا: ثم قال ﵊: "كأني أنظر إلى حبشي أحمش الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وقد صف قدميه على الكعبة هو وأصحاب له وهم ينقضونها حجرًا حجرًا (١) ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر، فعند ذلك تكون علامات منكرات: طلوع الشمس من مغربها، ثم الدجال، ثم يأجوج ومأجوج ثم الدابة"، وذكر الحديث] (٢). فصل جاءت هذه الآيات في هذه الأحاديث مجموعة غير مرتبة، [ما عدا حديث حذيفة المذكور أولًا فإن الترتيب فيه بثم وليس الأمر كذلك على ما نبينه (٣)، وقد جاء ترتيبها من (٤) حديث حذيفة أيضًا قال: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه فاطلع إلينا فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تروا عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس". وقال بعض الرواة في العاشرة: "ونزول عيسى ابن مريم، وقال بعضهم: وبريح (٥) تلقي الناس في البحر، أخرجه مسلم (٦)، فأول الآيات على ما في هذه الروايات (٧) الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها في زمن النبي ﷺ ذكره ابن وهب، وقد تقدم (٨).

стр. 1257

وقد ذكر أبو الفرج [بن] (١) الجوزي: أنه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها (٢) خلق كثير. قلت: وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس فيما سمعناه [من بعض مشائخنا] (٣) بقرية يقال لها: قُطْرُ طُنْدة (٤) من تطْردَانية (٥) سقط عليها جبل هناك فأذهبها. [وأخبرني أيضًا بعض أصحابنا أن قرية من أعمال برقة يقال لها ترسة أصابها زلزلة هدت حيطانها وسقفها على أهلها فماتوا تحتها ولم ينج منهم إلا قليل (٦). ووقع في هذا الحديث دابة الأرض قبل يأجوج ومأجوج وليس كذلك، فإن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى ﵊، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فإذا قتلهم الله بالنغف في أعناقهم على ما يأتي (٧) وقبض الله تعالى نبيه عيسى وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس، وذهب عظم دين الإسلام، أخذ الناس في الرجوع إلى عادتهم، وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق (٨) كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى حجة ونبيهم حجة عليهم، ثم قَبَضَهُ فيخرج الله تعالى لهم دابة من الأرض فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم، وليتبصروا وينزعوا عما هم فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم، ويمهلون فإذا أصروا على طغيانهم طلعت الشمس من مغربها ولم يقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب والتكليف (٩) عنهم، ثم كان قيام الساعة

стр. 1258

على أثر ذلك قريبًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانًا (١) طويلًا، هكذا ذكره بعض العلماء، والله أعلم] (٢). وأما الدخان فروي من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : "إن من أشراط الساعة دخانًا يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث في الأرض أربعين يومًا. فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام (٣)، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من أنفه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره" (٤)، وقيل: هذا الدخان (٥) من آثار جهنم يوم القيامة. وروي هذا عن علي وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس والحسن (٦) وابن أبي مليكة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]. وقال ابن مسعود في هذه الآية: "إنه ما أصاب قريشًا من القحط والجهد حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا من الجهد (٧) حتى أكلوا العظام" (٨).

стр. 1259

قال: وقد مضت البطشة والدخان واللزام، [و] (١) الحديث عنه بهذا في كتاب مسلم (٢)، وقد فسر البطشة: بأنها وقعة بدر (٣). [قال أبو الخطاب بن دحية: والذي يقضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين إحداهما وقعت وكانت، والأخرى ستقع وتكون، فأما التي (٤) كانت فهي التي كانوا يرون فيها كهيئة الدخان وغشية الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من الأشراط والعلامات (٥)، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامات (٦) أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدخان: ١٢] فيكشف عنهم، ثم يعودون لقرب الساعة، وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي ﷺ إنما هو من تعبيره، وقد جاء النص عن رسول الله ﷺ بخلافه. قال الشيخ ﵁: قد روي عن ابن مسعود أنهما دخانان، قال مجاهد:

стр. 1260

كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فينثقب مسامعه فينفث عند ذلك ريح (١) الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس] (٢). وقد اختلف في اللزام (٣) فقال أبيُّ: هو القتل بالسيف يوم بدر (٤) وإليه نحا ابن مسعود (٥)، وهو قول أكثر الناس وعلى هذا تكون البطشة واللزام شيئًا واحدًا. [قال ابن مسعود (٦): البطشة الكبرى وقعة بدر (٧)، وقيل هي يوم القيامة، وأصل البطش: الأخذ بشدة وقع الألم، واللزام في اللغة الفصل في القضية وفسره ابن مسعود بأن ذلك كان يوم بدر وهو يوم البطشة الكبرى في قوله أيضًا] (٨). وقيل: إن اللزام هو المذكور في قوله (٩) تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو العذاب الدائم. وأما الدخان فيأتي (١٠) ذكره في أبواب أخر (١١). وأما الدابة فهي التي قال الله تعالى فيها (١٢): ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وذكر أهل التفسير أنه خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا (١٣) لا يفوتها أحد فتسم المؤمن فتنير وجهه ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر.

стр. 1261

وروي عن عبد الله بن عمر (١) ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة (٢) على ما يأتي (٣) ذكرها في خبر الدجال. وروي عن ابن عباس (٤) أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب (٥)، وسيأتي لذكرها (٦) مزيد بيان (٧) إن شاء الله تعالى. وأما قوله: "وآخر ذلك نار تخرج من اليمن"، وفي الرواية: "من قعر عدن"، وفي الرواية الأخرى: "من أرض الحجاز"، قال القاضي عياض: "فلعلها (٨) ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز" (٩). قلت: أما النار التي تخرج من أرض الحجاز فقد خرجت على ما تقدم (١٠) القول فيها، وبقيت النار التي تسوق الناس إلى المحشر وهي التي تخرج من اليمن (١١) وقد مضى القول في الحشر (١٢)، ويأتي (١٣) القول في طلوع الشمس من مغربها إن شاء الله تعالى. فأما قول الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، فقد روي: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر نصفين والجبل بينهما فقال: "اشهدوا"، ثبت هذا في الصحيحين (١٤) وغيرهما (١٥).

стр. 1262

ومن العلماء من قال إنه ينشق كقوله (١) تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي يأتي، قاله الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين (٢)، فإن كان هذا فقد أتى، ورأيت ببخاري الهلال وهو ابن ليلتين منشقًا بنصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت انظر إليهما حتى اتصلا كما كانا ولكنهما صارا (٣) في شكل أترجة، ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غاب، وكان معي ليلتئذٍ كتيبة من شريف وفقيه وغيرهم من طبقات الناس وكلهم رأى ما رأيت، وأخبرني من وثقت به أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقًا بنصفين، قال الحليمي (٤): فقد ظهر أن قول الله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إنما خرج على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الانشقاق الذي جعله الله تعالى آية (٥) لرسوله ﷺ ] (٦). باب ما جاء أن الآيات (٧) بعد المائتين ابن ماجه (٨) عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيات بعد المائتين". وعن يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أمتي على خمس طبقات، فأربعون سنة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج، النجا النجا" (٩).

стр. 1263

و (١) في رواية: عن أبي معمر (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عامًا، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى"، ثم ذكر نحوه. باب ما جاء فيمن يخسف به أو يمسخ أبو داود (٣) عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له يا أنس: "إن الناس يمصِّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة أو البصيرة (٤)، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها (٥) خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير". وخرج ابن ماجه (٦) عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، فقال له: بلغني أنه (٧) قد أحدث فإن كان (٨) أحدث فلا تقرئه مني السلام،

стр. 1264

فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي أو في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف"، ونحوه عن سهل بن سعد، وقد تقدمت (١) الأحاديث في خسف الجيش الذي يقصد مكة (٢) لقتال المهدي، خرجهما (٣) مسلم وغيره، وكذلك تقدم حديث البخاري وغيره في باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة. وذكر الثعالبي (٤) في تفسيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقرطبل والصراة (٥) يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها، وفي رواية: يخسف بأهلها فلهي أسع ذهابًا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة، يقال: إنها (٦) بغداد [وقد تقدم (٧) هذا والحمد لله (٨)] (٩). باب ذكر الدجال وصفته وبعثه ومن أين يخرج وما علامة خروجه [وما معه إذا خرج] (١٠) وما ينجي منه وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى [قال ابن دحية (١١): قال العلماء: الدجال في اللغة يطلق على وجوه عشرة: أحدها: أن الدجال: الكذاب، قاله الخليل (١٢) وغيره، وإنما دَجْله بسكون الجيم، ودجَله بفتحها كذبه لأنه يدخل الحق بالباطل، وجمعه دجالون ودجاجلة في التكسير وقد تقدم (١٣).

стр. 1265

ثانيها: أن الدجال مأخوذ من الدجل وهو طلي البعير بالقطران، سمي بذلك لأن يغطي الحق بسحره وكذبه كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجلة (١) وهي القطران يطلى به البعير، واسمه إذا فعل ذلك به المدجل (٢)، قاله الأصمعي. ثالثها: إنما سمي بذلك لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل إذا فعل ذلك. رابعها: أنه من التغطية لأنه يغطي الأرض مجموعة، والدجل التغطية، قال ابن دريد (٣): كل شيء غطيته فقد دجلته، ومنه سميت دجلة لانتشارها على الأرض وتغطية ما فاضت عليه. خامسها: سمي دجالًا لقطعه الأرض، إذ يطأ جميع البلاد إلا مكة والمدينة، والدجالة الرقعة العظيمة، وأنشد ابن فارس في المجمل (٤): دجاجلة من أعظم الرفاق. سادسها: سمي دجالًا لأنه يغر الناس بشرِّه كما يقال: لطمني فلان بشره. سابعها: الدجال الممخرق. ثامنها: الدجال المموِّه، قاله ثعلب، ويقال: سيف مدجل إذا كان قد طلي بالذهب. تاسعها: الدجال: ماء الذهب الذي يطلى به الشيء فيحسن باطنه وداخله: خزف أو عود، سمي الدجال بذلك لأنه حسّن الباطل. عاشرها: الدجال فِرَند السيف، والفرند جوهر السيف وماؤه، ويقال بالفاء والباء، إذ أصله عين صافية على ما ينطق به العجم فعربته العرب، وكذا
следующие страницы →