← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وروي عن عبد الله بن عمر (١) ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة (٢) على ما يأتي (٣) ذكرها في خبر الدجال. وروي عن ابن عباس (٤) أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب (٥)، وسيأتي لذكرها (٦) مزيد بيان (٧) إن شاء الله تعالى. وأما قوله: "وآخر ذلك نار تخرج من اليمن"، وفي الرواية: "من قعر عدن"، وفي الرواية الأخرى: "من أرض الحجاز"، قال القاضي عياض: "فلعلها (٨) ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز" (٩). قلت: أما النار التي تخرج من أرض الحجاز فقد خرجت على ما تقدم (١٠) القول فيها، وبقيت النار التي تسوق الناس إلى المحشر وهي التي تخرج من اليمن (١١) وقد مضى القول في الحشر (١٢)، ويأتي (١٣) القول في طلوع الشمس من مغربها إن شاء الله تعالى. فأما قول الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، فقد روي: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر نصفين والجبل بينهما فقال: "اشهدوا"، ثبت هذا في الصحيحين (١٤) وغيرهما (١٥).

стр. 1262

ومن العلماء من قال إنه ينشق كقوله (١) تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي يأتي، قاله الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين (٢)، فإن كان هذا فقد أتى، ورأيت ببخاري الهلال وهو ابن ليلتين منشقًا بنصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت انظر إليهما حتى اتصلا كما كانا ولكنهما صارا (٣) في شكل أترجة، ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غاب، وكان معي ليلتئذٍ كتيبة من شريف وفقيه وغيرهم من طبقات الناس وكلهم رأى ما رأيت، وأخبرني من وثقت به أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقًا بنصفين، قال الحليمي (٤): فقد ظهر أن قول الله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إنما خرج على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الانشقاق الذي جعله الله تعالى آية (٥) لرسوله ﷺ ] (٦). باب ما جاء أن الآيات (٧) بعد المائتين ابن ماجه (٨) عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيات بعد المائتين". وعن يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أمتي على خمس طبقات، فأربعون سنة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج، النجا النجا" (٩).

стр. 1263

و (١) في رواية: عن أبي معمر (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عامًا، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى"، ثم ذكر نحوه. باب ما جاء فيمن يخسف به أو يمسخ أبو داود (٣) عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له يا أنس: "إن الناس يمصِّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة أو البصيرة (٤)، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها (٥) خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير". وخرج ابن ماجه (٦) عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، فقال له: بلغني أنه (٧) قد أحدث فإن كان (٨) أحدث فلا تقرئه مني السلام،

стр. 1264

فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي أو في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف"، ونحوه عن سهل بن سعد، وقد تقدمت (١) الأحاديث في خسف الجيش الذي يقصد مكة (٢) لقتال المهدي، خرجهما (٣) مسلم وغيره، وكذلك تقدم حديث البخاري وغيره في باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة. وذكر الثعالبي (٤) في تفسيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقرطبل والصراة (٥) يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها، وفي رواية: يخسف بأهلها فلهي أسع ذهابًا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة، يقال: إنها (٦) بغداد [وقد تقدم (٧) هذا والحمد لله (٨)] (٩). باب ذكر الدجال وصفته وبعثه ومن أين يخرج وما علامة خروجه [وما معه إذا خرج] (١٠) وما ينجي منه وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى [قال ابن دحية (١١): قال العلماء: الدجال في اللغة يطلق على وجوه عشرة: أحدها: أن الدجال: الكذاب، قاله الخليل (١٢) وغيره، وإنما دَجْله بسكون الجيم، ودجَله بفتحها كذبه لأنه يدخل الحق بالباطل، وجمعه دجالون ودجاجلة في التكسير وقد تقدم (١٣).

стр. 1265

ثانيها: أن الدجال مأخوذ من الدجل وهو طلي البعير بالقطران، سمي بذلك لأن يغطي الحق بسحره وكذبه كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجلة (١) وهي القطران يطلى به البعير، واسمه إذا فعل ذلك به المدجل (٢)، قاله الأصمعي. ثالثها: إنما سمي بذلك لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل إذا فعل ذلك. رابعها: أنه من التغطية لأنه يغطي الأرض مجموعة، والدجل التغطية، قال ابن دريد (٣): كل شيء غطيته فقد دجلته، ومنه سميت دجلة لانتشارها على الأرض وتغطية ما فاضت عليه. خامسها: سمي دجالًا لقطعه الأرض، إذ يطأ جميع البلاد إلا مكة والمدينة، والدجالة الرقعة العظيمة، وأنشد ابن فارس في المجمل (٤): دجاجلة من أعظم الرفاق. سادسها: سمي دجالًا لأنه يغر الناس بشرِّه كما يقال: لطمني فلان بشره. سابعها: الدجال الممخرق. ثامنها: الدجال المموِّه، قاله ثعلب، ويقال: سيف مدجل إذا كان قد طلي بالذهب. تاسعها: الدجال: ماء الذهب الذي يطلى به الشيء فيحسن باطنه وداخله: خزف أو عود، سمي الدجال بذلك لأنه حسّن الباطل. عاشرها: الدجال فِرَند السيف، والفرند جوهر السيف وماؤه، ويقال بالفاء والباء، إذ أصله عين صافية على ما ينطق به العجم فعربته العرب، وكذا

стр. 1266

قال سيبويه: وهو عندهم خارج عن أمثلة العرب، والفرند أيضًا الحرير، وأنشد ثعلب (١). تحلية الياقوت والفرندا … مع الملاب وعبير صردا صردًا: أي خالصًا، قال ابن الأعرابي (٢): يقال للزعفران: الشعر والملاب والعبير (٣) والمردقوش. ذكر هذه الأقوال العشرة الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀ ورضي عنه في كتاب مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين] (٤). مسلم (٥) عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال"، وفي رواية (٦): "من آخر الكهف". [أبو بكر بن أبي شيبة (٧) عن الفلتان (٨) بن عاصم عن النبي ﷺ قال: أما مسيح الضلالة (٩) فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر (١٠)، فيه دفاء (١١) ". قوله: "دفاء" انحياء (١٢)] (١٣).

стр. 1267

وعن حذيفة (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدجال أعور عين اليسرى، جُفال الشعر (٢)، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار" (٣). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن (٤) ألحدًا فليأت النهر الذي يراه نارًا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح (٥) العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب" (٦). [قال أبو الخطاب الحافظ ابن دحية: كذا عند جماعة رواة مسلم، فإما أدركن، قال أبو الخطاب (٧) بن دحية: وهو وهم فإنه لفظه هو لفظ الماضي، ولم أسمع دخول نون التوكيد (٨) على لفظ الماضي إلا ها هنا؛ لأن هذه النون لا تدخل على الفعل الماضي، وصوابه ما قيده العلماء في صحيح مسلم (٩) منهم التميمي أبو عبد الله: "فأما أدركه أحد (١٠) "] (١١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: "إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمني كأن عينه عنبة طافية"، قال: وقال رسول الله ﷺ : "أراني الليلة في المنام عند الكعبة فإذا رجل أدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال تضرب لمته

стр. 1268

بين منكبيه، رَجِل (١) الشعر يقطر رأسه ماء واضعًا يده على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو المسيح ابن مريم، ورأيت وراءه رجلًا جعدًا قططًا (٢) أعور العين (٣) اليمني كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن واضعًا يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت (٤)، فقلت: من هذا، قالوا: هذا المسيح الدجال" (٥). أبو بكر بن أبي شيبة (٦) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الدجال أعور جعد هجان أقمر (٧) كأن رأسه غصنة شجرة أشبه الناس بعبد العزى بن قطن (٨) ". أبو داود الطيالسي (٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أما مسيح الضلالة فإنه أعور العين أجلى الجبهة عريض النحر فيه اندفاء (١٠) مثل قطن بن عبد العزى، فقال له الرجل: يضرني يا رسول الله شبهه؟ فقال: لا أنت مسلم وهو كافر". وخرّج (١١) عن أُبيِّ بن كعب قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ أو قال:

стр. 1269

ذكر النبي ﷺ الدجال، فقال: "إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء، وتعوذوا (١) باللَّه من عذاب القبر". الترمذي (٢) عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن (٣) الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان يتبعه أفواج كأن وجوههم المجان المطرقة" إسناده صحيح (٤). [وذكر عبد الرزاق (٥) أخبرنا معمر عن أبي هانئ العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم السيجان" (٦)، والسيجان جمع الساج وهو طيلسان أخضر. وقال الأزهري (٧): هو الطيلسان المقور ينسج كذلك] (٨). الطبري عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ ذكر عنده الدجال فقال: "إن قبل خروجه ثلاثة أعوام تمسك السماء في (٩) العام الأول ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والعام الثاني تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والعام الثالث تمسك السماء قطرها والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف إلا مات" وذكر الحديث. [خرجه أبو داود الطيالسي (١٠) حدثنا هشام عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أسماء وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن شهر عن أسماء] (١١)، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة مطولًا وسيأتي (١٢).

стр. 1270

وفي بعض الروايات (١) بعد قوله: "وفي [السنة] (٢) الثالثة يمسك الله المطر وجميع النبات فما ينزل من السماء قطرة ولا تنبت الأرض خضرة ولا نباتًا حتى تكون الأرض كالنحاس والسماء كالزجاج، فيبقى الناس يموتون جوعًا وعطشًا (٣) وجهدًا، وتكثر الفتن والهرج ويقتل الناس بعضهم بعضًا ويخرج الناس بأنفسهم، ويستولي البلاء على أهل الأرض فعند ذلك يخرج الدجال الملعون من ناحية أصبهان (٤) من قرية يقال لها: اليهودية وهو راكب حمارًا أبتر يشبه البغل ما بين أذني حماره أربعون ذراعًا". ومن نعت الدجال أنه عظيم الخلقة، طويل القامة، جسيم أجعد، قطط أعور العين اليمنى كأنها لم تخلق وعينه الأخرى ممزوجة بالدم وبين عينيه مكتوب كافر يقرؤه كل مؤمن باللَّه، فإذا خرج يصيح ثلاث صيحات يسمع أهل المشرق والمغرب. ويروي أنه إذا كان في آخر الزمان تخرج من البحر امرأة ذات حسن وجمال بارع فتدعو الناس إلى نفسها وتخرق (٥) البلاد، فكل من أتاها كفر باللَّه، فعند ذلك يخرج عليكم (٦) الدجال. ومن علامة خروجه فتح (٧) القسطنطينية؛ لأن الخبر ورد أن بين خروج الدجال وفتح القسطنطينية سبعة أشهر، وقد تقدم (٨). وذكر أبو داود الطيالسي (٩) قال (١٠): حدثنا الحشرج بن نباتة قال

стр. 1271

[سعيد بن جبهان (١) عن سفينة قال] (٢): خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنه لم يكن نبي إلا قد (٣) أنذر أمته الدجال، ألا وإنه أعور العين الشمال، وباليمنى ظفرة غليظة، بين عينيه كافر [يعني مكتوب كافر، يخرج معه واديان أحدهما جنة والآخر نار، فناره جنة وجنته نار، فيقول الدجال للناس ألست بربكم أحيي وأميت، ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء إني أعرف اسميهما، وأسماء آبائهما لو شئت أو أسميهما سميتهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فيقول: ألست بربكم أحيي وأميت، فيقول أحدهما: كذبت، ولا (٤) يسمعه من الناس أحد إلا صاحبه ويقول الآخر: صدقت، وذلك فتنته، ثم يسير حتى يأتي المدينة فيقول: هذه قرية ذلك الرجل فلا يؤذن له أن يدخلها (٥) ثم يسير حتى يأتي الشام (٦) فيهلكه الله عند عقبة أفيق] (٧) الحديث (٨). وخرّجه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في الجزء العاشر من مختصر المعجم له (٩): ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد حذر أمته الدجال إنه أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، معه واديان: أحدهما جنة والأخرى نار، معه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء و (١٠) لو شئت سميتهما بأسمائهما (١١) وأسماء آبائهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول الدجال: ألست بربكم ألست أحيي وأميت؟ فيقول أحد الملكين: كذبت، لا: يسمعه أحد: من الناس إلا

стр. 1272

صاحبه، فيقول له: صدقت فيسمعه الناس فيظنون أنه صدّق الدجال، فذلك فتنته، ثم يسير الدجال حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له ويقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير الدجال حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق". [قال ابن برّجان في كتاب الإرشاد له: والذي يغلب على ظني والله أعلم أن النبيين المشبه بهما أحدهما المسيح ابن مريم والآخر محمد ﷺ ؛ ولذلك ما أنذرا بذلك ووصيا] (١). وخرج أبو داود (٢) في سننه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "إني كنت قد (٣) حدثتكم عن المسيح الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيح الدجال قصير أفحج جعدًا أعور مطموس العين ليست (٤) بناتئة ولا جحراء، فإن التبس عليكم فاعلموا (٥) أن ربكم ليس بأعور". فصل وصف النبي ﷺ الدجال وصفًا لم يبق معه لذي لب إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة، تبين لكل ذي حاسة (٦) سليمة، لكن من قضي عليه (٧) بالشقاوة تبع الدجال فيما يدعيه من الكذب والغباوة، وحرم اتباع الحق ونور التلاوة، فقوله ﵇: "إنه أعور وأن الله تعالى ليس بأعور"، تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة (٨) على أن كان ناقصًا في ذاته عاجزًا عن إزالة نقصه لم يصلح أن يكون إلهًا لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه كان أعجز (٩) عن نفع

стр. 1273

غيره وعن مضرته، وجاء في حديث حذيفة: "أعور العين اليسرى"، وفي حديث ابن عمر: "أعور العين اليمنى". وقد أشكل الجمع بين الحديثين على كثير من العلماء حتى إن أبا عمر بن عبد البر ذكر في كتاب التمهيد له (١): وفي حديث سمر بن جندب أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال عليها ظفرة غليظة وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول للناس (٢): أن ربكم، فمن قال: أنت ربي فقد فتن، ومن قال: ربي الله ، حتى يموت على ذلك فقد عُصِمَ من فتنته، ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ﵇ من قبل المغرب مصدقًا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة" (٣). قال أبو عمر (٤): "ففي هذا الحديث أعور العين الشمال (٥)، وفي حديث مالك: أعور العين اليمنى (٦)، فاللَّه أعلم، وحديث مالك أصح من جهة الإسناد" لم يزد على هذا. [قال أبو الخطاب بن دحية: ليس كما قال بل الطرق كلها صحيحة في العينين] (٧). وقال شيخنا أحمد بن عمر في كتاب المفهم له (٨): "وهذا اختلاف يصعب (٩) الجمع فيه بينهما، وقد تكلف القاضي أبو الفضل (١٠) الجمع بينهما،

стр. 1274

فقال (١): جمع الروايتين عندي صحيح وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما، إذ العور في كل شيء العيب، والكلمة العوراء هي المعيبة، فالواحدة عوراء بالحقيقة وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست بجحراء ولا ناتئة وممسوحة (٢) ومطموسة وطائفة على رواية الهمز، والأخرى عوراء لعيبها اللازم (٣) لها لكونها جاحظة أو كأنها كوكب دري، أو كأنها عنبة طافية بغير همز، [و] (٤) كل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور لحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي". قال شيخنا (٥): "وحاصل كلامه أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء: إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة، لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به (٦) الأخرى من العور فتأمله". قلت: ما قاله القاضي (٧) وتأوله صحيح، وأن العور في العينين (٨) مختلف كما بيناه في الروايات؛ فإن قوله: كأنها لم تخلق هو معنى الرواية الأخرى مطموس العين ممسوحها (٩) ليست بناتئة ولا جحراء، ووصف الأخرى بالمزج بالدم وذلك عيب لا سيما مع وصفها بالظفرة الغليظة التي عليها، وهي جلدة غليظة تغشى العين إن لم تقطع عمت العين، وعلى هذا فقد يكون العور في العينين سواء؛ لأن الظفرة مع غلظها تمنع من الإدراك فلا تبصر شيئًا فيكون الدجال على هذا أعمى أو قريبًا منه، إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة، وفي الشمال في حديث سمرة بن جندب والله أعلم (١٠).

стр. 1275

وقد يحتمل أن يكون كل عين عليها ظفرة؛ فإن في حديث حذيفة: "وإن الدجال ممسوخ العين عليها ظفرة غليظة"، وإذا كانت الممسوخة المطموسة عليها ظفرة، فالتي ليست كذلك أولى فتتفق الأحاديث، والله أعلم. [وقيل في الظفرة: إنها لحمة تنبت عند الماء أي كالعلقة، وقيده بعض الرواة بضم الظاء وسكون الفاء، وليس بشيء، قاله السيد بن دحية ﵁] (١). فصل الإيمان بالدجال وخروجه (٢) حق، "وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث خلافًا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة (٣)، ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل، قالوا: لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبئ. وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه؛ فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة وليس كذلك، فإنه إنما ادعى الإلهية، ولهذا قال ﵇: "إن الله ليس بأعور" تنبيهًا للعقول على فقره وحدثه ونقصه وإن كان عظيمًا في خلقه، ثم قال: "بين عينيه (٤) كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب". وهذا أمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره" (٥). "وقد تأول بعض الناس: مكتوب بين عينيه كافر فقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه وشواهد عجزه وظهور نقصه، قال: لو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر. وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم؛ لأن الله تعالى يمنع الكافر من إدراكه

стр. 1276

ليغتر باعتقاد التجسيم حتى يوردهم بذلك نار الجحيم، فالدجال فتنة ومحنة من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم، فيقول لهم: أنا ربكم فيقول المؤمنون: "نعوذ باللَّه منك" ما حسب تقدم (١)، لا سيما وذلك الزمان قد انخرقت فيه عوائد فليكن هذا منها، وقد نص على هذا بقوله: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب"، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة. وأما الكافر فمصروف عن ذلك بغفلته وجهله (٢)، وكما انصرف عن إدراك نقص عوره وشواهد عجزه، كذلك يصرف عن قراءة سطور كفره ورمزه (٣). وأما الفرق بين النبي والمتنبئ، فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبئ؛ لأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل لكذب وهو محال. وقوله: إن ما يأتي به الدجال حيل ومخارق (٤) فقول معزول عن الحقائق؛ لأن ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها (٥) " (٦) بحول الله تعالى. باب ما يمنع الدجال أن يدخله من البلاد إذا خرج البخاري (٧) ومسلم (٨) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة" وذكر الحديث. وفي حديث فاطمة بنت قيس: "فلا يدع (٩) قرية إلا هبطها في أربعين ليلة

стр. 1277

غير مكة وطيبة (١)، هما محرمان عليه (٢) كلتاهما" الحديث، وسيأتي (٣) إن شاء الله تعالى. [وذكر أبو جعفر الطبري من حديث عبد الله بن عمرو: "ألا الكعبة وبيت المقدس"] (٤). وذكر العقيلي (٥) من حديث عبد الله بن عمرو: "إلا الكعبة وبيت المقدس"، وزاد أبو جعفر الطحاوي "ومسجد الطور"، خرجه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات (٦): "فلا يبقى له موضع إلا ويأخذه غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع". باب منه (٧) وما جاء أن الدجال إذا خرج زعم (٨) أنه الله، [ويحصر المؤمنين في بيت المقدس] (٩) وذكر من اتبعه وكفر به (١٠) أبو بكر بن أبي شيبة (١١) عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ : "وذكر الدجال قال: وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله، فمن آمن به واتبعه وصدقه فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذبه فليس يعاقب بشيء من

стр. 1278

عملٍ سلفَ، وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وأنه يحصر المؤمنين في المقدس (١) [قال: فيهزمه الله وجنوده حتى أن جِذْمَ (٢) الحائط وأصل الشجرة ينادي: يا مؤمن هذا كافر يستتر بي تعال اقتله، قال: ولن يكون ذلك حتى تروا أمورًا يتفاج شأنها في أنفسكم تتساءلون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا، وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض"] (٣). باب منه وفي عظم خلق الدجال [وعظم فتنته] (٤) وسببه خروجه وصفة حماره وسعة خطوه [وفي حصره المسلمين في جبال الدخان، وكم يمكث في الأرض، وفي نزول عيسى ﵊ وقت السحر لقتل الدجال ومن اتبعه] (٥) مسلم (٦) عن عمران بن حصين (٧) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال". وفي رواية (٨): "أمر" بدل "خلق". وفي حديث تميم الداري قال: "فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا وأشده وثاقًا" (٩)، الحديث وسيأتي (١٠). وعن ابن عمر ﵄ أنه لقي ابن صياد (١١) في بعض طرق المدينة فقال قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة، وقد بلغها

стр. 1279

فقال له: رحمك (١) الله ما أردت من ابن صياد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يخرج من غضبة يغضبها" (٢)، وسيأتي من أخبار ابن صياد (٣) ما يدل على أنه هو الدجال إن شاء الله تعالى. وذكر قاسم بن أصبغ (٤) [وخرَّجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٥) قال: ثنا محمد بن سابق قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير] (٦) عن جابر بن عبد الله الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجالُ في خفقةٍ من الدين (٧) وإدبار من العلم [وله] (٨) أربعون ليلةً يسيحها في الأرضِ، اليومُ منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامِه كأيامكم هذه، وله حمارٌ يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا، فيقول للناس: أنا ربُكم وهو أعور وإن ربّكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل (٩) إلا المدينة (١٠)، وقامت الملائكة بأبوابها [ومعه جبال من خبز والناس في جهد، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول الجنة، ونهر يقول النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهي الجنة، قال: ويبعث معه شياطين تكلم الناس، ومعه فتنة عظيمة يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسًا ثم

стр. 1280

يحييها فيما يرى الناس، فيقول للناس: هل يفعل مثل هذا إلا الرب، فيقوم الناس إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحاصرهم فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدًا شديدًا، ثم ينزل عيسى ﵇ فيأتي في السحر، فيقول: أيها الناس (١) ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث، فيقولون: هذا رجل جني فينطلقون فإذا هم بعيسى ابن مريم فتقام الصلاة، فيقال له تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلوا صلاة الصبح خرجوا إليه فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح، فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله. قوله: "فينماث كما ينماث الملح في الماء" أي يذهب وينحل ويتلاشى] (٢)، وذكر الحديث (٣). وفي بعض الروايات: "وذكر أن حماره حين يخطو من خطوة إلى خطوة: ميل، ولا يبقى له سهل ولا وعر إلا يطؤه، ولا يبقى له موضع إلا يأخذه غير مكة والمدينة" حسبما تقدم (٤)، ويأتي (٥) الكلام في حكم أيامه إن شاء الله. [وذكر عبد الرزاق (٦) أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله ﷺ : "يمكث الدجال في الأرض أربعين (٧) سنة، السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار". قال: الصحيح أنه يمكث أربعين يومًا كما في حديث جابر، وذلك في صحيح مسلم على ما يأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى] (٨).

стр. 1281

باب في خروج الدجال وما يجيء به من الفتن والشبهات وسرعة سيره في الأرض وكم يمكث فيها، وفي نزول عيسى ابن مريم ﵇، وبعثه، وكم يكون في الأرض يومئذٍ من الصلحاء، وفي قتله الدجال واليهود، وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم، وفي حج عيسى وتزويجه ومكثه في الأرض، وأين يدفن إذا مات ﷺ وقد تقدم (١) من حديث حذيفة أن له جنة ونارًا، فجنته نار وناره جنة. أبو داود (٢) عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع بالدجال فلينأ (٣) عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أولما يبعث به من الشبهات". مسلم (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال فيتوجه قبله (٥) رجل من المؤمنين فتلقاه (٦) المسالح (٧) مسالح الدجال فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج، فيقولون (٨) له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول (٩): ما بربنا خفاء (١٠)، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فينطلقون به

стр. 1282

إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال (١) الذي ذكر رسول الله ﷺ قال: فيأمر به الدجال فيشبح، فيقول: خذوه. وشجوه (٢)، فيوسع ظهره [وبطنه] (٣) ضربًا، قال: فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول (٤): أنت المسيح الكذاب (٥) فيؤمر به فيوشر بالميشار (٦) من مفرقه حتى يفرق بين (٧) رجليه، قال: ثم يمشي بين القطعتين، ثم يقول: قم، فيستوي قائمًا، فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرةً، قال: ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذه بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه إنما قذف به في النار، وإنما ألقي في الجنة. قال: قال رسول الله ﷺ : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين". قال أبو إسحاق السبيعي (٨): يقال: إن هذا الرجل هو الخضر (٩). وفي رواية: قال "يأتي وهو محرم عليه (١٠) أن يدخل المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، قال: فيقتله ثم يحييه فيقول: حين يحييه: والله ما كنت فيك (١١) قط أشد بصيرة مني الآن،

стр. 1283

قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه"، خرَّجه البخاري (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلا عليها الملائكة صافين يحرسونها، فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج [إليه] (٢) كل كافر ومنافق" (٣). وفي رواية: "كل منافق ومنافقة"، أخرجه البخاري (٤). وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ : "الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم أن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافية (٥) كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا (٦) يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا: يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له: فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف

стр. 1284

عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: اخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (١)، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق بين مهرودتين واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه (٢) بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينا هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدهم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله النغف في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون [في الأرض] (٣) موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت [فتحملهم] (٤) فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك (٥) وردي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرِّسْل (٦) حتى

стр. 1285

إن اللقحة (١) من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس،، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون (٢) فيها تهارج (٣) الحمر، فعليهم تقوم الساعة" (٤). زاد في أخرى (٥) بعد قوله: "مرة ماء" ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فهلم لنقتل (٦) من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا". أخرجه الترمذي (٧) في جامعه وذكر: رمي يأجوج ومأجوج بنشابهم متصلة بالحديث، فقال: "ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهن إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محمرًا (٨) دمًا، ويحاصر عيسى ابن مريم" الحديث وقال: بدل قوله: "فتطرحهم حيث شاء الله" قال: "فتحملهم فتطرحهم بالمهيل" (٩)، قال: "وسيوقد الناس من قسيهم ونشابهم سبع سنين"، قال: "ويرسل الله عليهم مطرًا" الحديث إلى آخره، وفي غير الترمذي فيطرحهم في المهيل، والمهيل البحر الذي عند مطلع الشمس.

стр. 1286

وخرّجه ابن ماجه في سننه (١) أيضًا كما أخرجه مسلم ولم يذكر الزيادة التي ذكرها مسلم منفصلة ولا الترمذي متصلة (٢) من حديث النواس، وإنما ذكرها من حديث أبي سعيد الخدري وسيأتي (٣)، وذكر ما ذكره الترمذي فقال: ثنا هشام بن عمار قال: ثنا يحيى بن حمزة: ثنا ابن جابر عن يحيى بن جابر الطائي قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أنه سمع النواس بن سمعان يقول: قال رسول الله ﷺ : "يستوقد (٤) المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين". حدثنا (٥) علي بن محمد، ثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع عن أبي عمرو الشيباني زرعة (٦) عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرناه وكان من قوله أن قال: "إنه (٧) لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله تعالى آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم وهو خارج فيكم لا محالة (٨) فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم (٩) فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وأنه يخرج من خلة (١٠) بين الشام

стр. 1287

والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا، يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا، فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها (١) نبي قبلي إنه يبدو فيقول: أنا نبي، وإنه لا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أنه (٢) معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث باللَّه وليقرأ فواتح سورة (٣) الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك: أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيمثل له شيطانين (٤) في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها فينشرها بالمناشير (٥) حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربًا غيري، فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله وأنت عود الله أنت (٦) الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم. قال أبو الحسن الطنافسي (٧): فحدثنا المحاربي: ثنا عبد الله بن الوليد الوصافي عن عطية بن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ذلك (٨) أرفع أمتي درجة في الجنة، قال: قال أبو سعيد: ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁ حتى مضي لسبيله.

стр. 1288

قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبوه فلا تبقى لهم سائمة (١) إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقوه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، وبالأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم (٢) ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعًا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه، وظهر عليه إلا مكة والمدينة؛ فإنه لا يأتيهما من نقب من أنقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الظريب (٣) الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذٍ؟ قال: هم قليل وجلُّهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم ﵇ الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليتقدم عيسى ﵇ يصلي بالناس، فيضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب فيفتح، ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وانطلق هاربًا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود ولا يبقى شيء مما خلقه الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقد فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال يا عبد الله المسلم: هذا يهودي فتعال اقتله.

стр. 1289

قال رسول الله ﷺ : وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والسنة كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي، فقيل: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرون (١) في هذه (٢) الأيام الطوال ثم صلوا، قال رسول الله ﷺ : فيكون عيسى ﵇ في أمتي حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يُسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في فيّ الحية فلا تضره، وتفر (٣) الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، ولا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (٤) الفضة تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات. قيل: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال: لا يركب لحرب أبدًا، فقيل له (٥): وما يغلي الثور؟ قال: يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في الثانية (٦) فتحبس ثلثي مطرها (٧)، ويأمر الله الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها، فلا تنبت خضرًا، ولا تبقى ذات ظلف إلا

стр. 1290

هلكت إلا ما شاء الله، فقيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجزي ذلك (١) عنهم مجزاة الطعام (٢). قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يرفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه (٣) الصبيان في الكتّاب. وفي حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية قالوا: يا رسول الله! ذكرت الدجال فوالله إن أحدنا ليعجن عجينة فما يختبز حتى يخشى أن يفتتن وأنت تقول: الأطعمة تزوي إليه (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "يكفي المؤمن يومئذ ما يكفي الملائكة، فقالوا (٥): فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولكنها تقدس، فقال رسول الله ﷺ : طعام المؤمن يومئذ التسبيح" (٦). - وذكر عبد الرزاق (٧) عن معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال فقال: إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، وإن من أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك؟ قال: فيقول: بلى، فيمثل له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعًا وأعظمه أسمنة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أبيه وأخيه، قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ

стр. 1291

لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثتهم به، قالت: فأخذت بجنبتي الباب فقال: مَهْيَمْ (١) أسماء؟ قلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفتي (٢) على كل مؤمن، قالت أسماء: فقلت يا رسول الله: والله إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمن يومئذٍ، قال يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس" (٣)] (٤). وخرج مسلم (٥) وابن ماجه (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لينزلن عيسى (٧) ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر (٨) الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (٩) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". وعنه (١٠) قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم" (١١).

стр. 1292

وفي رواية: "فأمكم منكم، قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ (١). عنه (٢) عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليهلنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنيهما". [وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليدركن المسيح ابن مريم ﷺ رجالًا من أمتي مثلكم أو خيرًا يقول ذلك ثلاث مرات"، ذكره ابن برَّجان في كتاب الإرشاد له (٣)] (٤). وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينزل عيسى بن مريم على ثمان مائة رجل وأربع مائة امرأة، خيار من على الأرض يومئذٍ وكصلحاء من مضى". وعبد الله بن عمر (٥) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيتزوج ويولد له ولد (٦) فيمكث خمسة وأربعين سنة، ويدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر"، ذكره الميانشي أبو حفص [ويقال: "إنه يتزوج امرأة من العرب بعدما يقتل الدجال وتلد له بنتًا وتموت، ثم يموت هو بعدما يعيش سنتين"، ذكره أبو الليث السمرقندي (٧)، وخالفه كعب في هذا، وأنه يولد له ولدان وسيأتي (٨)] (٩). في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يمكث عيسى في الأرض بعدما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون [ويدفنونه" (١٠)] (١١).

стр. 1293

ذكره أبو داود الطيالسي [في مسنده (١)] (٢) قال: ثنا هشام عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁، وبهذا السند عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأنبياء إخوة علات (٣)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر ولم يصبه بلل، وأنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، وحتى يهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الأعور الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضًا، يبقى (٤) في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه". وفي بعض الروايات (٥): [أنه يمكث] (٦) أربعًا وعشرين سنة. وفي حديث عبد الله بن عمرو (٧): "ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام" الحديث، خرجه مسلم (٨). وقد تقدم (٩) بكماله هذا يدل على أنه يمكث في الأرض سبع سنين والله أعلم. [وقال كعب الأحبار: إن عيسى ﵇ يمكث في الأرض أربعين سنة وتكثر الخيرات على يديه، وتنزل البركات في الأرزاق حتى إن العنبة ليأكل الرجل منها حاجته وتفضل، والقطف من العنب يأكل منه الجم الغفير، والخلق الكثير حتى إن

стр. 1294

الرمانة لتثقل بالجمل حتى إن الحي ليعبر بالميت فيقول: قم فانظر ما أنزل الله من البركة، وإن عيسى ﵇ يتزوج بامرأة من آل فلان ويرزق منها ولدين أحدهما محمد والآخر موسى عليه وعليهما السلام ويكون الناس معه على خير وفي خير زمان وذلك أربعون سنة، ثم يقبض الله روح عيسى ﵇ ويذوق الموت، ويدفن إلى جانب النبي ﷺ في الحجرة، ويموت خيار الأمة ويبقى الأشرار في قلة من المؤمنين، فذلك قوله ﵊ "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ" (١). وقد قيل إنه يدفن بالأرض المقدسة مدفن الأنبياء والله أعلم] (٢). فصل ذهب قوم إلى [أن] (٣) بنزول (٤) عيسى ﵇ يرتفع (٥) التكليف لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا مردود بالأخبار التي ذكرناها (٦) من حديث أبي هريرة، وغيره، [وبقوله تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﵊: "لا نبي بعدي" (٧)، وقوله: "وأنا العاقب" (٨)، يريد آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم عيسى ﵇ ينزل نبيًا بشريعة متجددة غير شريعة نبينا محمد ﷺ ، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذٍ من أتباع محمد ﷺ كما أخبر ﷺ حيث قال لعمر: "لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي" (٩)] (١٠).

стр. 1295

وقد روى أبو الزبير (١) أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا (٢)، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة"، خرّجه مسلم (٣). فعيسى ﵇ إنما ينزل مقررًا لهذه الشريعة ومجددًا لها إذ هي آخر الشرائع ومحمد ﷺ آخر الرسل، [فينزل حكمًا مقسطًا، وإذا صار حكمًا فإنه لا سلطان يومئذٍ للمسلمين ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي قد قبض الله العلم، وخلا الناس منه، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه في علم هذه الشريعة للحكم بحكمه بين الناس (٤)، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكمونه على أنفسهم إذ لا أحد يصلح لذلك غيره؛ ولأن تعطيل الحكم غير جائز] (٥). وأيضًا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف إلا أن لا يقال في الأرض: الله الله على ما يأتي (٦) وهذا واضح. [فصل] فإن قيل: فما الحكمة في نزوله في ذلك الوقت دون غيره؟ فالجواب (٧) من ثلاثة أوجه أحدها: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همَّت بقتله وصلبه، وجرى أمرهم معه (٨) على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم

стр. 1296

أبدًا يدّعون أنهم قتلوه وينسبونه من السحر وغيره إلى ما كان الله تعالى برأه ونزهه منه، وقد ضرب الله عليهم الذلة فلم تقم لهم منذ أعز الله الإسلام وأظهره (١) راية، ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة، ولا يزالون كذلك (٢) حتى تقرب الساعة؛ فيظهر الدجال (٣) فهو أسحر السحرة ويبايعه (٤) اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنهم ينتقمون من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى الذي عندهم أنهم قد قتلوه وبرز لهم (٥) ولغيرهم من المنافقين والمخالفين حيًا، ونصره على رأسهم وكبيرهم المدعي للربوبية فقتله، وهزم جنده من اليهود بمن معه من المؤمنين فلا يجدون يومئذٍ مهربًا وإن توارى أحد منهم بشجرة أو حجر أو جدار ناداه يا روح الله هاهنا يهودي حتى يوقف عليه، فإما أن يُسلم وإما أن يقتل، وكذا (٦) كل كافر من كل صنف حتى لا يبقى على وجه (٧) الأرض كافر. والوجه الثاني: هو (٨) أنه يحتمل أن يكون إنزاله لدنو أجله لا لقتال الدجال؛ لأنه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء لكن أمره جري على ما قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، فينزله الله تعالى ليقره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه، ويسمع به من نأى عنه، ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره، ويصلون

стр. 1297

عليه، ويدفن حيث يدفن (١) الأنبياء الذين أمه مريم من نسلهم، وهي الأرض المقدسة فينشر إذا نشر معهم؛ هذا سبب إنزاله غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب لُد، هذا ما وردت به الأخبار، فإذا اتفق ذلك وكان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية ولم ينتصب لقتاله أحد من المؤمنين لقلتهم، كان هو أحق بالتوجه إليه، ويجري قتله على يديه إذ كان ممن (٢) اصطفاه الله لرسالته، وأنزل عليه كتابه وجعله وأمَّه آية، فعلى هذا الوجه يكون الأمر بإنزاله لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدًا، والله أعلم (٣). والوجه الثالث: أنه وجد في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ حسب ما قال وقوله الحق: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا الله أن يجعله من أمة محمد ﷺ فاستجاب الله دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله إلى (٤) آخر الزمان مجددًا لما درس من دين الإسلام ودين محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله، ولا يبعد على هذا أن يقال إن قتاله الدجال يجوز أن يكون من حيث أنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون قد عم فرض الجهاد أعيانهم وهو أحدهم لزمه من هذا الغرض ما يلزم غيره فلذلك يقوم به، وذلك داخل في اتباع نبينا محمد ﷺ وبالله التوفيق. واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة، ذكره الحليمي (٥)، وقيل مع النبي ﷺ على ما ذكرنا في الأخبار، والله أعلم. فصل واختلف في لفظ المسيح على ثلاثة وعشرين قولًا (٦)، ذكرها الحافظ (٧)

стр. 1298

أبو الخطاب بن دحية في كتاب مجمع البحرين، وقال لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال. الأول: "هو مَسْيح (١) بسكون السين وكسر الياء على وزن مَفْعِل فأسكنت الياء ونقلت (٢) حركتها إلى السين لاستثقالهم الكسرة على الياء. الثاني: قال ابن عباس: كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ ولا ميًا إلا حيي، فهو هاهنا من أبنية أسماء الفاعلين مسيح بمعنى ماسح. الثالث: قال إبراهيم النخعي: المسيح الصدّيق" (٣)، وقاله الأصمعي، وابن الأعرابي (٤). الرابع: قال أبو عبيد (٥): أظن هذه الكلمة مشيحًا بالشين المعجمة فعربت وكذا تنطق به اليهود. الخامس: قال ابن عباس أيضًا في رواية عطاء عنه: و"سمي مسيحًا لأنه كان أمسح الرِّجل (٦) ليس لرجله أخمص، والأخمص ما لا يمس الأرض من باطن الرجل، فإذا لم يكن للقدم أخمص قيل قدم رحاء، ورجل أرح، وامرأة رحاء (٧). السادس: قيل سمي مسيحًا لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن" (٨). السابع: قيل سمي مسيحًا لأنه مسح عند ولادته بالدهن (٩). الثامن: قال الإمام أبو إسحاق الجويني (١٠) في غريبه الكبير: هو اسم خصه الله تعالى به أو لمسح زكريا إياه.

стр. 1299

التاسع: قيل سمي بذلك لحسن وجهه، إذ المسيح في اللغة الجميل الوجه، يقال على وجهه مسحة من جمال، ومنه ما يروى في الحديث الغريب الضعيف: يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي من كان على وجهه مسحة ملك. العاشر: المسيح في اللغة قطع الفضة، وكذلك المسيحة القطعة من الفضة (١)، وكذلك كان المسيح ابن مريم أبيض مشربًا بحمرة (٢) ربعة من الرجال، عريض الصدر جعدًا، والجعد هاهنا اجتماع الخلق وشدة الأشر. الحادي عشر: المسيح في اللغة: عرق الخيل، وأنشد اللغويون: إذ الجياد فِضنَ بالمسيح. وثبت في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي بن كعب: "فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا وكأني انظر إلى الله فرقًا"، ذكره الخطابي في شرحه بالصاد والضاد (٤)، وأنشد للعجاج شعرًا: إذ الجياد فضن بالمسيح، يعني: العرق. الثاني عشر: المسيح الجماع، يقال مسحها إذا جامعها، قال ابن فارس في مجمل اللغة له (٥). الثالث عشر: المسيح السيف، قاله ابن عمر (٦) المطرز. الرابع عشر: المسيح المكاري. الخامس عشر: المسيح الذي يمسح الأرض أي يقطعها، قال الثقة اللغوي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (٧)؛ وذلك سمي عيسى ﵇ مسيحًا: كان تارة بالشام وتارة بمصر، وتارة على سواحل البحار وفي المهامِه (٨)

стр. 1300

والقفار، والمسيح الدجال كذلك بذلك لجولانهما في الأرض. السادس عشر: ذكر بسنده إلى أبي الحسن القابسي وقد سأله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني: كيف نقرأ المسيح الدجال؟ فقال: بفتح الميم وتخفيف السين مثل المسيح ابن مريم؛ لأن عيسى ﵇ مسح بالبركة، وهذا مسحت عينه، قال أبو الحسن ومن الناس من يقرؤه بكسر الميم ويثقل السين فيفرق بين ذلك (١) وهو وجه، وأمّا أنا فيما أقرأه إلا كما أخبرتك. قال ابن دحية: وحكى الأزهري (٢) أنه يقال مسِّيح بالتشديد على وزن فعيل فرقًا بينه وبين عيسى ﵇، ثم أسند عن شيخه أبي القاسم بن بشكوال عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن قال: سمعت الحافظ أبا عمر بن عبد البر (٣) يقول: ومنهم من قال ذلك بالخاء يعني المعجمة، وذلك كله عند أهل العلم خطأ لا فرق بينهما، وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نطق به، ونقله الصحابة المبلغون عنه، وأنشد في ذلك أهل اللغة قول عبيد الله بن قيس الرقيات: وقالوا دع رقية واجتنبها … فقلت لهم إذا خرج المسيح يريد إذا خرج الدجال، هكذا فسروه، ولذلك ذكرناه، وقال الراجز: إذ المسيح قتل المسيحا يعني عيسى ابن مريم ﵇ يقتل الدجال بنَيْزَكه (٤)، قرأته في المجلد الأول من شرح الألفاظ الغريبة من الصحيح لمحمد بن إسماعيل تأليف الفقيه القاضي الإمام أبي الأصمع بن سهل. السابع عشر: قيل سمي الدجال مسيحًا؛ لأن المسيح الذي لا عين له ولا حاجب، قال ابن فارس (٥): والمسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له
следующие страницы →