← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أبدًا يدّعون أنهم قتلوه وينسبونه من السحر وغيره إلى ما كان الله تعالى برأه ونزهه منه، وقد ضرب الله عليهم الذلة فلم تقم لهم منذ أعز الله الإسلام وأظهره (١) راية، ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة، ولا يزالون كذلك (٢) حتى تقرب الساعة؛ فيظهر الدجال (٣) فهو أسحر السحرة ويبايعه (٤) اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنهم ينتقمون من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى الذي عندهم أنهم قد قتلوه وبرز لهم (٥) ولغيرهم من المنافقين والمخالفين حيًا، ونصره على رأسهم وكبيرهم المدعي للربوبية فقتله، وهزم جنده من اليهود بمن معه من المؤمنين فلا يجدون يومئذٍ مهربًا وإن توارى أحد منهم بشجرة أو حجر أو جدار ناداه يا روح الله هاهنا يهودي حتى يوقف عليه، فإما أن يُسلم وإما أن يقتل، وكذا (٦) كل كافر من كل صنف حتى لا يبقى على وجه (٧) الأرض كافر. والوجه الثاني: هو (٨) أنه يحتمل أن يكون إنزاله لدنو أجله لا لقتال الدجال؛ لأنه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء لكن أمره جري على ما قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، فينزله الله تعالى ليقره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه، ويسمع به من نأى عنه، ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره، ويصلون

стр. 1297

عليه، ويدفن حيث يدفن (١) الأنبياء الذين أمه مريم من نسلهم، وهي الأرض المقدسة فينشر إذا نشر معهم؛ هذا سبب إنزاله غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب لُد، هذا ما وردت به الأخبار، فإذا اتفق ذلك وكان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية ولم ينتصب لقتاله أحد من المؤمنين لقلتهم، كان هو أحق بالتوجه إليه، ويجري قتله على يديه إذ كان ممن (٢) اصطفاه الله لرسالته، وأنزل عليه كتابه وجعله وأمَّه آية، فعلى هذا الوجه يكون الأمر بإنزاله لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدًا، والله أعلم (٣). والوجه الثالث: أنه وجد في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ حسب ما قال وقوله الحق: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا الله أن يجعله من أمة محمد ﷺ فاستجاب الله دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله إلى (٤) آخر الزمان مجددًا لما درس من دين الإسلام ودين محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله، ولا يبعد على هذا أن يقال إن قتاله الدجال يجوز أن يكون من حيث أنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون قد عم فرض الجهاد أعيانهم وهو أحدهم لزمه من هذا الغرض ما يلزم غيره فلذلك يقوم به، وذلك داخل في اتباع نبينا محمد ﷺ وبالله التوفيق. واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة، ذكره الحليمي (٥)، وقيل مع النبي ﷺ على ما ذكرنا في الأخبار، والله أعلم. فصل واختلف في لفظ المسيح على ثلاثة وعشرين قولًا (٦)، ذكرها الحافظ (٧)

стр. 1298

أبو الخطاب بن دحية في كتاب مجمع البحرين، وقال لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال. الأول: "هو مَسْيح (١) بسكون السين وكسر الياء على وزن مَفْعِل فأسكنت الياء ونقلت (٢) حركتها إلى السين لاستثقالهم الكسرة على الياء. الثاني: قال ابن عباس: كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ ولا ميًا إلا حيي، فهو هاهنا من أبنية أسماء الفاعلين مسيح بمعنى ماسح. الثالث: قال إبراهيم النخعي: المسيح الصدّيق" (٣)، وقاله الأصمعي، وابن الأعرابي (٤). الرابع: قال أبو عبيد (٥): أظن هذه الكلمة مشيحًا بالشين المعجمة فعربت وكذا تنطق به اليهود. الخامس: قال ابن عباس أيضًا في رواية عطاء عنه: و"سمي مسيحًا لأنه كان أمسح الرِّجل (٦) ليس لرجله أخمص، والأخمص ما لا يمس الأرض من باطن الرجل، فإذا لم يكن للقدم أخمص قيل قدم رحاء، ورجل أرح، وامرأة رحاء (٧). السادس: قيل سمي مسيحًا لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن" (٨). السابع: قيل سمي مسيحًا لأنه مسح عند ولادته بالدهن (٩). الثامن: قال الإمام أبو إسحاق الجويني (١٠) في غريبه الكبير: هو اسم خصه الله تعالى به أو لمسح زكريا إياه.

стр. 1299

التاسع: قيل سمي بذلك لحسن وجهه، إذ المسيح في اللغة الجميل الوجه، يقال على وجهه مسحة من جمال، ومنه ما يروى في الحديث الغريب الضعيف: يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي من كان على وجهه مسحة ملك. العاشر: المسيح في اللغة قطع الفضة، وكذلك المسيحة القطعة من الفضة (١)، وكذلك كان المسيح ابن مريم أبيض مشربًا بحمرة (٢) ربعة من الرجال، عريض الصدر جعدًا، والجعد هاهنا اجتماع الخلق وشدة الأشر. الحادي عشر: المسيح في اللغة: عرق الخيل، وأنشد اللغويون: إذ الجياد فِضنَ بالمسيح. وثبت في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي بن كعب: "فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا وكأني انظر إلى الله فرقًا"، ذكره الخطابي في شرحه بالصاد والضاد (٤)، وأنشد للعجاج شعرًا: إذ الجياد فضن بالمسيح، يعني: العرق. الثاني عشر: المسيح الجماع، يقال مسحها إذا جامعها، قال ابن فارس في مجمل اللغة له (٥). الثالث عشر: المسيح السيف، قاله ابن عمر (٦) المطرز. الرابع عشر: المسيح المكاري. الخامس عشر: المسيح الذي يمسح الأرض أي يقطعها، قال الثقة اللغوي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (٧)؛ وذلك سمي عيسى ﵇ مسيحًا: كان تارة بالشام وتارة بمصر، وتارة على سواحل البحار وفي المهامِه (٨)

стр. 1300

والقفار، والمسيح الدجال كذلك بذلك لجولانهما في الأرض. السادس عشر: ذكر بسنده إلى أبي الحسن القابسي وقد سأله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني: كيف نقرأ المسيح الدجال؟ فقال: بفتح الميم وتخفيف السين مثل المسيح ابن مريم؛ لأن عيسى ﵇ مسح بالبركة، وهذا مسحت عينه، قال أبو الحسن ومن الناس من يقرؤه بكسر الميم ويثقل السين فيفرق بين ذلك (١) وهو وجه، وأمّا أنا فيما أقرأه إلا كما أخبرتك. قال ابن دحية: وحكى الأزهري (٢) أنه يقال مسِّيح بالتشديد على وزن فعيل فرقًا بينه وبين عيسى ﵇، ثم أسند عن شيخه أبي القاسم بن بشكوال عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن قال: سمعت الحافظ أبا عمر بن عبد البر (٣) يقول: ومنهم من قال ذلك بالخاء يعني المعجمة، وذلك كله عند أهل العلم خطأ لا فرق بينهما، وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نطق به، ونقله الصحابة المبلغون عنه، وأنشد في ذلك أهل اللغة قول عبيد الله بن قيس الرقيات: وقالوا دع رقية واجتنبها … فقلت لهم إذا خرج المسيح يريد إذا خرج الدجال، هكذا فسروه، ولذلك ذكرناه، وقال الراجز: إذ المسيح قتل المسيحا يعني عيسى ابن مريم ﵇ يقتل الدجال بنَيْزَكه (٤)، قرأته في المجلد الأول من شرح الألفاظ الغريبة من الصحيح لمحمد بن إسماعيل تأليف الفقيه القاضي الإمام أبي الأصمع بن سهل. السابع عشر: قيل سمي الدجال مسيحًا؛ لأن المسيح الذي لا عين له ولا حاجب، قال ابن فارس (٥): والمسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له

стр. 1301

لا حاجب (١) ولذلك الدجال مسيحًا، ثم أسند عن حذيفة مستدلًا سمي النبي ﷺ : "وأن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة"، خرجه مسلم (٢). الثامن عشر: المسيح الكذاب، وهذا يختص به الدجال؛ لأنه يكذب فيقول: أنا الله، فهذا أكذب البشر؛ ولذلك خصه الله بالشوه والعور. التاسع عشر: المسيح المارد الخبيث، وهو التمسح أيضًا قاله ابن فارس، ويقال هو الكذاب وكذلك التمساح بألف. الموفي عشرين: قيل للدجال مسيح؛ لسياحته (٣) وهو فعيل بمعنى فاعل، والفرق بين هذا وبين ما تقدم في الخامس عشر أن ذلك مختصر يقطع بعض الأرض، وهذا يقطع جميع البلاد في أربعين ليلة إلا مكة والمدينة. الحادي والعشرون: المسيح الدرهم الأطلس بلا نقش، قاله ابن فارس (٤) وذلك مطابق لصفة الأعور الدجال إذ أحد شقي وجهه ممسوح، وهو أشوه الرجال. الثاني والعشرون: (٥) قال الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة (٦) من تأليفه: سمي ابن مريم مسيحًا؛ لأن الله تعالى مسح الذنوب عنه. [[الثالث والعشرون: قال أبو نعيم في الكتاب المذكور (٧) وقيل سمي به لأن جبريل ﵇ مسحه بالبركة وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]] (٨).

стр. 1302

فصل [في بيان ما وقع في الحديث من الغريب] (١): قوله: "فيسيح" أي يمد. [والميشار مفعال من أنشرت ووشرت أشرًا ووشرًا، ويقال: منشار بالنون أيضًا، وبالوجهين قيد في الحديث، وهو مفعال أيضًا من نشرت] (٢). وقوله: "فخفض ورفع" بتخفيف الفاء أي أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام، وروي بتشديد الفاء فيهما على التضعيف والتكثير. وقوله: "إنه خارج خلة"، يروى بالخاء المعجمة والحاء (٣) المهملة، قال الهروي (٤): والخلة موضع حزن وصخور، والخلة: ما بين البلدين. [وقال الحافظ بن دحية: ورواه ابن ماهان والحميدي حلة بفتح الحاء المهملة وضم اللام، وكأنه يريد حَلُواه، قال: وقرأت في أصل القطيعي (٥) من مسند الإمام أبي عبد الله بن حنبل (٦): وأنه يخرج حيلة (٧)، ولا أعلم روى ذلك وأحدًا غيره (٨)، قد سقطت هذه اللفظة لأكثر رواة مسلم (٩) وبقي الكلام أنه خارج من (١٠) الشام والعراق] (١١). وقد تقدم (١٢) في حديث الترمذي (١٣) "أنه يخرج بخراسان" وفي الرواية الأخرى: "من ناحية أصبهان من قرية تسمى اليهودية"، وفي حديث ابن ماجه

стр. 1303

ومسلم: "بين الشام والعراق"، "ووجه الجمع أن مبدأ خروجه من خراسان من ناحية أصبهان ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام والله أعلم" (١). و"عاث" بالعين المهملة والثاء المثلثة والتنوين على أنه اسم فاعل، وروي بفتح الثاء على أنه فعل ماض، ووقع في حديث أبي أمامة على الفعل المستقبل والكل بمعنى الفساد عاث يعيث عيثًا، فهو عاث يعني يعثى وعثا يعثو لغتان (٢)، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٣١]. [وقوله: "يا عباد الله فاثبتوا" يعني على الإسلام، يحذرهم عن فتنه؛ لأنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت] (٣). وقوله: "اقدروا له قدره"، قال القاضي عياض (٤): هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عن الأوقات المعروفة في غيره من الأيام" (٥). قلت: وكذلك الأيام القصار الحكم فيها أيضًا ما حكمه صاحب الشرع، وقد حمل بعض العلماء (٦) أن هذه الأيام الطوال ليست على ظاهرها، وإنما هي محمولة على المعنى "أي يهجم عليكم غم عظيم (٧) لشدة البلاء وأيام البلاء طوال، ثم يتناقض ذلك الغم في اليوم الثاني ثم يتناقص في اليوم الثالث، ثم يعتاد البلاء كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة ومنه قولهم (٨): … ... … ... وليل المحب بلا آخر" وقال آخر (٩):

стр. 1304

وأيام لنا غر طوال … عصينا الملك فيها أن ندينا (١) وهذا القول يرده قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم (٢)؟ قال: لا، اقدروا له قدره المعنى: "قدروا الأوقات للصلوات (٣)، وكذلك لا التفات لطعنه في صحة هذه الألفاظ، أعني قوله (٤): أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، فقال: هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا قديمًا (٥)، ولو كان صحيحًا لاشتهر على ألسنة الرواة كحديث الدجال" (٦)، ولو كان لقوي اشتهاره (٧) ولكان أعظم وأفظع من طلوع الشمس من مغربها؟ والجواب: أن هذه الألفاظ صحيحة حسب ما ذكره (٨) مسلم وحسبك به إمامًا، وقد ذكرها الترمذي من حديث النواس أيضًا وقال: حديث حسن صحيح، وخرجها أبو داود أيضًا وابن ماجه من حديث أبي أمامة وقاسم بن أصبغ من حديث جابر، وهؤلاء أئمة جلة من أئمة الحديث (٩)، وبطريق إدخال المخالفين الدسائس (١٠) على أهل العلم والتحرز والثقة بعيد لا يتلفت إليه؛ لأنه يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد (١١)، ثم إن ذلك في زمن خرق العادات" (١٢) وهذا منها. وقوله: "ممحلين" أي مجدبين، ويروى: "أزلين" والمحل والأزل والقحط والجدب بمعنى واحد، و"يعاسيب النحل": ذكورها (١٣)، واحدها: يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم

стр. 1305

طائفة من النحل فتراها جماعات في تفرقة (١) فالكنوز تتبع الدجال كذلك" (٢). وقوله: "بين مهرودتين" (٣) أي "بين شقي (٤) ثوب والشقة نصف الملاءة أو في حلتين مأخوذ من الهرد [بفتح الهاء وسكون الراء] (٥) وهو القطع والشق" (٦)، [قال ابن دريد (٧): إن ما سمي الشق هردًا للإفساد لا للصلاح. وقال يعقوب: هرد القصار الثوب، وهرته بالتاء المثناة باثنتين من فوق إذا أحرقه وحزقه] (٨)، وقال أكثرهم (٩): في ثوبين مصبوغين بالصفرة وكأنه الذي صبغ بالهرديء ووقع في بعض الروايات بدل "مهرودتين" "ممصرتين"، كذلك ذكر (١٠) أبو داود الطيالسي (١١) من حديث أبي هريرة ﵁، والممصرة (١٢) من الثياب هي المصبوغة بالصفرة" (١٣) [وليست بالمشبعة، وقال ابن الأنباري (١٤): مهرودتان بدال مهملة وذال معجمة معًا أي ممصرتين كما جاء في الحديث الآخر. وقال غيره: المهرود الذي يصبغ بالعروق التي يقال لها الهرد بضم الهاء. وقال الهروي (١٥): هرد ثوبه بالهُرد، وهو صبغ يقال له: العروق. وقال القتبي (١٦): إن كان المحفوظ بالدال فهو مأخوذ من الهرد، والهرد

стр. 1306

والهرت الشق ومعناه من شقتين، والشقة نصف الملاءة، قال: "وهذا (١) عندي خطأ من النقلة، وأراه: مهروتين (٢) أي صفراوين، يقال: هريت العمامة إذا لبستها صفراء، وكان الثلاثي منه هروت"، فخالف الجماعة من أهل اللغة فيما قالوه، وقد خطأه ابن الأنباري وقال: "إنما تقول العرب: هريت الثوب لا هروت، ولو كان من ذلك لقيل: مهراة لا مهروة، واللغة نقل ورواية لا قياس" (٣)، والعرب إنما (٤) تجوز ذلك في العمامة خاصة لا في الشقة فلا يجوز قياس الشقة في العمامة، وأما رواية الذال المعجمة فهو إبدال من رواية (٥) الدال المهملة؛ فإن الدال والذال قد يتعاقبان، فيقال: رجل مدل بالدال المهملة ومذل بالذال المعجمة إذا كان قليل اللحم خفي الشخص] (٦)، "والجمان ما استدار من اللؤلؤ والدر شبّه قطرات العرق بمستدير الجوهر وهو تشبيه واقع (٧) " (٨). "وقوله: فحرز عبادي إلى الطور"، أي ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور: الجبل بالسريانية" (٩). [قال الحافظ ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم "جوز" بالجيم والواو والزاي، و "حوز" بالحاء بالمهملة والواو والزاي. "حرز" بالحاء والراء ثم والزاي وكذا قيدته في جامع الترمذي، وقيدناه أيضًا "حدر" بدال مهملة، فأما "حرز" فهو الذي رواه أكثرهم وصحح بعضهم رواية "حوز"؛ وكلاهما صحيح لأن ما حيز فقد احترز (١٠)، وكذلك "جوز" بالجيم، وما حدر بدال مهملة (١١) فمعناه: أنزلهم إلى جهة الطرف، من حدرت الشيء فانحدر إذا أرسلته في صبب وحدور] (١٢).

стр. 1307

"والنغفة جمع نغف (١) وهو الدود الذي يكون في أنوف الإبل والغنم، وفرسى: أي هلكي [وهو جمع فرس بمعنى مفروس، مثل قتيل وقتلى، وصريع وصرعى، وأصله من فرس الذئب الشاة وأفرسها أي قتلها، كأن تلك النغف فرستهم] (٢)،، ويروى: فيصبحون موتى، والزهم: النتن، والبخت: إبل غلاظ الأعناق عظام الأجسام (٣) " (٤)، "الزلفة": المضغة الممتلئة والجمع: زلف. [وقال ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم بالفاء والقاف، وهي المرآة، كذا فسره ابن عباس، وقال اللغويان أبو زيد الأنصاري (٥) وأبو العباس الشيباني (٦)] (٧). و "اللقحة": الناقة الحلوب، و"الفئام": الجماعة من الناس، والفخذ: دون القبيلة وفوق البطن، و"الفاثور" بالفاء: الخوان يتخذ من الرخام ونحوه، قال الأغلب العجلي: إذا انجلى فاثور عين الشمس يقال: هم على فاثور واحد أي على مائدة واحدة ومنزلة واحدة، والفاثور أيضًا: موضع"، قاله الجوهري (٨). باب ما جاء أن حواري عيسى ﵇ إذا نزل: أصحاب الكهف وفي حجهم معه إسماعيل بن إسحاق قال: ثنا ابن أبي أويس قال: ثنا كثير بن عبد الله بن

стр. 1308

عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: غزونا مع رسول الله ﷺ الحديث، وقد تقدم (١) وفيه: "ولا تقوم الساعة حتى يمر (٢) عيسى ﵇ عبد الله ورسوله حاجًا أو معتمرًا أو ليجمعن الله ذلك له". قال كثير: فحدثت بهذا الحديث محمد بن كعب القرظي قال: ألا أرشدك في حديثك هذا؟ قلت: بلى، فقال: كان رجل يقرأ التوراة والإنجيل فأسلم وحسن إسلامه، فسمع هذا الحديث من بعض القوم فقال: ألا أبشركم في هذا الحديث؟ فقالوا بلى، قال: إني أشهد أنه المكتوب في التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، وأنه مكتوب في الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ابن مريم ﵇ عبد الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجًا أو معتمرًا أو يجمع الله له ذلك، فيجعل الله حواريه أصحاب الكهف والرقيم فيمرون حجاجًا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا (٣). [باب ما جاء أن عيسى إذا نزل يجد في أمة محمد صلى الله عليهما وسلم خلفًا (٤) عن حواريه ذكر الترمذي الحكيم (٥) أبو عبد الله (٦) في نوادر الأصول في الأصل الثالث والعشرين والمائة، حدثنا الفضل بن محمد الواسطي قال: ثنا إبراهيم بن الوليد بن مسلم الدمشقي قال: ثنا أبي قال: ثنا عبد الملك بن عقبة الإفريقي عن أبي يونس (٧) مولى أبي هريرة عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرًا إلى رسول الله ﷺ يوم مؤتة، فلما دخلت عليه قلت: يا رسول الله فقال: "على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد حتى قتل رحم الله زيدًا، ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل جعفر فقتل (٨)،

стр. 1309

رحم الله جعفر، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل، رحم الله عبد الله، ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد، فخالد سيف من سيوف (١) الله، فبكى أصحاب رسول الله ﷺ وهم حوله فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: وما لنا لا نبكي وقد قتل أخيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، فقال: لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فأجنب رواكبها وهيأ مساكنها، وحلق سعفها فأطعمت عامًا فوجًا، ثم عامًا فوجًا فلعل آخرها عامًا طعمًا يكون أجودها فتوانا وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفًا من حواريه". حدثنا علي بن سعيد بن مرزوق الكندي قال: ثنا عيسى بن يونس عن صفوان عن عمرو السكسكي عن عبد الرحمن بن حسين بن جبير بن نفير الحضرمي قال: لما اشتد جزع أصحاب رسول الله ﷺ على من أصيب مع زيد بن حارثة يوم مؤتة، قال رسول الله ﷺ : "ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير منكم ثلاث مرات، ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها" (٢)] (٣). باب ما جاء أن الدجال لا يضر مسلمًا البزار (٤) عن حذيفة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فذكر الدجال فقال: "لفتنة بعضكم أخوف عندي (٥) من فتنة الدجال، ليس من فتنة صغيرة ولا كبيرة إلا تضع لفتنة الدجال، فمن نجا (٦) من فتنة ما قبلها فقد نجا منها، والله لا يضر مسلمًا، مكتوب بين عينيه كافر".

стр. 1310

فصل قلت: إن قيل كيف قال في هذا (١) الحديث "لا يضر مسلمًا"، وقد قتل الرجل الذي خرج له (٢) من المدينة ونشره بالميشار (٣) وذلك أعظم الضرر؟ قلنا: ليس المراد ذلك، وإنما المعنى والله أعلم (٤) أن المسلم المحقق لا يفتنه الدجال فيرده عن دينه لما يرى عليه من سيماء الحدث، ومن لم يكن بهذه الصفة فقد فتنه وتتبعه (٥) لما يرى من الشبهات كما في الحديث المذكور في الباب قبل هذا، ويحتمل أن يكون عمومًا يخصه ذلك الحديث وغيره، والله أعلم. باب ما ذكر من ابن صياد (٦) الدجال واسمه صاف (٧) سبب خروجه وصفة أبويه وأنه على دين اليهود مسلم (٨) عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال، فقلت له: أتحلف على ذلك (٩)، قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ ، وأخرجه أبو داود في سننه (١٠). وعن نافع قال: كان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد. أخرجه أبو داود (١١) أيضًا وإسناده صحيح.

стр. 1311

مسلم (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صياد (٢) قال: فنزلنا منزلًا فتفرق الناس وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه (٣)، قال: وجاء بمتاعه فوضعه (٤) مع متاعي فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال: فرفعت (٥) لنا غنم فانطلق بعُس (٦)، فقال: اشرب أبا سعيد، فقلت: إن الحر شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أكره [أن] (٧) أشرب عن يده أو قال: آخذه عن يده، فقال: أبا سعيد من خفي عليه (٨) حديث رسول الله ﷺ ما خفي عنكم (٩) معشر الأنصار، ألست من أعلم أصحاب رسول الله (١٠) ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ (١١): هو كافر وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : هو عقيم لا يولد له وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : لا يدخل المدينة ولا مكة فقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ و (١٢) في رواية (١٣): "وقد حججت"، قال: أبو سعيد: حتى كدت أن أعذره ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم.

стр. 1312

وفي رواية (١): قال: فقيل له: أيسرك أنك ذاك (٢) الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي ما كرهت. وعن ابن عمر ﵄ قال: لقيت ابن صياد (٣) مرتين، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو قال لا والله، قال: قلت: كذبتني والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا فكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا ثم فارقته قال: فلقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى (٤)؟ قال: لا أدري، قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك، قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت، قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت (٥) قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد (٦) قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه (٧). وعنه قال: انطلق رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل (٨) أن يسمع من ابن صياد (٩) شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة (١٠)، فرأت أم ابن صياد

стр. 1313

رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: يا صاف وهو اسم ابن صياد هذا محمد، فثار ابن صياد فقال رسول الله ﷺ : لو تركتْهُ بيّن (١). وفي رواية: ثم قال له رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبئًا فقال ابن صياد: هو الدخ، فقال رسول الله ﷺ : اخسأ فلن تعلو قدرك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال (٢) رسول الله ﷺ : إن يكنه (٣) فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه (٤) فلا خير قتله" (٥). أبو داود (٦) عن جابر ﵁ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة. الترمذي (٧) عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما ولد أعور (٨) أضر شيء وأقله منفعة. تنام عينه (٩) ولا ينام قلبه ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه، فقال (١٠): أبوه طوال (١١) ضرب اللحم كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية (١٢) طويلة اليدين، قال أبو بكرة: فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة، فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه، فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما فقلنا:

стр. 1314

هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا ولد، ثم ولد لنا غلام أعور (١) أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه، قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وله همهمة، فكشف (٢) عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم تنام عيناي (٣) ولا ينام قلبي، قال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. قلت: خرّجه أبو داود الطيالسي (٤) قال: ثنا (٥) حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وروي من حديث أبي هريرة ﵁ أن يهوديًا أتى النبي ﷺ الحديث بطوله. وفي آخره (٦): قال: فأخبرني عن الدجال من (٧) ولد آدم هو أم من ولد إبليس، قال: هو من ولد آدم وأنه (٨) من ولد إبليس (٩) وهو على دينكم معشر اليهود وذكر الحديث. وقيل: إنه لم يولد بعد، وسيولد في آخر الزمان. والأول: أصح والله أعلم، وسيأتي (١٠) لهذا الباب مزيد بيان في أن الدجال ابن صياد، والله أعلم (١١).

стр. 1315

[فصل قال أبو سليمان الخطابي (١): وقد اختلف الناس في ابن صياد (٢) اختلافًا شديدًا (٣)، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول، وقد يسأل عن هذا فيقال: كيف يَقَارُّ رسول الله ﷺ من يدعي النبوة كاذبًا ويتركه بالمدينة يساكنه في داره، ويجاوره فيها؟ وما وجه امتحانه إياه بما خبأه له من آية الدخان، وقوله بعد ذلك: "اخسأ فلن تعدو قدرك". قال أبو سليمان (٤): والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت بعد أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه بعد مقدمه (٥) المدينة كتب بينه وبينهم كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجروا و [أن] (٦) يتركوا على أمرهم (٧)، وكان ابن صياد منهم أو دخيل في جملتهم، وكان يبلغ رسول الله خبره وما يدعيه من الكهانة وما يتعاطاه من الغيب فامتحنوه بذلك ليروا آية أمره ومخبر شأنه، فلما كلمه علم أنه مبطل، وأنه من جملة السحرة والكهنة، أو ممن يأتيه رئي من الجن أو يتعاهده شيطان فيلقي على لسانه بعض ما يتكلم به، فلما سمع: منه قوله (٨): الدخ، زَبَرَهُ (٩) وقال: "اخسأ فلن تعدو قدرك"، يريد أن ذلك شيء ألقاه إليه الشيطان وأجراه على لسانه، وليس ذلك من قبل الوحي السماوي إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم ويصيبون بنور قلوبهم الحق، وإنما كانت له تارات يصيب في (١٠) بعضها ويخطي في بعض، وذلك معنى قوله: "يأتيني (١١) صادق وكاذب"، فقال له عند ذلك: "خلط عليك".

стр. 1316

والجملة في أمره أنه كان فتنة امتحن الله به (١) عباده المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وقد امتحن قوم موسى في زمانه بالعجل، وافتتن به قوم وهلكوا ونجا من هداه الله وعصمه منهم، وقد (٢) اختلفت الروايات في أمر ابن صياد فيما كان من شأنه بعد كبره، فروي أنه تاب عن ذلك القول، ثم إنه مات بالمدينة، وأنه لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا (٣). قال الشيخ ﵁: الصحيح خلاف هذا لحلف جابر وعمر أن ابن صياد الدجال، وروي عن أبي ذر أنه كان يقول: هو ذلك الدجال، وروي عن ابن عمر، وقال جابر: فقدناه يوم الحرة، وهذا وما كان قبله (٤) يخالف رواية من روى أنه مات بالمدينة، والله أعلم، وسيأتي (٥) لهذا الباب مزيد بيان في أن الدجال ابن صياد عند كلامنا على خبر الجساسة إن شاء الله تعالى] (٦). باب في نقب يأجوج ومأجوج السد، وخروجهم وصفتهم وفي لباسهم وطعامهم وبيان قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ ابن ماجه (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعيده الله أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله، فاستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن

стр. 1317

الناس منهم في حصونهم فيرمون سهامهم إلى السماء، فيرجع عليها (١) الدم، الذي أحفظ (٢) فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء فيبعث الله نغفًا في أقفائهم فيقتلهم، قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم". قال الجوهري (٣): شَكَرَت الناقة (٤) [تَشْكَرُ] (٥) شَكَرًا فهي شَكِرَةٌ، واشتكر الضرع امتلأ لبنًا. [وقال كعب الأحبار: إن يأجوج ومأجوج ينقرون بمناقرهم السد حتى إذا كادوا أن يخرجوا قالوا: نرجع إليه غدًا فنفرغ منه، قال: فيرجعون إليه وقد عاد كما كان، فإذا بلغ الأمر ألقي على بعض ألسنتهم أن يقولوا: نرجع إن شاء الله غدًا فنفرغ منه، قال: فيرجعون إليه وهو كما تركوه، فيخرقونه ويخرجون، فيأتي أولهم البحيرة فيشربون ما فيها من ماء، ويأتي أوسطهم عليها فيلحسون ما كان فيها من طين، ويأتي آخرهم فيقولون: قد كان هنا ماء، ثم يرمون بنبالهم نحو السماء، فيقولون: قد قهرنا من في الأرض وظهرنا على من في السماء، قال: فيبعث الله عليهم دواب يقال له النغف، فيأخذهم في أقفائهم فيقتلهم النغف حتى تنتن حتى تنتن الأرض من ريحهم ثم يبعث الله تعالى عليهم طيرًا فتنقل أبدانهم إلى البحر، فيرسل الله السماء أربعين فتنبت الأرض حتى إن الرمانة لتشبع السكن، قيل (٦) لكعب وما السكن؟ قال: أهل البيت، قال: ثم يشبعون (٧)] (٨).

стр. 1318

وخرّج (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله (٢): ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى يصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما يذروا فيه شيئًا، فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان مرة ماء، ويظهرون على الأرض، فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم لننازلن أهل السماء حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا أهل السماء، فبينما هم كذلك إذ بعث الله (٣) دوابًا كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم، فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضًا، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسًا فيقولون: من رجل يشري (٤) نفسه وينظر ما فعلوا، فينزل إليهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى، فيناديهم ألا أبشروا فقد هلك عدوكم، فيخرج الناس ويخلون سبيل (٥) مواشيهم فما يكون لهم رعي إلا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط". وخرّج ابن ماجه (٦) وأبو بكر بن أبي شيبة (٧) واللفظ لابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵇ فتذاكروا الساعة، فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم (٨)، فرد (٩) الحديث

стр. 1319

إلى عيسى بن مريم قال: قد عهد إلي فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله . فذكر خروج الدجال قال: فأنزل فأقتله فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا شيء إلا أفسدوه فيجأرون إلى الله، فأدعو (١) الله [أن يميتهم فتنتن الأرض من ريحهم فيجأرون إلى الله فأدعو الله] (٢) فيرسل السماء بالماء فتحملهم فتلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم فعهد إلي إذا كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولدها (٣). [قال ابن أبي شيبة] (٤): ليلًا ولا (٥) نهارًا" (٦). قال العوام (٧): وجه (٨) تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾. زاد ابن أبي شيبة (٩): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. [وروي عن عمرو بن العاص قال: إن يأجوج ومأجوج ذرء جهنم ليس فيهم صديق (١٠) وهم على ثلاثة أصناف على طول الشبر وعلى طول الشبرين (١١)، وثلث منهم طوله وعرضه سواء وهم من ولد يافث بن نوح ﵇. وروي عن عطية بن حسان أنه قال: يأجوج ومأجوج أمتان في كل أمة

стр. 1320

أربعمائة ألف أمة ليس منها أمة يشبه بعضها بعضًا (١). وروي عن الأوزاعي أنه قال الأرض سبعة أجزاء فستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق (٢). وروي عن قتادة أنه قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، يعني الجزء الذي فيه سائر الخلق غير يأجوج ومأجوج: فاثنا عشر للهند والسند، وثمانية ألف (٣) للصين، وثلاثة آلاف للروم، وألف فرسخ للعرب] (٤). وذكر علي بن معبد عن أشعث بن شعبة (٥) عن أرطاة بن المنذر قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج أوحى الله إلى عيسى ﵇: إني قد أخرجت خلقًا من خلقي لا يطيقهم أحد غيري فمر بمن معك إلى جبل الطور ومعه من الذراري اثنا عشر ألفًا، قال ويأجوج ومأجوج ذرء جهنم، وهم على ثلاثة أثلاث: ثلث على طول الأرز، وثلث مربع طوله وعرضه واحد (٦) وهم أشد، وثلث يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى وهم ولد (٧) يافث بن نوح. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز (٨) طولهم مائة وعشرون ذراعًا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس (٩).

стр. 1321

[وروي أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق في الأرض، وليس الله خلق ينمى نماؤهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. في كتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم: ومنهم من له قرن وذنب وأنياب بارزة، يأكلون اللحوم نيْئَة. وقال كعب الأحبار: خلق يأجوج ومأجوج على ثلاثة أصناف: صنف أجسامهم كالأرز، وصنف أربعة أذرع طولًا، وصنف أربعة أذرع عرضًا، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى فيأكلون [مشايم] (١) نسائهم، ذكره أبو نعيم (٢). وذكر عبد الملك بن حبيب (٣): أنه قال في قول الله في قصة ذي القرنين ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [الكهف: ٨٥] يعني منازل الأرض ومعاليها وطرفيها (٤) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ يعني الجبلين الذين خلفهما يأجوج ومأجوج ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يعني كلامًا ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال عبد الملك: وهما أمتان من ولد يافث بن نوح مدّ الله لهما في العمر، وأكثر لهما في النسل حتى لا يموت الرجل من يأجوج ومأجوج حتى يولد له ألف ولد، فولد آدم كلهم عشرة أجزاء ويأجوج ومأجوج منهم تسعة أجزاء، وسائر ولد آدم كلهم واحد. قال عبد الملك: كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرض القوم الذين هم قريب منهم فلا يدعون لهم شيئًا إذا كان أخضر إلا أكلوه ولا يابسًا إلا حملوه،

стр. 1322

فقال أهل تلك الأرض لذي القرنين هل لك أن نجعل لك خرجًا، يعنون جعلًا ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ من جُعلكم ولكن ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، قالوا له وما تريد؟ قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ يعني قطع الحديد، فوضع بعضها على بعض كهيئة البناء فيما بين السدين: وهما جبلان ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يعني جانب (١) الجبلين قال: انفخوا أي أوقدوا ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ من تحته، وقال عبد الملك في قول: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ يعني نحاسًا ليلتصق، فأفرغه (٢) عليه فيدخل بعضه في بعض قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. وفي تفسير الجوني أبي الحسن: أن ذا القرنين لما عاين ذلك منهم انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ فلما أنشأ في عمله حفر له أُسًا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور وطينة النحاس: يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علّاه وصرّفه بزبر الحديد (٣) والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقًا من نحاس فصار كأنه بُردٌ محبّرٌ (٤) من صفر النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدًا إلى جماعة الإنس والجن، انتهى كلام الجوني] (٥). وعن علي (٦) ﵁ وصنف منهم في طول شبر لهم مخاليب (٧) وأنياب

стр. 1323

السباع وتداعي الحمام وتسافد البهائم وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداهما وبرة (١) يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها. وعن ابن عباس ﵁ قال: الأرض ستة أجزاء فخمسة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء فيه سائر الخلق (٢). وقال كعب الأحبار: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. قال علماؤنا (٣): وهذا (٤) فيه نظر لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يحتلمون. وقال الضحاك: هم من الترك. وقال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح، وهذا أشبه كما تقدم (٥)، والله أعلم. [وقرأ عاصم يأجوج ومأجوج بالهمز فيهما وكذلك في الأنبياء (٦) على أنهما مشتقان من أجة الحر وهي شدته وتوقده، ومنه أجيج النار، ومن قولهم: ملح أجاج، فيكونان غريبين من أج ومج ولم يصرفا؛ لأنهما جعلا اسمين لقبيلتين فهما مؤنثان معرفتان، والباقون بغير همز جعلوهما عجميين لم يصرفا للعجمة والتعريف، والله أعلم (٧)] (٨).

стр. 1324

باب ذكر الدابة وصفتها [ومتى تخرج] (١) ومن أين تخرج وكم لها من خرجة وصفة خروجها وما معها إذا خرجت، وحديث الجساسة وما فيه (٢) من ذكر الدجال، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ذكر أبو بكر البزار (٣) قال: ثنا عبد الله بن يوسف ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ أنه (٤) قال: أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس (٥) مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع، قالوا يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يصبحون فيقولون: قد كنا نتكلم بكلام ونقول (٦) قولًا فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية (٧) وذلك حين يقع القول عليهم. [قال العلماء (٨): معنى وقع القول عليهم، أي وجب الوعيد عليهم، فتماديهم في العصيان والفسوق (٩) والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله تعالى، وتركهم تدبرها، والنزول على حكمها وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجع معه فيه موعظة ولا يصرفهم عن غيهم تذكرة، يقول عز من قائل فإذا صاروا كذلك ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] أي دابة تعقل وتنطق، وذلك والله أعلم ليقع لهم العلم؛ بأنه آية من قبل الله تعالى ضرورة؛ فإن الدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل] (١٠).

стр. 1325

ابن ماجه (١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى (٢) موضع بالبادية قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ : تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا فتر في شبر قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين (٣) فأرانا عصا له فإذا هو بعصاي هذا كذا وكذا (٤) ". الفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحها، قاله الجوهري (٥). وخرّج ابن ماجه (٦) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران فتجلو وجه المؤمن بالعصا (٧) وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول (٨) هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر"، وأخرجه الترمذي (٩) وقال: حديث حسن. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده (١٠) عن حذيفة قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: "لها ثلاث خرجات من الدهر: فتخرج في أقصى (١١) البادية، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة (١٢) ثم تمكث زمانًا طويلًا (١٣)، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشوا ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية يعني (١٤)

стр. 1326

مكة (١)، قال رسول الله ﷺ : "بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لن ترعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس منها شتى ومعًا ويثبت عصابة من المؤمنين،، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت فجلت وجوههم حتى جعلتها كالكوكب الدري، وولت في الأرض (٢) لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي، وحتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقضِ حقي". وقد قيل: إنها تسم وجوه الفريقين بالنفخ فتنقش (٣) في وجه المؤمن مؤمن، وفي وجه الكافر كافر (٤) ". [قال الشيخ ﵁: ولا يبعد أن تظهر السمة وتتبين (٥) بالنفخ فيجتمع عليه الأمرين (٦)، وعلى هذا لا تعارض، والله أعلم] (٧). وذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: ثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر وسئل عنه يحيى بن معين فقال: ثقة، عن عطية العوفي عن ابن عمر ﵄ قال: تخرج الدابة من صدع من (٨) الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها. وذكر الميانشي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: دابة الأرض تخرج من جياد، فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد وهي دابة ذات وبر وقوائم".

стр. 1327

[وروي من حديث هشام بن يوسف القاضي أبي عبد الرحمن الصنعاني عن رباح بن عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بئس الشعب جياد، قالوا: وفيما ذلك يا رسول الله؟ قال: تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين (١) الخافقين. لم يتابع رباح على هذا، خرّج الحديث أبو أحمد بن عدي (٢) الجرجاني ﵀. وعن عمرو بن العاص قال: تخرج الدابة من مكة من شجرة وذلك في أيام الحج فيبلغ رأسها السحاب، وما خرجت رجلاها بعد من التراب، ذكره القتبي في عيون الأخبار] (٣). فصل هذه الأحاديث وما تقدم (٤) من ذكر العلماء (٥) في الدابة (٦)، ترد قول من قال من المفسرين المتأخرين إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم؛ لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. قال شيخنا أبو العباس (٧): وعلى هذا فلا يكون في ذلك (٨) آية خاصة (٩) خارقة للعادة (١٠)، ولا تكون من جملة العشر الآيات (١١) المذكورة في

стр. 1328

الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة فلا ينبغي أن تذكر مع العشر. قلت: فساد ما قاله هذا المتأخر واضح (١) وأقوال المفسرين بخلافه (٢) [وأنه خلق عظيم، ثم (٣) يخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد، فتسم المؤمن فينير وجهه، يكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه، ويكتب بين عينيه كافر] (٤). قال عبد الله بن عمرو: تخرج الدابة من جبل الصفا بمكة يتصدع فتخرج منه (٥). وقال عبد الله بن عمرو نحوه. وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت (٦). وروي عن قتادة: أنها تخرج من (٧) تهامة (٨). وروي: أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح ﵇. وقيل: من أرض الطائف. وروي عن ابن عمر (٩) أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب وقوائمها في الأرض. وروي عن ابن الزبير أنها جمعت من خلق كل حيوان، فرأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر (١٠)، وذنبها ذنب

стр. 1329

كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعًا، ذكره الثعلبي والماوردي (١) [وغيرهما (٢)] (٣). وحكى النقاش عن ابن عباس أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة (٤). ويروى (٥) أنها دابة مزغبة شعرًا ذات قوائم، طولها ستون ذراعًا (٦). ويقال: إنها الجساسة في حديث (٧) فاطمة بنت قيس، الحديث (٨) أخرجه مسلم وذكره الترمذي وأبو داود (٩) مختصرًا والسياق لمسلم (١٠) وفيه: ثم قال رسول الله ﷺ : "أتدرون لما جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكنني (١١) جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرًا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر حيث مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب (١٢) السفينة فدخلوا (١٣) الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر". وقال الترمذي: "إن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر فجالت بهم حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر فإذا هم بدابة لباسة (١٤) ناشرة

стр. 1330

شعرها، فقالوا ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة"، وذكر الحديث - رجع سياق مسلم - فقالوا (١): ويلك ما أنت قالت أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمَّت لنا رجلًا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقًا وأشده وثاقًا، مجموعة يداه (٢) إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد". وقال الترمذي: "فإذا رجل موثق بسلسلة". وقال أبو داود: "فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما (٣) بين السماء والأرض". "قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني (٤) ما أنتم؟ قالوا: نحن ناس [من العرب] (٥) ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر قد اغتلم، فلعب الموج بنا [شهرًا] (٦) ثم أرفأنا (٧) إلى جزيرتك (٨) هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر لا ندري (٩) ما قُبُله من دُبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت أنا الجساسة، فقلنا: وما الجساسة؟ قالت (١٠): اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم

стр. 1331

بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن نخل (١) بَيْسان. وقال الترمذي: "الذي بين الأردن وفلسطين". "قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر (٢)؟ قلنا له: نعم، قال: أما أنه يوشك أن (٣) لا يثمر، قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية (٤)؟ قلنا: عن أي شأنها (٥) تستخبر؟ قال (٦): هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما أن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا عن أي شأنها تستخبر؟ قال (٧): هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم قال كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب فأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك، قلنا: نعم، قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه (٨) وإني مخبركم عني أنا المسيح، وأني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطَيْبة هما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما (٩) استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وأن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة هذه طيبة، يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم، قال (١٠): فإنه أعجبني

стр. 1332

حديث تميم الداري فإنه وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو؟ وأومأ بيده إلى المشرق، قال: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ . [وقد خرّج ابن ماجه (١) حديث فاطمة بنت قيس قالت: صلى رسول الله ﷺ يوم وصعد المنبر وكان لا يصعد عليه قبل ذلك إلا يوم الجمعة فاشتد ذلك على الناس فمن بين قائم وجالس، فأشار إليهم بيده أن اقعدوا فإني والله ما قمت مقامي (٢) لأمر ينقصكم لرغبة ولا لرهبة ولكن تميم الداري أتاني فأخبرني خبرًا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم ﷺ ألا إن ابن عم لتميم الداري أخبرني أن الريح ألجأتهم إلى جزيرة لا يعرفوها فقعدوا في قوارب السفينة فخرجوا بها فإذا هم بشيء أهدب أسود كثير الشعر، قالوا له: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قالوا: أخبرينا؟ قالت: ما أنا بمخبرتكم شيئًا ولا سائلتكم، ولكن هذا الدير قد رمقتموه فأتوه فإن فيه رجلًا بالأشواق إلى أن تخبروه ويخبركم، فأتوه فدخلوا عليه فإذا هم بشيخ موثق شديد الوثاق يظهر الحزن، شديد التشكي، فقال لهم: من أين؟ فقالوا: من الشام، فقال: ما فعلت العرب؟ قالوا: نحن قوم من العرب عمّ تسأل؟ قال: ما فعل الرجل الذي خرج فيكم؟ قالوا: خيرًا ناوى قومًا (٣) فأظهره الله عليهم فأمرهم اليوم جميع إلههم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد. قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: خيرًا يسقون منها زروعهم ويسقون منها لسقيهم، قال: ما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم ثمره كل [عام] (٤)، قال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قالوا: تدفق بجنباتها من كثرة الماء، قال: فزفر ثلاث زفرات،

стр. 1333

ثم قال: لو انفلت من وثاقي هذا لم أدع أرضًا إلا وطئتها برجلي هاتين إلا طيبة ليس لي عليها سبيل. قال النبي ﷺ : إلى هذا انتهى فرحي، هذه طيبة، والذي نفسي بيده ما فيها طريق ضيق ولا واسع، ولا سهل ولا جبل إلا وعليه ملك شاهر سيفه إلى يوم القيامة". قال الشيخ ﵁: هذا حديث صحيح، وقد خرجه مسلم والترمذي وأبو داود (١) وغيرهم ﵁] (٢). وقد قيل: إن الدابة التي تخرج هو الفصيل الذي كان لناقة صالح ﵇، فلما قتلت الناقة هرب الفصيل بنفسه فانفتح له حجر فدخل في جوفه (٣)، ثم انطبق عليه الحجر (٤) فهو فيه إلى وقت خروجه حتى يخرج بإذن الله تعالى. قلت: ويدل على هذا القول حديث حذيفة المذكور في هذا الكتاب ومنه (٥): وهي ترغو، الرغاء (٦): إنما هو (٧) للإبل، والله أعلم. ولقد أحسن من قال (٨): واذكر خروج فصيل ناقة صالح … تسم الورى بالكفر والإيمان فصل وقد استدل من قال من العلماء: إن الدجال ليس ابن صياد بحديث الجساسة وما كان في معناه، والصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم (٩)، ولا يبعد أن يكون بالجزيرة ذلك الوقت ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر إلى أن فقدوه يوم الحرة. وفي كتاب أبي داود في خبر الجساسة من

стр. 1334

حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال (١): شهد جابر لهو (٢) ابن صياد (٣).

стр. 1335

قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات؟ قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم؟ قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. قال (١): وذكر سيف بن عمر (٢) في كتاب الفتوح والردة: ولما نزل أبو سبرة (٣) في الناس على السوس وأحاط المسلمون بها وعليهم الشهربان (٤) أخو الهرمزان ناوشوهم القتال كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين، فأشرف عليهم يومًا الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بالحصار، قال: وصاف ابن صياد يومئذ مع النعمان في جند فأتى باب السوس غضبان، فدقه برجله، وقال: انفتح فطار فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون، وقصته مع أبي سعيد وقوله: والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن.
следующие страницы →